تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثاني
( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ( 82 ) وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ( 83 ) )
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ بِتَدَبُّرِ الْقُرْآنِ ، وَنَاهِيًا لَهُمْ عَنِ الْإِعْرَاضِ عَنْهُ ، وَعَنْ تَفَهُّمِ مَعَانِيهِ الْمُحْكَمَةِ وَأَلْفَاظِهِ الْبَلِيغَةِ ، وَمُخْبِرًا لَهُمْ أَنَّهُ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَلَا اضْطِرَابَ ، وَلَا تَضَادَّ وَلَا تَعَارُضَ ; لِأَنَّهُ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ، فَهُوَ حَقٌّ مِنْ حَقٍّ ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ [ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ] ) [ مُحَمَّدٍ : 24 ] ثُمَّ قَالَ : ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ ) أَيْ : لَوْ كَانَ مُفْتَعَلًا مُخْتَلَقًا ، كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يَقُولُهُ مِنْ جَهَلَةِ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُنَافِقِينَ فِي بَوَاطِنِهِمْ ( لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ) أَيْ : اضْطِرَابًا وَتَضَادًّا كَثِيرًا . أَيْ : وَهَذَا سَالِمٌ مِنَ الِاخْتِلَافِ ، فَهُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . كَمَا قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ 366 حَيْثُ قَالُوا : ( آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ) [ آلِ عِمْرَانَ : 7 ] أَيْ : مُحْكَمُهُ وَمُتَشَابِهُهُ حَقٌّ ; فَلِهَذَا رَدُّوا الْمُتَشَابِهَ إِلَى الْمُحْكَمِ فَاهْتَدَوْا ، وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ رَدُّوا الْمُحْكَمَ إِلَى الْمُتَشَابِهِ ; وَلِهَذَا مَدَحَ تَعَالَى الرَّاسِخِينَ وَذَمَّ الزَّائِغِينَ .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : لَقَدْ جَلَسْتُ أَنَا وَأَخِي مَجْلِسًا مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهِ حُمْرَ النَّعَمِ ، أَقْبَلْتُ أَنَا وَأَخِي وَإِذَا مَشْيَخَةٌ مِنْ صَحَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِهِ ، فَكَرِهْنَا أَنْ نُفَرِّقَ بَيْنَهُمْ ، فَجَلَسْنَا حَجْرَةً ، إِذْ ذَكَرُوا آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ ، فَتَمَارَوْا فِيهَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمْ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُغْضَبًا حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ ، يَرْمِيهِمْ بِالتُّرَابِ ، وَيَقُولُ : " مَهْلًا يَا قَوْمُ ، بِهَذَا أُهْلِكَتِ الْأُمَمُ مَنْ قَبْلِكُمْ بِاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ ، وَضَرْبِهِمُ الْكُتُبَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ ، إِنِ الْقُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ بَعْضُهُ بَعْضًا ، بَلْ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا ، فَمَا عَرَفْتُمْ مِنْهُ فَاعْمَلُوا بِهِ ، وَمَا جَهِلْتُمْ مِنْهُ إِلَى عَالِمِهِ " .
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ ، وَالنَّاسُ يَتَكَلَّمُونَ فِي الْقَدَرِ ، فَكَأَنَّمَا يُفْقَأُ فِي وَجْهِهِ حَبُّ الرُّمَّانِ مِنَ الْغَضَبِ ، فَقَالَ لَهُمْ : " مَا لَكُمْ تَضْرِبُونَ كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ ؟ بِهَذَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ " . قَالَ : فَمَا غَبَطْتُ نَفْسِي بِمَجْلِسٍ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ أَشْهَدْهُ مَا غَبَطْتُ نَفْسِي بِذَلِكَ الْمَجْلِسِ ، أَنِّي لَمْ أَشْهَدْهُ .
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، بِهِ نَحْوَهُ .
وَقَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ قَالَ : كَتَبَ إِلَيَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبَاحٍ ، يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : هَجَّرْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا ، فَإِنَّا لَجُلُوسٌ إِذِ اخْتَلَفَ اثْنَانِ فِي آيَةٍ ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا فَقَالَ : " إِنَّمَا هَلَكَتِ الْأُمَمُ قَبْلَكُمْ بِاخْتِلَافِهِمْ فِي الْكِتَابِ " وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ ، مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، بِهِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ) إِنْكَارٌ عَلَى مَنْ يُبَادِرُ إِلَى الْأُمُورِ قَبْلَ تَحَقُّقِهَا ، فَيُخْبِرُ بِهَا وَيُفْشِيهَا وَيَنْشُرُهَا ، وَقَدْ لَا يَكُونُ لَهَا صِحَّةٌ .
وَقَدْ قَالَ مُسْلِمٌ فِي " مُقَدِّمَةِ صَحِيحِهِ " حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " كَفَى بِالْمَرْءِ أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ " وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ " الْأَدَبِ " مِنْ سُنَنِهِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ إِشْكَابٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَفْصٍ ، عَنْ شُعْبَةَ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ 367 مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ الْعَنْبَرِيِّ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ . وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ النَّمِرِيِّ ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ خُبَيْبٍ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ ، بِهِ مُرْسَلًا .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ أَيْ : الَّذِي يُكْثِرُ مِنَ الْحَدِيثِ عَمَّا يَقُولُ النَّاسُ مِنْ غَيْرِ تَثَبُّتٍ ، وَلَا تَدَبُّرٍ ، وَلَا تَبَيُّنٍ .
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَمُوا عَلَيْهِ " .
وَفِي الصَّحِيحِ : " مَنْ حَدَّثَ بِحَدِيثٍ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ " . وَيُذْكَرُ هَاهُنَا حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ ، حِينَ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَّقَ نِسَاءَهُ ، فَجَاءَهُ مِنْ مَنْزِلِهِ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَوَجَدَ النَّاسَ يَقُولُونَ ذَلِكَ ، فَلَمْ يَصْبِرْ حَتَّى اسْتَأْذَنَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَفْهَمَهُ : أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ ؟ قَالَ : " لَا " . فَقُلْتُ : اللَّهُ أَكْبَرُ . وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ .
وَعِنْدَ مُسْلِمٍ : فَقُلْتُ : أَطَلَّقْتَهُنَّ ؟ فَقَالَ : " لَا " فَقُمْتُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَنَادَيْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي : لَمْ يُطَلِّقْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ . وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) فَكُنْتُ أَنَا اسْتَنْبَطْتُ ذَلِكَ الْأَمْرَ .
وَمَعْنَى قَوْلِهِ : ( يَسْتَنْبِطُونَهُ ) أَيْ : يَسْتَخْرِجُونَهُ وَيَسْتَعْلِمُونَهُ مِنْ مَعَادِنِهِ ، يُقَالُ : اسْتَنْبَطَ الرَّجُلُ الْعَيْنَ ، إِذَا حَفَرَهَا وَاسْتَخْرَجَهَا مِنْ قُعُورِهَا .
وَمَعْنَى قَوْلِهِ : ( لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ) قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : ( لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ) يَعْنِي : كُلَّكُمْ . وَاسْتَشْهَدَ مَنْ نَصَرَ هَذَا الْقَوْلَ . بِقَوْلِ الطِّرْمَاحِ بْنِ حَكِيمٍ ، فِي مَدْحِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ :
﴿﴾ أَشَمَّ كَثِيرَ يَدَيِ النَّوَالِ ﴿﴾ ﴿﴾ قَلِيلَ الْمَثَالِبِ وَالْقَادِحَةْ ﴿﴾
يَعْنِي : لَا مَثَالِبَ لَهُ ، وَلَا قَادِحَةَ فِيهِ .
368
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ بِتَدَبُّرِ الْقُرْآنِ ، وَنَاهِيًا لَهُمْ عَنِ الْإِعْرَاضِ عَنْهُ ، وَعَنْ تَفَهُّمِ مَعَانِيهِ الْمُحْكَمَةِ وَأَلْفَاظِهِ الْبَلِيغَةِ ، وَمُخْبِرًا لَهُمْ أَنَّهُ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَلَا اضْطِرَابَ ، وَلَا تَضَادَّ وَلَا تَعَارُضَ ; لِأَنَّهُ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ، فَهُوَ حَقٌّ مِنْ حَقٍّ ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ [ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ] ) [ مُحَمَّدٍ : 24 ] ثُمَّ قَالَ : ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ ) أَيْ : لَوْ كَانَ مُفْتَعَلًا مُخْتَلَقًا ، كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يَقُولُهُ مِنْ جَهَلَةِ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُنَافِقِينَ فِي بَوَاطِنِهِمْ ( لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ) أَيْ : اضْطِرَابًا وَتَضَادًّا كَثِيرًا . أَيْ : وَهَذَا سَالِمٌ مِنَ الِاخْتِلَافِ ، فَهُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . كَمَا قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ 366 حَيْثُ قَالُوا : ( آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ) [ آلِ عِمْرَانَ : 7 ] أَيْ : مُحْكَمُهُ وَمُتَشَابِهُهُ حَقٌّ ; فَلِهَذَا رَدُّوا الْمُتَشَابِهَ إِلَى الْمُحْكَمِ فَاهْتَدَوْا ، وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ رَدُّوا الْمُحْكَمَ إِلَى الْمُتَشَابِهِ ; وَلِهَذَا مَدَحَ تَعَالَى الرَّاسِخِينَ وَذَمَّ الزَّائِغِينَ .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : لَقَدْ جَلَسْتُ أَنَا وَأَخِي مَجْلِسًا مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهِ حُمْرَ النَّعَمِ ، أَقْبَلْتُ أَنَا وَأَخِي وَإِذَا مَشْيَخَةٌ مِنْ صَحَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِهِ ، فَكَرِهْنَا أَنْ نُفَرِّقَ بَيْنَهُمْ ، فَجَلَسْنَا حَجْرَةً ، إِذْ ذَكَرُوا آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ ، فَتَمَارَوْا فِيهَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمْ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُغْضَبًا حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ ، يَرْمِيهِمْ بِالتُّرَابِ ، وَيَقُولُ : " مَهْلًا يَا قَوْمُ ، بِهَذَا أُهْلِكَتِ الْأُمَمُ مَنْ قَبْلِكُمْ بِاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ ، وَضَرْبِهِمُ الْكُتُبَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ ، إِنِ الْقُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ بَعْضُهُ بَعْضًا ، بَلْ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا ، فَمَا عَرَفْتُمْ مِنْهُ فَاعْمَلُوا بِهِ ، وَمَا جَهِلْتُمْ مِنْهُ إِلَى عَالِمِهِ " .
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ ، وَالنَّاسُ يَتَكَلَّمُونَ فِي الْقَدَرِ ، فَكَأَنَّمَا يُفْقَأُ فِي وَجْهِهِ حَبُّ الرُّمَّانِ مِنَ الْغَضَبِ ، فَقَالَ لَهُمْ : " مَا لَكُمْ تَضْرِبُونَ كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ ؟ بِهَذَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ " . قَالَ : فَمَا غَبَطْتُ نَفْسِي بِمَجْلِسٍ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ أَشْهَدْهُ مَا غَبَطْتُ نَفْسِي بِذَلِكَ الْمَجْلِسِ ، أَنِّي لَمْ أَشْهَدْهُ .
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، بِهِ نَحْوَهُ .
وَقَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ قَالَ : كَتَبَ إِلَيَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبَاحٍ ، يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : هَجَّرْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا ، فَإِنَّا لَجُلُوسٌ إِذِ اخْتَلَفَ اثْنَانِ فِي آيَةٍ ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا فَقَالَ : " إِنَّمَا هَلَكَتِ الْأُمَمُ قَبْلَكُمْ بِاخْتِلَافِهِمْ فِي الْكِتَابِ " وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ ، مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، بِهِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ) إِنْكَارٌ عَلَى مَنْ يُبَادِرُ إِلَى الْأُمُورِ قَبْلَ تَحَقُّقِهَا ، فَيُخْبِرُ بِهَا وَيُفْشِيهَا وَيَنْشُرُهَا ، وَقَدْ لَا يَكُونُ لَهَا صِحَّةٌ .
وَقَدْ قَالَ مُسْلِمٌ فِي " مُقَدِّمَةِ صَحِيحِهِ " حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " كَفَى بِالْمَرْءِ أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ " وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ " الْأَدَبِ " مِنْ سُنَنِهِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ إِشْكَابٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَفْصٍ ، عَنْ شُعْبَةَ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ 367 مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ الْعَنْبَرِيِّ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ . وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ النَّمِرِيِّ ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ خُبَيْبٍ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ ، بِهِ مُرْسَلًا .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ أَيْ : الَّذِي يُكْثِرُ مِنَ الْحَدِيثِ عَمَّا يَقُولُ النَّاسُ مِنْ غَيْرِ تَثَبُّتٍ ، وَلَا تَدَبُّرٍ ، وَلَا تَبَيُّنٍ .
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَمُوا عَلَيْهِ " .
وَفِي الصَّحِيحِ : " مَنْ حَدَّثَ بِحَدِيثٍ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ " . وَيُذْكَرُ هَاهُنَا حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ ، حِينَ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَّقَ نِسَاءَهُ ، فَجَاءَهُ مِنْ مَنْزِلِهِ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَوَجَدَ النَّاسَ يَقُولُونَ ذَلِكَ ، فَلَمْ يَصْبِرْ حَتَّى اسْتَأْذَنَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَفْهَمَهُ : أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ ؟ قَالَ : " لَا " . فَقُلْتُ : اللَّهُ أَكْبَرُ . وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ .
وَعِنْدَ مُسْلِمٍ : فَقُلْتُ : أَطَلَّقْتَهُنَّ ؟ فَقَالَ : " لَا " فَقُمْتُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَنَادَيْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي : لَمْ يُطَلِّقْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ . وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) فَكُنْتُ أَنَا اسْتَنْبَطْتُ ذَلِكَ الْأَمْرَ .
وَمَعْنَى قَوْلِهِ : ( يَسْتَنْبِطُونَهُ ) أَيْ : يَسْتَخْرِجُونَهُ وَيَسْتَعْلِمُونَهُ مِنْ مَعَادِنِهِ ، يُقَالُ : اسْتَنْبَطَ الرَّجُلُ الْعَيْنَ ، إِذَا حَفَرَهَا وَاسْتَخْرَجَهَا مِنْ قُعُورِهَا .
وَمَعْنَى قَوْلِهِ : ( لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ) قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : ( لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ) يَعْنِي : كُلَّكُمْ . وَاسْتَشْهَدَ مَنْ نَصَرَ هَذَا الْقَوْلَ . بِقَوْلِ الطِّرْمَاحِ بْنِ حَكِيمٍ ، فِي مَدْحِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ :
﴿﴾ أَشَمَّ كَثِيرَ يَدَيِ النَّوَالِ ﴿﴾ ﴿﴾ قَلِيلَ الْمَثَالِبِ وَالْقَادِحَةْ ﴿﴾
يَعْنِي : لَا مَثَالِبَ لَهُ ، وَلَا قَادِحَةَ فِيهِ .
368
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith