تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثاني
( إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ( 40 ) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ( 41 ) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ( 42 ) )
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَظْلِمُ عَبْدًا مِنْ عِبَادِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْقَالَ حَبَّةِ خَرْدَلٍ وَلَا مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ، بَلْ يُوَفِّيهَا بِهِ وَيُضَاعِفُهَا لَهُ إِنْ كَانَتْ حَسَنَةً ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ [ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ] ) [ الْأَنْبِيَاءِ : 47 ] وَقَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ لُقْمَانَ أَنَّهُ قَالَ : ( يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ [ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ] ) [ لُقْمَانَ : 16 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ . فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ . وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ )
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ ، مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ الطَّوِيلِ ، وَفِيهِ : فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : " ارْجِعُوا ، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ ، فَأَخْرِجُوهُ مِنَ النَّارِ " . وَفِي لَفْظٍ : " أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ مِنَ النَّارِ ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا " ثُمَّ يَقُولُ أَبُو سَعِيدٍ : اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ [ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ] ) .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنْ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ زَاذَانَ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : يُؤْتَى بِالْعَبْدِ وَالْأَمَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيُنَادِي مُنَادٍ عَلَى رُؤُوسِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ : هَذَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ ، مَنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ فَلْيَأْتِ إِلَى حَقِّهِ . 305 فَتَفْرَحُ الْمَرْأَةُ أَنْ يَكُونَ لَهَا الْحَقُّ عَلَى أَبِيهَا أَوْ أَخِيهَا أَوْ زَوْجِهَا . ثُمَّ قَرَأَ : ( فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ) [ الْمُؤْمِنُونَ : 101 ] فَيَغْفِرُ اللَّهُ مِنْ حَقِّهِ مَا يَشَاءُ ، وَلَا يَغْفِرُ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ شَيْئًا ، فَيُنْصَبُ لِلنَّاسِ فَيُنَادَى : هَذَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ ، مَنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ فَلْيَأْتِ إِلَى حَقِّهِ . فَيَقُولُ : رَبِّ ، فَنِيَتِ الدُّنْيَا ، مِنْ أَيْنَ أُوتِيهِمْ حُقُوقَهُمْ ؟ قَالَ : خُذُوا مِنْ أَعْمَالِهِ الصَّالِحَةِ ، فَأَعْطُوا كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ بِقَدْرِ طَلَبَتِهِ فَإِنْ كَانَ وَلِيًّا لِلَّهِ فَفَضَلَ لَهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ ، ضَاعَفَهَا اللَّهُ لَهُ حَتَّى يُدْخِلَهُ بِهَا الْجَنَّةَ ، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا ) قَالَ : ادْخُلِ الْجَنَّةَ ; وَإِنْ كَانَ عَبْدًا شَقِيًّا قَالَ الْمَلَكُ : رَبِّ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ ، وَبَقِيَ طَالِبُونَ كَثِيرٌ ؟ فَيَقُولُ : خُذُوا مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ فَأَضِيفُوهَا إِلَى سَيِّئَاتِهِ ، ثُمَّ صُكُّوا لَهُ صَكًّا إِلَى النَّارِ .
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، عَنْ زَاذَانَ - بِهِ نَحْوَهُ . وَلِبَعْضِ هَذَا الْأَثَرِ شَاهَدٌ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ - يَعْنِي ابْنَ مَرْزُوقٍ - عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْأَعْرَابِ : ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ) [ الْأَنْعَامِ : 160 ] قَالَ رَجُلٌ : فَمَا لِلْمُهَاجِرِينَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ؟ قَالَ : مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ) .
وَحَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ ، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ ( وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا ) فَأَمَّا الْمُشْرِكُ فَيُخَفَّفُ عَنْهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلَا يُخْرَجُ مِنَ النَّارِ أَبَدًا . وَقَدِ اسْتُدِلَّ لَهُ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ الْعَبَّاسَ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنْ أَبَا طَالِبٍ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَنْصُرُكَ فَهَلْ نَفَعْتَهُ بِشَيْءٍ ؟ قَالَ : " نَعَمْ هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ ، وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ مِنَ النَّارِ " .
وَقَدْ يَكُونُ هَذَا خَاصًّا بِأَبِي طَالِبٍ مِنْ دُونِ الْكَفَّارِ ، بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي سُنَنِهِ حَدَّثَنَا عِمْرَانُ ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ الْمُؤْمِنَ حَسَنَةً ، يُثَابُ عَلَيْهَا الرِّزْقَ فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِهَا فِي الدُّنْيَا ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ " .
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ ، فِي قَوْلِهِ : ( وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ) يَعْنِي : الْجَنَّةَ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِي ابْنَ الْمُغَيْرَةِ - عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ : بَلَغَنِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعْطِي عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ بِالْحَسَنَةِ الْوَاحِدَةِ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ . قَالَ : فَقُضِيَ أَنِّي انْطَلَقْتُ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا ، فَلَقِيتُهُ فَقُلْتُ : بَلَغَنِي عَنْكَ 306 حَدِيثٌ أَنَّكَ تَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " إِنَّ اللَّهَ يُعْطَى عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ بِالْحَسَنَةِ أَلْفَ أَلْفَ حَسَنَةٍ " قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : لَا بَلْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُعْطِيهِ أَلْفَيْ أَلْفِ حَسَنَةٍ " ثُمَّ تَلَا ( يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ) فَمِنْ يُقَدِّرُهُ قَدْرَهُ .
رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فَقَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، حَدَّثَنَا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ : أَتَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ فَقُلْتُ لَهُ : بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ : إِنَّ الْحَسَنَةَ تُضَاعَفُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ ؟ قَالَ : وَمَا أَعْجَبَكَ مِنْ ذَلِكَ ؟ فَوَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ - يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَذَا قَالَ أَبِي - يَقُولُ : " إِنَّ اللَّهَ لِيُضَاعِفُ الْحَسَنَةَ أَلْفَيْ أَلْفِ حَسَنَةٍ " .
عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ فِي أَحَادِيثِهِ نَكَارَةٌ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ) يَقُولُ تَعَالَى - مُخْبِرًا عَنْ هَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَشِدَّةِ أَمْرِهِ وَشَأْنِهِ : فَكَيْفَ يَكُونُ الْأَمْرُ وَالْحَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَحِينَ يَجِيءُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ - يَعْنِي الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ؟ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ [ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ] ) [ الزُّمَرِ : 69 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ] ) [ النَّحْلِ : 89 ] .
قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " اقْرَأْ عَلَيَّ " قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ ؟ قَالَ : " نَعَمْ ، إِنِّي أُحِبُّ أَنَّ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي " فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ ، حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ : ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ) قَالَ : " حَسْبُكَ الْآنَ " فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ .
وَرَوَاهُ هُوَ وَمُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ ، بِهِ وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، فَهُوَ مَقْطُوعٌ بِهِ عَنْهُ . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَيَّانَ ، وَأَبِي رَزِينٍ ، عَنْهُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا ، حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مَسْعُودٍ الْجَحْدَرِيُّ ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ فَضَالَةَ الْأَنْصَارِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ - وَكَانَ أَبِي مِمَّنْ صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُمْ فِي بَنِي ظَفَرٍ ، فَجَلَسَ عَلَى الصَّخْرَةِ الَّتِي فِي بَنِي ظَفَرٍ الْيَوْمَ ، وَمَعَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ، فَأَمْرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَارِئًا فَقَرَأَ ، فَأَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ : ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ) فَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى 307 اضْطَرَبَ لِحْيَاهُ وَجَنْبَاهُ ، فَقَالَ : " يَا رَبُّ هَذَا شَهِدْتُ عَلَى مَنْ أَنَا بَيْنَ ظَهْرَيْهِ ، فَكَيْفَ بِمَنْ لَمْ أَرَهُ ؟ " .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ - ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " شَهِيدٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتُ فِيهِمْ ، فَإِذَا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ " .
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ فِي " التَّذْكِرَةِ " حَيْثُ قَالَ : بَابُ مَا جَاءَ فِي شَهَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمَّتِهِ : قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، أَخْبَرَنَا رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ : لَيْسَ مِنْ يَوْمٍ إِلَّا تُعْرَضُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّتُهُ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً ، فَيَعْرِفُهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ ، فَلِذَلِكَ يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ) فَإِنَّهُ أَثَرٌ ، وَفِيهِ انْقِطَاعٌ ، فَإِنَّ فِيهِ رَجُلًا مُبْهَمًا لَمْ يُسَمَّ ، وَهُوَ مِنْ كَلَامِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ لَمْ يَرْفَعْهُ . وَقَدْ قَبِلَهُ الْقُرْطُبِيُّ فَقَالَ بَعْدَ إِيرَادِهِ : [ قَدْ تَقَدَّمَ ] أَنَّ الْأَعْمَالَ تُعْرَضُ عَلَى اللَّهِ كُلَّ يَوْمِ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ ، وَعَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ . قَالَ : وَلَا تَعَارُضَ ، فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُخَصَّ نَبِيُّنَا بِمَا يُعْرَضُ عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ ، وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ .
وَقَوْلُهُ ( يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ ) أَيْ : لَوِ انْشَقَّتْ وَبَلَعَتْهُمْ ، مِمَّا يَرَوْنَ مِنْ أَهْوَالِ الْمَوْقِفِ ، وَمَا يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ الْخِزْيِ وَالْفَضِيحَةِ وَالتَّوْبِيخِ ، كَقَوْلِهِ : ( يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ [ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا ] ) وَقَوْلُهُ ( وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ) أَخْبَرَ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ يَعْتَرِفُونَ بِجَمِيعِ مَا فَعَلُوهُ ، وَلَا يَكْتُمُونَ مِنْهُ شَيْئًا .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا حَكَّامٌ ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : أَتَى رَجُلٌ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ : سَمِعْتُ اللَّهَ ، عَزَّ وَجَلَّ ، يَقُولُ - يَعْنِي إِخْبَارًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّهُمْ قَالُوا - : ( وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) [ الْأَنْعَامِ : 23 ] وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : ( وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ) فَقَالَ ابْنُ الْعَبَّاسِ : أَمَّا قَوْلُهُ : ( وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) فَإِنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا أَهْلُ الْإِسْلَامِ قَالُوا : تَعَالَوْا فَلْنَجْحَدْ ، فَقَالُوا : ( وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) فَخَتَمَ اللَّهُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ ، وَتَكَلَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ ( وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا )
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ رَجُلٍ عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ : أَشْيَاءٌ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ فِي الْقُرْآنِ . قَالَ : مَا هُوَ ؟ أَشُكُّ فِي الْقُرْآنِ ؟ قَالَ : لَيْسَ 308 هُوَ بِالشَّكِّ . وَلَكِنِ اخْتِلَافٌ . قَالَ : فَهَاتِ مَا اخْتَلَفَ عَلَيْكَ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ : أَسْمَعُ اللَّهَ يَقُولُ : ( ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) [ الْأَنْعَامِ : 23 ] وَقَالَ ( وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ) ; فَقَدْ كَتَمُوا ! فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَمَّا قَوْلُهُ : ( ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) فَإِنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ إِلَّا لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ وَيَغْفِرُ الذُّنُوبَ وَلَا يَغْفِرُ شِرْكًا ، وَلَا يَتَعَاظَمُهُ ذَنْبٌ أَنْ يَغْفِرَهُ ، جَحَدَ الْمُشْرِكُونَ ، فَقَالُوا : ( وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) ; رَجَاءَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُمْ . فَخَتَمَ اللَّهُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ ، وَتَكَلَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ : ( يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا )
وَقَالَ جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ : إِنَّ نَافِعَ بْنَ الْأَزْرَقِ أَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ : يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، قَوْلُ اللَّهِ : ( يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ) وَقَوْلُهُ ( وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنِّي أَحْسَبُكَ قُمْتَ مِنْ عِنْدِ أَصْحَابِكَ فَقُلْتَ أُلْقِي عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مُتَشَابِهُ الْقُرْآنِ . فَإِذَا رَجَعْتَ إِلَيْهِمْ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ جَامِعُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي بَقِيعٍ وَاحِدٍ . فَيَقُولُ الْمُشْرِكُونَ : إِنِ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا إِلَّا مِمَّنْ وَحَّدَهُ ، فَيَقُولُونَ : تَعَالَوْا نَقُلْ فَيَسْأَلُهُمْ فَيَقُولُونَ : ( وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) قَالَ : فَيُخْتَمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ ، وَتُسْتَنْطَقُ جَوَارِحُهُمْ ، فَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جَوَارِحُهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا مُشْرِكِينَ . فَعِنْدَ ذَلِكَ تَمَنَّوْا لَوْ أَنَّ الْأَرْضَ سُوِّيَتْ بِهِمْ ( وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ) رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَظْلِمُ عَبْدًا مِنْ عِبَادِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْقَالَ حَبَّةِ خَرْدَلٍ وَلَا مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ، بَلْ يُوَفِّيهَا بِهِ وَيُضَاعِفُهَا لَهُ إِنْ كَانَتْ حَسَنَةً ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ [ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ] ) [ الْأَنْبِيَاءِ : 47 ] وَقَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ لُقْمَانَ أَنَّهُ قَالَ : ( يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ [ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ] ) [ لُقْمَانَ : 16 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ . فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ . وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ )
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ ، مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ الطَّوِيلِ ، وَفِيهِ : فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : " ارْجِعُوا ، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ ، فَأَخْرِجُوهُ مِنَ النَّارِ " . وَفِي لَفْظٍ : " أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ مِنَ النَّارِ ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا " ثُمَّ يَقُولُ أَبُو سَعِيدٍ : اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ [ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ] ) .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنْ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ زَاذَانَ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : يُؤْتَى بِالْعَبْدِ وَالْأَمَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيُنَادِي مُنَادٍ عَلَى رُؤُوسِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ : هَذَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ ، مَنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ فَلْيَأْتِ إِلَى حَقِّهِ . 305 فَتَفْرَحُ الْمَرْأَةُ أَنْ يَكُونَ لَهَا الْحَقُّ عَلَى أَبِيهَا أَوْ أَخِيهَا أَوْ زَوْجِهَا . ثُمَّ قَرَأَ : ( فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ) [ الْمُؤْمِنُونَ : 101 ] فَيَغْفِرُ اللَّهُ مِنْ حَقِّهِ مَا يَشَاءُ ، وَلَا يَغْفِرُ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ شَيْئًا ، فَيُنْصَبُ لِلنَّاسِ فَيُنَادَى : هَذَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ ، مَنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ فَلْيَأْتِ إِلَى حَقِّهِ . فَيَقُولُ : رَبِّ ، فَنِيَتِ الدُّنْيَا ، مِنْ أَيْنَ أُوتِيهِمْ حُقُوقَهُمْ ؟ قَالَ : خُذُوا مِنْ أَعْمَالِهِ الصَّالِحَةِ ، فَأَعْطُوا كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ بِقَدْرِ طَلَبَتِهِ فَإِنْ كَانَ وَلِيًّا لِلَّهِ فَفَضَلَ لَهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ ، ضَاعَفَهَا اللَّهُ لَهُ حَتَّى يُدْخِلَهُ بِهَا الْجَنَّةَ ، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا ) قَالَ : ادْخُلِ الْجَنَّةَ ; وَإِنْ كَانَ عَبْدًا شَقِيًّا قَالَ الْمَلَكُ : رَبِّ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ ، وَبَقِيَ طَالِبُونَ كَثِيرٌ ؟ فَيَقُولُ : خُذُوا مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ فَأَضِيفُوهَا إِلَى سَيِّئَاتِهِ ، ثُمَّ صُكُّوا لَهُ صَكًّا إِلَى النَّارِ .
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، عَنْ زَاذَانَ - بِهِ نَحْوَهُ . وَلِبَعْضِ هَذَا الْأَثَرِ شَاهَدٌ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ - يَعْنِي ابْنَ مَرْزُوقٍ - عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْأَعْرَابِ : ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ) [ الْأَنْعَامِ : 160 ] قَالَ رَجُلٌ : فَمَا لِلْمُهَاجِرِينَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ؟ قَالَ : مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ) .
وَحَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ ، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ ( وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا ) فَأَمَّا الْمُشْرِكُ فَيُخَفَّفُ عَنْهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلَا يُخْرَجُ مِنَ النَّارِ أَبَدًا . وَقَدِ اسْتُدِلَّ لَهُ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ الْعَبَّاسَ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنْ أَبَا طَالِبٍ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَنْصُرُكَ فَهَلْ نَفَعْتَهُ بِشَيْءٍ ؟ قَالَ : " نَعَمْ هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ ، وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ مِنَ النَّارِ " .
وَقَدْ يَكُونُ هَذَا خَاصًّا بِأَبِي طَالِبٍ مِنْ دُونِ الْكَفَّارِ ، بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي سُنَنِهِ حَدَّثَنَا عِمْرَانُ ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ الْمُؤْمِنَ حَسَنَةً ، يُثَابُ عَلَيْهَا الرِّزْقَ فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِهَا فِي الدُّنْيَا ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ " .
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ ، فِي قَوْلِهِ : ( وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ) يَعْنِي : الْجَنَّةَ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِي ابْنَ الْمُغَيْرَةِ - عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ : بَلَغَنِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعْطِي عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ بِالْحَسَنَةِ الْوَاحِدَةِ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ . قَالَ : فَقُضِيَ أَنِّي انْطَلَقْتُ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا ، فَلَقِيتُهُ فَقُلْتُ : بَلَغَنِي عَنْكَ 306 حَدِيثٌ أَنَّكَ تَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " إِنَّ اللَّهَ يُعْطَى عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ بِالْحَسَنَةِ أَلْفَ أَلْفَ حَسَنَةٍ " قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : لَا بَلْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُعْطِيهِ أَلْفَيْ أَلْفِ حَسَنَةٍ " ثُمَّ تَلَا ( يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ) فَمِنْ يُقَدِّرُهُ قَدْرَهُ .
رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فَقَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، حَدَّثَنَا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ : أَتَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ فَقُلْتُ لَهُ : بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ : إِنَّ الْحَسَنَةَ تُضَاعَفُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ ؟ قَالَ : وَمَا أَعْجَبَكَ مِنْ ذَلِكَ ؟ فَوَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ - يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَذَا قَالَ أَبِي - يَقُولُ : " إِنَّ اللَّهَ لِيُضَاعِفُ الْحَسَنَةَ أَلْفَيْ أَلْفِ حَسَنَةٍ " .
عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ فِي أَحَادِيثِهِ نَكَارَةٌ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ) يَقُولُ تَعَالَى - مُخْبِرًا عَنْ هَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَشِدَّةِ أَمْرِهِ وَشَأْنِهِ : فَكَيْفَ يَكُونُ الْأَمْرُ وَالْحَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَحِينَ يَجِيءُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ - يَعْنِي الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ؟ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ [ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ] ) [ الزُّمَرِ : 69 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ] ) [ النَّحْلِ : 89 ] .
قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " اقْرَأْ عَلَيَّ " قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ ؟ قَالَ : " نَعَمْ ، إِنِّي أُحِبُّ أَنَّ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي " فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ ، حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ : ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ) قَالَ : " حَسْبُكَ الْآنَ " فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ .
وَرَوَاهُ هُوَ وَمُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ ، بِهِ وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، فَهُوَ مَقْطُوعٌ بِهِ عَنْهُ . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَيَّانَ ، وَأَبِي رَزِينٍ ، عَنْهُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا ، حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مَسْعُودٍ الْجَحْدَرِيُّ ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ فَضَالَةَ الْأَنْصَارِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ - وَكَانَ أَبِي مِمَّنْ صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُمْ فِي بَنِي ظَفَرٍ ، فَجَلَسَ عَلَى الصَّخْرَةِ الَّتِي فِي بَنِي ظَفَرٍ الْيَوْمَ ، وَمَعَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ، فَأَمْرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَارِئًا فَقَرَأَ ، فَأَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ : ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ) فَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى 307 اضْطَرَبَ لِحْيَاهُ وَجَنْبَاهُ ، فَقَالَ : " يَا رَبُّ هَذَا شَهِدْتُ عَلَى مَنْ أَنَا بَيْنَ ظَهْرَيْهِ ، فَكَيْفَ بِمَنْ لَمْ أَرَهُ ؟ " .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ - ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " شَهِيدٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتُ فِيهِمْ ، فَإِذَا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ " .
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ فِي " التَّذْكِرَةِ " حَيْثُ قَالَ : بَابُ مَا جَاءَ فِي شَهَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمَّتِهِ : قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، أَخْبَرَنَا رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ : لَيْسَ مِنْ يَوْمٍ إِلَّا تُعْرَضُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّتُهُ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً ، فَيَعْرِفُهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ ، فَلِذَلِكَ يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ) فَإِنَّهُ أَثَرٌ ، وَفِيهِ انْقِطَاعٌ ، فَإِنَّ فِيهِ رَجُلًا مُبْهَمًا لَمْ يُسَمَّ ، وَهُوَ مِنْ كَلَامِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ لَمْ يَرْفَعْهُ . وَقَدْ قَبِلَهُ الْقُرْطُبِيُّ فَقَالَ بَعْدَ إِيرَادِهِ : [ قَدْ تَقَدَّمَ ] أَنَّ الْأَعْمَالَ تُعْرَضُ عَلَى اللَّهِ كُلَّ يَوْمِ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ ، وَعَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ . قَالَ : وَلَا تَعَارُضَ ، فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُخَصَّ نَبِيُّنَا بِمَا يُعْرَضُ عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ ، وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ .
وَقَوْلُهُ ( يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ ) أَيْ : لَوِ انْشَقَّتْ وَبَلَعَتْهُمْ ، مِمَّا يَرَوْنَ مِنْ أَهْوَالِ الْمَوْقِفِ ، وَمَا يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ الْخِزْيِ وَالْفَضِيحَةِ وَالتَّوْبِيخِ ، كَقَوْلِهِ : ( يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ [ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا ] ) وَقَوْلُهُ ( وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ) أَخْبَرَ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ يَعْتَرِفُونَ بِجَمِيعِ مَا فَعَلُوهُ ، وَلَا يَكْتُمُونَ مِنْهُ شَيْئًا .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا حَكَّامٌ ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : أَتَى رَجُلٌ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ : سَمِعْتُ اللَّهَ ، عَزَّ وَجَلَّ ، يَقُولُ - يَعْنِي إِخْبَارًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّهُمْ قَالُوا - : ( وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) [ الْأَنْعَامِ : 23 ] وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : ( وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ) فَقَالَ ابْنُ الْعَبَّاسِ : أَمَّا قَوْلُهُ : ( وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) فَإِنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا أَهْلُ الْإِسْلَامِ قَالُوا : تَعَالَوْا فَلْنَجْحَدْ ، فَقَالُوا : ( وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) فَخَتَمَ اللَّهُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ ، وَتَكَلَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ ( وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا )
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ رَجُلٍ عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ : أَشْيَاءٌ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ فِي الْقُرْآنِ . قَالَ : مَا هُوَ ؟ أَشُكُّ فِي الْقُرْآنِ ؟ قَالَ : لَيْسَ 308 هُوَ بِالشَّكِّ . وَلَكِنِ اخْتِلَافٌ . قَالَ : فَهَاتِ مَا اخْتَلَفَ عَلَيْكَ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ : أَسْمَعُ اللَّهَ يَقُولُ : ( ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) [ الْأَنْعَامِ : 23 ] وَقَالَ ( وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ) ; فَقَدْ كَتَمُوا ! فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَمَّا قَوْلُهُ : ( ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) فَإِنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ إِلَّا لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ وَيَغْفِرُ الذُّنُوبَ وَلَا يَغْفِرُ شِرْكًا ، وَلَا يَتَعَاظَمُهُ ذَنْبٌ أَنْ يَغْفِرَهُ ، جَحَدَ الْمُشْرِكُونَ ، فَقَالُوا : ( وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) ; رَجَاءَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُمْ . فَخَتَمَ اللَّهُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ ، وَتَكَلَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ : ( يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا )
وَقَالَ جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ : إِنَّ نَافِعَ بْنَ الْأَزْرَقِ أَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ : يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، قَوْلُ اللَّهِ : ( يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ) وَقَوْلُهُ ( وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنِّي أَحْسَبُكَ قُمْتَ مِنْ عِنْدِ أَصْحَابِكَ فَقُلْتَ أُلْقِي عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مُتَشَابِهُ الْقُرْآنِ . فَإِذَا رَجَعْتَ إِلَيْهِمْ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ جَامِعُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي بَقِيعٍ وَاحِدٍ . فَيَقُولُ الْمُشْرِكُونَ : إِنِ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا إِلَّا مِمَّنْ وَحَّدَهُ ، فَيَقُولُونَ : تَعَالَوْا نَقُلْ فَيَسْأَلُهُمْ فَيَقُولُونَ : ( وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) قَالَ : فَيُخْتَمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ ، وَتُسْتَنْطَقُ جَوَارِحُهُمْ ، فَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جَوَارِحُهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا مُشْرِكِينَ . فَعِنْدَ ذَلِكَ تَمَنَّوْا لَوْ أَنَّ الْأَرْضَ سُوِّيَتْ بِهِمْ ( وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ) رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith