تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثالث
page 421 · printed p. 239
( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ( 1 ) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ( 2 ) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ( 3 ) )
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى مَادِحًا نَفْسَهُ الْكَرِيمَةَ ، وَحَامِدًا لَهَا عَلَى خَلْقِهِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ قَرَارًا لِعِبَادِهِ 239 وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ مَنْفَعَةً لِعِبَادِهِ فِي لَيْلِهِمْ وَنَهَارِهِمْ ، فَجَمَعَ لَفْظَ " الظُّلُمَاتِ " وَوَحَّدَ لَفْظَ " النُّورَ " ; لِكَوْنِهِ أَشْرَفَ ، كَمَا قَالَ ( عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ ) [ النَّحْلِ : 48 ] ، وَكَمَا قَالَ فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ ( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ) [ الْأَنْعَامِ : 153 ] .
وَقَوْلُهُ : ( ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ) أَيْ : وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ كَفَرَ بِهِ بَعْضُ عِبَادِهِ ، وَجَعَلُوا مَعَهُ شَرِيكًا وَعِدْلًا وَاتَّخَذُوا لَهُ صَاحِبَةً وَوَلَدًا ، تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا .
وَقَوْلُهُ : ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ) يَعْنِي : أَبَاهُمْ آدَمَ الَّذِي هُوَ أَصْلُهُمْ وَمِنْهُ خَرَجُوا ، فَانْتَشَرُوا فِي الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ .
وَقَوْلُهُ : ( ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ) قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ثُمَّ قَضَى أَجَلًا ) يَعْنِي : الْمَوْتَ ( وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ) يَعْنِي : الْآخِرَةَ .
وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَعَطِيَّةَ والسُّدِّيِّ وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ ، وَغَيْرِهِمْ .
وَقَوْلُ الْحَسَنِ - فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ : ( ثُمَّ قَضَى أَجَلًا ) قَالَ : مَا بَيْنَ أَنْ يُخْلَقَ إِلَى أَنْ يَمُوتَ ( وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ) مَا بَيْنَ أَنْ يَمُوتَ إِلَى أَنْ يُبْعَثَ - هُوَ يَرْجِعُ إِلَى مَا تَقَدَّمَ ، وَهُوَ تَقْدِيرُ الْأَجَلِ الْخَاصِّ ، وَهُوَ عُمُرُ كُلِّ إِنْسَانٍ ، وَتَقْدِيرُ الْأَجَلِ الْعَامِّ ، وَهُوَ عُمُرُ الدُّنْيَا بِكَمَالِهَا ثُمَّ انْتِهَائِهَا وَانْقِضَائِهَا وَزَوَالِهَا ، [ وَانْتِقَالِهَا ] وَالْمَصِيرُ إِلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ .
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ : ( ثُمَّ قَضَى أَجَلًا ) يَعْنِي : مُدَّةَ الدُّنْيَا ( وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ) يَعْنِي : عُمُرَ الْإِنْسَانِ إِلَى حِينِ مَوْتِهِ ، وَكَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا : ( وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ [ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ] ) الْآيَةَ [ الْأَنْعَامِ : 60 ] .
وَقَالَ عَطِيَّةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ( ثُمَّ قَضَى أَجَلًا ) يَعْنِي : النَّوْمَ ، يَقْبِضُ فِيهِ الرُّوحَ ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهِ عِنْدَ الْيَقَظَةِ ( وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ) يَعْنِي : أَجَلَ مَوْتِ الْإِنْسَانِ ، وَهَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ .
وَمَعْنَى قَوْلِهِ : ( عِنْدَهُ ) أَيْ : لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا هُوَ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ) [ الْأَعْرَافِ : 187 ] ، وَكَقَوْلِهِ ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا ) [ النَّازِعَاتِ : 42 - 44 ] .
وَقَوْلُهُ : ( ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ) قَالَ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ : يَعْنِي تَشُكُّونَ فِي أَمْرِ السَّاعَةِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ) اخْتَلَفَ 240 مُفَسِّرُو هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَقْوَالٍ ، بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى تَخْطِئَةِ قَوْلِ الْجَهْمِيَّةِ الْأَوَّلِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ - تَعَالَى عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا - فِي كُلِّ مَكَانٍ ; حَيْثُ حَمَلُوا الْآيَةَ عَلَى ذَلِكَ ، فَأَصَحُّ الْأَقْوَالِ أَنَّهُ الْمَدْعُوُّ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ، أَيْ : يَعْبُدُهُ وَيُوَحِّدُهُ وَيُقِرُّ لَهُ بِالْإِلَهِيَّةِ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ، وَيُسَمُّونَهُ اللَّهَ ، وَيَدْعُونَهُ رَغَبًا وَرَهَبًا ، إِلَّا مَنْ كَفَرَ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ، وَهَذِهِ الْآيَةُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ) [ الزُّخْرُفِ : 84 ] ، أَيْ : هُوَ إِلَهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَإِلَهُ مَنْ فِي الْأَرْضِ ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ قَوْلُهُ : ( يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ ) خَبَرًا أَوْ حَالًا .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ اللَّهَ الَّذِي يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ، مِنْ سِرٍّ وَجَهْرٍ . فَيَكُونُ قَوْلُهُ : ( يَعْلَمُ ) مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ : ( فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ) تَقْدِيرُهُ : وَهُوَ اللَّهُ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ .
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ أَنَّ قَوْلَهُ ( وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ ) وَقْفٌ تَامٌّ ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْخَبَرَ فَقَالَ : ( وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ) وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ .
وَقَوْلُهُ : ( وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ) أَيْ : جَمِيعَ أَعْمَالِهِمْ خَيْرَهَا وَشَرَّهَا .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith