تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثالث
( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ( 175 ) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( 176 ) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ ( 177 ) )
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ وَمَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، 507 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا [ فَأَتْبَعَهُ ] ) الْآيَةَ ، قَالَ : هُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، يُقَالُ لَهُ : بَلْعَمُ بْنُ أَبَرَ . وَكَذَا رَوَاهُ شُعْبَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، بِهِ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ] هُوَ صَيْفِيُّ بْنُ الرَّاهِبِ .
قَالَ قَتَادَةُ : وَقَالَ كَعْبٌ : كَانَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَلْقَاءِ ، وَكَانَ يَعْلَمُ الِاسْمَ الْأَكْبَرَ ، وَكَانَ مُقِيمًا بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ مَعَ الْجَبَّارِينَ .
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ] هُوَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ ، يُقَالُ لَهُ : بَلْعَمُ ، آتَاهُ اللَّهُ آيَاتِهِ فَتَرَكَهَا .
وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ : كَانَ مِنْ عُلَمَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَكَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ ، يُقَدِّمُونَهُ فِي الشَّدَائِدِ ، بَعَثَهُ نَبِيُّ اللَّهِ مُوسَى إِلَى مَلِكِ مَدْيَنَ يَدْعُوهُ إِلَى اللَّهِ ، فَأَقْطَعُهُ وَأَعْطَاهُ ، فَتَبِعَ دِينَهُ وَتَرَكَ دِينَ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ .
وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ] هُوَ بَلْعَمُ بْنُ بَاعِرَ . وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ] قَالَ : هُوَ بِلْعَامُ - وَقَالَتْ ثَقِيفٌ : هُوَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ .
وَقَالَ شُعْبَةُ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ عَاصِمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ] فِي قَوْلِهِ : ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ [ آيَاتِنَا ] ) قَالَ : هُوَ صَاحِبُكُمْ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ .
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ ، عَنْهُ وَهُوَ صَحِيحٌ إِلَيْهِ ، وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ أُمَيَّةَ بْنَ أَبِي الصَّلْتِ يُشْبِهُهُ ، فَإِنَّهُ كَانَ قَدِ اتَّصَلَ إِلَيْهِ عِلْمٌ كَثِيرٌ مِنْ عِلْمِ الشَّرَائِعِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِعِلْمِهِ ، فَإِنَّهُ أَدْرَكَ زَمَانَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَبَلَغَتْهُ أَعْلَامُهُ وَآيَاتُهُ وَمُعْجِزَاتُهُ ، وَظَهَرَتْ لِكُلِّ مَنْ لَهُ بَصِيرَةٌ ، وَمَعَ هَذَا اجْتَمَعَ بِهِ وَلَمْ يَتْبَعْهُ ، وَصَارَ إِلَى مُوَالَاةِ الْمُشْرِكِينَ وَمُنَاصَرَتِهِمْ وَامْتِدَاحِهِمْ ، وَرَثَى أَهْلَ بَدْرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِمَرْثَاةٍ بَلِيغَةٍ ، قَبَّحَهُ اللَّهُ [ تَعَالَى ] وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ : " أَنَّهُ مِمَّنْ آمَنَ لِسَانُهُ ، وَلَمْ يُؤْمِنْ قَلْبُهُ " ; فَإِنَّ لَهُ أَشْعَارًا رَبَّانِيَّةً وَحِكَمًا وَفَصَاحَةً ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَشْرَحِ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْأَعْوَرِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا ) قَالَ : هُوَ رَجُلٌ أُعْطِيَ ثَلَاثَ دَعْوَاتٍ يُسْتَجَابُ لَهُ فِيهِنَّ ، وَكَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ ، فَقَالَتْ : اجْعَلْ لِي مِنْهَا وَاحِدَةً . قَالَ : 508 فَلَكِ وَاحِدَةٌ ، فَمَا الَّذِي تُرِيدِينَ ؟ قَالَتْ : ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي أَجْمَلَ امْرَأَةٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ . فَدَعَا اللَّهَ ، فَجَعَلَهَا أَجْمَلَ امْرَأَةٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَلَمَّا عَلِمَتْ أَنْ لَيْسَ فِيهِمْ مِثْلُهَا رَغِبَتْ عَنْهُ ، وَأَرَادَتْ شَيْئًا آخَرَ ، فَدَعَا اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَهَا كَلْبَةً ، فَصَارَتْ كَلْبَةً ، فَذَهَبَتْ دَعْوَتَانِ . فَجَاءَ بَنُوهَا فَقَالُوا : لَيْسَ بِنَا عَلَى هَذَا قَرَارٌ ، قَدْ صَارَتْ أُمُّنَا كَلْبَةً يُعَيِّرُنَا النَّاسُ بِهَا ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَرُدَّهَا إِلَى الْحَالِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا ، فَدَعَا اللَّهَ ، فَعَادَتْ كَمَا كَانَتْ ، فَذَهَبْتِ الدَّعْوَاتُ الثَّلَاثُ ، وَسُمِّيَتِ الْبَسُوسُ . غَرِيبٌ .
وَأَمَّا الْمَشْهُورُ فِي سَبَبٍ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ، فَإِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي زَمَنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : هُوَ رَجُلٌ مِنْ مَدِينَةِ الْجَبَّارِينَ ، يُقَالُ لَهُ : " بَلْعَامُ " وَكَانَ يَعْلَمُ اسْمَ اللَّهِ الْأَكْبَرَ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ : كَانَ [ رَجُلًا ] مُجَابَ الدَّعْوَةِ ، وَلَا يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ .
وَأَغْرَبَ ، بَلْ أَبْعَدَ ، بَلْ أَخْطَأَ مَنْ قَالَ : كَانَ قَدْ أُوتِيَ النُّبُوَّةَ فَانْسَلَخَ مِنْهَا . حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ بَعْضِهِمْ ، وَلَا يَصِحُّ
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : لَمَّا نَزَلَ مُوسَى بِهِمْ - يَعْنِي بِالْجَبَّارِينَ - وَمَنْ مَعَهُ ، أَتَاهُ يَعْنِي بَلْعَامُ - أَتَاهُ بَنُو عَمِّهِ وَقَوْمُهُ ، فَقَالُوا : إِنَّ مُوسَى رَجُلٌ حَدِيدٌ ، وَمَعَهُ جُنُودٌ كَثِيرَةٌ ، وَإِنَّهُ إِنْ يَظْهَرْ عَلَيْنَا يُهْلِكْنَا ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَرُدَّ عَنَّا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ . قَالَ : إِنِّي إِنْ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يَرُدَّ مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ ، ذَهَبَتْ دُنْيَايَ وَآخِرَتِي . فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى دَعَا عَلَيْهِمْ ، فَسَلَخَهُ اللَّهُ مَا كَانَ عَلَيْهِ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ [ مِنَ الْغَاوِينَ ] )
وَقَالَ السُّدِّيُّ : إِنَّ اللَّهَ لَمَّا انْقَضَّتِ الْأَرْبَعُونَ سَنَةً الَّتِي قَالَ اللَّهُ : ( فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً ) [ الْمَائِدَةِ : 26 ] بَعَثَ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ نَبِيًّا ، فَدَعَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ ، وَأَنَّ اللَّهَ [ قَدْ ] أَمَرَهُ أَنْ يُقَاتِلَ الْجَبَّارِينَ ، فَبَايَعُوهُ وَصَدَّقُوهُ . وَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يُقَالُ لَهُ : " بَلْعَمُ " وَكَانَ عَالَمًا ، يَعْلَمُ الِاسْمَ الْأَعْظَمَ الْمَكْتُومَ ، فَكَفَرَ - لَعَنَهُ اللَّهُ - وَأَتَى الْجَبَّارِينَ وَقَالَ لَهُمْ : لَا تَرْهَبُوا بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَإِنِّي إِذَا خَرَجْتُمْ تُقَاتِلُونَهُمُ أَدْعُوَا عَلَيْهِمْ دَعْوَةً فَيَهْلِكُونَ ! وَكَانَ عِنْدَهُمْ فِيمَا شَاءَ مِنَ الدُّنْيَا ، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَأْتِيَ النِّسَاءَ ، يُعَظِّمُهُنَّ فَكَانَ يَنْكِحُ أَتَانًا لَهُ ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ) فَانْسَلَخَ مِنْهَا )
509 وَقَوْلُهُ : ( فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ ) أَيِ : اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ وَغَلَبَهُ عَلَى أَمْرِهِ ، فَمَهْمَا أَمَرَهُ امْتَثَلَ وَأَطَاعَهُ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ) أَيْ : مِنَ الْهَالِكِينَ الْحَائِرَيْنِ الْبَائِرَيْنِ .
وَقَدْ وَرَدَ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ حَدِيثٌ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمُوصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ حَيْثُ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، عَنِ الصَّلْتِ بْنِ بَهْرَامَ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ ، حَدَّثَنَا جُنْدُبٌ الْبَجَلِيُّ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ ; أَنَّ حُذَيْفَةَ - يَعْنِي ابْنَ الْيَمَانِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَدَّثَهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ مِمَّا أَتَخَوَّفُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ قَرَأَ الْقُرْآنَ ، حَتَّى إِذَا رُؤِيَتْ بَهْجَتُهُ عَلَيْهِ وَكَانَ رِدْءَ الْإِسْلَامِ اعْتَرَاهُ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ ، انْسَلَخَ مِنْهُ ، وَنَبَذَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ، وَسَعَى عَلَى جَارِهِ بِالسَّيْفِ ، وَرَمَاهُ بِالشِّرْكِ " . قَالَ : قُلْتُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، أَيُّهُمَا أَوْلَى بِالشِّرْكِ : الْمَرْمِيُّ أَوِ الرَّامِي ؟ قَالَ : " بَلِ الرَّامِي " .
هَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ وَالصَّلْتُ بْنُ بَهْرَامَ كَانَ مِنْ ثِقَاتِ الْكُوفِيِّينَ ، وَلَمْ يُرْمَ بِشَيْءٍ سِوَى الْإِرْجَاءِ ، وَقَدْ وَثَّقَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، وَغَيْرُهُمَا .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ) يَقُولُ تَعَالَى : ( وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ) أَيْ : لَرَفَعْنَاهُ مِنَ التَّدَنُّسِ عَنْ قَاذُورَاتِ الدُّنْيَا بِالْآيَاتِ الَّتِي آتَيْنَاهُ إِيَّاهَا ، ( وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ ) أَيْ : مَالَ إِلَى زِينَةِ الدُّنْيَا وَزَهْرَتِهَا ، وَأَقْبَلَ عَلَى لَذَّاتِهَا وَنَعِيمِهَا ، وَغَرَّتْهُ كَمَا غَرَّتْ غَيْرَهُ مِنْ غَيْرِ أُولِي الْبَصَائِرِ وَالنُّهَى .
وَقَالَ أَبُو الزَّاهِرِيَّةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ ) قَالَ : تَرَاءَى لَهُ الشَّيْطَانُ عَلَى غَلْوَةٍ مِنْ قَنْطَرَةِ بَانْيَاسَ ، فَسَجَدَتِ الْحِمَارَةُ لِلَّهِ ، وَسَجَدَ بَلْعَامُ لِلشَّيْطَانِ . وَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : وَكَانَ مِنْ قِصَّةِ هَذَا الرَّجُلِ : مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ : ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا [ فَانْسَلَخَ مِنْهَا ] ) فَحَدَّثَ عَنْ سَيَّارٍ أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ بَلْعَامُ ، وَكَانَ قَدْ أُوتِيَ النُّبُوَّةَ وَكَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ ، قَالَ : وَإِنَّ مُوسَى أَقْبَلَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُرِيدُ الْأَرْضَ الَّتِي فِيهَا بَلْعَامُ - أَوْ قَالَ : الشَّامَ - قَالَ فَرُعِبَ النَّاسُ مِنْهُ رُعْبًا شَدِيدًا ، قَالَ : فَأَتَوْا بَلْعَامَ ، فَقَالُوا : ادْعُ اللَّهَ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ وَجَيْشِهِ ! قَالَ : حَتَّى أُوَامِرَ رَبِّي - أَوْ : حَتَّى أُؤَامِرَ - قَالَ : فَوَامَرَ فِي الدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ ، فَقِيلَ لَهُ : لَا تَدْعُ عَلَيْهِمْ ، فَإِنَّهُمْ عِبَادِي ، وَفِيهِمْ نَبِيُّهُمْ . قَالَ : فَقَالَ لِقَوْمِهِ : إِنِّي قَدْ آمَرْتُ رَبِّي فِي الدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ ، وَإِنِّي قَدْ نُهِيتُ . فَأَهْدَوْا لَهُ هَدِيَّةً فَقَبِلَهَا ، ثُمَّ رَاجَعُوهُ فَقَالُوا : ادْعُ عَلَيْهِمْ . فَقَالَ : حَتَّى أَوَامِرَ . فَوَامَرَ ، فَلَمْ يَحُرْ إِلَيْهِ شَيْءٌ . فَقَالَ : قَدْ وَامَرْتَ فَلَمْ يَحُرْ إِلَيَّ شَيْءٌ ! فَقَالُوا : لَوْ كَرِهَ رَبُّكَ أَنْ تَدْعُوَ عَلَيْهِمْ لَنَهَاكَ كَمَا نَهَاكَ الْمَرَّةَ الْأُولَى . قَالَ : فَأَخَذَ يَدْعُو عَلَيْهِمْ ، فَإِذَا دَعَا عَلَيْهِمْ ، جَرَى عَلَى لِسَانِهِ الدُّعَاءُ عَلَى قَوْمِهِ ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ أَنْ يَفْتَحَ 510 لِقَوْمِهِ دَعَا أَنْ يَفْتَحَ لِمُوسَى وَجَيْشِهِ - أَوْ نَحْوًا مِنْ ذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . قَالَ مَا نَرَاكَ تَدْعُو إِلَّا عَلَيْنَا . قَالَ : مَا يَجْرِي عَلَى لِسَانِي إِلَّا هَكَذَا ، وَلَوْ دَعَوْتُ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا اسْتُجِيبَ لِي ، وَلَكِنْ سَأَدُلُّكُمْ عَلَى أَمْرٍ عَسَى أَنْ يَكُونَ فِيهِ هَلَاكُهُمْ . إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الزِّنَا ، وَإِنَّهُمْ إِنْ وَقَعُوا بِالزِّنَا هَلَكُوا ، وَرَجَوْتُ أَنْ يُهْلِكَهُمُ اللَّهُ ، فَأَخْرِجُوا النِّسَاءَ يَسْتَقْبِلْنَهُمْ ; فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ مُسَافِرُونَ ، فَعَسَى أَنْ يَزْنُوا فَيَهْلَكُوا . قَالَ : فَفَعَلُوا . قَالَ : فَأَخْرَجُوا النِّسَاءَ يَسْتَقْبِلْنَهُمْ . قَالَ : وَكَانَ لِلْمَلِكِ ابْنَةٌ ، فَذَكَرَ مِنْ عِظَمِهَا مَا اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ ! قَالَ : فَقَالَ أَبُوهَا - أَوْ بَلْعَامُ - : لَا تُمَكِّنِي نَفْسَكِ إِلَّا مِنْ مُوسَى ! قَالَ : وَوَقَعُوا فِي الزِّنَا . قَالَ : وَأَتَاهَا رَأْسُ سِبْطٍ مِنْ أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، قَالَ : فَأَرَادَهَا عَلَى نَفْسِهِ ، فَقَالَتْ : مَا أَنَا بِمُمَكِّنَةِ نَفْسِي إِلَّا مِنْ مُوسَى . قَالَ : فَقَالَ : إِنَّ مَنْزِلَتِي كَذَا وَكَذَا ، وَإِنَّ مِنْ حَالِي كَذَا وَكَذَا . قَالَ : فَأَرْسَلَتْ إِلَى أَبِيهَا تَسْتَأْمِرُهُ ، قَالَ : فَقَالَ لَهَا : فَأَمْكِنِيهِ قَالَ : وَيَأْتِيهِمَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَارُونَ وَمَعَهُ الرُّمْحُ فَيَطْعَنُهُمَا . قَالَ : وَأَيَّدَهُ اللَّهُ بِقُوَّةٍ . فَانْتَظَمَهُمَا جَمِيعًا ، وَرَفَعَهُمَا عَلَى رُمْحِهِ فَرَآهُمَا النَّاسُ - أَوْ كَمَا حَدَّثَ - قَالَ : وَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الطَّاعُونَ ، فَمَاتَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا .
قَالَ أَبُو الْمُعْتَمِرِ : فَحَدَّثَنِي سَيَّارٌ : أَنَّ بَلْعَامَ رَكِبَ حَمَّارَةً لَهُ حَتَّى أَتَى الْعَلُولَى - أَوْ قَالَ : طَرِيقًا مِنَ الْعَلُولَى - جَعَلَ يَضْرِبُهَا وَلَا تَقَدَّمُ ، وَقَامَتْ عَلَيْهِ فَقَالَتْ : عَلَامَ تَضْرِبُنِي ؟ أَمَا تَرَى هَذَا الَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ ؟ فَإِذَا الشَّيْطَانُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، قَالَ : فَنَزَلَ وَسَجَدَ لَهُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا ) إِلَى قَوْلِهِ : ( لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ )
قَالَ : فَحَدَّثَنِي بِهَذَا سَيَّارٌ ، وَلَا أَدْرِي لَعَلَّهُ قَدْ دَخَلَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ حَدِيثِ غَيْرِهِ .
قُلْتُ : هُوَ بَلْعَامُ - وَيُقَالُ : بُلْعُمُ - بْنُ بَاعُورَاءَ ، ابْنُ أَبَرَ . وَيُقَالُ : ابْنُ بَاعُورَ بْنِ شُهُومَ بْنِ قَوَشْتَمَ بْنِ مَابَ بْنِ لُوطِ بْنِ هَارَانَ - وَيُقَالُ : ابْنُ حَرَانَ - بْنِ آزَرَ . وَكَانَ يَسْكُنُ قَرْيَةً مِنْ قُرَى الْبَلْقَاءِ .
قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ : وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَعْرِفُ اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ ، فَانْسَلَخَ مِنْ دِينِهِ ، لَهُ ذِكْرٌ فِي الْقُرْآنِ . ثُمَّ أَوْرَدَ مِنْ قِصَّتِهِ نَحْوًا مِمَّا ذَكَرْنَا هَاهُنَا ، وَأَوْرَدَهُ عَنْ وَهْبٍ وَغَيْرِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ ; أَنَّهُ حَدَّثَ : أَنَّ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لَمَّا نَزَلَ فِي أَرْضِ بَنِي كَنْعَانَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ ، أَتَى قَوْمُ بَلْعَامَ إِلَيْهِ فَقَالُوا لَهُ : هَذَا مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ، قَدْ جَاءَ يُخْرِجُنَا مِنْ بِلَادِنَا وَيَقْتُلُنَا وَيُحِلُّهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَإِنَّا قَوْمُكَ ، وَلَيْسَ لَنَا مَنْزِلٌ ، وَأَنْتَ رَجُلٌ مُجَابُ الدَّعْوَةِ ، فَاخْرُجْ فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ . قَالَ : وَيَلْكُمُ ! نَبِيُّ اللَّهِ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ ، كَيْفَ أَذْهَبُ أَدْعُو عَلَيْهِمْ ، وَأَنَا أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا أَعْلَمُ ؟ ! قَالُوا لَهُ : مَا لَنَا مِنْ مَنْزِلٍ ! فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ يُرَقِّقُونَهُ وَيَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهِ ، حَتَّى فَتَنُوهُ فَافْتُتِنَ ، فَرَكِبَ حَمَارَةً لَهُ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْجَبَلِ الَّذِي يُطْلِعُهُ عَلَى عَسْكَرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَهُوَ جَبَلُ حُسْبَانَ ، فَلَمَّا سَارَ عَلَيْهَا غَيْرَ كَثِيرٍ ، رَبَضَتْ بِهِ ، فَنَزَلَ عَنْهَا فَضَرَبَهَا ، حَتَّى إِذَا 511 أَذْلَقَهَا قَامَتْ فَرَكِبَهَا . فَلَمْ تَسْرِ بِهِ كَثِيرًا حَتَّى رَبَضَتْ بِهِ ، فَضَرَبَهَا حَتَّى إِذَا أَذْلَقَهَا أَذِنَ اللَّهُ لَهَا فَكَلَّمَتْهُ حُجَّةً عَلَيْهِ ، فَقَالَتْ : وَيْحَكَ يَا بَلْعَمُ : أَيْنَ تَذْهَبُ ؟ أَمَا تَرَى الْمَلَائِكَةَ أَمَامِي تَرُدُّنِي عَنْ وَجْهِي هَذَا ؟ أَتَذْهَبُ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ وَالْمُؤْمِنِينَ لِتَدْعُوَ عَلَيْهِمْ ؟ فَلَمْ يَنْزِعْ عَنْهَا يَضْرِبُهَا ، فَخَلَّى اللَّهُ سَبِيلَهَا حِينَ فَعَلَ بِهَا ذَلِكَ . فَانْطَلَقَتْ بِهِ حَتَّى إِذَا أَشْرَفَتْ بِهِ عَلَى رَأْسِ حُسْبَانَ ، عَلَى عَسْكَرِ مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ ، جَعَلَ يَدْعُو عَلَيْهِمْ ، وَلَا يَدْعُو عَلَيْهِمْ بَشَرٍّ إِلَّا صَرَفَ اللَّهُ لِسَانَهُ إِلَى قَوْمِهِ ، وَلَا يَدْعُو لِقَوْمِهِ بِخَيْرٍ إِلَّا صَرَفَ لِسَانَهُ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ . فَقَالَ لَهُ قَوْمُهُ : أَتَدْرِي يَا بَلْعَمُ مَا تَصْنَعُ ؟ إِنَّمَا تَدْعُو لَهُمْ ، وَتَدْعُو عَلَيْنَا ! قَالَ : فَهَذَا مَا لَا أَمْلِكُ ، هَذَا شَيْءٌ قَدْ غَلَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ! قَالَ : وَانْدَلَعَ لِسَانُهُ فَوَقَعَ عَلَى صَدْرِهِ ، فَقَالَ لَهُمْ : قَدْ ذَهَبَتْ مِنِّي الْآنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْمَكْرُ وَالْحِيلَةُ ، فَسَأَمْكُرُ لَكُمْ وَأَحْتَالُ ، جَمِّلُوا النِّسَاءَ وَأَعْطُوهُنَّ السِّلَعَ ، ثُمَّ أَرْسِلُوهُنَّ إِلَى الْعَسْكَرِ يَبِعْنَهَا فِيهِ ، وَمُرُوهُنَّ فَلَا تَمْنَعُ امْرَأَةٌ نَفْسَهَا مِنْ رَجُلٍ أَرَادَهَا ، فَإِنَّهُمْ إِنْ زَنَى رَجُلٌ مِنْهُمْ وَاحِدٌ كُفِيتُمُوهُمْ ، فَفَعَلُوا . فَلَمَّا دَخَلَ النِّسَاءُ الْعَسْكَرَ ، مَرَّتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْكَنْعَانِيِّينَ اسْمُهَا " كَسْبَى ابْنَةُ صُورَ ، رَأْسِ أُمَّتِهِ " بِرَجُلٍ مِنْ عُظَمَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَهُوَ " زَمْرَى بْنُ شَلُومَ " ، رَأْسُ سِبْطِ بَنِي سَمْعَانَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ، فَقَامَ إِلَيْهَا ، فَأَخَذَ بِيَدِهَا حِينَ أَعْجَبَهُ جَمَالُهَا ، ثُمَّ أَقْبَلَ بِهَا حَتَّى وَقَفَ بِهَا عَلَى مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَقَالَ : إِنِّي أَظُنُّكَ سَتَقُولُ هَذَا حَرَامٌ عَلَيْكَ ؟ قَالَ : أَجَلْ ، هِيَ حَرَامٌ عَلَيْكَ ، لَا تَقْرَبْهَا . قَالَ : فَوَاللَّهِ لَا نُطِيعُكَ فِي هَذَا . ثُمَّ دَخَلَ بِهَا قُبَّتَهُ فَوَقَعَ عَلَيْهَا . وَأَرْسَلَ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، الطَّاعُونَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَكَانَ فِنْحَاصُ بْنُ الْعَيْزَارِ بْنِ هَارُونَ ، صَاحِبَ أَمْرِ مُوسَى ، وَكَانَ غَائِبًا حِينَ صَنَعَ زَمْرَى بْنُ شَلُومَ مَا صَنَعَ ، فَجَاءَ وَالطَّاعُونُ يَجُوسُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَأُخْبِرَ الْخَبَرَ ، فَأَخَذَ حَرْبَتَهُ ، وَكَانَتْ مِنْ حَدِيدٍ كُلُّهَا ، ثُمَّ دَخَلَ الْقُبَّةَ وَهُمَا مُتَضَاجِعَانِ ، فَانْتَظَمَهُمَا بِحَرْبَتِهِ ، ثُمَّ خَرَجَ بِهِمَا رَافِعَهُمَا إِلَى السَّمَاءِ ، وَالْحَرْبَةُ قَدْ أَخَذَهَا بِذِرَاعِهِ ، وَاعْتَمَدَ بِمِرْفَقِهِ عَلَى خَاصِرَتِهِ ، وَأَسْنَدَ الْحَرْبَةَ إِلَى لَحْيَيْهِ - وَكَانَ بَكْرَ الْعَيْزَارِ - وَجَعَلَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ هَكَذَا نَفْعَلُ بِمَنْ يَعْصِيكَ . وَرُفِعَ الطَّاعُونُ ، فَحُسِبَ مَنْ هَلَكَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الطَّاعُونِ فِيمَا بَيْنُ أَنْ أَصَابَ زَمْرَى الْمَرْأَةَ إِلَى أَنْ قَتَلَهُ فِنْحَاصُ ، فَوَجَدُوهُ قَدْ هَلَكَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا - وَالْمُقَلِّلُ لَهُمْ يَقُولُ : عِشْرُونَ أَلْفًا - فِي سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ . فَمِنْ هُنَالِكَ تُعْطِي بَنُو إِسْرَائِيلَ وَلَدَ فِنْحَاصَ مِنْ كُلِّ ذَبِيحَةٍ ذَبَحُوهَا الْقُبَّةَ وَالذِّرَاعَ وَاللَّحْيَ - لِاعْتِمَادِهِ بِالْحَرْبَةِ عَلَى خَاصِرَتِهِ ، وَأَخْذِهِ إِيَّاهَا بِذِرَاعِهِ ، وَإِسْنَادِهِ إِيَّاهَا إِلَى لَحْيَيْهِ - وَالْبِكْرَ مِنْ كُلِّ أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ; لِأَنَّهُ كَانَ بَكْرَ أَبِيهِ الْعَيْزَارِ . فَفِي بَلْعَامَ بْنِ بَاعُورَاءَ أَنْزَلَ اللَّهُ : ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا [ فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ ] ) - إِلَى قَوْلِهِ : ( لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ )
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ) اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَاهُ فَأَمَّا عَلَى سِيَاقِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي النَّضْرِ : أَنَّ بَلْعَامَ انْدَلَعَ لِسَانُهُ عَلَى صَدْرِهِ - فَتَشْبِيهُهُ بِالْكَلْبِ فِي لَهْثِهِ فِي كِلْتَا حَالَتَيْهِ إِنْ زُجِرَ وَإِنْ تُرِكَ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ : فَصَارَ مِثْلَهُ فِي ضَلَالِهِ وَاسْتِمْرَارِهِ فِيهِ ، وَعَدَمِ انْتِفَاعِهِ بِالدُّعَاءِ إِلَى الْإِيمَانِ وَعَدَمِ الدُّعَاءِ ، كَالْكَلْبِ فِي لَهْثِهِ فِي حَالَتَيْهِ ، إِنْ 512 حَمَلْتَ عَلَيْهِ وَإِنَّ تَرِكْتَهُ ، هُوَ يَلْهَثُ فِي الْحَالَيْنِ ، فَكَذَلِكَ هَذَا لَا يَنْتَفِعُ بِالْمَوْعِظَةِ وَالدَّعْوَةِ إِلَى الْإِيمَانِ وَلَا عَدَمِهِ ; كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ) [ الْبَقَرَةِ : 6 ] ، ( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ) [ التَّوْبَةِ : 80 ] وَنَحْوَ ذَلِكَ .
وَقِيلَ : مَعْنَاهُ : أَنَّ قَلْبَ الْكَافِرِ وَالْمُنَافِقِ وَالضَّالِّ ، ضَعِيفٌ فَارِغٌ مِنَ الْهُدَى ، فَهُوَ كَثِيرُ الْوَجِيبِ فَعَبَّرَ عَنْ هَذَا بِهَذَا ، نُقِلَ نَحْوُهُ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَغَيْرِهِ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) يَقُولُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ ) أَيْ : لَعَلَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ الْعَالِمِينَ بِحَالِ بَلْعَامَ ، وَمَا جَرَى لَهُ فِي إِضْلَالِ اللَّهِ إِيَّاهُ وَإِبْعَادِهِ مِنْ رَحْمَتِهِ ، بِسَبَبِ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ - فِي تَعْلِيمِهِ الِاسْمَ الْأَعْظَمَ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى ، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ - فِي غَيْرِ طَاعَةِ رَبِّهِ ، بَلْ دَعَا بِهِ عَلَى حِزْبِ الرَّحْمَنِ ، وَشِعْبِ الْإِيمَانِ ، أَتْبَاعِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ ، كَلِيمِ اللَّهِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ ، [ عَلَيْهِ السَّلَامُ ] ; وَلِهَذَا قَالَ : ( لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) أَيْ : فَيَحْذَرُوا أَنْ يَكُونُوا مِثْلَهُ ; فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَاهُمْ عِلْمًا ، وَمَيَّزَهُمْ عَلَى مَنْ عَدَاهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ ، وَجَعَلَ بِأَيْدِيهِمْ صِفَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْرِفُونَهَا كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ، فَهُمْ أَحَقُّ النَّاسِ وَأَوْلَاهُمْ بِاتِّبَاعِهِ وَمُنَاصَرَتِهِ وَمُؤَازَرَتِهِ ، كَمَا أَخْبَرَتْهُمْ أَنْبِيَاؤُهُمْ بِذَلِكَ وَأَمَرَتْهُمْ بِهِ ; وَلِهَذَا مَنْ خَالَفَ مِنْهُمْ مَا فِي كِتَابِهِ وَكَتَمَهُ فَلَمْ يُعْلِمْ بِهِ الْعِبَادَ ، أَحَلَّ اللَّهُ بِهِ ذُلًّا فِي الدُّنْيَا مَوْصُولًا بِذُلِّ الْآخِرَةِ .
وَقَوْلُهُ : ( سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ ) يَقُولُ تَعَالَى سَاءَ مَثَلًا مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ، أَيْ : سَاءَ مَثَلُهُمْ أَنْ شُبِّهُوا بِالْكِلَابِ الَّتِي لَا هِمَّةَ لَهَا إِلَّا فِي تَحْصِيلِ أَكْلَةٍ أَوْ شَهْوَةٍ ، فَمَنْ خَرَجَ عَنْ حَيِّزِ الْعِلْمِ وَالْهُدَى وَأَقْبَلَ عَلَى شَهْوَةِ نَفْسِهِ ، وَاتَّبِعْ هَوَاهُ ، صَارَ شَبِيهًا بِالْكَلْبِ ، وَبِئْسَ الْمَثَلُ مَثَلُهُ ; وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ ، الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ "
وَقَوْلُهُ : ( وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ ) أَيْ : مَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ، وَلَكِنْ هُمْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ، بِإِعْرَاضِهِمْ عَنِ اتِّبَاعِ الْهُدَى ، وَطَاعَةِ الْمَوْلَى ، إِلَى الرُّكُونِ إِلَى دَارِ الْبِلَى ، وَالْإِقْبَالِ عَلَى تَحْصِيلِ اللَّذَّاتِ وَمُوَافَقَةِ الْهَوَى .
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ وَمَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، 507 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا [ فَأَتْبَعَهُ ] ) الْآيَةَ ، قَالَ : هُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، يُقَالُ لَهُ : بَلْعَمُ بْنُ أَبَرَ . وَكَذَا رَوَاهُ شُعْبَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، بِهِ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ] هُوَ صَيْفِيُّ بْنُ الرَّاهِبِ .
قَالَ قَتَادَةُ : وَقَالَ كَعْبٌ : كَانَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَلْقَاءِ ، وَكَانَ يَعْلَمُ الِاسْمَ الْأَكْبَرَ ، وَكَانَ مُقِيمًا بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ مَعَ الْجَبَّارِينَ .
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ] هُوَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ ، يُقَالُ لَهُ : بَلْعَمُ ، آتَاهُ اللَّهُ آيَاتِهِ فَتَرَكَهَا .
وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ : كَانَ مِنْ عُلَمَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَكَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ ، يُقَدِّمُونَهُ فِي الشَّدَائِدِ ، بَعَثَهُ نَبِيُّ اللَّهِ مُوسَى إِلَى مَلِكِ مَدْيَنَ يَدْعُوهُ إِلَى اللَّهِ ، فَأَقْطَعُهُ وَأَعْطَاهُ ، فَتَبِعَ دِينَهُ وَتَرَكَ دِينَ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ .
وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ] هُوَ بَلْعَمُ بْنُ بَاعِرَ . وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ] قَالَ : هُوَ بِلْعَامُ - وَقَالَتْ ثَقِيفٌ : هُوَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ .
وَقَالَ شُعْبَةُ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ عَاصِمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ] فِي قَوْلِهِ : ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ [ آيَاتِنَا ] ) قَالَ : هُوَ صَاحِبُكُمْ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ .
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ ، عَنْهُ وَهُوَ صَحِيحٌ إِلَيْهِ ، وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ أُمَيَّةَ بْنَ أَبِي الصَّلْتِ يُشْبِهُهُ ، فَإِنَّهُ كَانَ قَدِ اتَّصَلَ إِلَيْهِ عِلْمٌ كَثِيرٌ مِنْ عِلْمِ الشَّرَائِعِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِعِلْمِهِ ، فَإِنَّهُ أَدْرَكَ زَمَانَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَبَلَغَتْهُ أَعْلَامُهُ وَآيَاتُهُ وَمُعْجِزَاتُهُ ، وَظَهَرَتْ لِكُلِّ مَنْ لَهُ بَصِيرَةٌ ، وَمَعَ هَذَا اجْتَمَعَ بِهِ وَلَمْ يَتْبَعْهُ ، وَصَارَ إِلَى مُوَالَاةِ الْمُشْرِكِينَ وَمُنَاصَرَتِهِمْ وَامْتِدَاحِهِمْ ، وَرَثَى أَهْلَ بَدْرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِمَرْثَاةٍ بَلِيغَةٍ ، قَبَّحَهُ اللَّهُ [ تَعَالَى ] وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ : " أَنَّهُ مِمَّنْ آمَنَ لِسَانُهُ ، وَلَمْ يُؤْمِنْ قَلْبُهُ " ; فَإِنَّ لَهُ أَشْعَارًا رَبَّانِيَّةً وَحِكَمًا وَفَصَاحَةً ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَشْرَحِ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْأَعْوَرِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا ) قَالَ : هُوَ رَجُلٌ أُعْطِيَ ثَلَاثَ دَعْوَاتٍ يُسْتَجَابُ لَهُ فِيهِنَّ ، وَكَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ ، فَقَالَتْ : اجْعَلْ لِي مِنْهَا وَاحِدَةً . قَالَ : 508 فَلَكِ وَاحِدَةٌ ، فَمَا الَّذِي تُرِيدِينَ ؟ قَالَتْ : ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي أَجْمَلَ امْرَأَةٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ . فَدَعَا اللَّهَ ، فَجَعَلَهَا أَجْمَلَ امْرَأَةٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَلَمَّا عَلِمَتْ أَنْ لَيْسَ فِيهِمْ مِثْلُهَا رَغِبَتْ عَنْهُ ، وَأَرَادَتْ شَيْئًا آخَرَ ، فَدَعَا اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَهَا كَلْبَةً ، فَصَارَتْ كَلْبَةً ، فَذَهَبَتْ دَعْوَتَانِ . فَجَاءَ بَنُوهَا فَقَالُوا : لَيْسَ بِنَا عَلَى هَذَا قَرَارٌ ، قَدْ صَارَتْ أُمُّنَا كَلْبَةً يُعَيِّرُنَا النَّاسُ بِهَا ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَرُدَّهَا إِلَى الْحَالِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا ، فَدَعَا اللَّهَ ، فَعَادَتْ كَمَا كَانَتْ ، فَذَهَبْتِ الدَّعْوَاتُ الثَّلَاثُ ، وَسُمِّيَتِ الْبَسُوسُ . غَرِيبٌ .
وَأَمَّا الْمَشْهُورُ فِي سَبَبٍ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ، فَإِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي زَمَنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : هُوَ رَجُلٌ مِنْ مَدِينَةِ الْجَبَّارِينَ ، يُقَالُ لَهُ : " بَلْعَامُ " وَكَانَ يَعْلَمُ اسْمَ اللَّهِ الْأَكْبَرَ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ : كَانَ [ رَجُلًا ] مُجَابَ الدَّعْوَةِ ، وَلَا يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ .
وَأَغْرَبَ ، بَلْ أَبْعَدَ ، بَلْ أَخْطَأَ مَنْ قَالَ : كَانَ قَدْ أُوتِيَ النُّبُوَّةَ فَانْسَلَخَ مِنْهَا . حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ بَعْضِهِمْ ، وَلَا يَصِحُّ
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : لَمَّا نَزَلَ مُوسَى بِهِمْ - يَعْنِي بِالْجَبَّارِينَ - وَمَنْ مَعَهُ ، أَتَاهُ يَعْنِي بَلْعَامُ - أَتَاهُ بَنُو عَمِّهِ وَقَوْمُهُ ، فَقَالُوا : إِنَّ مُوسَى رَجُلٌ حَدِيدٌ ، وَمَعَهُ جُنُودٌ كَثِيرَةٌ ، وَإِنَّهُ إِنْ يَظْهَرْ عَلَيْنَا يُهْلِكْنَا ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَرُدَّ عَنَّا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ . قَالَ : إِنِّي إِنْ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يَرُدَّ مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ ، ذَهَبَتْ دُنْيَايَ وَآخِرَتِي . فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى دَعَا عَلَيْهِمْ ، فَسَلَخَهُ اللَّهُ مَا كَانَ عَلَيْهِ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ [ مِنَ الْغَاوِينَ ] )
وَقَالَ السُّدِّيُّ : إِنَّ اللَّهَ لَمَّا انْقَضَّتِ الْأَرْبَعُونَ سَنَةً الَّتِي قَالَ اللَّهُ : ( فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً ) [ الْمَائِدَةِ : 26 ] بَعَثَ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ نَبِيًّا ، فَدَعَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ ، وَأَنَّ اللَّهَ [ قَدْ ] أَمَرَهُ أَنْ يُقَاتِلَ الْجَبَّارِينَ ، فَبَايَعُوهُ وَصَدَّقُوهُ . وَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يُقَالُ لَهُ : " بَلْعَمُ " وَكَانَ عَالَمًا ، يَعْلَمُ الِاسْمَ الْأَعْظَمَ الْمَكْتُومَ ، فَكَفَرَ - لَعَنَهُ اللَّهُ - وَأَتَى الْجَبَّارِينَ وَقَالَ لَهُمْ : لَا تَرْهَبُوا بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَإِنِّي إِذَا خَرَجْتُمْ تُقَاتِلُونَهُمُ أَدْعُوَا عَلَيْهِمْ دَعْوَةً فَيَهْلِكُونَ ! وَكَانَ عِنْدَهُمْ فِيمَا شَاءَ مِنَ الدُّنْيَا ، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَأْتِيَ النِّسَاءَ ، يُعَظِّمُهُنَّ فَكَانَ يَنْكِحُ أَتَانًا لَهُ ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ) فَانْسَلَخَ مِنْهَا )
509 وَقَوْلُهُ : ( فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ ) أَيِ : اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ وَغَلَبَهُ عَلَى أَمْرِهِ ، فَمَهْمَا أَمَرَهُ امْتَثَلَ وَأَطَاعَهُ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ) أَيْ : مِنَ الْهَالِكِينَ الْحَائِرَيْنِ الْبَائِرَيْنِ .
وَقَدْ وَرَدَ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ حَدِيثٌ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمُوصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ حَيْثُ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، عَنِ الصَّلْتِ بْنِ بَهْرَامَ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ ، حَدَّثَنَا جُنْدُبٌ الْبَجَلِيُّ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ ; أَنَّ حُذَيْفَةَ - يَعْنِي ابْنَ الْيَمَانِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَدَّثَهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ مِمَّا أَتَخَوَّفُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ قَرَأَ الْقُرْآنَ ، حَتَّى إِذَا رُؤِيَتْ بَهْجَتُهُ عَلَيْهِ وَكَانَ رِدْءَ الْإِسْلَامِ اعْتَرَاهُ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ ، انْسَلَخَ مِنْهُ ، وَنَبَذَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ، وَسَعَى عَلَى جَارِهِ بِالسَّيْفِ ، وَرَمَاهُ بِالشِّرْكِ " . قَالَ : قُلْتُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، أَيُّهُمَا أَوْلَى بِالشِّرْكِ : الْمَرْمِيُّ أَوِ الرَّامِي ؟ قَالَ : " بَلِ الرَّامِي " .
هَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ وَالصَّلْتُ بْنُ بَهْرَامَ كَانَ مِنْ ثِقَاتِ الْكُوفِيِّينَ ، وَلَمْ يُرْمَ بِشَيْءٍ سِوَى الْإِرْجَاءِ ، وَقَدْ وَثَّقَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، وَغَيْرُهُمَا .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ) يَقُولُ تَعَالَى : ( وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ) أَيْ : لَرَفَعْنَاهُ مِنَ التَّدَنُّسِ عَنْ قَاذُورَاتِ الدُّنْيَا بِالْآيَاتِ الَّتِي آتَيْنَاهُ إِيَّاهَا ، ( وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ ) أَيْ : مَالَ إِلَى زِينَةِ الدُّنْيَا وَزَهْرَتِهَا ، وَأَقْبَلَ عَلَى لَذَّاتِهَا وَنَعِيمِهَا ، وَغَرَّتْهُ كَمَا غَرَّتْ غَيْرَهُ مِنْ غَيْرِ أُولِي الْبَصَائِرِ وَالنُّهَى .
وَقَالَ أَبُو الزَّاهِرِيَّةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ ) قَالَ : تَرَاءَى لَهُ الشَّيْطَانُ عَلَى غَلْوَةٍ مِنْ قَنْطَرَةِ بَانْيَاسَ ، فَسَجَدَتِ الْحِمَارَةُ لِلَّهِ ، وَسَجَدَ بَلْعَامُ لِلشَّيْطَانِ . وَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : وَكَانَ مِنْ قِصَّةِ هَذَا الرَّجُلِ : مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ : ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا [ فَانْسَلَخَ مِنْهَا ] ) فَحَدَّثَ عَنْ سَيَّارٍ أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ بَلْعَامُ ، وَكَانَ قَدْ أُوتِيَ النُّبُوَّةَ وَكَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ ، قَالَ : وَإِنَّ مُوسَى أَقْبَلَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُرِيدُ الْأَرْضَ الَّتِي فِيهَا بَلْعَامُ - أَوْ قَالَ : الشَّامَ - قَالَ فَرُعِبَ النَّاسُ مِنْهُ رُعْبًا شَدِيدًا ، قَالَ : فَأَتَوْا بَلْعَامَ ، فَقَالُوا : ادْعُ اللَّهَ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ وَجَيْشِهِ ! قَالَ : حَتَّى أُوَامِرَ رَبِّي - أَوْ : حَتَّى أُؤَامِرَ - قَالَ : فَوَامَرَ فِي الدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ ، فَقِيلَ لَهُ : لَا تَدْعُ عَلَيْهِمْ ، فَإِنَّهُمْ عِبَادِي ، وَفِيهِمْ نَبِيُّهُمْ . قَالَ : فَقَالَ لِقَوْمِهِ : إِنِّي قَدْ آمَرْتُ رَبِّي فِي الدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ ، وَإِنِّي قَدْ نُهِيتُ . فَأَهْدَوْا لَهُ هَدِيَّةً فَقَبِلَهَا ، ثُمَّ رَاجَعُوهُ فَقَالُوا : ادْعُ عَلَيْهِمْ . فَقَالَ : حَتَّى أَوَامِرَ . فَوَامَرَ ، فَلَمْ يَحُرْ إِلَيْهِ شَيْءٌ . فَقَالَ : قَدْ وَامَرْتَ فَلَمْ يَحُرْ إِلَيَّ شَيْءٌ ! فَقَالُوا : لَوْ كَرِهَ رَبُّكَ أَنْ تَدْعُوَ عَلَيْهِمْ لَنَهَاكَ كَمَا نَهَاكَ الْمَرَّةَ الْأُولَى . قَالَ : فَأَخَذَ يَدْعُو عَلَيْهِمْ ، فَإِذَا دَعَا عَلَيْهِمْ ، جَرَى عَلَى لِسَانِهِ الدُّعَاءُ عَلَى قَوْمِهِ ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ أَنْ يَفْتَحَ 510 لِقَوْمِهِ دَعَا أَنْ يَفْتَحَ لِمُوسَى وَجَيْشِهِ - أَوْ نَحْوًا مِنْ ذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . قَالَ مَا نَرَاكَ تَدْعُو إِلَّا عَلَيْنَا . قَالَ : مَا يَجْرِي عَلَى لِسَانِي إِلَّا هَكَذَا ، وَلَوْ دَعَوْتُ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا اسْتُجِيبَ لِي ، وَلَكِنْ سَأَدُلُّكُمْ عَلَى أَمْرٍ عَسَى أَنْ يَكُونَ فِيهِ هَلَاكُهُمْ . إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الزِّنَا ، وَإِنَّهُمْ إِنْ وَقَعُوا بِالزِّنَا هَلَكُوا ، وَرَجَوْتُ أَنْ يُهْلِكَهُمُ اللَّهُ ، فَأَخْرِجُوا النِّسَاءَ يَسْتَقْبِلْنَهُمْ ; فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ مُسَافِرُونَ ، فَعَسَى أَنْ يَزْنُوا فَيَهْلَكُوا . قَالَ : فَفَعَلُوا . قَالَ : فَأَخْرَجُوا النِّسَاءَ يَسْتَقْبِلْنَهُمْ . قَالَ : وَكَانَ لِلْمَلِكِ ابْنَةٌ ، فَذَكَرَ مِنْ عِظَمِهَا مَا اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ ! قَالَ : فَقَالَ أَبُوهَا - أَوْ بَلْعَامُ - : لَا تُمَكِّنِي نَفْسَكِ إِلَّا مِنْ مُوسَى ! قَالَ : وَوَقَعُوا فِي الزِّنَا . قَالَ : وَأَتَاهَا رَأْسُ سِبْطٍ مِنْ أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، قَالَ : فَأَرَادَهَا عَلَى نَفْسِهِ ، فَقَالَتْ : مَا أَنَا بِمُمَكِّنَةِ نَفْسِي إِلَّا مِنْ مُوسَى . قَالَ : فَقَالَ : إِنَّ مَنْزِلَتِي كَذَا وَكَذَا ، وَإِنَّ مِنْ حَالِي كَذَا وَكَذَا . قَالَ : فَأَرْسَلَتْ إِلَى أَبِيهَا تَسْتَأْمِرُهُ ، قَالَ : فَقَالَ لَهَا : فَأَمْكِنِيهِ قَالَ : وَيَأْتِيهِمَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَارُونَ وَمَعَهُ الرُّمْحُ فَيَطْعَنُهُمَا . قَالَ : وَأَيَّدَهُ اللَّهُ بِقُوَّةٍ . فَانْتَظَمَهُمَا جَمِيعًا ، وَرَفَعَهُمَا عَلَى رُمْحِهِ فَرَآهُمَا النَّاسُ - أَوْ كَمَا حَدَّثَ - قَالَ : وَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الطَّاعُونَ ، فَمَاتَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا .
قَالَ أَبُو الْمُعْتَمِرِ : فَحَدَّثَنِي سَيَّارٌ : أَنَّ بَلْعَامَ رَكِبَ حَمَّارَةً لَهُ حَتَّى أَتَى الْعَلُولَى - أَوْ قَالَ : طَرِيقًا مِنَ الْعَلُولَى - جَعَلَ يَضْرِبُهَا وَلَا تَقَدَّمُ ، وَقَامَتْ عَلَيْهِ فَقَالَتْ : عَلَامَ تَضْرِبُنِي ؟ أَمَا تَرَى هَذَا الَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ ؟ فَإِذَا الشَّيْطَانُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، قَالَ : فَنَزَلَ وَسَجَدَ لَهُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا ) إِلَى قَوْلِهِ : ( لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ )
قَالَ : فَحَدَّثَنِي بِهَذَا سَيَّارٌ ، وَلَا أَدْرِي لَعَلَّهُ قَدْ دَخَلَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ حَدِيثِ غَيْرِهِ .
قُلْتُ : هُوَ بَلْعَامُ - وَيُقَالُ : بُلْعُمُ - بْنُ بَاعُورَاءَ ، ابْنُ أَبَرَ . وَيُقَالُ : ابْنُ بَاعُورَ بْنِ شُهُومَ بْنِ قَوَشْتَمَ بْنِ مَابَ بْنِ لُوطِ بْنِ هَارَانَ - وَيُقَالُ : ابْنُ حَرَانَ - بْنِ آزَرَ . وَكَانَ يَسْكُنُ قَرْيَةً مِنْ قُرَى الْبَلْقَاءِ .
قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ : وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَعْرِفُ اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ ، فَانْسَلَخَ مِنْ دِينِهِ ، لَهُ ذِكْرٌ فِي الْقُرْآنِ . ثُمَّ أَوْرَدَ مِنْ قِصَّتِهِ نَحْوًا مِمَّا ذَكَرْنَا هَاهُنَا ، وَأَوْرَدَهُ عَنْ وَهْبٍ وَغَيْرِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ ; أَنَّهُ حَدَّثَ : أَنَّ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لَمَّا نَزَلَ فِي أَرْضِ بَنِي كَنْعَانَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ ، أَتَى قَوْمُ بَلْعَامَ إِلَيْهِ فَقَالُوا لَهُ : هَذَا مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ، قَدْ جَاءَ يُخْرِجُنَا مِنْ بِلَادِنَا وَيَقْتُلُنَا وَيُحِلُّهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَإِنَّا قَوْمُكَ ، وَلَيْسَ لَنَا مَنْزِلٌ ، وَأَنْتَ رَجُلٌ مُجَابُ الدَّعْوَةِ ، فَاخْرُجْ فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ . قَالَ : وَيَلْكُمُ ! نَبِيُّ اللَّهِ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ ، كَيْفَ أَذْهَبُ أَدْعُو عَلَيْهِمْ ، وَأَنَا أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا أَعْلَمُ ؟ ! قَالُوا لَهُ : مَا لَنَا مِنْ مَنْزِلٍ ! فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ يُرَقِّقُونَهُ وَيَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهِ ، حَتَّى فَتَنُوهُ فَافْتُتِنَ ، فَرَكِبَ حَمَارَةً لَهُ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْجَبَلِ الَّذِي يُطْلِعُهُ عَلَى عَسْكَرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَهُوَ جَبَلُ حُسْبَانَ ، فَلَمَّا سَارَ عَلَيْهَا غَيْرَ كَثِيرٍ ، رَبَضَتْ بِهِ ، فَنَزَلَ عَنْهَا فَضَرَبَهَا ، حَتَّى إِذَا 511 أَذْلَقَهَا قَامَتْ فَرَكِبَهَا . فَلَمْ تَسْرِ بِهِ كَثِيرًا حَتَّى رَبَضَتْ بِهِ ، فَضَرَبَهَا حَتَّى إِذَا أَذْلَقَهَا أَذِنَ اللَّهُ لَهَا فَكَلَّمَتْهُ حُجَّةً عَلَيْهِ ، فَقَالَتْ : وَيْحَكَ يَا بَلْعَمُ : أَيْنَ تَذْهَبُ ؟ أَمَا تَرَى الْمَلَائِكَةَ أَمَامِي تَرُدُّنِي عَنْ وَجْهِي هَذَا ؟ أَتَذْهَبُ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ وَالْمُؤْمِنِينَ لِتَدْعُوَ عَلَيْهِمْ ؟ فَلَمْ يَنْزِعْ عَنْهَا يَضْرِبُهَا ، فَخَلَّى اللَّهُ سَبِيلَهَا حِينَ فَعَلَ بِهَا ذَلِكَ . فَانْطَلَقَتْ بِهِ حَتَّى إِذَا أَشْرَفَتْ بِهِ عَلَى رَأْسِ حُسْبَانَ ، عَلَى عَسْكَرِ مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ ، جَعَلَ يَدْعُو عَلَيْهِمْ ، وَلَا يَدْعُو عَلَيْهِمْ بَشَرٍّ إِلَّا صَرَفَ اللَّهُ لِسَانَهُ إِلَى قَوْمِهِ ، وَلَا يَدْعُو لِقَوْمِهِ بِخَيْرٍ إِلَّا صَرَفَ لِسَانَهُ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ . فَقَالَ لَهُ قَوْمُهُ : أَتَدْرِي يَا بَلْعَمُ مَا تَصْنَعُ ؟ إِنَّمَا تَدْعُو لَهُمْ ، وَتَدْعُو عَلَيْنَا ! قَالَ : فَهَذَا مَا لَا أَمْلِكُ ، هَذَا شَيْءٌ قَدْ غَلَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ! قَالَ : وَانْدَلَعَ لِسَانُهُ فَوَقَعَ عَلَى صَدْرِهِ ، فَقَالَ لَهُمْ : قَدْ ذَهَبَتْ مِنِّي الْآنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْمَكْرُ وَالْحِيلَةُ ، فَسَأَمْكُرُ لَكُمْ وَأَحْتَالُ ، جَمِّلُوا النِّسَاءَ وَأَعْطُوهُنَّ السِّلَعَ ، ثُمَّ أَرْسِلُوهُنَّ إِلَى الْعَسْكَرِ يَبِعْنَهَا فِيهِ ، وَمُرُوهُنَّ فَلَا تَمْنَعُ امْرَأَةٌ نَفْسَهَا مِنْ رَجُلٍ أَرَادَهَا ، فَإِنَّهُمْ إِنْ زَنَى رَجُلٌ مِنْهُمْ وَاحِدٌ كُفِيتُمُوهُمْ ، فَفَعَلُوا . فَلَمَّا دَخَلَ النِّسَاءُ الْعَسْكَرَ ، مَرَّتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْكَنْعَانِيِّينَ اسْمُهَا " كَسْبَى ابْنَةُ صُورَ ، رَأْسِ أُمَّتِهِ " بِرَجُلٍ مِنْ عُظَمَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَهُوَ " زَمْرَى بْنُ شَلُومَ " ، رَأْسُ سِبْطِ بَنِي سَمْعَانَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ، فَقَامَ إِلَيْهَا ، فَأَخَذَ بِيَدِهَا حِينَ أَعْجَبَهُ جَمَالُهَا ، ثُمَّ أَقْبَلَ بِهَا حَتَّى وَقَفَ بِهَا عَلَى مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَقَالَ : إِنِّي أَظُنُّكَ سَتَقُولُ هَذَا حَرَامٌ عَلَيْكَ ؟ قَالَ : أَجَلْ ، هِيَ حَرَامٌ عَلَيْكَ ، لَا تَقْرَبْهَا . قَالَ : فَوَاللَّهِ لَا نُطِيعُكَ فِي هَذَا . ثُمَّ دَخَلَ بِهَا قُبَّتَهُ فَوَقَعَ عَلَيْهَا . وَأَرْسَلَ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، الطَّاعُونَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَكَانَ فِنْحَاصُ بْنُ الْعَيْزَارِ بْنِ هَارُونَ ، صَاحِبَ أَمْرِ مُوسَى ، وَكَانَ غَائِبًا حِينَ صَنَعَ زَمْرَى بْنُ شَلُومَ مَا صَنَعَ ، فَجَاءَ وَالطَّاعُونُ يَجُوسُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَأُخْبِرَ الْخَبَرَ ، فَأَخَذَ حَرْبَتَهُ ، وَكَانَتْ مِنْ حَدِيدٍ كُلُّهَا ، ثُمَّ دَخَلَ الْقُبَّةَ وَهُمَا مُتَضَاجِعَانِ ، فَانْتَظَمَهُمَا بِحَرْبَتِهِ ، ثُمَّ خَرَجَ بِهِمَا رَافِعَهُمَا إِلَى السَّمَاءِ ، وَالْحَرْبَةُ قَدْ أَخَذَهَا بِذِرَاعِهِ ، وَاعْتَمَدَ بِمِرْفَقِهِ عَلَى خَاصِرَتِهِ ، وَأَسْنَدَ الْحَرْبَةَ إِلَى لَحْيَيْهِ - وَكَانَ بَكْرَ الْعَيْزَارِ - وَجَعَلَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ هَكَذَا نَفْعَلُ بِمَنْ يَعْصِيكَ . وَرُفِعَ الطَّاعُونُ ، فَحُسِبَ مَنْ هَلَكَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الطَّاعُونِ فِيمَا بَيْنُ أَنْ أَصَابَ زَمْرَى الْمَرْأَةَ إِلَى أَنْ قَتَلَهُ فِنْحَاصُ ، فَوَجَدُوهُ قَدْ هَلَكَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا - وَالْمُقَلِّلُ لَهُمْ يَقُولُ : عِشْرُونَ أَلْفًا - فِي سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ . فَمِنْ هُنَالِكَ تُعْطِي بَنُو إِسْرَائِيلَ وَلَدَ فِنْحَاصَ مِنْ كُلِّ ذَبِيحَةٍ ذَبَحُوهَا الْقُبَّةَ وَالذِّرَاعَ وَاللَّحْيَ - لِاعْتِمَادِهِ بِالْحَرْبَةِ عَلَى خَاصِرَتِهِ ، وَأَخْذِهِ إِيَّاهَا بِذِرَاعِهِ ، وَإِسْنَادِهِ إِيَّاهَا إِلَى لَحْيَيْهِ - وَالْبِكْرَ مِنْ كُلِّ أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ; لِأَنَّهُ كَانَ بَكْرَ أَبِيهِ الْعَيْزَارِ . فَفِي بَلْعَامَ بْنِ بَاعُورَاءَ أَنْزَلَ اللَّهُ : ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا [ فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ ] ) - إِلَى قَوْلِهِ : ( لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ )
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ) اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَاهُ فَأَمَّا عَلَى سِيَاقِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي النَّضْرِ : أَنَّ بَلْعَامَ انْدَلَعَ لِسَانُهُ عَلَى صَدْرِهِ - فَتَشْبِيهُهُ بِالْكَلْبِ فِي لَهْثِهِ فِي كِلْتَا حَالَتَيْهِ إِنْ زُجِرَ وَإِنْ تُرِكَ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ : فَصَارَ مِثْلَهُ فِي ضَلَالِهِ وَاسْتِمْرَارِهِ فِيهِ ، وَعَدَمِ انْتِفَاعِهِ بِالدُّعَاءِ إِلَى الْإِيمَانِ وَعَدَمِ الدُّعَاءِ ، كَالْكَلْبِ فِي لَهْثِهِ فِي حَالَتَيْهِ ، إِنْ 512 حَمَلْتَ عَلَيْهِ وَإِنَّ تَرِكْتَهُ ، هُوَ يَلْهَثُ فِي الْحَالَيْنِ ، فَكَذَلِكَ هَذَا لَا يَنْتَفِعُ بِالْمَوْعِظَةِ وَالدَّعْوَةِ إِلَى الْإِيمَانِ وَلَا عَدَمِهِ ; كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ) [ الْبَقَرَةِ : 6 ] ، ( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ) [ التَّوْبَةِ : 80 ] وَنَحْوَ ذَلِكَ .
وَقِيلَ : مَعْنَاهُ : أَنَّ قَلْبَ الْكَافِرِ وَالْمُنَافِقِ وَالضَّالِّ ، ضَعِيفٌ فَارِغٌ مِنَ الْهُدَى ، فَهُوَ كَثِيرُ الْوَجِيبِ فَعَبَّرَ عَنْ هَذَا بِهَذَا ، نُقِلَ نَحْوُهُ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَغَيْرِهِ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) يَقُولُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ ) أَيْ : لَعَلَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ الْعَالِمِينَ بِحَالِ بَلْعَامَ ، وَمَا جَرَى لَهُ فِي إِضْلَالِ اللَّهِ إِيَّاهُ وَإِبْعَادِهِ مِنْ رَحْمَتِهِ ، بِسَبَبِ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ - فِي تَعْلِيمِهِ الِاسْمَ الْأَعْظَمَ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى ، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ - فِي غَيْرِ طَاعَةِ رَبِّهِ ، بَلْ دَعَا بِهِ عَلَى حِزْبِ الرَّحْمَنِ ، وَشِعْبِ الْإِيمَانِ ، أَتْبَاعِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ ، كَلِيمِ اللَّهِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ ، [ عَلَيْهِ السَّلَامُ ] ; وَلِهَذَا قَالَ : ( لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) أَيْ : فَيَحْذَرُوا أَنْ يَكُونُوا مِثْلَهُ ; فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَاهُمْ عِلْمًا ، وَمَيَّزَهُمْ عَلَى مَنْ عَدَاهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ ، وَجَعَلَ بِأَيْدِيهِمْ صِفَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْرِفُونَهَا كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ، فَهُمْ أَحَقُّ النَّاسِ وَأَوْلَاهُمْ بِاتِّبَاعِهِ وَمُنَاصَرَتِهِ وَمُؤَازَرَتِهِ ، كَمَا أَخْبَرَتْهُمْ أَنْبِيَاؤُهُمْ بِذَلِكَ وَأَمَرَتْهُمْ بِهِ ; وَلِهَذَا مَنْ خَالَفَ مِنْهُمْ مَا فِي كِتَابِهِ وَكَتَمَهُ فَلَمْ يُعْلِمْ بِهِ الْعِبَادَ ، أَحَلَّ اللَّهُ بِهِ ذُلًّا فِي الدُّنْيَا مَوْصُولًا بِذُلِّ الْآخِرَةِ .
وَقَوْلُهُ : ( سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ ) يَقُولُ تَعَالَى سَاءَ مَثَلًا مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ، أَيْ : سَاءَ مَثَلُهُمْ أَنْ شُبِّهُوا بِالْكِلَابِ الَّتِي لَا هِمَّةَ لَهَا إِلَّا فِي تَحْصِيلِ أَكْلَةٍ أَوْ شَهْوَةٍ ، فَمَنْ خَرَجَ عَنْ حَيِّزِ الْعِلْمِ وَالْهُدَى وَأَقْبَلَ عَلَى شَهْوَةِ نَفْسِهِ ، وَاتَّبِعْ هَوَاهُ ، صَارَ شَبِيهًا بِالْكَلْبِ ، وَبِئْسَ الْمَثَلُ مَثَلُهُ ; وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ ، الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ "
وَقَوْلُهُ : ( وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ ) أَيْ : مَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ، وَلَكِنْ هُمْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ، بِإِعْرَاضِهِمْ عَنِ اتِّبَاعِ الْهُدَى ، وَطَاعَةِ الْمَوْلَى ، إِلَى الرُّكُونِ إِلَى دَارِ الْبِلَى ، وَالْإِقْبَالِ عَلَى تَحْصِيلِ اللَّذَّاتِ وَمُوَافَقَةِ الْهَوَى .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith