تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثالث
494 ( وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( 164 ) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ( 165 ) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) ( 166 ) .
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ أَنَّهُمْ صَارُوا إِلَى ثَلَاثِ فِرَقٍ : فِرْقَةٌ ارْتَكَبَتِ الْمَحْذُورَ ، وَاحْتَالُوا عَلَى اصْطِيَادِ السَّمَكِ يَوْمَ السَّبْتِ ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ . وَفِرْقَةٌ نَهَتْ عَنْ ذَلِكَ ، [ وَأَنْكَرَتْ ] وَاعْتَزَلَتْهُمْ . وَفِرْقَةٌ سَكَتَتْ فَلَمْ تَفْعَلْ وَلَمْ تَنْهَ ، وَلَكِنَّهَا قَالَتْ لِلْمُنْكِرَةِ : ( لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ) ؟ أَيْ : لِمَ تَنْهَوْنَ هَؤُلَاءِ ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُمْ هَلَكُوا وَاسْتَحَقُّوا الْعُقُوبَةَ مِنَ اللَّهِ ؟ فَلَا فَائِدَةَ فِي نَهْيِكُمْ إِيَّاهُمْ . قَالَتْ لَهُمُ الْمُنْكِرَةُ : ( مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ ) قَرَأَ بَعْضُهُمْ بِالرَّفْعِ ، كَأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِهِ : هَذَا مَعْذِرَةٌ وَقَرَأَ آخَرُونَ بِالنَّصْبِ ، أَيْ : نَفْعَلُ ذَلِكَ ( مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ ) أَيْ : فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ ) وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) يَقُولُونَ : وَلَعَلَّ بِهَذَا الْإِنْكَارِ يَتَّقُونَ مَا هُمْ فِيهِ وَيَتْرُكُونَهُ ، وَيَرْجِعُونَ إِلَى اللَّهِ تَائِبِينَ ، فَإِذَا تَابُوا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَحِمَهُمْ .
قَالَ تَعَالَى : ( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ ) أَيْ : فَلَمَّا أَبَى الْفَاعِلُونَ الْمُنْكَرَ قَبُولَ النَّصِيحَةِ ، ( أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا ) أَيْ : ارْتَكَبُوا الْمَعْصِيَةَ ( بِعَذَابٍ بَئِيسٍ ) فَنَصَّ عَلَى نَجَاةِ النَّاهِينَ وَهَلَاكِ الظَّالِمِينَ ، وَسَكَتَ عَنِ السَّاكِتِينَ ; لِأَنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ ، فَهُمْ لَا يَسْتَحِقُّونَ مَدْحًا فَيُمْدَحُوا ، وَلَا ارْتَكَبُوا عَظِيمًا فَيُذَمُّوا ، وَمَعَ هَذَا فَقَدَ اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فِيهِمْ : هَلْ كَانُوا مِنَ الْهَالِكِينَ أَوْ مِنَ النَّاجِينَ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ :
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ) [ قَالَ : ] هِيَ قَرْيَةٌ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ بَيْنَ مِصْرَ وَالْمَدِينَةِ ، يُقَالُ لَهَا : " أَيْلَةُ " ، فَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْحِيتَانَ يَوْمَ سَبْتِهِمْ ، وَكَانَتِ الْحِيتَانُ تَأْتِيهِمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا فِي سَاحِلِ الْبَحْرِ ، فَإِذَا مَضَى يَوْمُ السَّبْتِ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهَا . فَمَضَى عَلَى ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ إِنْ طَائِفَةً مِنْهُمْ أَخَذُوا الْحِيتَانَ يَوْمَ سَبْتِهِمْ ، فَنَهَتْهُمْ طَائِفَةٌ وَقَالُوا : تَأْخُذُونَهَا وَقَدْ حَرَّمَهَا اللَّهُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ سَبْتِكُمْ ؟ فَلَمْ يَزْدَادُوا إِلَّا غَيًّا وَعُتُوًّا ، وَجَعَلَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى تَنْهَاهُمْ ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ النُّهَاةِ : تَعْلَمُونَ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ قَدْ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ ، ( لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ [ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ] ) وَكَانُوا أَشَدَّ غَضَبًا لِلَّهِ مِنَ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى ؟ فَقَالُوا : ( مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) وَكُلٌّ قَدْ كَانُوا يَنْهَوْنَ ، فَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمْ غَضَبُ اللَّهِ نَجَتِ الطَّائِفَتَانِ اللَّتَانِ قَالُوا : ( لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ ) وَالَّذِينَ قَالُوا : ( مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ ) وَأَهْلَكَ اللَّهُ أَهْلَ مَعْصِيَتِهِ الَّذِينَ أَخَذُوا الْحِيتَانَ ، فَجَعَلَهُمْ قِرَدَةً .
وَرَوَى الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَرِيبًا مِنْ هَذَا .
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ) 495 قَالَ : مَا أَدْرِي أَنَجَّى الَّذِينَ قَالُوا : " أَتَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ " ، أَمْ لَا ؟ قَالَ : فَلَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى عَرَّفْتُهُ أَنَّهُمْ نَجَوْا ، فَكَسَانِي حُلَّةً .
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : جِئْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَوْمًا وَهُوَ يَبْكِي ، وَإِذَا الْمُصْحَفُ فِي حِجْرِهِ ، فَأَعْظَمْتُ أَنْ أَدْنُوَ ، ثُمَّ لَمْ أَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى تَقَدَّمْتُ فَجَلَسْتُ ، فَقُلْتُ : مَا يُبْكِيكَ يَا أَبَا عَبَّاسٍ ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ ؟ قَالَ : فَقَالَ : هَؤُلَاءِ الْوَرَقَاتِ . قَالَ : وَإِذَا هُوَ فِي " سُورَةِ الْأَعْرَافِ " ، قَالَ : تَعْرِفُ أَيْلَةَ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : فَإِنَّهُ كَانَ بِهَا حَيٌّ مِنْ يَهُودَ سِيقَتِ الْحِيتَانُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ السَّبْتِ ، ثُمَّ غَاصَتْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهَا حَتَّى يَغُوصُوا بَعْدَ كَدٍّ وَمُؤْنَةٍ شَدِيدَةٍ ، كَانَتْ تَأْتِيهِمْ يَوْمَ السَّبْتِ شُرَّعًا بِيضًا سِمَانًا كَأَنَّهَا الْمَاخِضُ ، تَتَبَطَّحُ ظُهُورُهَا لِبُطُونِهَا بِأَفْنِيَتِهِمْ . فَكَانُوا كَذَلِكَ بُرْهَةً مِنَ الدَّهْرِ ، ثُمَّ إِنِ الشَّيْطَانَ أَوْحَى إِلَيْهِمْ فَقَالَ : إِنَّمَا نُهِيتُمْ عَنْ أَكْلِهَا يَوْمَ السَّبْتِ ، فَخُذُوهَا فِيهِ ، وَكُلُوهَا فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَيَّامِ . فَقَالَتْ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : بَلْ نُهِيتُمْ عَنْ أَكْلِهَا وَأَخْذِهَا وَصَيْدِهَا يَوْمَ السَّبْتِ . فَكَانُوا كَذَلِكَ ، حَتَّى جَاءَتِ الْجُمُعَةُ الْمُقْبِلَةُ ، فَغَدَتْ طَائِفَةٌ بِأَنْفُسِهَا وَأَبْنَائِهَا وَنِسَائِهَا ، وَاعْتَزَلَتْ طَائِفَةٌ ذَاتَ الْيَمِينِ ، وَتَنَحَّتْ وَاعْتَزَلَتْ طَائِفَةٌ ذَاتَ الْيَسَارِ وَسَكَتَتْ . وَقَالَ الْأَيْمَنُونَ : وَيَلْكُمُ ، اللَّهَ اللَّهَ نَنْهَاكُمْ أَنْ تَتَعَرَّضُوا لِعُقُوبَةِ اللَّهِ . وَقَالَ الْأَيْسَرُونَ : ( لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ) ؟ قَالَ الْأَيْمَنُونَ : ( مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) إِنْ يَنْتَهُوا فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيْنَا أَلَّا يُصَابُوا وَلَا يَهْلِكُوا ، وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا فَمَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ . فَمَضَوْا عَلَى الْخَطِيئَةِ ، وَقَالَ الْأَيْمَنُونَ : فَقَدْ فَعَلْتُمْ ، يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ . وَاللَّهِ لَا نُبَايِتُكُمُ اللَّيْلَةَ فِي مَدِينَتِكُمْ ، وَاللَّهِ مَا نَرَاكُمْ تُصْبِحُونَ حَتَّى يُصَبِّحَكُمُ اللَّهُ بِخَسْفٍ أَوْ قَذْفٍ أَوْ بَعْضِ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْعَذَابِ . فَلَمَّا أَصْبَحُوا ضَرَبُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ وَنَادَوْا ، فَلَمْ يُجَابُوا ، فَوَضَعُوا سُلَّمًا ، وَأَعْلَوْا سُورَ الْمَدِينَةِ رَجُلًا فَالْتَفَتَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ : أَيْ عِبَادَ اللَّهِ ، قِرَدَةٌ وَاللَّهِ تُعَاوِي لَهَا أَذْنَابٌ . قَالَ : فَفَتَحُوا فَدَخَلُوا عَلَيْهِمْ ، فَعَرَفَتِ الْقُرُودُ أَنْسَابَهَا مِنَ الْإِنْسِ ، وَلَا تَعْرِفُ الْإِنْسُ أَنْسَابَهَا مِنَ الْقِرَدَةِ ، فَجَعَلَتِ الْقُرُودُ يَأْتِيهَا نَسِيبُهَا مِنَ الْإِنْسِ فَتَشُمُّ ثِيَابَهُ وَتَبْكِي ، فَتَقُولُ : أَلَمْ نَنْهَكُمْ عَنْ كَذَا ؟ فَتَقُولُ بِرَأْسِهَا ، أَيْ نَعَمْ . ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ ) قَالَ : فَأَرَى الَّذِينَ نَهَوْا قَدْ نَجَوْا ، وَلَا أَرَى الْآخَرِينَ ذُكِرُوا ، وَنَحْنُ نَرَى أَشْيَاءَ نُنْكِرُهَا وَلَا نَقُولُ فِيهَا ؟ . قَالَ : قُلْتُ : جَعَلَنِي اللَّهُ فَدَاكَ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ قَدْ كَرِهُوا مَا هُمْ عَلَيْهِ ، وَخَالَفُوهُمْ وَقَالُوا : ( لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ ) ؟ قَالَ : فَأَمَرَ لِي فَكُسِيتُ ثَوْبَيْنِ غَلِيظَيْنِ
وَكَذَا رَوَى مُجَاهِدٌ ، عَنْهُ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا يُونُسُ ، أَخْبَرَنَا أَشْهَبُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : زَعَمَ ابْنُ رُومَانَ 496 أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى : ( تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ ) قَالَ : كَانَتْ تَأْتِيهِمْ يَوْمَ السَّبْتِ ، فَإِذَا كَانَ الْمَسَاءُ ذَهَبَتْ ، فَلَا يُرَى مِنْهَا شَيْءٌ إِلَى يَوْمِ السَّبْتِ الْآخَرِ ، فَاتَّخَذَ - لِذَلِكَ - رَجُلٌ خَيْطًا وَوَتَدًا ، فَرَبَطَ حُوتًا مِنْهَا فِي الْمَاءِ يَوْمَ السَّبْتِ ، حَتَّى إِذَا أَمْسَوْا لَيْلَةَ الْأَحَدِ ، أَخَذَهُ فَاشْتَوَاهُ ، فَوَجَدَ النَّاسُ رِيحَهُ ، فَأَتَوْهُ فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَجَحَدَهُمْ ، فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى قَالَ لَهُمْ : " فَإِنَّهُ جِلْدُ حُوتٍ وَجَدْنَاهُ " . فَلَمَّا كَانَ السَّبْتُ الْآخَرُ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ - وَلَا أَدْرِي لَعَلَّهُ قَالَ : رَبَطَ حُوتَيْنِ - فَلَمَّا أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الْأَحَدِ أَخَذَهُ فَاشْتَوَاهُ ، فَوَجَدُوا رَائِحَةً ، فَجَاءُوا فَسَأَلُوهُ فَقَالَ لَهُمْ : لَوْ شِئْتُمْ صَنَعْتُمْ كَمَا أَصْنَعُ . فَقَالُوا لَهُ : وَمَا صَنَعْتَ ؟ فَأَخْبَرَهُمْ ، فَفَعَلُوا مِثْلَ مَا فَعَلَ ، حَتَّى كَثُرَ ذَلِكَ . وَكَانَتْ لَهُمْ مَدِينَةٌ لَهَا رَبَضٌ يُغْلِقُونَهَا عَلَيْهِمْ ، فَأَصَابَهُمْ مِنَ الْمَسْخِ مَا أَصَابَهُمْ . فَغَدَوْا عَلَيْهِمْ جِيرَانُهُمْ مِمَّا كَانُوا حَوْلَهُمْ ، يَطْلُبُونَ مِنْهُمْ مَا يَطْلُبُ النَّاسُ ، فَوَجَدُوا الْمَدِينَةَ مُغْلَقَةً عَلَيْهِمْ ، فَنَادَوْا فَلَمْ يُجِيبُوهُمْ ، فَتَسَوَّرُوا عَلَيْهِمْ ، فَإِذَا هُمْ قِرَدَةٌ ، فَجَعَلَ الْقِرْدُ يَدْنُو يَتَمَسَّحُ بِمَنْ كَانَ يَعْرِفُ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَيَدْنُو مِنْهُ وَيَتَمَسَّحُ بِهِ
وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ " الْبَقَرَةِ " مِنَ الْآثَارِ فِي خَبَرِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ مَا فِيهِ مَقْنَعٌ وَكِفَايَةٌ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ .
الْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّ السَّاكِتِينَ كَانُوا مِنَ الْهَالِكِينَ .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ; أَنَّهُ قَالَ : ابْتَدَعُوا السَّبْتَ فَابْتُلُوا فِيهِ ، فَحَرُمَتْ عَلَيْهِمْ فِيهِ الْحِيتَانُ ، فَكَانُوا إِذَا كَانَ يَوْمُ السَّبْتِ ، شَرَعَتْ لَهُمُ الْحِيتَانُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا فِي الْبَحْرِ . فَإِذَا انْقَضَى السَّبْتُ ، ذَهَبَتْ فَلَمْ تُرَ حَتَّى السَّبْتِ الْمُقْبِلِ ، فَإِذَا جَاءَ السَّبْتُ جَاءَتْ شُرَّعًا ، فَمَكَثُوا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثُوا كَذَلِكَ ، ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ أَخَذَ حُوتًا فَخَزَمَ أَنْفَهُ ثُمَّ ، ضَرَبَ لَهُ وَتَدًا فِي السَّاحِلِ ، وَرَبَطَهُ وَتَرَكَهُ فِي الْمَاءِ . فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ ، أَخَذَهُ فَشَوَاهُ فَأَكَلَهُ ، فَفَعَلَ ذَلِكَ وَهُمْ يَنْظُرُونَ وَلَا يُنْكِرُونَ ، وَلَا يَنْهَاهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ ، إِلَّا عُصْبَةٌ مِنْهُمْ نَهَوْهُ ، حَتَّى ظَهَرَ ذَلِكَ فِي الْأَسْوَاقِ ، فَفُعِلَ عَلَانِيَةً . قَالَ : فَقَالَتْ طَائِفَةٌ لِلَّذِينَ يَنْهَوْنَهُمْ : ( لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ ) فَقَالُوا : سَخِطَ أَعْمَالَهُمْ ( وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَانُوا أَثْلَاثًا : ثُلْثٌ نَهَوْا ، وَثُلْثٌ قَالُوا : ( لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ ) وَثُلْثٌ أَصْحَابُ الْخَطِيئَةِ ، فَمَا نَجَا إِلَّا الَّذِينَ نَهَوْا وَهَلَكَ سَائِرُهُمْ .
وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلَكِنْ رُجُوعَهُ إِلَى قَوْلِ عِكْرِمَةَ فِي نَجَاةِ السَّاكِتِينَ ، أَوْلَى مِنَ الْقَوْلِ بِهَذَا ; لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ حَالَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ ) فِيهِ دَلَالَةٌ بِالْمَفْهُومِ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ بَقُوا نَجَوْا .
وَ ) بَئِيسٍ ) فِيهِ قِرَاءَاتٌ كَثِيرَةٌ ، وَمَعْنَاهُ فِي قَوْلِ مُجَاهِدٍ : " الشَّدِيدُ " ، وَفِي رِوَايَةٍ : " أَلِيمٍ " . وَقَالَ قَتَادَةُ : مُوجِعٌ . وَالْكُلُّ مُتَقَارِبٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
497 وَقَوْلُهُ : ( خَاسِئِينَ ) أَيْ : ذَلِيلِينَ حَقِيرِينَ مُهَانِينَ .
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ أَنَّهُمْ صَارُوا إِلَى ثَلَاثِ فِرَقٍ : فِرْقَةٌ ارْتَكَبَتِ الْمَحْذُورَ ، وَاحْتَالُوا عَلَى اصْطِيَادِ السَّمَكِ يَوْمَ السَّبْتِ ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ . وَفِرْقَةٌ نَهَتْ عَنْ ذَلِكَ ، [ وَأَنْكَرَتْ ] وَاعْتَزَلَتْهُمْ . وَفِرْقَةٌ سَكَتَتْ فَلَمْ تَفْعَلْ وَلَمْ تَنْهَ ، وَلَكِنَّهَا قَالَتْ لِلْمُنْكِرَةِ : ( لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ) ؟ أَيْ : لِمَ تَنْهَوْنَ هَؤُلَاءِ ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُمْ هَلَكُوا وَاسْتَحَقُّوا الْعُقُوبَةَ مِنَ اللَّهِ ؟ فَلَا فَائِدَةَ فِي نَهْيِكُمْ إِيَّاهُمْ . قَالَتْ لَهُمُ الْمُنْكِرَةُ : ( مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ ) قَرَأَ بَعْضُهُمْ بِالرَّفْعِ ، كَأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِهِ : هَذَا مَعْذِرَةٌ وَقَرَأَ آخَرُونَ بِالنَّصْبِ ، أَيْ : نَفْعَلُ ذَلِكَ ( مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ ) أَيْ : فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ ) وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) يَقُولُونَ : وَلَعَلَّ بِهَذَا الْإِنْكَارِ يَتَّقُونَ مَا هُمْ فِيهِ وَيَتْرُكُونَهُ ، وَيَرْجِعُونَ إِلَى اللَّهِ تَائِبِينَ ، فَإِذَا تَابُوا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَحِمَهُمْ .
قَالَ تَعَالَى : ( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ ) أَيْ : فَلَمَّا أَبَى الْفَاعِلُونَ الْمُنْكَرَ قَبُولَ النَّصِيحَةِ ، ( أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا ) أَيْ : ارْتَكَبُوا الْمَعْصِيَةَ ( بِعَذَابٍ بَئِيسٍ ) فَنَصَّ عَلَى نَجَاةِ النَّاهِينَ وَهَلَاكِ الظَّالِمِينَ ، وَسَكَتَ عَنِ السَّاكِتِينَ ; لِأَنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ ، فَهُمْ لَا يَسْتَحِقُّونَ مَدْحًا فَيُمْدَحُوا ، وَلَا ارْتَكَبُوا عَظِيمًا فَيُذَمُّوا ، وَمَعَ هَذَا فَقَدَ اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فِيهِمْ : هَلْ كَانُوا مِنَ الْهَالِكِينَ أَوْ مِنَ النَّاجِينَ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ :
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ) [ قَالَ : ] هِيَ قَرْيَةٌ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ بَيْنَ مِصْرَ وَالْمَدِينَةِ ، يُقَالُ لَهَا : " أَيْلَةُ " ، فَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْحِيتَانَ يَوْمَ سَبْتِهِمْ ، وَكَانَتِ الْحِيتَانُ تَأْتِيهِمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا فِي سَاحِلِ الْبَحْرِ ، فَإِذَا مَضَى يَوْمُ السَّبْتِ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهَا . فَمَضَى عَلَى ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ إِنْ طَائِفَةً مِنْهُمْ أَخَذُوا الْحِيتَانَ يَوْمَ سَبْتِهِمْ ، فَنَهَتْهُمْ طَائِفَةٌ وَقَالُوا : تَأْخُذُونَهَا وَقَدْ حَرَّمَهَا اللَّهُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ سَبْتِكُمْ ؟ فَلَمْ يَزْدَادُوا إِلَّا غَيًّا وَعُتُوًّا ، وَجَعَلَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى تَنْهَاهُمْ ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ النُّهَاةِ : تَعْلَمُونَ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ قَدْ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ ، ( لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ [ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ] ) وَكَانُوا أَشَدَّ غَضَبًا لِلَّهِ مِنَ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى ؟ فَقَالُوا : ( مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) وَكُلٌّ قَدْ كَانُوا يَنْهَوْنَ ، فَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمْ غَضَبُ اللَّهِ نَجَتِ الطَّائِفَتَانِ اللَّتَانِ قَالُوا : ( لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ ) وَالَّذِينَ قَالُوا : ( مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ ) وَأَهْلَكَ اللَّهُ أَهْلَ مَعْصِيَتِهِ الَّذِينَ أَخَذُوا الْحِيتَانَ ، فَجَعَلَهُمْ قِرَدَةً .
وَرَوَى الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَرِيبًا مِنْ هَذَا .
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ) 495 قَالَ : مَا أَدْرِي أَنَجَّى الَّذِينَ قَالُوا : " أَتَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ " ، أَمْ لَا ؟ قَالَ : فَلَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى عَرَّفْتُهُ أَنَّهُمْ نَجَوْا ، فَكَسَانِي حُلَّةً .
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : جِئْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَوْمًا وَهُوَ يَبْكِي ، وَإِذَا الْمُصْحَفُ فِي حِجْرِهِ ، فَأَعْظَمْتُ أَنْ أَدْنُوَ ، ثُمَّ لَمْ أَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى تَقَدَّمْتُ فَجَلَسْتُ ، فَقُلْتُ : مَا يُبْكِيكَ يَا أَبَا عَبَّاسٍ ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ ؟ قَالَ : فَقَالَ : هَؤُلَاءِ الْوَرَقَاتِ . قَالَ : وَإِذَا هُوَ فِي " سُورَةِ الْأَعْرَافِ " ، قَالَ : تَعْرِفُ أَيْلَةَ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : فَإِنَّهُ كَانَ بِهَا حَيٌّ مِنْ يَهُودَ سِيقَتِ الْحِيتَانُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ السَّبْتِ ، ثُمَّ غَاصَتْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهَا حَتَّى يَغُوصُوا بَعْدَ كَدٍّ وَمُؤْنَةٍ شَدِيدَةٍ ، كَانَتْ تَأْتِيهِمْ يَوْمَ السَّبْتِ شُرَّعًا بِيضًا سِمَانًا كَأَنَّهَا الْمَاخِضُ ، تَتَبَطَّحُ ظُهُورُهَا لِبُطُونِهَا بِأَفْنِيَتِهِمْ . فَكَانُوا كَذَلِكَ بُرْهَةً مِنَ الدَّهْرِ ، ثُمَّ إِنِ الشَّيْطَانَ أَوْحَى إِلَيْهِمْ فَقَالَ : إِنَّمَا نُهِيتُمْ عَنْ أَكْلِهَا يَوْمَ السَّبْتِ ، فَخُذُوهَا فِيهِ ، وَكُلُوهَا فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَيَّامِ . فَقَالَتْ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : بَلْ نُهِيتُمْ عَنْ أَكْلِهَا وَأَخْذِهَا وَصَيْدِهَا يَوْمَ السَّبْتِ . فَكَانُوا كَذَلِكَ ، حَتَّى جَاءَتِ الْجُمُعَةُ الْمُقْبِلَةُ ، فَغَدَتْ طَائِفَةٌ بِأَنْفُسِهَا وَأَبْنَائِهَا وَنِسَائِهَا ، وَاعْتَزَلَتْ طَائِفَةٌ ذَاتَ الْيَمِينِ ، وَتَنَحَّتْ وَاعْتَزَلَتْ طَائِفَةٌ ذَاتَ الْيَسَارِ وَسَكَتَتْ . وَقَالَ الْأَيْمَنُونَ : وَيَلْكُمُ ، اللَّهَ اللَّهَ نَنْهَاكُمْ أَنْ تَتَعَرَّضُوا لِعُقُوبَةِ اللَّهِ . وَقَالَ الْأَيْسَرُونَ : ( لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ) ؟ قَالَ الْأَيْمَنُونَ : ( مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) إِنْ يَنْتَهُوا فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيْنَا أَلَّا يُصَابُوا وَلَا يَهْلِكُوا ، وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا فَمَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ . فَمَضَوْا عَلَى الْخَطِيئَةِ ، وَقَالَ الْأَيْمَنُونَ : فَقَدْ فَعَلْتُمْ ، يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ . وَاللَّهِ لَا نُبَايِتُكُمُ اللَّيْلَةَ فِي مَدِينَتِكُمْ ، وَاللَّهِ مَا نَرَاكُمْ تُصْبِحُونَ حَتَّى يُصَبِّحَكُمُ اللَّهُ بِخَسْفٍ أَوْ قَذْفٍ أَوْ بَعْضِ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْعَذَابِ . فَلَمَّا أَصْبَحُوا ضَرَبُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ وَنَادَوْا ، فَلَمْ يُجَابُوا ، فَوَضَعُوا سُلَّمًا ، وَأَعْلَوْا سُورَ الْمَدِينَةِ رَجُلًا فَالْتَفَتَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ : أَيْ عِبَادَ اللَّهِ ، قِرَدَةٌ وَاللَّهِ تُعَاوِي لَهَا أَذْنَابٌ . قَالَ : فَفَتَحُوا فَدَخَلُوا عَلَيْهِمْ ، فَعَرَفَتِ الْقُرُودُ أَنْسَابَهَا مِنَ الْإِنْسِ ، وَلَا تَعْرِفُ الْإِنْسُ أَنْسَابَهَا مِنَ الْقِرَدَةِ ، فَجَعَلَتِ الْقُرُودُ يَأْتِيهَا نَسِيبُهَا مِنَ الْإِنْسِ فَتَشُمُّ ثِيَابَهُ وَتَبْكِي ، فَتَقُولُ : أَلَمْ نَنْهَكُمْ عَنْ كَذَا ؟ فَتَقُولُ بِرَأْسِهَا ، أَيْ نَعَمْ . ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ ) قَالَ : فَأَرَى الَّذِينَ نَهَوْا قَدْ نَجَوْا ، وَلَا أَرَى الْآخَرِينَ ذُكِرُوا ، وَنَحْنُ نَرَى أَشْيَاءَ نُنْكِرُهَا وَلَا نَقُولُ فِيهَا ؟ . قَالَ : قُلْتُ : جَعَلَنِي اللَّهُ فَدَاكَ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ قَدْ كَرِهُوا مَا هُمْ عَلَيْهِ ، وَخَالَفُوهُمْ وَقَالُوا : ( لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ ) ؟ قَالَ : فَأَمَرَ لِي فَكُسِيتُ ثَوْبَيْنِ غَلِيظَيْنِ
وَكَذَا رَوَى مُجَاهِدٌ ، عَنْهُ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا يُونُسُ ، أَخْبَرَنَا أَشْهَبُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : زَعَمَ ابْنُ رُومَانَ 496 أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى : ( تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ ) قَالَ : كَانَتْ تَأْتِيهِمْ يَوْمَ السَّبْتِ ، فَإِذَا كَانَ الْمَسَاءُ ذَهَبَتْ ، فَلَا يُرَى مِنْهَا شَيْءٌ إِلَى يَوْمِ السَّبْتِ الْآخَرِ ، فَاتَّخَذَ - لِذَلِكَ - رَجُلٌ خَيْطًا وَوَتَدًا ، فَرَبَطَ حُوتًا مِنْهَا فِي الْمَاءِ يَوْمَ السَّبْتِ ، حَتَّى إِذَا أَمْسَوْا لَيْلَةَ الْأَحَدِ ، أَخَذَهُ فَاشْتَوَاهُ ، فَوَجَدَ النَّاسُ رِيحَهُ ، فَأَتَوْهُ فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَجَحَدَهُمْ ، فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى قَالَ لَهُمْ : " فَإِنَّهُ جِلْدُ حُوتٍ وَجَدْنَاهُ " . فَلَمَّا كَانَ السَّبْتُ الْآخَرُ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ - وَلَا أَدْرِي لَعَلَّهُ قَالَ : رَبَطَ حُوتَيْنِ - فَلَمَّا أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الْأَحَدِ أَخَذَهُ فَاشْتَوَاهُ ، فَوَجَدُوا رَائِحَةً ، فَجَاءُوا فَسَأَلُوهُ فَقَالَ لَهُمْ : لَوْ شِئْتُمْ صَنَعْتُمْ كَمَا أَصْنَعُ . فَقَالُوا لَهُ : وَمَا صَنَعْتَ ؟ فَأَخْبَرَهُمْ ، فَفَعَلُوا مِثْلَ مَا فَعَلَ ، حَتَّى كَثُرَ ذَلِكَ . وَكَانَتْ لَهُمْ مَدِينَةٌ لَهَا رَبَضٌ يُغْلِقُونَهَا عَلَيْهِمْ ، فَأَصَابَهُمْ مِنَ الْمَسْخِ مَا أَصَابَهُمْ . فَغَدَوْا عَلَيْهِمْ جِيرَانُهُمْ مِمَّا كَانُوا حَوْلَهُمْ ، يَطْلُبُونَ مِنْهُمْ مَا يَطْلُبُ النَّاسُ ، فَوَجَدُوا الْمَدِينَةَ مُغْلَقَةً عَلَيْهِمْ ، فَنَادَوْا فَلَمْ يُجِيبُوهُمْ ، فَتَسَوَّرُوا عَلَيْهِمْ ، فَإِذَا هُمْ قِرَدَةٌ ، فَجَعَلَ الْقِرْدُ يَدْنُو يَتَمَسَّحُ بِمَنْ كَانَ يَعْرِفُ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَيَدْنُو مِنْهُ وَيَتَمَسَّحُ بِهِ
وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ " الْبَقَرَةِ " مِنَ الْآثَارِ فِي خَبَرِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ مَا فِيهِ مَقْنَعٌ وَكِفَايَةٌ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ .
الْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّ السَّاكِتِينَ كَانُوا مِنَ الْهَالِكِينَ .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ; أَنَّهُ قَالَ : ابْتَدَعُوا السَّبْتَ فَابْتُلُوا فِيهِ ، فَحَرُمَتْ عَلَيْهِمْ فِيهِ الْحِيتَانُ ، فَكَانُوا إِذَا كَانَ يَوْمُ السَّبْتِ ، شَرَعَتْ لَهُمُ الْحِيتَانُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا فِي الْبَحْرِ . فَإِذَا انْقَضَى السَّبْتُ ، ذَهَبَتْ فَلَمْ تُرَ حَتَّى السَّبْتِ الْمُقْبِلِ ، فَإِذَا جَاءَ السَّبْتُ جَاءَتْ شُرَّعًا ، فَمَكَثُوا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثُوا كَذَلِكَ ، ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ أَخَذَ حُوتًا فَخَزَمَ أَنْفَهُ ثُمَّ ، ضَرَبَ لَهُ وَتَدًا فِي السَّاحِلِ ، وَرَبَطَهُ وَتَرَكَهُ فِي الْمَاءِ . فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ ، أَخَذَهُ فَشَوَاهُ فَأَكَلَهُ ، فَفَعَلَ ذَلِكَ وَهُمْ يَنْظُرُونَ وَلَا يُنْكِرُونَ ، وَلَا يَنْهَاهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ ، إِلَّا عُصْبَةٌ مِنْهُمْ نَهَوْهُ ، حَتَّى ظَهَرَ ذَلِكَ فِي الْأَسْوَاقِ ، فَفُعِلَ عَلَانِيَةً . قَالَ : فَقَالَتْ طَائِفَةٌ لِلَّذِينَ يَنْهَوْنَهُمْ : ( لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ ) فَقَالُوا : سَخِطَ أَعْمَالَهُمْ ( وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَانُوا أَثْلَاثًا : ثُلْثٌ نَهَوْا ، وَثُلْثٌ قَالُوا : ( لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ ) وَثُلْثٌ أَصْحَابُ الْخَطِيئَةِ ، فَمَا نَجَا إِلَّا الَّذِينَ نَهَوْا وَهَلَكَ سَائِرُهُمْ .
وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلَكِنْ رُجُوعَهُ إِلَى قَوْلِ عِكْرِمَةَ فِي نَجَاةِ السَّاكِتِينَ ، أَوْلَى مِنَ الْقَوْلِ بِهَذَا ; لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ حَالَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ ) فِيهِ دَلَالَةٌ بِالْمَفْهُومِ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ بَقُوا نَجَوْا .
وَ ) بَئِيسٍ ) فِيهِ قِرَاءَاتٌ كَثِيرَةٌ ، وَمَعْنَاهُ فِي قَوْلِ مُجَاهِدٍ : " الشَّدِيدُ " ، وَفِي رِوَايَةٍ : " أَلِيمٍ " . وَقَالَ قَتَادَةُ : مُوجِعٌ . وَالْكُلُّ مُتَقَارِبٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
497 وَقَوْلُهُ : ( خَاسِئِينَ ) أَيْ : ذَلِيلِينَ حَقِيرِينَ مُهَانِينَ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith