تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثاني
( فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ( 103 ) وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ( 104 ) )
يَأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى بِكَثْرَةِ الذِّكْرِ عُقَيْبَ صَلَاةِ الْخَوْفِ ، وَإِنْ كَانَ مَشْرُوعًا مُرَغَّبًا فِيهِ أَيْضًا بَعْدَ غَيْرِهَا ، وَلَكِنَّ هَاهُنَا آكَدُ لِمَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ التَّخْفِيفِ فِي أَرْكَانِهَا ، وَمِنَ الرُّخْصَةِ فِي الذَّهَابِ فِيهَا وَالْإِيَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، مِمَّا لَيْسَ يُوجَدُ فِي غَيْرِهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمَ : ( فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ) [ التَّوْبَةِ : 36 ] ، وَإِنْ كَانَ هَذَا مَنْهِيًّا عَنْهُ فِي غَيْرِهَا ، وَلَكِنَّ فِيهَا آكَدُ لِشِدَّةِ حُرْمَتِهَا وَعِظَمِهَا ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ ) أَيْ فِي سَائِرِ أَحْوَالِكُمْ .
ثُمَّ قَالَ : ( فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ) أَيْ : فَإِذَا أَمِنْتُمْ وَذَهَبَ الْخَوْفُ ، وَحَصَلَتِ الطُّمَأْنِينَةُ ( فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ) أَيْ : فَأَتِمُّوهَا وَأَقِيمُوهَا كَمَا أُمِرْتُمْ بِحُدُودِهَا ، وَخُشُوعِهَا ، وَسُجُودِهَا وَرُكُوعِهَا ، وَجَمِيعِ شُئُونِهَا .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَيْ مَفْرُوضًا . وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَالْحَسَنِ ، وَمُقَاتِلٍ ، وَالسُّدِّيِّ ، وَعَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : ( إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ) قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : إِنَّ لِلصَّلَاةِ وَقْتًا كَوَقْتِ الْحَجِّ .
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ : ( إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ) قَالَ : مُنَجَّمًا ، كُلَّمَا مَضَى نَجْمٌ ، جَاءَتْهُمْ يَعْنِي : كُلَّمَا مَضَى وَقْتٌ جَاءَ وَقْتٌ .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ) أَيْ : لَا تَضْعُفُوا فِي طَلَبِ عَدُّوِّكُمْ ، بَلْ جِدُّوا فِيهِمْ وَقَاتَلُوهُمْ ، وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ : ( إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ) أَيْ : كَمَا يُصِيبُكُمُ الْجِرَاحُ وَالْقَتْلُ ، كَذَلِكَ يَحْصُلُ لَهُمْ ، كَمَا قَالَ ( إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 140 ] .
ثُمَّ قَالَ : ( وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ) أَيْ : أَنْتُمْ وَإِيَّاهُمْ سَوَاءٌ فِيمَا يُصِيبُكُمْ وَإِيَّاهُمْ مِنَ 405 الْجِرَاحِ وَالْآلَامِ ، وَلَكِنْ أَنْتُمْ تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ الْمَثُوبَةَ وَالنَّصْرَ وَالتَّأْيِيدَ ، وَهُمْ لَا يَرْجُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، فَأَنْتُمْ أَوْلَى بِالْجِهَادِ مِنْهُمْ ، وَأَشَدُّ رَغْبَةً فِي إِقَامَةِ كَلِمَةِ اللَّهِ وَإِعْلَائِهَا .
( وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ) أَيْ : هُوَ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ فِيمَا يُقَدِّرُهُ وَيَقْضِيهِ ، وَيُنَفِّذُهُ وَيُمْضِيهِ ، مِنْ أَحْكَامِهِ الْكَوْنِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ ، وَهُوَ الْمَحْمُودُ عَلَى كُلِّ حَالٍ .
يَأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى بِكَثْرَةِ الذِّكْرِ عُقَيْبَ صَلَاةِ الْخَوْفِ ، وَإِنْ كَانَ مَشْرُوعًا مُرَغَّبًا فِيهِ أَيْضًا بَعْدَ غَيْرِهَا ، وَلَكِنَّ هَاهُنَا آكَدُ لِمَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ التَّخْفِيفِ فِي أَرْكَانِهَا ، وَمِنَ الرُّخْصَةِ فِي الذَّهَابِ فِيهَا وَالْإِيَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، مِمَّا لَيْسَ يُوجَدُ فِي غَيْرِهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمَ : ( فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ) [ التَّوْبَةِ : 36 ] ، وَإِنْ كَانَ هَذَا مَنْهِيًّا عَنْهُ فِي غَيْرِهَا ، وَلَكِنَّ فِيهَا آكَدُ لِشِدَّةِ حُرْمَتِهَا وَعِظَمِهَا ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ ) أَيْ فِي سَائِرِ أَحْوَالِكُمْ .
ثُمَّ قَالَ : ( فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ) أَيْ : فَإِذَا أَمِنْتُمْ وَذَهَبَ الْخَوْفُ ، وَحَصَلَتِ الطُّمَأْنِينَةُ ( فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ) أَيْ : فَأَتِمُّوهَا وَأَقِيمُوهَا كَمَا أُمِرْتُمْ بِحُدُودِهَا ، وَخُشُوعِهَا ، وَسُجُودِهَا وَرُكُوعِهَا ، وَجَمِيعِ شُئُونِهَا .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَيْ مَفْرُوضًا . وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَالْحَسَنِ ، وَمُقَاتِلٍ ، وَالسُّدِّيِّ ، وَعَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : ( إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ) قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : إِنَّ لِلصَّلَاةِ وَقْتًا كَوَقْتِ الْحَجِّ .
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ : ( إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ) قَالَ : مُنَجَّمًا ، كُلَّمَا مَضَى نَجْمٌ ، جَاءَتْهُمْ يَعْنِي : كُلَّمَا مَضَى وَقْتٌ جَاءَ وَقْتٌ .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ) أَيْ : لَا تَضْعُفُوا فِي طَلَبِ عَدُّوِّكُمْ ، بَلْ جِدُّوا فِيهِمْ وَقَاتَلُوهُمْ ، وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ : ( إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ) أَيْ : كَمَا يُصِيبُكُمُ الْجِرَاحُ وَالْقَتْلُ ، كَذَلِكَ يَحْصُلُ لَهُمْ ، كَمَا قَالَ ( إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 140 ] .
ثُمَّ قَالَ : ( وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ) أَيْ : أَنْتُمْ وَإِيَّاهُمْ سَوَاءٌ فِيمَا يُصِيبُكُمْ وَإِيَّاهُمْ مِنَ 405 الْجِرَاحِ وَالْآلَامِ ، وَلَكِنْ أَنْتُمْ تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ الْمَثُوبَةَ وَالنَّصْرَ وَالتَّأْيِيدَ ، وَهُمْ لَا يَرْجُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، فَأَنْتُمْ أَوْلَى بِالْجِهَادِ مِنْهُمْ ، وَأَشَدُّ رَغْبَةً فِي إِقَامَةِ كَلِمَةِ اللَّهِ وَإِعْلَائِهَا .
( وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ) أَيْ : هُوَ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ فِيمَا يُقَدِّرُهُ وَيَقْضِيهِ ، وَيُنَفِّذُهُ وَيُمْضِيهِ ، مِنْ أَحْكَامِهِ الْكَوْنِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ ، وَهُوَ الْمَحْمُودُ عَلَى كُلِّ حَالٍ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith