تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثاني
page 315 · printed p. 303
( الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ( 37 ) )
( وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا ( 38 ) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا ( 39 ) )
يَقُولُ تَعَالَى ذَامًّا الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِأَمْوَالِهِمْ أَنْ يُنْفِقُوهَا فِيمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ - مِنْ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ ، وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْأَقَارِبِ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ ، وَالْجَارِّ ذِي الْقُرْبَى ، وَالْجَارِ الْجُنُبِ ، وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ ، وَابْنِ السَّبِيلِ ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنَ الْأَرِقَّاءِ - وَلَا يَدْفَعُونَ حَقَّ اللَّهِ فِيهَا ، وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ أَيْضًا . وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ۝ وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَأُ مِنَ الْبُخْلِ ؟ " . وَقَالَ : " إِيَّاكُمْ وَالشُّحَ ، فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ، أَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا ، وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا " .
303
وَقَوْلُهُ : ( وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) فَالْبَخِيلُ جَحُودٌ لِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ لَا تَظْهَرُ عَلَيْهِ وَلَا تَبِينُ ، لَا فِي أَكْلِهِ وَلَا فِي مَلْبَسِهِ ، وَلَا فِي إِعْطَائِهِ وَبَذْلِهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ . وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ) [ الْعَادِيَاتِ : 6 ، 7 ] أَيْ : بِحَالِهِ وَشَمَائِلِهِ ، ( وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ) [ الْعَادِيَاتِ : 8 ] وَقَالَ هَاهُنَا : ( وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) وَلِهَذَا تَوَعَّدَهُمْ بِقَوْلِهِ : ( وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ) وَالْكَفْرُ هُوَ السَّتْرُ وَالتَّغْطِيَةُ ، فَالْبَخِيلُ يَسْتُرُ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَيَكْتُمُهَا وَيَجْحَدُهَا ، فَهُوَ كَافِرٌ لِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ .
وَفِي الْحَدِيثِ : " ۝ إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَنْعَمَ نِعْمَةً عَلَى عَبْدٍ أَحَبَّ أَنْ يَظْهَرَ أَثَرُهَا عَلَيْهِ " وَفِي الدُّعَاءِ النَّبَوِيِّ : " ۝ وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعْمَتِكَ ، مُثِنِينَ بِهَا عَلَيْكَ قَابِلِيهَا - وَيُرْوَى : قَائِلِيهَا - وَأَتْمِمْهَا عَلَيْنَا " .
وَقَدْ حَمَلَ بَعْضُ السَّلَفِ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى بُخْلِ الْيَهُودِ بِإِظْهَارِ الْعِلْمِ الَّذِي عِنْدَهُمْ ، مِنْ صِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكِتْمَانِهِمْ ذَلِكَ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ) رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَقَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ .
وَلَا شَكَّ أَنَّ الْآيَةَ مُحْتَمِلَةٌ لِذَلِكَ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ السِّيَاقَ فِي الْبُخْلِ بِالْمَالِ ، وَإِنْ كَانَ الْبُخْلُ بِالْعِلْمِ دَاخِلًا فِي ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ; فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى الْأَقَارِبِ وَالضُّعَفَاءِ ، وَكَذَا الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا ، وَهِيَ قَوْلُهُ : ( وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ ) فَذَكَرَ الْمُمْسِكِينَ الْمَذْمُومِينَ وَهُمُ الْبُخَلَاءُ ، ثُمَّ ذَكَرَ الْبَاذِلِينَ الْمُرَائِينَ الَّذِي يَقْصِدُونَ بِإِعْطَائِهِمُ السُّمْعَةَ وَأَنْ يُمْدَحُوا بِالْكَرَمِ ، وَلَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ ، ۝ وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ هُمْ أَوَّلُ مَنْ تُسَجَّرُ بِهِمُ النَّارُ ، وَهُمْ : الْعَالِمُ وَالْغَازِي وَالْمُنْفِقُ ، وَالْمُرَاءُونَ بِأَعْمَالِهِمْ ، يَقُولُ صَاحِبُ الْمَالِ : مَا تَرَكْتُ مِنْ شَيْءٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهِ إِلَّا أَنْفَقْتُ فِي سَبِيلِكَ . فَيَقُولُ اللَّهُ : كَذَبْتَ ; إِنَّمَا أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ : جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ . أَيْ : فَقَدْ أَخَذْتَ جَزَاءَكَ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ الَّذِي أَرَدْتَ بِفِعْلِكَ .
وَفِي الْحَدِيثِ : ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَدِيٍّ : " إِنَّ أَبَاكَ رَامَ أَمْرًا فَبَلَغَهُ " .
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ : ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ : هَلْ يَنْفَعُهُ إِنْفَاقُهُ ، وَإِعْتَاقُهُ ؟ فَقَالَ : " لَا إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ : رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ " .
وَلِهَذَا قَالَ : ( وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ [ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا ] ) أَيْ : إِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى صَنِيعِهِمْ هَذَا الْقَبِيحِ وَعُدُولِهِمْ عَنْ فِعْلِ الطَّاعَةِ عَلَى وَجْهِهَا الشَّيْطَانُ ; فَإِنَّهُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ، وَقَارَنَهُمْ فَحَسَّنَ لَهُمُ الْقَبَائِحَ ( وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا ) وَلِهَذَا قَالَ الشَّاعِرُ 304 ﴿﴾ عَنِ الْمَرْءِ لَا تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ ﴿﴾ ﴿﴾ فَكُلُّ قَرِينٍ بِالْمَقَارَنِ يَقْتَدِي ﴿﴾
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ [ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا ] ) أَيْ : وَأَيُّ شَيْءٍ يَكْرُثُهُمْ لَوْ سَلَكُوا الطَّرِيقَ الْحَمِيدَةَ ، وَعَدَلُوا عَنِ الرِّيَاءِ إِلَى الْإِخْلَاصِ وَالْإِيمَانِ بِاللَّهِ ، وَرَجَاءِ مَوْعُودِهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ لِمَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ فِي الْوُجُوهِ الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ وَيَرْضَاهَا .
وَقَوْلُهُ : ( وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا ) أَيْ : وَهُوَ عَلِيمٌ بِنِيَّاتِهِمُ الصَّالِحَةِ وَالْفَاسِدَةِ ، وَعَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ التَّوْفِيقَ مِنْهُمْ فَيُوَفِّقُهُ وَيُلْهِمُهُ رُشْدَهُ وَيُقَيِّضُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ يَرْضَى بِهِ عَنْهُ ، وَبِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْخِذْلَانَ وَالطَّرْدَ عَنْ جَنَابِهِ الْأَعْظَمِ الْإِلَهِيِّ ، الَّذِي مَنْ طُرِدَ عَنْ بَابِهِ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ [ بِلُطْفِهِ الْجَزِيلِ ] .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith