تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
( ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ ( 75 ) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ( 76 ) قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ ( 77 ) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ( 78 ) )
يَقُولُ تَعَالَى : ( ثُمَّ بَعَثْنَا ) مِنْ بَعْدِ تِلْكَ الرُّسُلِ ( مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ) أَيْ : قَوْمِهِ . ( بِآيَاتِنَا ) أَيْ : حُجَجِنَا وَبَرَاهِينِنَا ، ( فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ ) أَيْ : اسْتَكْبَرُوا عَنِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ وَالِانْقِيَادِ لَهُ ، ( فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ) كَأَنَّهُمْ - قَبَّحَهُمُ اللَّهُ - أَقْسَمُوا عَلَى ذَلِكَ ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ مَا قَالُوهُ كَذِبٌ وَبُهْتَانٌ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ) [ النَّمْلِ : 14 ] .
( قَالَ ) لَهُمْ ( مُوسَى ) مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ : ( أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا ) أَيْ : تَثْنِينَا ( عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ) أَيْ : الدِّينُ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ ، ( وَتَكُونَ لَكُمَا ) أَيْ : لَكَ وَلِهَارُونَ ( الْكِبْرِيَاءُ ) أَيْ : الْعَظَمَةُ وَالرِّيَاسَةُ ( فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ) .
وَكَثِيرًا مَا يَذْكُرُ اللَّهُ تَعَالَى قِصَّةَ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، مَعَ فِرْعَوْنَ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَعْجَبِ الْقِصَصِ ، فَإِنَّ فِرْعَوْنَ حُذِّرَ مِنْ مُوسَى كُلَّ الْحَذَرِ ، فَسَخَّرَهُ الْقَدَرُ أَنْ رَبَّى هَذَا الَّذِي يُحَذَّرُ 286 مِنْهُ عَلَى فِرَاشِهِ وَمَائِدَتِهِ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ ، ثُمَّ تَرَعْرَعَ وَعَقَدَ اللَّهُ لَهُ سَبَبًا أَخْرَجَهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ ، وَرَزَقَهُ النُّبُوَّةَ وَالرِّسَالَةَ وَالتَّكْلِيمَ ، وَبَعَثَهُ إِلَيْهِ لِيَدْعُوَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِيَعْبُدَهُ وَيَرْجِعَ إِلَيْهِ ، هَذَا مَعَ مَا كَانَ عَلَيْهِ فِرْعَوْنُ مِنْ عَظَمَةِ الْمَمْلَكَةِ وَالسُّلْطَانِ ، فَجَاءَهُ بِرِسَالَةِ اللَّهِ ، وَلَيْسَ لَهُ وَزِيرٌ سِوَى أَخِيهِ هَارُونَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَتَمَرَّدَ فِرْعَوْنُ وَاسْتَكْبَرَ وَأَخَذَتْهُ الْحَمِيَّةُ ، وَالنَّفْسُ الْخَبِيثَةُ الْأَبِيَّةُ ، وَقَوَّى رَأَسَهُ وَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ ، وَادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ ، وَتَجَهْرَمَ عَلَى اللَّهِ ، وَعَتَا وَبَغَى وَأَهَانَ حِزْبَ الْإِيمَانِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَحْفَظُ رَسُولَهُ مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ ، وَيَحُوطُهُمَا ، بِعِنَايَتِهِ ، وَيَحْرُسُهُمَا بِعَيْنِهِ الَّتِي لَا تَنَامُ ، وَلَمْ تَزَلِ الْمُحَاجَّةُ وَالْمُجَادَلَةُ وَالْآيَاتُ تَقُومُ عَلَى يَدَيْ مُوسَى شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ، وَمَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ، مِمَّا يُبْهِرُ الْعُقُولَ وَيُدْهِشُ الْأَلْبَابَ ، مِمَّا لَا يَقُومُ لَهُ شَيْءٌ ، وَلَا يَأْتِي بِهِ إِلَّا مَنْ هُوَ مُؤَيَّدٌ مِنَ اللَّهِ ، وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا ، وَصَمَّمَ فِرْعَوْنُ وَمَلَؤُهُ - قَبَّحَهُمُ اللَّهُ - عَلَى التَّكْذِيبِ بِذَلِكَ كُلِّهِ ، وَالْجَحَدِ وَالْعِنَادِ وَالْمُكَابَرَةِ ، حَتَّى أَحَلَّ اللَّهُ بِهِمْ بَأْسَهُ الَّذِي لَا يُرَدُّ ، وَأَغْرَقَهُمْ فِي صَبِيحَةٍ وَاحِدَةٍ أَجْمَعِينَ ، ( فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) [ الْأَنْعَامِ : 45 ] .
يَقُولُ تَعَالَى : ( ثُمَّ بَعَثْنَا ) مِنْ بَعْدِ تِلْكَ الرُّسُلِ ( مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ) أَيْ : قَوْمِهِ . ( بِآيَاتِنَا ) أَيْ : حُجَجِنَا وَبَرَاهِينِنَا ، ( فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ ) أَيْ : اسْتَكْبَرُوا عَنِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ وَالِانْقِيَادِ لَهُ ، ( فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ) كَأَنَّهُمْ - قَبَّحَهُمُ اللَّهُ - أَقْسَمُوا عَلَى ذَلِكَ ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ مَا قَالُوهُ كَذِبٌ وَبُهْتَانٌ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ) [ النَّمْلِ : 14 ] .
( قَالَ ) لَهُمْ ( مُوسَى ) مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ : ( أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا ) أَيْ : تَثْنِينَا ( عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ) أَيْ : الدِّينُ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ ، ( وَتَكُونَ لَكُمَا ) أَيْ : لَكَ وَلِهَارُونَ ( الْكِبْرِيَاءُ ) أَيْ : الْعَظَمَةُ وَالرِّيَاسَةُ ( فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ) .
وَكَثِيرًا مَا يَذْكُرُ اللَّهُ تَعَالَى قِصَّةَ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، مَعَ فِرْعَوْنَ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَعْجَبِ الْقِصَصِ ، فَإِنَّ فِرْعَوْنَ حُذِّرَ مِنْ مُوسَى كُلَّ الْحَذَرِ ، فَسَخَّرَهُ الْقَدَرُ أَنْ رَبَّى هَذَا الَّذِي يُحَذَّرُ 286 مِنْهُ عَلَى فِرَاشِهِ وَمَائِدَتِهِ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ ، ثُمَّ تَرَعْرَعَ وَعَقَدَ اللَّهُ لَهُ سَبَبًا أَخْرَجَهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ ، وَرَزَقَهُ النُّبُوَّةَ وَالرِّسَالَةَ وَالتَّكْلِيمَ ، وَبَعَثَهُ إِلَيْهِ لِيَدْعُوَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِيَعْبُدَهُ وَيَرْجِعَ إِلَيْهِ ، هَذَا مَعَ مَا كَانَ عَلَيْهِ فِرْعَوْنُ مِنْ عَظَمَةِ الْمَمْلَكَةِ وَالسُّلْطَانِ ، فَجَاءَهُ بِرِسَالَةِ اللَّهِ ، وَلَيْسَ لَهُ وَزِيرٌ سِوَى أَخِيهِ هَارُونَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَتَمَرَّدَ فِرْعَوْنُ وَاسْتَكْبَرَ وَأَخَذَتْهُ الْحَمِيَّةُ ، وَالنَّفْسُ الْخَبِيثَةُ الْأَبِيَّةُ ، وَقَوَّى رَأَسَهُ وَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ ، وَادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ ، وَتَجَهْرَمَ عَلَى اللَّهِ ، وَعَتَا وَبَغَى وَأَهَانَ حِزْبَ الْإِيمَانِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَحْفَظُ رَسُولَهُ مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ ، وَيَحُوطُهُمَا ، بِعِنَايَتِهِ ، وَيَحْرُسُهُمَا بِعَيْنِهِ الَّتِي لَا تَنَامُ ، وَلَمْ تَزَلِ الْمُحَاجَّةُ وَالْمُجَادَلَةُ وَالْآيَاتُ تَقُومُ عَلَى يَدَيْ مُوسَى شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ، وَمَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ، مِمَّا يُبْهِرُ الْعُقُولَ وَيُدْهِشُ الْأَلْبَابَ ، مِمَّا لَا يَقُومُ لَهُ شَيْءٌ ، وَلَا يَأْتِي بِهِ إِلَّا مَنْ هُوَ مُؤَيَّدٌ مِنَ اللَّهِ ، وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا ، وَصَمَّمَ فِرْعَوْنُ وَمَلَؤُهُ - قَبَّحَهُمُ اللَّهُ - عَلَى التَّكْذِيبِ بِذَلِكَ كُلِّهِ ، وَالْجَحَدِ وَالْعِنَادِ وَالْمُكَابَرَةِ ، حَتَّى أَحَلَّ اللَّهُ بِهِمْ بَأْسَهُ الَّذِي لَا يُرَدُّ ، وَأَغْرَقَهُمْ فِي صَبِيحَةٍ وَاحِدَةٍ أَجْمَعِينَ ، ( فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) [ الْأَنْعَامِ : 45 ] .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith