تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
page 697 · printed p. 229
( لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ( 117 ) )
قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ خَرَجُوا إِلَيْهَا فِي شِدَّةٍ مِنَ الْأَمْرِ فِي سَنَةٍ مُجْدِبَةٍ وَحَرٍّ شَدِيدٍ ، وَعُسْرٍ مِنَ الزَّادِ وَالْمَاءِ .
قَالَ قَتَادَةُ : خَرَجُوا إِلَى الشَّامِ عَامَ تَبُوكَ فِي لَهَبَانِ الْحَرِّ ، عَلَى مَا يَعْلَمُ اللَّهُ مِنَ الْجَهْدِ ، أَصَابَهُمْ فِيهَا جَهْدٌ شَدِيدٌ ، حَتَّى لَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الرَّجُلَيْنِ كَانَا يَشُقَّانِ التَّمْرَةَ بَيْنَهُمَا ، وَكَانَ النَّفَرُ يَتَدَاوَلُونَ التَّمْرَةَ بَيْنَهُمْ ، يَمُصُّهَا هَذَا ، ثُمَّ يَشْرَبُ عَلَيْهَا ، ثُمَّ يَمُصُّهَا هَذَا ، ثُمَّ يَشْرَبُ عَلَيْهَا ، [ ثُمَّ يَمُصُّهَا هَذَا ، ثُمَّ يَشْرَبُ عَلَيْهَا ] فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَأَقْفَلَهُمْ مِنْ غَزْوَتِهِمْ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي عُتْبَةَ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ؛ أَنَّهُ قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي شَأْنِ الْعُسْرَةِ ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : ۝ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى تَبُوكَ فِي قَيْظٍ شَدِيدٍ ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فَأَصَابَنَا فِيهِ عَطَشٌ ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّ رِقَابَنَا سَتَنْقَطِعُ [ حَتَّى إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَذْهَبُ يَلْتَمِسُ الْمَاءَ ، فَلَا يَرْجِعُ حَتَّى يَظُنَّ أَنَّ رَقَبَتَهُ سَتَنْقَطِعُ ] حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْحَرُ بَعِيرَهُ فَيَعْصِرُ فَرْثَهُ فَيَشْرَبُهُ ، وَيَجْعَلُ مَا بَقِيَ عَلَى كَبِدِهِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ، قَدْ عَوَّدَكَ فِي الدُّعَاءِ خَيْرًا ، فَادْعُ لَنَا . قَالَ : " تُحِبُّ ذَلِكَ " . قَالَ : نَعَمْ ! فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَلَمْ 229 يُرْجِعْهُمَا حَتَّى مَالَتِ السَّمَاءُ فَأَظَلَّتْ ثُمَّ سَكَبَتْ ، فَمَلَؤُوا مَا مَعَهُمْ ، ثُمَّ ذَهَبْنَا نَنْظُرُ فَلَمْ نَجِدْهَا جَاوَزَتِ الْعَسْكَرَ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي قَوْلِهِ : ( لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ ) أَيْ : مِنَ النَّفَقَةِ وَالظَّهْرِ وَالزَّادِ وَالْمَاءِ ، ( مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ) أَيْ : عَنِ الْحَقِّ وَيَشُكُّ فِي دِينِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَرْتَابُ ، بِالَّذِي نَالَهُمْ مِنَ الْمَشَقَّةِ وَالشِّدَّةِ فِي سَفَرِهِ وَغَزْوِهِ ، ( ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ) يَقُولُ : ثُمَّ رَزَقَهُمُ الْإِنَابَةَ إِلَى رَبِّهِمْ ، وَالرُّجُوعَ إِلَى الثَّبَاتِ عَلَى دِينِهِ ، ( إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith