تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثالث
( وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ( 66 ) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 67 ) وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 68 ) )
( وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( 69 ) )
يَقُولُ تَعَالَى : ( وَكَذَّبَ بِهِ ) أَيْ : بِالْقُرْآنِ الَّذِي جِئْتَهُمْ بِهِ ، وَالْهُدَى وَالْبَيَانِ . ) قَوْمُكَ ) يَعْنِي : قُرَيْشًا ) وَهُوَ الْحَقُّ ) أَيِ : الَّذِي لَيْسَ وَرَاءَهُ حَقٌّ ( قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ) أَيْ : لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ، وَلَسْتُ بِمُوَكَّلٍ بِكُمْ ، كَقَوْلِهِ ( وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ) [ الْكَهْفِ : 29 ] أَيْ : إِنَّمَا عَلَيَّ الْبَلَاغُ ، وَعَلَيْكُمُ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ ، فَمَنِ اتَّبَعَنِي ، سَعِدَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَمَنْ خَالَفَنِي ، فَقَدْ شَقِيَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ )
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ : أَيْ لِكُلِّ نَبَأٍ حَقِيقَةٌ ، أَيْ : لِكُلِّ خَبَرٍ وُقُوعٌ ، وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ ، كَمَا قَالَ : 278 ( وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ) [ ص : 88 ] ، وَقَالَ ( لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ) [ الرَّعْدِ : 37 ] .
وَهَذَا تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ ; وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ : ( وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ )
ثُمَّ قَالَ : ( وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا ) أَيْ : بِالتَّكْذِيبِ وَالِاسْتِهْزَاءِ ( فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ) أَيْ : حَتَّى يَأْخُذُوا فِي كَلَامٍ آخَرَ غَيْرِ مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ التَّكْذِيبِ ( وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ ) وَالْمُرَادُ بِهَذَا كُلُّ فَرْدٍ ، فَرْدٌ مِنْ آحَادِ الْأُمَّةِ ، أَلَّا يَجْلِسَ مَعَ الْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ يُحَرِّفُونَ آيَاتِ اللَّهِ وَيَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهَا ، فَإِنْ جَلَسَ أَحَدٌ مَعَهُمْ نَاسِيًا ( فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى ) بَعْدَ التَّذَكُّرِ ( مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ )
وَلِهَذَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ : " رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ "
وَقَالَ السُّدِّيُّ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ ) قَالَ : إِنْ نَسِيتَ فَذَكَرْتَ ، فَلَا تَجْلِسْ مَعَهُمْ . وَكَذَا قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ .
وَهَذِهِ الْآيَةُ هِيَ الْمُشَارُ إِلَيْهَا فِي قَوْلِهِ : ( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ ) الْآيَةَ [ النِّسَاءِ : 140 ] أَيْ : إِنَّكُمْ إِذَا جَلَسْتُمْ مَعَهُمْ وَأَقْرَرْتُمُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، فَقَدْ سَاوَيْتُمُوهُمْ فِي الَّذِي هُمْ فِيهِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ) أَيْ : إِذَا تَجَنَّبُوهُمْ فَلَمْ يَجْلِسُوا مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ ، فَقَدْ بَرِئُوا مِنْ عُهْدَتِهِمْ ، وَتَخَلَّصُوا مِنْ إِثْمِهِمْ .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَوْلَهُ : ( وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ) قَالَ : مَا عَلَيْكَ أَنْ يَخُوضُوا فِي آيَاتِ اللَّهِ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ ، أَيْ : إِذَا تَجَنَّبْتَهُمْ وَأَعْرَضْتَ عَنْهُمْ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ : وَإِنْ جَلَسُوا مَعَهُمْ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ . وَزَعَمُوا أَنَّ هَذَا مَنْسُوخٌ بِآيَةِ النِّسَاءِ الْمَدَنِيَّةِ ، وَهِيَ قَوْلُهُ : ( إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ ) [ النِّسَاءِ : 140 ] . قَالَهُ مُجَاهِدٌ والسُّدِّيُّ وَابْنُ جُرَيْجٍ ، وَغَيْرُهُمْ . وَعَلَى قَوْلِهِمْ ، يَكُونُ قَوْلُهُ : ( وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) أَيْ : وَلَكِنْ أَمَرْنَاكُمْ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُمْ حِينَئِذٍ تَذْكِيرًا لَهُمْ عَمَّا هُمْ فِيهِ ; لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ذَلِكَ ، وَلَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ .
( وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( 69 ) )
يَقُولُ تَعَالَى : ( وَكَذَّبَ بِهِ ) أَيْ : بِالْقُرْآنِ الَّذِي جِئْتَهُمْ بِهِ ، وَالْهُدَى وَالْبَيَانِ . ) قَوْمُكَ ) يَعْنِي : قُرَيْشًا ) وَهُوَ الْحَقُّ ) أَيِ : الَّذِي لَيْسَ وَرَاءَهُ حَقٌّ ( قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ) أَيْ : لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ، وَلَسْتُ بِمُوَكَّلٍ بِكُمْ ، كَقَوْلِهِ ( وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ) [ الْكَهْفِ : 29 ] أَيْ : إِنَّمَا عَلَيَّ الْبَلَاغُ ، وَعَلَيْكُمُ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ ، فَمَنِ اتَّبَعَنِي ، سَعِدَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَمَنْ خَالَفَنِي ، فَقَدْ شَقِيَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ )
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ : أَيْ لِكُلِّ نَبَأٍ حَقِيقَةٌ ، أَيْ : لِكُلِّ خَبَرٍ وُقُوعٌ ، وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ ، كَمَا قَالَ : 278 ( وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ) [ ص : 88 ] ، وَقَالَ ( لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ) [ الرَّعْدِ : 37 ] .
وَهَذَا تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ ; وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ : ( وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ )
ثُمَّ قَالَ : ( وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا ) أَيْ : بِالتَّكْذِيبِ وَالِاسْتِهْزَاءِ ( فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ) أَيْ : حَتَّى يَأْخُذُوا فِي كَلَامٍ آخَرَ غَيْرِ مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ التَّكْذِيبِ ( وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ ) وَالْمُرَادُ بِهَذَا كُلُّ فَرْدٍ ، فَرْدٌ مِنْ آحَادِ الْأُمَّةِ ، أَلَّا يَجْلِسَ مَعَ الْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ يُحَرِّفُونَ آيَاتِ اللَّهِ وَيَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهَا ، فَإِنْ جَلَسَ أَحَدٌ مَعَهُمْ نَاسِيًا ( فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى ) بَعْدَ التَّذَكُّرِ ( مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ )
وَلِهَذَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ : " رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ "
وَقَالَ السُّدِّيُّ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ ) قَالَ : إِنْ نَسِيتَ فَذَكَرْتَ ، فَلَا تَجْلِسْ مَعَهُمْ . وَكَذَا قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ .
وَهَذِهِ الْآيَةُ هِيَ الْمُشَارُ إِلَيْهَا فِي قَوْلِهِ : ( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ ) الْآيَةَ [ النِّسَاءِ : 140 ] أَيْ : إِنَّكُمْ إِذَا جَلَسْتُمْ مَعَهُمْ وَأَقْرَرْتُمُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، فَقَدْ سَاوَيْتُمُوهُمْ فِي الَّذِي هُمْ فِيهِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ) أَيْ : إِذَا تَجَنَّبُوهُمْ فَلَمْ يَجْلِسُوا مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ ، فَقَدْ بَرِئُوا مِنْ عُهْدَتِهِمْ ، وَتَخَلَّصُوا مِنْ إِثْمِهِمْ .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَوْلَهُ : ( وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ) قَالَ : مَا عَلَيْكَ أَنْ يَخُوضُوا فِي آيَاتِ اللَّهِ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ ، أَيْ : إِذَا تَجَنَّبْتَهُمْ وَأَعْرَضْتَ عَنْهُمْ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ : وَإِنْ جَلَسُوا مَعَهُمْ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ . وَزَعَمُوا أَنَّ هَذَا مَنْسُوخٌ بِآيَةِ النِّسَاءِ الْمَدَنِيَّةِ ، وَهِيَ قَوْلُهُ : ( إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ ) [ النِّسَاءِ : 140 ] . قَالَهُ مُجَاهِدٌ والسُّدِّيُّ وَابْنُ جُرَيْجٍ ، وَغَيْرُهُمْ . وَعَلَى قَوْلِهِمْ ، يَكُونُ قَوْلُهُ : ( وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) أَيْ : وَلَكِنْ أَمَرْنَاكُمْ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُمْ حِينَئِذٍ تَذْكِيرًا لَهُمْ عَمَّا هُمْ فِيهِ ; لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ذَلِكَ ، وَلَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith