تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثالث
( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 189 ) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 190 ) )
يُنَبِّهُ تَعَالَى عَلَى أَنَّهُ خَلَقَ جَمِيعَ النَّاسِ مِنْ آدَمَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَأَنَّهُ خَلَقَ مِنْهُ زَوْجَهُ حَوَّاءَ ، ثُمَّ انْتَشَرَ النَّاسُ مِنْهُمَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) [ الْحُجُرَاتِ : 13 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا [ وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ] ) الْآيَةَ [ النِّسَاءِ : 1 ] .
525 وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ : ( وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ) أَيْ : لِيَأْلَفَهَا وَيَسْكُنَ بِهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ) [ الرُّومِ : 21 ] فَلَا أُلْفَةَ بَيْنَ زَوْجَيْنِ أَعْظَمُ مِمَّا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ; وَلِهَذَا ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّ السَّاحِرَ رُبَّمَا تَوَصَّلَ بِكَيْدِهِ إِلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ .
( فَلَمَّا تَغَشَّاهَا ) أَيْ : وَطِئَهَا ( حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا ) وَذَلِكَ أَوَّلُ الْحَمْلِ ، لَا تَجِدُ الْمَرْأَةُ لَهُ أَلَمًا ، إِنَّمَا هِيَ النُّطْفَةُ ، ثُمَّ الْعَلَقَةُ ، ثُمَّ الْمُضْغَةُ .
وَقَوْلُهُ : ( فَمَرَّتْ بِهِ ) قَالَ مُجَاهِدٌ : اسْتَمَرَّتْ بِحَمْلِهِ . وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعَيِّ ، وَالسُّدِّيِّ ، نَحْوُهُ .
وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ : عَنْ أَبِيهِ اسْتَخَفَّتْهُ .
وَقَالَ أَيُّوبُ : سَأَلْتُ الْحَسَنَ عَنْ قَوْلِهِ : ( فَمَرَّتْ بِهِ ) قَالَ : لَوْ كُنْتَ رَجُلًا عَرَبِيًّا لَعَرَفْتَ مَا هِيَ . إِنَّمَا هِيَ : فَاسْتَمَرَّتْ بِهِ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : ( فَمَرَّتْ بِهِ ) وَاسْتَبَانَ حَمْلُهَا .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : [ مَعْنَاهُ ] اسْتَمَرَّتْ بِالْمَاءِ ، قَامَتْ بِهِ وَقَعَدَتْ .
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : اسْتَمَرَّتْ بِهِ ، فَشَكَّتْ : أَحَمَلَتْ أَمْ لَا .
( فَلَمَّا أَثْقَلَتْ ) أَيْ : صَارَتْ ذَاتَ ثِقَلٍ بِحَمْلِهَا .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : كَبِرَ الْوَلَدُ فِي بَطْنِهَا .
( دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا ) أَيْ : بَشَرًا سَوِيًّا ، كَمَا قَالَ الضَّحَّاكُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَشْفَقَا أَنْ يَكُونَ بَهِيمَةً .
وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ وَأَبُو مَالِكٍ : أَشْفَقَا أَلَّا يَكُونَ إِنْسَانًا .
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : لَئِنْ آتَيْتِنَا غُلَامًا .
( لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ . فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ هَاهُنَا آثَارًا وَأَحَادِيثَ سَأُورِدُهَا وَأُبَيِّنُ مَا فِيهَا ، ثُمَّ نُتْبِعُ ذَلِكَ بَيَانَ الصَّحِيحِ فِي ذَلِكَ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَبِهِ الثِّقَةُ .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ سُمْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " وَلَمَّا وَلَدَتْ حَوَّاءُ طَافَ بِهَا إِبْلِيسُ - وَكَانَ لَا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ - فَقَالَ : سَمِّيهِ عَبْدَ الْحَارِثِ ; فَإِنَّهُ يَعِيشُ ، فَسَمَّتْهُ عَبْدَ الْحَارِثِ ، فَعَاشَ وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ وَحْيِ 526 الشَّيْطَانِ وَأَمْرِهِ " .
وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ بُنْدَارٍ ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ ، بِهِ .
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ هَذِهِ الْآيَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَثْنَى ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ ، بِهِ وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ .
وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الصَّمَدِ مَرْفُوعًا ثُمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ .
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ فَيَّاضٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، بِهِ مَرْفُوعًا .
وَكَذَا رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ حَدِيثِ شَاذِّ بْنِ فَيَّاضٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، بِهِ مَرْفُوعًا
قُلْتُ : " وَشَاذٌّ " [ هَذَا ] هُوَ : هِلَالٌ ، وَشَاذٌّ لَقَبُهُ . وَالْغَرَضُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَعْلُولٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ :
أَحَدُهَا : أَنَّ عُمَرَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ هَذَا هُوَ الْبَصْرِيُّ ، وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَلَكِنْ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ : لَا يُحْتَجُّ بِهِ . وَلَكِنْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ الْمُعْتَمِرِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ سُمْرَةَ مَرْفُوعًا فَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الثَّانِي : أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مِنْ قَوْلِ سُمْرَةَ نَفْسِهِ ، لَيْسَ مَرْفُوعًا ، كَمَا قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ ، عَنْ أَبِيهِ . وَحَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ بْنِ الشِّخِّيرِ ، عَنْ سَمْرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ، قَالَ : سَمَّى آدَمُ ابْنَهُ " عَبْدَ الْحَارِثِ " .
الثَّالِثُ : أَنَّ الْحَسَنَ نَفْسَهُ فَسَّرَ الْآيَةَ بِغَيْرِ هَذَا ، فَلَوْ كَانَ هَذَا عِنْدَهُ عَنْ سُمْرَةَ مَرْفُوعًا ، لَمَا عَدَلَ عَنْهُ .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ يُوسُفَ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنِ الْحَسَنِ : ( جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ) قَالَ : كَانَ هَذَا فِي بَعْضِ أَهْلِ الْمِلَلِ ، وَلَمْ يَكُنْ بِآدَمَ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدُ الْأَعْلَى ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ : قَالَ الْحَسَنُ : عَنَى بِهَا ذَرِّيَّةَ آدَمَ ، وَمَنْ أَشْرَكَ مِنْهُمْ بَعْدَهُ - يَعْنِي : [ قَوْلَهُ ] ( جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا )
527 وَحَدَّثَنَا بِشْرٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ : هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ، رَزَقَهُمُ اللَّهُ أَوْلَادًا ، فَهَوَّدُوا وَنَصَّرُوا
وَهَذِهِ أَسَانِيدُ صَحِيحَةٌ عَنِ الْحَسَنِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، أَنَّهُ فَسَّرَ الْآيَةَ بِذَلِكَ ، وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ التَّفَاسِيرِ وَأَوْلَى مَا حُمِلَتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ ، وَلَوْ كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَهُ مَحْفُوظًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَمَا عَدَلَ عَنْهُ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ ، وَلَا سِيَّمَا مَعَ تَقْوَاهُ لِلَّهِ وَوَرَعِهِ ، فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى الصَّحَابِيِّ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَلَقَّاهُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، مَنْ آمَنُ مِنْهُمْ ، مِثْلِ : كَعْبٍ أَوْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وَغَيْرِهِمَا ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ [ تَعَالَى ] إِلَّا أَنَّنَا بَرِئْنَا مِنْ عُهْدَةِ الْمَرْفُوعِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَأَمَّا الْآثَارُ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَتْ حَوَّاءُ تَلِدُ لِآدَمَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَوْلَادًا فَيُعَبِّدُهُمْ لِلَّهِ وَيُسَمِّيهِ : " عَبْدَ اللَّهِ " وَ " عُبَيْدَ اللَّهِ " ، وَنَحْوَ ذَلِكَ ، فَيُصِيبُهُمُ الْمَوْتُ فَأَتَاهَا إِبْلِيسُ وَآدَمَ فَقَالَ : إِنَّكُمَا لَوْ تُسَمِّيَانِهِ بِغَيْرِ الَّذِي تُسَمِّيَانِهِ بِهِ لَعَاشَ قَالَ : فَوَلَدَتْ لَهُ رَجُلًا فَسَمَّاهُ " عَبْدَ الْحَارِثِ " ، فَفِيهِ أَنْزَلَ اللَّهُ ، يَقُولُ اللَّهُ : ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ .
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ فِي آدَمَ : ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( فَمَرَّتْ بِهِ ) شَكَّتْ أَحَبَلَتْ أَمْ لَا ؟ ( فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) فَأَتَاهُمَا الشَّيْطَانُ ، فَقَالَ : هَلْ تَدْرِيَانِ مَا يُولَدُ لَكُمَا ؟ أَمْ هَلْ تَدْرِيَانِ مَا يَكُونُ ؟ أَبَهِيمَةٌ يَكُونُ أَمْ لَا ؟ وَزَيَّنَ لَهُمَا الْبَاطِلَ ; إِنَّهُ غَوِيٌّ مُبِينٌ ، وَقَدْ كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ فَمَاتَا ، فَقَالَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ : إِنَّكُمَا إِنْ لَمْ تُسَمِّيَاهُ بِي ، لَمْ يَخْرُجْ سَوِيًّا ، وَمَاتَ كَمَا مَاتَ الْأَوَّلَانِ فَسَمَّيَا وَلَدَهُمَا " عَبْدَ الْحَارِثِ " ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ [ تَعَالَى ] ( فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ) الْآيَةَ .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ خُصَيْفٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ) قَالَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا ) آدَمُ ( حَمَلَتْ [ حَمْلًا خَفِيفًا ] ) فَأَتَاهُمَا إِبْلِيسُ - لَعَنَهُ اللَّهُ - فَقَالَ : إِنَّى صَاحِبُكُمَا الَّذِي أَخْرَجْتُكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ لَتُطِيعُنِّي أَوْ لَأَجْعَلَنَّ قَرْنَيْ لَهُ أَيْلٍ فَيَخْرُجُ مِنْ بَطْنِكِ فَيَشُقُّهُ ، وَلَأَفْعَلَنَّ وَلَأَفْعَلَنَّ - يُخَوِّفُهُمَا - فَسَمِّيَاهُ " عَبْدَ الْحَارِثِ " فَأَبَيَا أَنْ يُطِيعَاهُ ، فَخَرَجَ مَيِّتًا ، ثُمَّ حَمَلَتِ الثَّانِيَةَ ، فَأَتَاهُمَا أَيْضًا فَقَالَ : أَنَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي فَعَلْتُ مَا فَعَلْتُ ، لَتَفْعَلُنَّ أَوْ لَأَفْعَلَنَّ - يُخَوِّفُهُمَا - فَأَبَيَا أَنْ يُطِيعَاهُ ، فَخَرَجَ مَيِّتًا ، ثُمَّ حَمَلَتِ الثَّالِثَةَ فَأَتَاهُمَا أَيْضًا ، فَذَكَرَ لَهُمَا ، فَأَدْرَكَهُمَا حُبُّ الْوَلَدِ ، فَسَمَّيَاهُ " عَبْدَ الْحَارِثِ " ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ) رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ .
528 وَقَدْ تَلْقَى هَذَا الْأَثَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ، كَمُجَاهِدٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَعِكْرِمَةَ . وَمِنَ الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ : قَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْخَلَفِ ، وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ جَمَاعَاتٌ لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً ، وَكَأَنَّهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَصْلُهُ مَأْخُوذٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَوَاهُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، كَمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ :
حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو الْجَمَاهِرِ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ - يَعْنِي ابْنَ بَشِيرٍ - عَنْ عُقْبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : لَمَّا حَمَلَتْ حَوَّاءُ أَتَاهَا الشَّيْطَانُ ، فَقَالَ لَهَا : أَتُطِيعِينِي وَيَسْلَمُ لَكِ وَلَدُكِ ؟ سَمِّيهِ " عَبْدَ الْحَارِثِ " ، فَلَمْ تَفْعَلْ ، فَوَلَدَتْ فَمَاتَ ، ثُمَّ حَمَلَتْ فَقَالَ لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ ، فَلَمْ تَفْعَلْ . ثُمَّ حَمَلَتِ الثَّالِثَ فَجَاءَهَا فَقَالَ : إِنْ تُطِيعِينِي يَسْلَمْ ، وَإِلَّا فَإِنَّهُ يَكُونُ بَهِيمَةً ، فَهَيَّبَهُمَا فَأَطَاعَا .
وَهَذِهِ الْآثَارُ يَظْهَرُ عَلَيْهَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهَا مِنْ آثَارِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَقَدْ صَحَّ الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " إِذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ " ، ثُمَّ أَخْبَارُهُمْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : فَمِنْهَا : مَا عَلِمْنَا صِحَّتَهُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ . وَمِنْهَا مَا عَلِمْنَا كَذِبَهُ ، بِمَا دَلَّ عَلَى خِلَافِهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَيْضًا . وَمِنْهَا : مَا هُوَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ ، فَهُوَ الْمَأْذُونُ فِي رِوَايَتِهِ ، بِقَوْلِهِ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ : " حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ " وَهُوَ الَّذِي لَا يُصَدَّقُ وَلَا يُكَذَّبُ ، لِقَوْلِهِ : " فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ " . وَهَذَا الْأَثَرُ : [ هَلْ ] هُوَ مِنَ الْقِسْمِ الثَّانِي أَوِ الثَّالِثِ ؟ فِيهِ نَظَرٌ . فَأَمَّا مَنْ حَدَّثَ بِهِ مِنْ صَحَابِيٍّ أَوْ تَابِعِيٍّ ، فَإِنَّهُ يَرَاهُ مِنَ الْقَسَمِ الثَّالِثِ ، وَأَمَّا نَحْنُ فَعَلَى مَذْهَبِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي هَذَا [ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ] وَأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ آدَمُ وَحَوَّاءُ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ ; وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ : ( فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) ثُمَّ قَالَ :
يُنَبِّهُ تَعَالَى عَلَى أَنَّهُ خَلَقَ جَمِيعَ النَّاسِ مِنْ آدَمَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَأَنَّهُ خَلَقَ مِنْهُ زَوْجَهُ حَوَّاءَ ، ثُمَّ انْتَشَرَ النَّاسُ مِنْهُمَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) [ الْحُجُرَاتِ : 13 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا [ وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ] ) الْآيَةَ [ النِّسَاءِ : 1 ] .
525 وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ : ( وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ) أَيْ : لِيَأْلَفَهَا وَيَسْكُنَ بِهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ) [ الرُّومِ : 21 ] فَلَا أُلْفَةَ بَيْنَ زَوْجَيْنِ أَعْظَمُ مِمَّا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ; وَلِهَذَا ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّ السَّاحِرَ رُبَّمَا تَوَصَّلَ بِكَيْدِهِ إِلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ .
( فَلَمَّا تَغَشَّاهَا ) أَيْ : وَطِئَهَا ( حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا ) وَذَلِكَ أَوَّلُ الْحَمْلِ ، لَا تَجِدُ الْمَرْأَةُ لَهُ أَلَمًا ، إِنَّمَا هِيَ النُّطْفَةُ ، ثُمَّ الْعَلَقَةُ ، ثُمَّ الْمُضْغَةُ .
وَقَوْلُهُ : ( فَمَرَّتْ بِهِ ) قَالَ مُجَاهِدٌ : اسْتَمَرَّتْ بِحَمْلِهِ . وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعَيِّ ، وَالسُّدِّيِّ ، نَحْوُهُ .
وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ : عَنْ أَبِيهِ اسْتَخَفَّتْهُ .
وَقَالَ أَيُّوبُ : سَأَلْتُ الْحَسَنَ عَنْ قَوْلِهِ : ( فَمَرَّتْ بِهِ ) قَالَ : لَوْ كُنْتَ رَجُلًا عَرَبِيًّا لَعَرَفْتَ مَا هِيَ . إِنَّمَا هِيَ : فَاسْتَمَرَّتْ بِهِ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : ( فَمَرَّتْ بِهِ ) وَاسْتَبَانَ حَمْلُهَا .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : [ مَعْنَاهُ ] اسْتَمَرَّتْ بِالْمَاءِ ، قَامَتْ بِهِ وَقَعَدَتْ .
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : اسْتَمَرَّتْ بِهِ ، فَشَكَّتْ : أَحَمَلَتْ أَمْ لَا .
( فَلَمَّا أَثْقَلَتْ ) أَيْ : صَارَتْ ذَاتَ ثِقَلٍ بِحَمْلِهَا .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : كَبِرَ الْوَلَدُ فِي بَطْنِهَا .
( دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا ) أَيْ : بَشَرًا سَوِيًّا ، كَمَا قَالَ الضَّحَّاكُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَشْفَقَا أَنْ يَكُونَ بَهِيمَةً .
وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ وَأَبُو مَالِكٍ : أَشْفَقَا أَلَّا يَكُونَ إِنْسَانًا .
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : لَئِنْ آتَيْتِنَا غُلَامًا .
( لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ . فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ هَاهُنَا آثَارًا وَأَحَادِيثَ سَأُورِدُهَا وَأُبَيِّنُ مَا فِيهَا ، ثُمَّ نُتْبِعُ ذَلِكَ بَيَانَ الصَّحِيحِ فِي ذَلِكَ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَبِهِ الثِّقَةُ .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ سُمْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " وَلَمَّا وَلَدَتْ حَوَّاءُ طَافَ بِهَا إِبْلِيسُ - وَكَانَ لَا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ - فَقَالَ : سَمِّيهِ عَبْدَ الْحَارِثِ ; فَإِنَّهُ يَعِيشُ ، فَسَمَّتْهُ عَبْدَ الْحَارِثِ ، فَعَاشَ وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ وَحْيِ 526 الشَّيْطَانِ وَأَمْرِهِ " .
وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ بُنْدَارٍ ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ ، بِهِ .
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ هَذِهِ الْآيَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَثْنَى ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ ، بِهِ وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ .
وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الصَّمَدِ مَرْفُوعًا ثُمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ .
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ فَيَّاضٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، بِهِ مَرْفُوعًا .
وَكَذَا رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ حَدِيثِ شَاذِّ بْنِ فَيَّاضٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، بِهِ مَرْفُوعًا
قُلْتُ : " وَشَاذٌّ " [ هَذَا ] هُوَ : هِلَالٌ ، وَشَاذٌّ لَقَبُهُ . وَالْغَرَضُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَعْلُولٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ :
أَحَدُهَا : أَنَّ عُمَرَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ هَذَا هُوَ الْبَصْرِيُّ ، وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَلَكِنْ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ : لَا يُحْتَجُّ بِهِ . وَلَكِنْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ الْمُعْتَمِرِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ سُمْرَةَ مَرْفُوعًا فَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الثَّانِي : أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مِنْ قَوْلِ سُمْرَةَ نَفْسِهِ ، لَيْسَ مَرْفُوعًا ، كَمَا قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ ، عَنْ أَبِيهِ . وَحَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ بْنِ الشِّخِّيرِ ، عَنْ سَمْرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ، قَالَ : سَمَّى آدَمُ ابْنَهُ " عَبْدَ الْحَارِثِ " .
الثَّالِثُ : أَنَّ الْحَسَنَ نَفْسَهُ فَسَّرَ الْآيَةَ بِغَيْرِ هَذَا ، فَلَوْ كَانَ هَذَا عِنْدَهُ عَنْ سُمْرَةَ مَرْفُوعًا ، لَمَا عَدَلَ عَنْهُ .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ يُوسُفَ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنِ الْحَسَنِ : ( جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ) قَالَ : كَانَ هَذَا فِي بَعْضِ أَهْلِ الْمِلَلِ ، وَلَمْ يَكُنْ بِآدَمَ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدُ الْأَعْلَى ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ : قَالَ الْحَسَنُ : عَنَى بِهَا ذَرِّيَّةَ آدَمَ ، وَمَنْ أَشْرَكَ مِنْهُمْ بَعْدَهُ - يَعْنِي : [ قَوْلَهُ ] ( جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا )
527 وَحَدَّثَنَا بِشْرٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ : هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ، رَزَقَهُمُ اللَّهُ أَوْلَادًا ، فَهَوَّدُوا وَنَصَّرُوا
وَهَذِهِ أَسَانِيدُ صَحِيحَةٌ عَنِ الْحَسَنِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، أَنَّهُ فَسَّرَ الْآيَةَ بِذَلِكَ ، وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ التَّفَاسِيرِ وَأَوْلَى مَا حُمِلَتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ ، وَلَوْ كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَهُ مَحْفُوظًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَمَا عَدَلَ عَنْهُ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ ، وَلَا سِيَّمَا مَعَ تَقْوَاهُ لِلَّهِ وَوَرَعِهِ ، فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى الصَّحَابِيِّ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَلَقَّاهُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، مَنْ آمَنُ مِنْهُمْ ، مِثْلِ : كَعْبٍ أَوْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وَغَيْرِهِمَا ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ [ تَعَالَى ] إِلَّا أَنَّنَا بَرِئْنَا مِنْ عُهْدَةِ الْمَرْفُوعِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَأَمَّا الْآثَارُ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَتْ حَوَّاءُ تَلِدُ لِآدَمَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَوْلَادًا فَيُعَبِّدُهُمْ لِلَّهِ وَيُسَمِّيهِ : " عَبْدَ اللَّهِ " وَ " عُبَيْدَ اللَّهِ " ، وَنَحْوَ ذَلِكَ ، فَيُصِيبُهُمُ الْمَوْتُ فَأَتَاهَا إِبْلِيسُ وَآدَمَ فَقَالَ : إِنَّكُمَا لَوْ تُسَمِّيَانِهِ بِغَيْرِ الَّذِي تُسَمِّيَانِهِ بِهِ لَعَاشَ قَالَ : فَوَلَدَتْ لَهُ رَجُلًا فَسَمَّاهُ " عَبْدَ الْحَارِثِ " ، فَفِيهِ أَنْزَلَ اللَّهُ ، يَقُولُ اللَّهُ : ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ .
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ فِي آدَمَ : ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( فَمَرَّتْ بِهِ ) شَكَّتْ أَحَبَلَتْ أَمْ لَا ؟ ( فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) فَأَتَاهُمَا الشَّيْطَانُ ، فَقَالَ : هَلْ تَدْرِيَانِ مَا يُولَدُ لَكُمَا ؟ أَمْ هَلْ تَدْرِيَانِ مَا يَكُونُ ؟ أَبَهِيمَةٌ يَكُونُ أَمْ لَا ؟ وَزَيَّنَ لَهُمَا الْبَاطِلَ ; إِنَّهُ غَوِيٌّ مُبِينٌ ، وَقَدْ كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ فَمَاتَا ، فَقَالَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ : إِنَّكُمَا إِنْ لَمْ تُسَمِّيَاهُ بِي ، لَمْ يَخْرُجْ سَوِيًّا ، وَمَاتَ كَمَا مَاتَ الْأَوَّلَانِ فَسَمَّيَا وَلَدَهُمَا " عَبْدَ الْحَارِثِ " ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ [ تَعَالَى ] ( فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ) الْآيَةَ .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ خُصَيْفٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ) قَالَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا ) آدَمُ ( حَمَلَتْ [ حَمْلًا خَفِيفًا ] ) فَأَتَاهُمَا إِبْلِيسُ - لَعَنَهُ اللَّهُ - فَقَالَ : إِنَّى صَاحِبُكُمَا الَّذِي أَخْرَجْتُكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ لَتُطِيعُنِّي أَوْ لَأَجْعَلَنَّ قَرْنَيْ لَهُ أَيْلٍ فَيَخْرُجُ مِنْ بَطْنِكِ فَيَشُقُّهُ ، وَلَأَفْعَلَنَّ وَلَأَفْعَلَنَّ - يُخَوِّفُهُمَا - فَسَمِّيَاهُ " عَبْدَ الْحَارِثِ " فَأَبَيَا أَنْ يُطِيعَاهُ ، فَخَرَجَ مَيِّتًا ، ثُمَّ حَمَلَتِ الثَّانِيَةَ ، فَأَتَاهُمَا أَيْضًا فَقَالَ : أَنَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي فَعَلْتُ مَا فَعَلْتُ ، لَتَفْعَلُنَّ أَوْ لَأَفْعَلَنَّ - يُخَوِّفُهُمَا - فَأَبَيَا أَنْ يُطِيعَاهُ ، فَخَرَجَ مَيِّتًا ، ثُمَّ حَمَلَتِ الثَّالِثَةَ فَأَتَاهُمَا أَيْضًا ، فَذَكَرَ لَهُمَا ، فَأَدْرَكَهُمَا حُبُّ الْوَلَدِ ، فَسَمَّيَاهُ " عَبْدَ الْحَارِثِ " ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ) رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ .
528 وَقَدْ تَلْقَى هَذَا الْأَثَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ، كَمُجَاهِدٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَعِكْرِمَةَ . وَمِنَ الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ : قَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْخَلَفِ ، وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ جَمَاعَاتٌ لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً ، وَكَأَنَّهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَصْلُهُ مَأْخُوذٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَوَاهُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، كَمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ :
حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو الْجَمَاهِرِ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ - يَعْنِي ابْنَ بَشِيرٍ - عَنْ عُقْبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : لَمَّا حَمَلَتْ حَوَّاءُ أَتَاهَا الشَّيْطَانُ ، فَقَالَ لَهَا : أَتُطِيعِينِي وَيَسْلَمُ لَكِ وَلَدُكِ ؟ سَمِّيهِ " عَبْدَ الْحَارِثِ " ، فَلَمْ تَفْعَلْ ، فَوَلَدَتْ فَمَاتَ ، ثُمَّ حَمَلَتْ فَقَالَ لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ ، فَلَمْ تَفْعَلْ . ثُمَّ حَمَلَتِ الثَّالِثَ فَجَاءَهَا فَقَالَ : إِنْ تُطِيعِينِي يَسْلَمْ ، وَإِلَّا فَإِنَّهُ يَكُونُ بَهِيمَةً ، فَهَيَّبَهُمَا فَأَطَاعَا .
وَهَذِهِ الْآثَارُ يَظْهَرُ عَلَيْهَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهَا مِنْ آثَارِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَقَدْ صَحَّ الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " إِذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ " ، ثُمَّ أَخْبَارُهُمْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : فَمِنْهَا : مَا عَلِمْنَا صِحَّتَهُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ . وَمِنْهَا مَا عَلِمْنَا كَذِبَهُ ، بِمَا دَلَّ عَلَى خِلَافِهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَيْضًا . وَمِنْهَا : مَا هُوَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ ، فَهُوَ الْمَأْذُونُ فِي رِوَايَتِهِ ، بِقَوْلِهِ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ : " حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ " وَهُوَ الَّذِي لَا يُصَدَّقُ وَلَا يُكَذَّبُ ، لِقَوْلِهِ : " فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ " . وَهَذَا الْأَثَرُ : [ هَلْ ] هُوَ مِنَ الْقِسْمِ الثَّانِي أَوِ الثَّالِثِ ؟ فِيهِ نَظَرٌ . فَأَمَّا مَنْ حَدَّثَ بِهِ مِنْ صَحَابِيٍّ أَوْ تَابِعِيٍّ ، فَإِنَّهُ يَرَاهُ مِنَ الْقَسَمِ الثَّالِثِ ، وَأَمَّا نَحْنُ فَعَلَى مَذْهَبِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي هَذَا [ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ] وَأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ آدَمُ وَحَوَّاءُ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ ; وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ : ( فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) ثُمَّ قَالَ :
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith