تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
page 645 · printed p. 138
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ( 34 ) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ( 35 ) )
قَالَ السُّدِّيُّ : الْأَحْبَارُ مِنَ الْيَهُودِ ، وَالرُّهْبَانُ مِنَ النَّصَارَى .
وَهُوَ كَمَا قَالَ ، فَإِنَّ الْأَحْبَارَ هُمْ عُلَمَاءُ الْيَهُودِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ) [ الْمَائِدَةِ : 63 ] 138 وَالرُّهْبَانُ : عُبَّادُ النَّصَارَى ، وَالْقِسِّيسُونَ : عُلَمَاؤُهُمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ) [ الْمَائِدَةِ : 82 ] .
وَالْمَقْصُودُ : التَّحْذِيرُ مِنْ عُلَمَاءِ السُّوءِ وَعُبَّادِ الضَّلَالِ كَمَا قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ : مَنْ فَسَدَ مِنْ عُلَمَائِنَا كَانَ فِيهِ شَبَهٌ مِنَ الْيَهُودِ ، وَمَنْ فَسَدَ مِنْ عُبَّادِنَا كَانَ فِيهِ شَبَهٌ مِنَ النَّصَارَى . وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : ۝ لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ . قَالُوا : الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى ؟ قَالَ : فَمَنْ ؟ . وَفِي رِوَايَةٍ : فَارِسَ وَالرُّومَ ؟ قَالَ : وَمَنِ النَّاسُ إِلَّا هَؤُلَاءِ ؟ .
وَالْحَاصِلُ : التَّحْذِيرُ مِنَ التَّشَبُّهِ بِهِمْ فِي أَحْوَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ) وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَأْكُلُونَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ وَمَنَاصِبِهِمْ وَرِيَاسَتِهِمْ فِي النَّاسِ ، يَأْكُلُونَ أَمْوَالَهُمْ بِذَلِكَ ، كَمَا كَانَ لِأَحْبَارِ الْيَهُودِ عَلَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ شَرَفٌ ، وَلَهُمْ عِنْدُهُمْ خَرْجٌ وَهَدَايَا وَضَرَائِبُ تَجِيءُ إِلَيْهِمْ ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - اسْتَمَرُّوا عَلَى ضَلَالِهِمْ وَكُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ ، طَمَعًا مِنْهُمْ أَنْ تَبْقَى لَهُمْ تِلْكَ الرِّيَاسَاتُ ، فَأَطْفَأَهَا اللَّهُ بِنُورِ النُّبُوَّةِ ، وَسَلَبَهُمْ إِيَّاهَا ، وَعَوَّضَهُمْ بِالذِّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ ، وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) أَيْ : وَهُمْ مَعَ أَكْلِهِمُ الْحَرَامَ يَصُدُّونَ النَّاسَ عَنِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ ، وَيُلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ ، وَيُظْهِرُونَ لِمَنِ اتَّبَعَهُمْ مِنَ الْجَهَلَةِ أَنَّهُمْ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ، وَلَيْسُوا كَمَا يَزْعُمُونَ ، بَلْ هُمْ دُعَاةٌ إِلَى النَّارِ ، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ .
وَقَوْلُهُ : ( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) هَؤُلَاءِ هُمُ الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ رُءُوسِ النَّاسِ ، فَإِنَّ النَّاسَ عَالَةٌ عَلَى الْعُلَمَاءِ وَعَلَى الْعُبَّادِ وَعَلَى أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ ، فَإِذَا فَسَدَتْ أَحْوَالُ هَؤُلَاءِ فَسَدَتْ أَحْوَالُ النَّاسِ ، كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ :
﴿﴾ وَهَلْ أفْسَدَ الدِّينَ إِلَّا الْمُلُوكُ ﴿﴾ ﴿﴾ وَأَحْبَارُ سُوءٍ وَرُهْبَانُهَا ؟ ﴿﴾ وَأَمَّا الْكَنْزُ فَقَالَ مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : هُوَ الْمَالُ الَّذِي لَا تُؤَدَّى مِنْهُ الزَّكَاةُ .
وَرَوَى الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : مَا أُدِّيَ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ وَإِنْ كَانَ تَحْتَ سَبْعِ أَرَضِينَ ، وَمَا كَانَ ظَاهِرًا لَا تُؤَدَّى زَكَاتُهُ فَهُوَ كَنْزٌ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ 139 عَبَّاسٍ ، وَجَابِرٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، نَحْوَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - : ۝ أَيُّمَا مَالٍ أَدَّيْتَ زَكَاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ وَإِنْ كَانَ مَدْفُونًا فِي الْأَرْضِ ، وَأَيُّمَا مَالٍ لَمْ تُؤَدِّ زَكَاتَهُ فَهُوَ كَنْزٌ يُكْوَى بِهِ صَاحِبُهُ وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ .
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، فَقَالَ : هَذَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الزَّكَاةُ ، فَلَمَّا نَزَلَتْ جَعَلَهَا اللَّهُ طُهْرًا لِلْأَمْوَالِ .
وَكَذَا قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَعِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ : نَسَخَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى : ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ) [ التَّوْبَةِ : 103 ] .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّهُ قَالَ : حِلْيَةُ السُّيُوفِ مِنَ الْكَنْزِ ، مَا أُحَدِّثُكُمْ إِلَّا مَا سَمِعْتُ .
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى ، عَنْ جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : أَرْبَعَةُ آلَافٍ فَمَا دُونَهَا نَفَقَةٌ ، فَمَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْهُ فَهُوَ كَنْزٌ .
وَهَذَا غَرِيبٌ . وَقَدْ جَاءَ فِي مَدْحِ التَّقَلُّلِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَذَمِّ التَّكَثُّرِ مِنْهُمَا أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ ؛ وَلْنُورِدْ مِنْهَا هُنَا طَرَفًا يَدُلُّ عَلَى الْبَاقِي ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، أَخْبَرَنِي أَبُو حَصِينٍ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى ، عَنْ جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي قَوْلِهِ : ( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) ۝ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : تَبًّا لِلذَّهَبِ ، تَبًّا لِلْفِضَّةِ يَقُولُهَا ثَلَاثًا ، قَالَ : فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالُوا : فَأَيُّ مَالٍ نَتَّخِذُ ؟ فَقَالَ : عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَا أَعْلَمُ لَكُمْ ذَلِكَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ أَصْحَابَكَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمْ [ وَ ] قَالُوا : فَأَيُّ مَالٍ نَتَّخِذُ ؟ قَالَ : لِسَانًا ذَاكِرًا ، وَقَلْبًا شَاكِرًا وَزَوْجَةً تُعِينُ أَحَدَكُمْ عَلَى دِينِهِ .
حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، حَدَّثَنِي سَالِمٌ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْهُذَيْلِ ، حَدَّثَنِي صَاحِبٌ لِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : تَبًّا لِلذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ . قَالَ : فَحَدَّثَنِي صَاحِبِي أَنَّهُ انْطَلَقَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَوْلُكُ : تَبًّا لِلذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، مَاذَا نَدَّخِرُ ؟ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لِسَانًا ذَاكِرًا ، وَقَلْبًا شَاكِرًا ، وَزَوْجَةً تُعِينُ عَلَى الْآخِرَةِ .
140 حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، ۝ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ : لَمَّا نَزَلَ فِي الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ مَا نَزَلَ قَالُوا : فَأَيُّ الْمَالِ نَتَّخِذُ ؟ قَالَ [ عُمَرُ : أَنَا أَعْلَمُ ذَلِكَ لَكُمْ فَأَوْضَعَ عَلَى بَعِيرٍ فَأَدْرَكَهُ ، وَأَنَا فِي أَثَرِهِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ الْمَالِ نَتَّخِذُ ؟ قَالَ ] لِيَتَّخِذْ أَحَدُكُمْ قَلْبًا شَاكِرًا وَلِسَانًا ذَاكِرًا وَزَوْجَةً تُعِينُ أَحَدَكُمْ فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ .
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ ، وَحُكِيَ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ سَالِمًا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ ثَوْبَانَ .
قُلْتُ : وَلِهَذَا رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْهُ مُرْسَلًا واللَّهُ أَعْلَمُ .
حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَالِكٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَعْلَى الْمُحَارِبِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَامِعٍ الْمُحَارِبِيُّ ، عَنْ عُثْمَانَ أَبِي الْيَقْظَانِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، ۝ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ) الْآيَةَ ، كَبُرَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، وَقَالُوا : مَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَّا أَنْ يَتْرُكَ لِوَلَدِهِ مَا لَا يَبْقَى بَعْدَهُ . فَقَالَ عُمَرُ : أَنَا أَفُرِّجُ عَنْكُمْ . فَانْطَلَقَ عُمَرُ وَاتَّبَعَهُ ثَوْبَانُ ، فَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، إِنَّهُ قَدْ كَبُرَ عَلَى أَصْحَابِكَ هَذِهِ الْآيَةَ . فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضِ الزَّكَاةَ إِلَّا لِيُطَيِّبَ بِهَا مَا بَقِيَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ ، وَإِنَّمَا فَرَضَ الْمَوَارِيثَ مِنْ أَمْوَالٍ تَبْقَى بَعْدَكُمْ . قَالَ : فَكَبَّرَ عُمَرُ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَلَا أُخْبِرُكَ بِخَيْرِ مَا يَكْنِزُ الْمَرْءُ ؟ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ الَّتِي إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ ، وَإِذَا أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ ، وَإِذَا غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ يَعْلَى ، بِهِ ، وَقَالَ الْحَاكِمُ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ .
حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا رَوْحٌ ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، ۝ عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ قَالَ : كَانَ شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي سَفَرٍ ، فَنَزَلَ مَنْزِلًا ، فَقَالَ لِغُلَامِهِ : ائْتِنَا بِالشَّفْرَةِ نَعْبَثْ بِهَا . فَأَنْكَرْتُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : مَا تَكَلَّمْتُ بِكَلِمَةٍ مُنْذُ أَسْلَمْتُ إِلَّا وَأَنَا أَخْطِمُهَا وَأَزُمُّهَا غَيْرَ كَلِمَتِي هَذِهِ ، فَلَا تَحْفَظُونَهَا عَلَيَّ ، وَاحْفَظُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إِذَا كَنَزَ النَّاسُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ فَاكْنِزُوا هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ : اللَّهُمَّ ، إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ ، وَأَسْأَلُكَ حُسْنَ عِبَادَتِكَ ، وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا ، وَأَسْأَلُكَ لِسَانًا صَادِقًا ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَمُ ، إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ .
141 وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ) أَيْ : يُقَالُ لَهُمْ هَذَا الْكَلَامُ تَبْكِيتًا وَتَقْرِيعًا وَتَهَكُّمًا ، كَمَا فِي قَوْلِهِ : ( ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ) [ الدُّخَانِ : 48 ، 49 ] أَيْ : هَذَا بِذَاكَ ، وَهُوَ الَّذِي كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ لِأَنْفُسِكُمْ ؛ وَلِهَذَا يُقَالُ : مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا وَقَدَّمَهُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ ، عُذِّبَ بِهِ . وَهَؤُلَاءِ لَمَّا كَانَ جَمْعُ هَذِهِ الْأَمْوَالِ آثَرَ عِنْدَهُمْ مِنْ رِضَا اللَّهِ عَنْهُمْ ، عُذِّبُوا بِهَا ، كَمَا كَانَ أَبُو لَهَبٍ - لَعَنَهُ اللَّهُ - جَاهِدًا فِي عَدَاوَةِ الرَّسُولِ ، صَلَوَاتُ اللَّهِ [ وَسَلَامُهُ ] عَلَيْهِ ، وَامْرَأَتُهُ تُعِينُهُ فِي ذَلِكَ ، كَانَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَوْنًا عَلَى عَذَابِهِ أَيْضًا ( فِي جِيدِهَا ) أَيْ : [ فِي ] عُنُقِهَا ( حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ) [ الْمَسَدِ : 5 ] أَيْ : تَجْمَعُ مِنَ الْحَطَبِ فِي النَّارِ وَتُلْقِي عَلَيْهِ ، لِيَكُونَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي عَذَابِهِ مِمَّنْ هُوَ أَشْفَقُ عَلَيْهِ - كَانَ - فِي الدُّنْيَا ، كَمَا أَنَّ هَذِهِ الْأَمْوَالَ لَمَّا كَانَتْ أَعَزَّ الْأَشْيَاءِ عَلَى أَرْبَابِهَا ، كَانَتْ أَضَرَّ الْأَشْيَاءِ عَلَيْهِمْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ ، فَيُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ - وَنَاهِيكَ بِحَرِّهَا - فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ .
قَالَ سُفْيَانُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ : وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ ، لَا يُكْوَى عَبْدٌ بِكَنْزٍ فَيَمَسُّ دِينَارٌ دِينَارًا ، وَلَا دِرْهَمٌ دِرْهَمًا ، وَلَكِنْ يُوَسَّعُ جِلْدُهُ ، فَيُوضَعُ كُلُّ دِينَارٍ وَدِرْهَمٍ عَلَى حِدَتِهِ .
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ، وَلَا يَصِحُّ رَفْعُهُ ، واللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ الْكَنْزَ يَتَحَوَّلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا يَتْبَعُ صَاحِبَهُ وَهُوَ يَفِرُّ مِنْهُ ، وَيَقُولُ : أَنَا كَنْزُكَ ! لَا يُدْرِكُ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا أَخَذَهُ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ ثَوْبَانَ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ : ۝ مَنْ تَرَكَ بَعْدَهُ كَنْزًا مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ ، يَتْبَعُهُ ، يَقُولُ : وَيْلَكَ مَا أَنْتَ ؟ فَيَقُولُ : أَنَا كَنْزُكَ الَّذِي تَرَكْتَهُ بَعْدَكَ ! وَلَا يَزَالُ يَتْبَعُهُ حَتَّى يُلْقِمَهُ يَدَهُ فَيُقَصْقِصَهَا ثُمَّ يُتْبِعُهَا سَائِرَ جَسَدِهِ .
وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ، مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ ، عَنْ سَعِيدٍ بِهِ وَأَصْلُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
142 وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، مِنْ حَدِيثِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ۝ مَا مِنْ رَجُلٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ إِلَّا جُعِلَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ يُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبْهَتُهُ وَظَهْرُهُ ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ ، ثُمَّ يُرَى سَبِيلُهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ : مَرَرْتُ عَلَى أَبِي ذَرٍّ بالرَّبَذَةِ ، فَقُلْتُ : مَا أَنْزَلَكَ بِهَذِهِ الْأَرْضِ ؟ قَالَ : كُنَّا بِالشَّامِ ، فَقَرَأْتُ : ( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) فَقَالَ مُعَاوِيَةُ : مَا هَذِهِ فِينَا ، مَا هَذِهِ إِلَّا فِي أَهْلِ الْكِتَابِ . قَالَ : قُلْتُ : إِنَّهَا لَفِينَا وَفِيهِمْ .
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْثَرِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَذَكَرَهُ ، وَزَادَ : فَارْتَفَعَ فِي ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ الْقَوْلُ ، فَكَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ يَشْكُونِي ، فَكَتَبَ إِلَيَّ عُثْمَانُ أَنْ أُقْبِلَ إِلَيْهِ ، قَالَ : فَأَقْبَلْتُ ، فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ رَكِبَنِي النَّاسُ كَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْنِي قَبْلَ يَوْمَئِذٍ ، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى عُثْمَانَ ، فَقَالَ لِي : تَنَحَّ قَرِيبًا . قُلْتُ : وَاللَّهِ لَنْ أَدَعَ مَا كُنْتُ أَقُولُ .
قُلْتُ : كَانَ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَحْرِيمُ ادِّخَارِ مَا زَادَ عَلَى نَفَقَةِ الْعِيَالِ ، وَكَانَ يُفْتِي [ النَّاسَ ] بِذَلِكَ ، وَيَحُثُّهُمْ عَلَيْهِ ، وَيَأْمُرُهُمْ بِهِ ، وَيُغْلِظُ فِي خِلَافِهِ ، فَنَهَاهُ مُعَاوِيَةُ فَلَمْ يَنْتَهِ ، فَخَشِيَ أَنَّ يَضُرَّ بِالنَّاسِ فِي هَذَا ، فَكَتَبَ يَشْكُوهُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ ، وَأَنْ يَأْخُذَهُ إِلَيْهِ ، فَاسْتَقْدَمَهُ عُثْمَانُ إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَأَنْزَلَهُ بِالرَّبَذَةِ وَحْدَهُ ، وَبِهَا مَاتَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ . وَقَدِ اخْتَبَرَهُ مُعَاوِيَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ عِنْدُهُ ، هَلْ يُوَافِقُ عَمَلُهُ قَوْلَهُ ؟ فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِأَلْفِ دِينَارٍ ، فَفَرَّقَهَا مِنْ يَوْمِهِ ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِ الَّذِي أَتَاهُ بِهَا فَقَالَ : إِنَّ مُعَاوِيَةَ إِنَّمَا بَعَثَنِي إِلَى غَيْرِكَ فَأَخْطَأْتُ ، فَهَاتِ الذَّهَبَ ! فَقَالَ : وَيْحَكَ ! إِنَّهَا خَرَجَتْ ، وَلَكِنْ إِذَا جَاءَ مَالِي حَاسَبْنَاكَ بِهِ .
وَهَكَذَا رَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا عَامَّةٌ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : هِيَ فِي أَهْلِ الْقِبْلَةِ .
وَقَالَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ : قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ ، فَبَيْنَا أَنَا فِي حَلْقَةٍ فِيهَا مَلَأٌ مِنْ قُرَيْشٍ ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ أَخْشَنُ الثِّيَابِ ، أَخْشَنُ الْجَسَدِ ، أَخْشَنُ الْوَجْهِ ، فَقَامَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ : بَشِّرِ الْكَانِزِينَ بِرَضْفٍ يُحْمَى عَلَيْهِ فِي 143 نَارِ جَهَنَّمَ ، فَيُوضَعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَدْيِ أَحَدِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضِ كَتِفِهِ ، وَيُوضَعُ عَلَى نُغْضِ كَتِفِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةِ ثَدْيِهِ يَتَزَلْزَلُ - قَالَ : فَوَضَعَ الْقَوْمُ رُءُوسَهُمْ ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ رَجَعَ إِلَيْهِ شَيْئًا - قَالَ : وَأَدْبَرَ فَاتَّبَعْتُهُ حَتَّى جَلَسَ إِلَى سَارِيَةٍ ، فَقُلْتُ : مَا رَأَيْتُ هَؤُلَاءِ إِلَّا كَرِهُوا مَا قُلْتَ لَهُمْ . فَقَالَ : إِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا .
وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ ۝ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأَبِي ذَرٍّ : مَا يَسُرُّنِي أَنَّ عِنْدِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا يَمُرُّ عَلَيْهِ ثَالِثَةً وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا دِينَارٌ أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ
فَهَذَا - واللَّهُ أَعْلَمُ - هُوَ الَّذِي حَدَا أَبَا ذَرٍّ عَلَى الْقَوْلِ بِهَذَا .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ مَعَ أَبِي ذَرٍّ ، فَخَرَجَ عَطَاؤُهُ وَمَعَهُ جَارِيَةٌ لَهُ ، فَجَعَلَتْ تَقْضِي حَوَائِجَهُ ، فَفَضَلَتْ مَعَهَا سَبْعَةٌ ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَشْتَرِيَ بِهِ فُلُوسًا . قَالَ : قُلْتُ : لَوِ ادَّخَرْتَهُ لِلْحَاجَّةِ تَنُوبُكَ وَلِلضَّيْفِ يَنْزِلُ بِكَ ! قَالَ : إِنَّ خَلِيلِي عَهِدَ إِلَيَّ أَنْ أَيُّمَا ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أُوكِيَ عَلَيْهِ ، فَهُوَ جَمْرٌ عَلَى صَاحِبِهِ ، حَتَّى يُفْرِغَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - .
وَرَوَاهُ عَنْ يَزِيدَ ، عَنْ هَمَّامٍ ، بِهِ ، وَزَادَ : إِفْرَاغًا .
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ بِسَنَدِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الشِّبْلِيِّ فِي تَرْجَمَتِهِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَهْدِيٍّ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ صَدَقَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ الرُّهَاوِيِّ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ۝ الْقَ اللَّهَ فَقِيرًا وَلَا تَلْقَهُ غَنِيًّا . قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ لِي بِذَلِكَ ؟ قَالَ : مَا سُئِلْتَ فَلَا تَمْنَعْ ، وَمَا رُزِقْتَ فَلَا تَخْبَأْ ، قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ لِي بِذَلِكَ ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هُوَ ذَاكَ وَإِلَّا فَالنَّارُ إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، حَدَّثَنَا عُتَيْبَةُ ، ۝ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ أَصْرَمَ قَالَ : سَمِعْتُ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ : مَاتَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ ، وَتَرَكَ دِينَارَيْنِ - أَوْ : دِرْهَمَيْنِ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كَيَّتَانِ ، صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ .
144 وَقَدْ رُوِيَ هَذَا مِنْ طُرُقٍ أُخَرَ .
وَقَالَ قَتَادَةُ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، ۝ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ صُدَيِّ بْنِ عَجْلَانَ قَالَ : مَاتَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ ، فَوُجِدَ فِي مِئْزَرِهِ دِينَارٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كَيَّةٌ . ثُمَّ تُوُفِّيَ رَجُلٌ آخَرُ فَوُجِدَ فِي مِئْزَرِهِ دِينَارَانِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كَيَّتَانِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَرَادِيسِيُّ ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ يَحْيَى الْأَطْرَابُلُسِيُّ ، حَدَّثَنِي أَرْطَاةُ ، حَدَّثَنِي أَبُو عَامِرٍ الْهَوْزَنِيُّ ، سَمِعْتُ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ۝ مَا مِنْ رَجُلٍ يَمُوتُ وَعِنْدَهُ أَحْمَرُ أَوْ أَبْيَضُ ، إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بِكُلِّ قِيرَاطٍ صَفْحَةً مِنْ نَارٍ يُكْوَى بِهَا مِنْ قَدَمِهِ إِلَى ذَقْنِهِ .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خِدَاشٍ ، حَدَّثَنَا سَيْفُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّوْرِيُّ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ۝ لَا يُوضَعُ الدِّينَارُ عَلَى الدِّينَارِ ، وَلَا الدِّرْهَمُ عَلَى الدِّرْهَمِ ، وَلَكِنْ يُوَسَّعُ جِلْدُهُ فَيُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجَنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ، هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ سَيْفٌ هَذَا كَذَّابٌ مَتْرُوكٌ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith