تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الأول
[ ذِكْرُ ] مَا وَرَدَ فِي فَضْلِهَا مَعَ آلِ عِمْرَانَ
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا بَشِيرُ بْنُ مُهَاجِرٍ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : تَعَلَّمُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ . قَالَ : ثُمَّ سَكَتَ سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَ : تَعَلَّمُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ ، وَآلَ عِمْرَانَ ، فَإِنَّهُمَا الزَّهْرَاوَانِ ، يُظِلَّانِ صَاحِبَهُمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ غَيَايَتَانِ ، أَوْ فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ ، وَإِنَّ الْقُرْآنَ يَلْقَى صَاحِبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يَنْشَقُّ عَنْهُ قَبْرُهُ كَالرَّجُلِ الشَّاحِبِ ، فَيَقُولُ لَهُ : هَلْ تَعْرِفُنِي ؟ فَيَقُولُ : مَا أَعْرِفُكَ . فَيَقُولُ : أَنَا صَاحِبُكَ الْقُرْآنُ الَّذِي أَظْمَأْتُكَ فِي الْهَوَاجِرِ ، وَأَسْهَرْتُ لَيْلَكَ ، وَإِنَّ كُلَّ تَاجِرٍ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَتِهِ ، وَإِنَّكَ الْيَوْمَ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ تِجَارَةٍ . فَيُعْطَى الْمُلْكَ بِيَمِينِهِ وَالْخُلْدَ بِشِمَالِهِ ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ ، وَيُكْسَى وَالِدَاهُ حُلَّتَيْنِ ، لَا يَقُومُ لَهُمَا أَهْلُ الدُّنْيَا ، فَيَقُولَانِ : بِمَ كُسِينَا هَذَا ؟ فَيُقَالُ : بِأَخْذِ وَلَدِكُمَا الْقُرْآنَ ، ثُمَّ يُقَالُ : اقْرَأْ وَاصْعَدْ فِي دَرَجِ الْجَنَّةِ وَغُرَفِهَا ، فَهُوَ فِي صُعُودٍ مَا دَامَ يَقْرَأُ هَذًّا كَانَ أَوْ تَرْتِيلًا .
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ بَشِيرِ بْنِ الْمُهَاجِرِ بَعْضَهُ ، وَهَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ، فَإِنَّ بَشِيرًا هَذَا أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ ، وَوَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ : لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ ، إِلَّا أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ قَالَ فِيهِ : هُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ ، قَدِ اعْتُبِرَتْ أَحَادِيثُهُ فَإِذَا هِيَ تَجِيءُ بِالْعَجَبِ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : يُخَالِفُ فِي بَعْضِ حَدِيثِهِ . وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ : يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ . وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : رَوَى مَا لَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ .
قُلْتُ : وَلَكِنْ لِبَعْضِهِ شَوَاهِدُ ؛ فَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ؛ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَّامٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ شَافِعٌ لِأَهْلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ : الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ ، فَإِنَّهُمَا يَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ يُحَاجَّانِ عَنْ أَهْلِهِمَا ثُمَّ قَالَ : اقْرَءُوا الْبَقَرَةَ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا 153 الْبَطَلَةُ .
وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّلَاةِ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ سَلَّامٍ ، عَنْ أَخِيهِ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي سَلَّامٍ مَمْطُورٍ الْحَبَشِيِّ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ صُدَيِّ بْنِ عَجْلَانَ [ الْبَاهِلِيِّ ] ، بِهِ .
الزَّهْرَاوَانِ : الْمُنِيرَانِ ، وَالْغَيَايَةُ : مَا أَظَلَّكَ مِنْ فَوْقِكَ . وَالْفِرْقُ : الْقِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ ، وَالصَّوَافُّ : الْمُصْطَفَّةُ الْمُتَضَامَّةُ . وَالْبَطَلَةُ السَّحَرَةُ ، وَمَعْنَى لَا تَسْتَطِيعُهَا أَيْ : لَا يُمْكِنُهُمْ حِفْظُهَا ، وَقِيلَ : لَا تَسْتَطِيعُ النُّفُوذَ فِي قَارِئِهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُهَاجِرٍ ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُرَشِيِّ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ النَّوَّاسَ بْنَ سَمْعَانَ الْكِلَابِيَّ ، يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَهْلُهُ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ ، تَقْدُمُهُمْ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَآلُ عِمْرَانَ . وَضَرَبَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَةَ أَمْثَالٍ مَا نَسِيتُهُنَّ بَعْدُ ، قَالَ : كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ ظُلَّتَانِ سَوْدَاوَانِ بَيْنَهُمَا شَرْقٌ ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فَرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ يُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ ، بِهِ .
وَالتِّرْمِذِيُّ ، مِنْ حَدِيثِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُرَشِيِّ ، بِهِ . وَقَالَ : حَسَنٌ غَرِيبٌ .
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، قَالَ : قَالَ حَمَّادٌ : أَحْسِبُهُ عَنْ أَبِي مُنِيبٍ ، عَنْ عَمِّهِ ؛ أَنَّ رَجُلًا قَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ لَهُ كَعْبٌ : أَقَرَأْتَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، إِنَّ فِيهِمَا اسْمَ اللَّهِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ اسْتَجَابَ . قَالَ : فَأَخْبِرْنِي بِهِ . قَالَ : لَا وَاللَّهِ لَا أُخْبِرُكَ ، وَلَوْ أَخْبَرْتُكَ لَأَوْشَكْتَ أَنْ تَدْعُوَهُ بِدَعْوَةٍ أَهْلَكُ فِيهَا أَنَا وَأَنْتَ .
[ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ ] : وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ سَلِيمِ بْنِ عَامِرٍ : أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ : إِنَّ أَخًا لَكُمْ أُرِيَ فِي الْمَنَامِ أَنَّ النَّاسَ يَسْلُكُونَ فِي صَدْعِ جَبَلٍ وَعْرٍ طَوِيلٍ ، وَعَلَى رَأْسِ الْجَبَلِ شَجَرَتَانِ خَضْرَاوَانِ تَهْتِفَانِ : هَلْ فِيكُمْ مَنْ يَقْرَأُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ ؟ وَهَلْ فِيكُمْ مَنْ يَقْرَأُ سُورَةَ آلِ عِمْرَانَ ؟ قَالَ : فَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ : نَعَمْ . دَنَتَا مِنْهُ بِأَعْذَاقِهِمَا ، حَتَّى يَتَعَلَّقَ بِهِمَا فَتُخْطِرَانِ بِهِ 154 الْجَبَلَ .
[ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ ] وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ : أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ الدَّرْدَاءِ تَقُولُ : إِنَّ رَجُلًا مِمَّنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ أَغَارَ عَلَى جَارٍ لَهُ ، فَقَتَلَهُ ، وَإِنَّهُ أُقِيدَ بِهِ ، فَقُتِلَ ، فَمَا زَالَ الْقُرْآنُ يَنْسَلُّ مِنْهُ سُورَةً سُورَةً ، حَتَّى بَقِيَتِ الْبَقَرَةُ وَآلُ عِمْرَانَ جُمُعَةً ، ثُمَّ إِنَّ آلَ عِمْرَانَ انْسَلَّتْ مِنْهُ ، وَأَقَامَتِ الْبَقَرَةُ جُمُعَةً ، فَقِيلَ لَهَا : ( مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ) [ ق : 29 ] قَالَ : فَخَرَجَتْ كَأَنَّهَا السَّحَابَةُ الْعَظِيمَةُ .
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : أُرَاهُ ، يَعْنِي : أَنَّهُمَا كَانَتَا مَعَهُ فِي قَبْرِهِ تَدْفَعَانِ عَنْهُ وَتُؤْنِسَانِهِ ، فَكَانَتَا مِنْ آخَرِ مَا بَقِيَ مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ .
وَقَالَ أَيْضًا : حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ الْغَسَّانِيُّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ التَّنُوخِيِّ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ الْأَسْوَدِ الْجُرَشِيَّ كَانَ يُحَدِّثُ : أَنَّهُ مَنْ قَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ فِي يَوْمٍ ، بَرِئَ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يُمْسِيَ ، وَمَنْ قَرَأَهُمَا مِنْ لَيْلَةٍ بَرِئَ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يُصْبِحَ ، قَالَ : فَكَانَ يَقْرَؤُهُمَا كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ سِوَى جُزْئِهِ .
[ قَالَ أَيْضًا : ] وَحَدَّثَنَا يَزِيدُ ، عَنْ وَرْقَاءَ بْنِ إِيَاسٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : مَنْ قَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ فِي لَيْلَةٍ كَانَ - أَوْ كُتِبَ - مِنَ الْقَانِتِينَ .
فِيهِ انْقِطَاعٌ ، وَلَكِنْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ بِهِمَا فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا بَشِيرُ بْنُ مُهَاجِرٍ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : تَعَلَّمُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ . قَالَ : ثُمَّ سَكَتَ سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَ : تَعَلَّمُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ ، وَآلَ عِمْرَانَ ، فَإِنَّهُمَا الزَّهْرَاوَانِ ، يُظِلَّانِ صَاحِبَهُمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ غَيَايَتَانِ ، أَوْ فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ ، وَإِنَّ الْقُرْآنَ يَلْقَى صَاحِبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يَنْشَقُّ عَنْهُ قَبْرُهُ كَالرَّجُلِ الشَّاحِبِ ، فَيَقُولُ لَهُ : هَلْ تَعْرِفُنِي ؟ فَيَقُولُ : مَا أَعْرِفُكَ . فَيَقُولُ : أَنَا صَاحِبُكَ الْقُرْآنُ الَّذِي أَظْمَأْتُكَ فِي الْهَوَاجِرِ ، وَأَسْهَرْتُ لَيْلَكَ ، وَإِنَّ كُلَّ تَاجِرٍ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَتِهِ ، وَإِنَّكَ الْيَوْمَ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ تِجَارَةٍ . فَيُعْطَى الْمُلْكَ بِيَمِينِهِ وَالْخُلْدَ بِشِمَالِهِ ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ ، وَيُكْسَى وَالِدَاهُ حُلَّتَيْنِ ، لَا يَقُومُ لَهُمَا أَهْلُ الدُّنْيَا ، فَيَقُولَانِ : بِمَ كُسِينَا هَذَا ؟ فَيُقَالُ : بِأَخْذِ وَلَدِكُمَا الْقُرْآنَ ، ثُمَّ يُقَالُ : اقْرَأْ وَاصْعَدْ فِي دَرَجِ الْجَنَّةِ وَغُرَفِهَا ، فَهُوَ فِي صُعُودٍ مَا دَامَ يَقْرَأُ هَذًّا كَانَ أَوْ تَرْتِيلًا .
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ بَشِيرِ بْنِ الْمُهَاجِرِ بَعْضَهُ ، وَهَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ، فَإِنَّ بَشِيرًا هَذَا أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ ، وَوَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ : لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ ، إِلَّا أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ قَالَ فِيهِ : هُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ ، قَدِ اعْتُبِرَتْ أَحَادِيثُهُ فَإِذَا هِيَ تَجِيءُ بِالْعَجَبِ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : يُخَالِفُ فِي بَعْضِ حَدِيثِهِ . وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ : يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ . وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : رَوَى مَا لَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ .
قُلْتُ : وَلَكِنْ لِبَعْضِهِ شَوَاهِدُ ؛ فَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ؛ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَّامٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ شَافِعٌ لِأَهْلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ : الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ ، فَإِنَّهُمَا يَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ يُحَاجَّانِ عَنْ أَهْلِهِمَا ثُمَّ قَالَ : اقْرَءُوا الْبَقَرَةَ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا 153 الْبَطَلَةُ .
وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّلَاةِ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ سَلَّامٍ ، عَنْ أَخِيهِ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي سَلَّامٍ مَمْطُورٍ الْحَبَشِيِّ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ صُدَيِّ بْنِ عَجْلَانَ [ الْبَاهِلِيِّ ] ، بِهِ .
الزَّهْرَاوَانِ : الْمُنِيرَانِ ، وَالْغَيَايَةُ : مَا أَظَلَّكَ مِنْ فَوْقِكَ . وَالْفِرْقُ : الْقِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ ، وَالصَّوَافُّ : الْمُصْطَفَّةُ الْمُتَضَامَّةُ . وَالْبَطَلَةُ السَّحَرَةُ ، وَمَعْنَى لَا تَسْتَطِيعُهَا أَيْ : لَا يُمْكِنُهُمْ حِفْظُهَا ، وَقِيلَ : لَا تَسْتَطِيعُ النُّفُوذَ فِي قَارِئِهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُهَاجِرٍ ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُرَشِيِّ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ النَّوَّاسَ بْنَ سَمْعَانَ الْكِلَابِيَّ ، يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَهْلُهُ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ ، تَقْدُمُهُمْ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَآلُ عِمْرَانَ . وَضَرَبَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَةَ أَمْثَالٍ مَا نَسِيتُهُنَّ بَعْدُ ، قَالَ : كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ ظُلَّتَانِ سَوْدَاوَانِ بَيْنَهُمَا شَرْقٌ ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فَرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ يُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ ، بِهِ .
وَالتِّرْمِذِيُّ ، مِنْ حَدِيثِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُرَشِيِّ ، بِهِ . وَقَالَ : حَسَنٌ غَرِيبٌ .
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، قَالَ : قَالَ حَمَّادٌ : أَحْسِبُهُ عَنْ أَبِي مُنِيبٍ ، عَنْ عَمِّهِ ؛ أَنَّ رَجُلًا قَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ لَهُ كَعْبٌ : أَقَرَأْتَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، إِنَّ فِيهِمَا اسْمَ اللَّهِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ اسْتَجَابَ . قَالَ : فَأَخْبِرْنِي بِهِ . قَالَ : لَا وَاللَّهِ لَا أُخْبِرُكَ ، وَلَوْ أَخْبَرْتُكَ لَأَوْشَكْتَ أَنْ تَدْعُوَهُ بِدَعْوَةٍ أَهْلَكُ فِيهَا أَنَا وَأَنْتَ .
[ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ ] : وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ سَلِيمِ بْنِ عَامِرٍ : أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ : إِنَّ أَخًا لَكُمْ أُرِيَ فِي الْمَنَامِ أَنَّ النَّاسَ يَسْلُكُونَ فِي صَدْعِ جَبَلٍ وَعْرٍ طَوِيلٍ ، وَعَلَى رَأْسِ الْجَبَلِ شَجَرَتَانِ خَضْرَاوَانِ تَهْتِفَانِ : هَلْ فِيكُمْ مَنْ يَقْرَأُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ ؟ وَهَلْ فِيكُمْ مَنْ يَقْرَأُ سُورَةَ آلِ عِمْرَانَ ؟ قَالَ : فَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ : نَعَمْ . دَنَتَا مِنْهُ بِأَعْذَاقِهِمَا ، حَتَّى يَتَعَلَّقَ بِهِمَا فَتُخْطِرَانِ بِهِ 154 الْجَبَلَ .
[ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ ] وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ : أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ الدَّرْدَاءِ تَقُولُ : إِنَّ رَجُلًا مِمَّنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ أَغَارَ عَلَى جَارٍ لَهُ ، فَقَتَلَهُ ، وَإِنَّهُ أُقِيدَ بِهِ ، فَقُتِلَ ، فَمَا زَالَ الْقُرْآنُ يَنْسَلُّ مِنْهُ سُورَةً سُورَةً ، حَتَّى بَقِيَتِ الْبَقَرَةُ وَآلُ عِمْرَانَ جُمُعَةً ، ثُمَّ إِنَّ آلَ عِمْرَانَ انْسَلَّتْ مِنْهُ ، وَأَقَامَتِ الْبَقَرَةُ جُمُعَةً ، فَقِيلَ لَهَا : ( مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ) [ ق : 29 ] قَالَ : فَخَرَجَتْ كَأَنَّهَا السَّحَابَةُ الْعَظِيمَةُ .
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : أُرَاهُ ، يَعْنِي : أَنَّهُمَا كَانَتَا مَعَهُ فِي قَبْرِهِ تَدْفَعَانِ عَنْهُ وَتُؤْنِسَانِهِ ، فَكَانَتَا مِنْ آخَرِ مَا بَقِيَ مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ .
وَقَالَ أَيْضًا : حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ الْغَسَّانِيُّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ التَّنُوخِيِّ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ الْأَسْوَدِ الْجُرَشِيَّ كَانَ يُحَدِّثُ : أَنَّهُ مَنْ قَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ فِي يَوْمٍ ، بَرِئَ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يُمْسِيَ ، وَمَنْ قَرَأَهُمَا مِنْ لَيْلَةٍ بَرِئَ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يُصْبِحَ ، قَالَ : فَكَانَ يَقْرَؤُهُمَا كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ سِوَى جُزْئِهِ .
[ قَالَ أَيْضًا : ] وَحَدَّثَنَا يَزِيدُ ، عَنْ وَرْقَاءَ بْنِ إِيَاسٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : مَنْ قَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ فِي لَيْلَةٍ كَانَ - أَوْ كُتِبَ - مِنَ الْقَانِتِينَ .
فِيهِ انْقِطَاعٌ ، وَلَكِنْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ بِهِمَا فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith