تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثاني
( وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُون وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا ( 33 ) )
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَأَبُو صَالِحٍ ، وَقَتَادَةُ ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ ، وَغَيْرُهُمْ فِي قَوْلِهِ : ( وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ) أَيْ : وَرَثَةً . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ : أَيْ عَصَبَةً . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَالْعَرَبُ تُسَمِّي ابْنَ الْعَمِّ مَوْلًى ، كَمَا قَالَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ :
﴿﴾ مَهْلًا بَنِي عَمِّنَا مَهْلًا مَوَالِينَا ﴿﴾ ﴿﴾ لَا تُظْهِرُنَّ لَنَا ما كَانَ مَدْفُونَا ﴿﴾
قَالَ : وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : ( مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ) مِنْ تَرِكَةِ وَالِدَيْهِ وَأَقْرَبِيهِ مِنَ الْمِيرَاثِ ، فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : وَلِكُلِّكُمْ - أَيُّهَا النَّاسُ - جَعَلْنَا عَصَبَةً يَرِثُونَهُ مِمَّا تَرَكَ وَالِدَاهُ وَأَقْرَبُوهُ مِنْ مِيرَاثِهِمْ لَهُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ) أَيْ : وَالَّذِينَ تَحَالَفْتُمْ بِالْأَيْمَانِ الْمُؤَكَّدَةِ - أَنْتُمْ وَهُمْ - فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنَ الْمِيرَاثِ ، كَمَا وَعَدْتُمُوهُمْ فِي الْأَيْمَانِ الْمُغَلَّظَةِ ، إِنَّ اللَّهَ شَاهِدٌ بَيْنَكُمْ فِي تِلْكَ الْعُهُودِ وَالْمُعَاقَدَاتِ ، وَقَدْ كَانَ هَذَا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ ، ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَأُمِرُوا أَنْ يُوَفُّوا لِمَنْ عَاقَدُوا ، وَلَا يُنْشِئُوا بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ مُعَاقَدَةً .
قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ إِدْرِيسَ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ) قَالَ : وَرَثَةً ، ( وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ) كَانَ الْمُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَرِثُ الْمُهَاجِرِيُّ الْأَنْصَارِيَّ ، دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ; لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ ، فَلَمَّا نَزَلَتْ ( وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ) نُسِخَتْ ، ثُمَّ قَالَ : ( وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ) مِنَ النَّصْرِ وَالرِّفَادَةِ وَالنَّصِيحَةِ ، وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ وَيُوصَى لَهُ .
ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ : سَمِعَ أَبُو أُسَامَةَ إِدْرِيسَ ، وَسَمِعَ إِدْرِيسُ عَنْ طَلْحَةَ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، حَدَّثَنَا إِدْرِيسُ الْأَوَدِيُّ ، أَخْبَرَنِي طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ [ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ] ) الْآيَةَ ، 289 قَالَ : كَانَ الْمُهَاجِرُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَرِثُ الْمُهَاجِرِيُّ الْأَنْصَارِيَّ ، دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ; بِالْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ( وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ) نُسِخَتْ . ثُمَّ قَالَ : ( وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ )
وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ - وَعُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ( وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ) فَكَانَ الرَّجُلُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ يُعَاقِدُ الرَّجُلَ ، يَقُولُ : تَرِثُنِي وَأَرِثُكَ وَكَانَ الْأَحْيَاءُ يَتَحَالَفُونَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كُلُّ حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَوْ عَقْدٍ أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ ، فَلَا يَزِيدُهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً ، وَلَا عَقْدَ وَلَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ " . فَنَسَخَتْهَا هَذِهِ الْآيَةُ : ( وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ) [ الْأَنْفَالِ : 75 ] .
ثُمَّ قَالَ : وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَأَبِي صَالِحٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، والسُّدِّيِّ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَقَتَادَةَ ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ أَنَّهُمْ قَالُوا : هُمُ الْحُلَفَاءُ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - وَرَفَعَهُ - قَالَ : " مَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا حِدَّةً وَشِدَّةً " .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ يُونُسَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ ، وَكُلُّ حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً ، وَمَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي حُمْرَ النَّعَمِ وَإِنِّي نَقَضْتُ الْحِلْفَ الَّذِي كَانَ فِي دَارِ النَّدْوَةِ " هَذَا لَفْظُ ابْنِ جَرِيرٍ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " شَهِدْتُ حِلْفَ الْمُطَيَّبِينَ ، وَأَنَا غُلَامٌ مَعَ عُمُومَتِي ، فَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي حُمْرَ النَّعَمِ وَأَنَا أَنْكُثُهُ " . قَالَ الزُّهْرِيُّ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَمْ يُصِبِ الْإِسْلَامُ حِلْفًا إِلَّا زَادَهُ شِدَّةً " . قَالَ : " وَلَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ " . وَقَدْ أَلَّفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، بِتَمَامِهِ .
وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، أَخْبَرَنِي مُغِيرَةُ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ شُعْبَةَ بْنِ التَّوْأَمِ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ : أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْحِلْفِ ، قَالَ : فَقَالَ : " مَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَتَمَسَّكُوا بِهِ ، وَلَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ " .
290
وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ هُشَيْمٍ .
وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ جُدْعَانَ ، عَنْ جَدَّتِهِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ ، وَمَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً " .
وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ : لَمَّا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ قَامَ خَطِيبًا فِي النَّاسِ فَقَالَ : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، مَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً ، وَلَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ " .
ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، بِهِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ زَكَرِيَّا ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ ، وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً " .
وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَهُوَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، بِإِسْنَادِهِ ، مِثْلَهُ . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ عُثْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ وَابْنِ نُمَيْرِ وَأَبِي أُسَامَةَ ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ زَكَرِيَّا - وَهُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ - بِإِسْنَادِهِ ، مِثْلَهُ .
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ ، بِهِ . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ إِسْحَاقَ بْنِ يُوسُفَ الْأَزْرَقِ ، عَنْ زَكَرِيَّا ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، بِهِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، قَالَ : مُغِيرَةُ أَخْبَرَنِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ شُعْبَةَ بْنِ التَّوْأَمِ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ : أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْحِلْفِ ، فَقَالَ : " مَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَتَمَسَّكُوا بِهِ ، وَلَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ " .
وَكَذَا رَوَاهُ شُعْبَةُ ، عَنْ مُغِيرَةَ - وَهُوَ ابْنُ مِقْسَمٍ - عَنْ أَبِيهِ ، بِهِ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ : كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَى أُمِّ سَعْدٍ بِنْتِ الرَّبِيعِ ، مَعَ ابْنِ ابْنِهَا مُوسَى بْنِ سَعْدٍ - وَكَانَتْ يَتِيمَةً فِي حِجْرِ أَبِي بَكْرٍ - فَقَرَأْتُ عَلَيْهَا ( وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ) فَقَالَتْ : لَا وَلَكِنْ : ( وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ) قَالَتْ : إِنَّمَا نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حِينَ أَبَى أَنْ يُسْلِمَ ، فَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ لَا يُوَرِّثَهُ ، فَلَمَّا أَسْلَمَ حِينَ حُمِلَ عَلَى الْإِسْلَامِ بِالسَّيْفِ أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُؤْتِيَهُ نَصِيبَهُ .
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَهَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ، وَأَنَّ هَذَا كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ يَتَوَارَثُونَ بِالْحِلْفِ ، ثُمَّ نُسِخَ وَبَقِيَ تَأْثِيرُ الْحِلْفِ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ أُمِرُوا أَنْ يُوفُوا بِالْعُقُودِ 291 وَالْعُهُودِ ، وَالْحِلْفُ الَّذِي كَانُوا قَدْ تَعَاقَدُوا قَبْلَ ذَلِكَ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ : لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ ، وَأَيُّمَا حِلْفٌ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً .
وَهَذَا نَصٌّ فِي الرَّدِّ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَى التَّوَارُثِ بِالْحِلْفِ الْيَوْمَ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ .
وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ) أَيْ : وَرَثَهً مِنْ أَقْرِبَائِهِ مِنْ أَبَوَيْهِ وَأَقْرَبِيهِ ، وَهُمْ يَرِثُونَهُ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا ، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ " أَيِ : اقْسِمُوا الْمِيرَاثَ عَلَى أَصْحَابِ الْفُرُوضِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي آيَتَيِ الْفَرَائِضِ ، فَمَا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَعْطُوهُ الْعَصَبَةَ ، وَقَوْلُهُ : ( وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ) أَيْ : قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ، أَيْ مِنَ الْمِيرَاثِ ، فَأَيُّمَا حِلْفٌ عُقِدَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا تَأْثِيرَ لَهُ .
وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَسَخَتِ الْحِلْفَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، وَحُكْمَ الْمَاضِي أَيْضًا ، فَلَا تَوَارُثَ بِهِ ، كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ .
حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، حَدَّثَنَا إِدْرِيسُ الْأَوَدِيُّ ، أَخْبَرَنِي طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ) قَالَ : مِنَ النُّصْرَةِ وَالنَّصِيحَةِ وَالرِّفَادَةِ ، وَيُوصَى لَهُ ، وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ .
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَأَبِي مَالِكٍ ، نَحْوُ ذَلِكَ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : ( وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ) قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ يُعَاقِدُ الرَّجُلَ ، أَيُّهُمَا مَاتَ وِرْثَهُ الْآخَرُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائُكُمْ مَعْرُوفًا ) [ الْأَحْزَابِ : 6 ] . يَقُولُ : إِلَّا أَنْ يُوصُوا لِأَوْلِيَائِهِمُ الَّذِينَ عَاقَدُوا وَصِيَّةً فَهُوَ لَهُمْ جَائِزٌ مِنْ ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ ، وَذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوفُ .
وَهَذَا نَصُّ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ : أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ : ( وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائُكُمْ مَعْرُوفًا )
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : ( فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ) أَيْ : مِنَ الْمِيرَاثِ . قَالَ : وَعَاقَدَ أَبُو بَكْرٍ مَوْلًى فَوَرِثَهُ . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الَّذِينَ كَانُوا يَتَبَنَّوْنَ رِجَالًا غَيْرَ أَبْنَائِهِمْ ، يُوَرِّثُونَهُمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ، فَجَعَلَ لَهُمْ نَصِيبًا فِي الْوَصِيَّةِ ، وَرَدَّ الْمِيرَاثَ إِلَى الْمَوَالِي فِي ذِي الرَّحِمِ وَالْعَصَبَةِ وَأَبَى اللَّهُ لِلْمُدَّعِينَ مِيرَاثًا مِمَّنِ ادَّعَاهُمْ وَتَبَنَّاهُمْ ، وَلَكِنْ جَعَلَ لَهُمْ نَصِيبًا مِنَ الْوَصِيَّةِ . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
292
وَقَدِ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : ( فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ) أَيْ : مِنَ النُّصْرَةِ وَالنَّصِيحَةِ وَالْمَعُونَةِ ، لَا أَنَّ الْمُرَادَ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنَ الْمِيرَاثِ - حَتَّى تَكُونَ الْآيَةُ مَنْسُوخَةً ، وَلَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ حُكْمًا ثُمَّ نُسِخَ ، بَلْ إِنَّمَا دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى الْوَفَاءِ بِالْحِلْفِ الْمَعْقُودِ عَلَى النُّصْرَةِ وَالنَّصِيحَةِ فَقَطْ ، فَهِيَ مَحْكَمَةٌ لَا مَنْسُوخَةٌ .
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ فِيهِ نَظَرٌ ، فَإِنَّ مِنَ الْحِلْفِ مَا كَانَ عَلَى الْمُنَاصَرَةِ وَالْمُعَاوَنَةِ ، وَمِنْهُ مَا كَانَ عَلَى الْإِرْثِ ، كَمَا حَكَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ ، وَكَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَانَ الْمُهَاجِرِيُّ يَرِثُ الْأَنْصَارِيَّ دُونَ قِرَابَاتِهِ وَذَوِي رَحِمِهِ ، حَتَّى نُسِخَ ذَلِكَ ، فَكَيْفَ يَقُولُ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ ؟ ! وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَأَبُو صَالِحٍ ، وَقَتَادَةُ ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ ، وَغَيْرُهُمْ فِي قَوْلِهِ : ( وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ) أَيْ : وَرَثَةً . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ : أَيْ عَصَبَةً . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَالْعَرَبُ تُسَمِّي ابْنَ الْعَمِّ مَوْلًى ، كَمَا قَالَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ :
﴿﴾ مَهْلًا بَنِي عَمِّنَا مَهْلًا مَوَالِينَا ﴿﴾ ﴿﴾ لَا تُظْهِرُنَّ لَنَا ما كَانَ مَدْفُونَا ﴿﴾
قَالَ : وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : ( مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ) مِنْ تَرِكَةِ وَالِدَيْهِ وَأَقْرَبِيهِ مِنَ الْمِيرَاثِ ، فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : وَلِكُلِّكُمْ - أَيُّهَا النَّاسُ - جَعَلْنَا عَصَبَةً يَرِثُونَهُ مِمَّا تَرَكَ وَالِدَاهُ وَأَقْرَبُوهُ مِنْ مِيرَاثِهِمْ لَهُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ) أَيْ : وَالَّذِينَ تَحَالَفْتُمْ بِالْأَيْمَانِ الْمُؤَكَّدَةِ - أَنْتُمْ وَهُمْ - فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنَ الْمِيرَاثِ ، كَمَا وَعَدْتُمُوهُمْ فِي الْأَيْمَانِ الْمُغَلَّظَةِ ، إِنَّ اللَّهَ شَاهِدٌ بَيْنَكُمْ فِي تِلْكَ الْعُهُودِ وَالْمُعَاقَدَاتِ ، وَقَدْ كَانَ هَذَا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ ، ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَأُمِرُوا أَنْ يُوَفُّوا لِمَنْ عَاقَدُوا ، وَلَا يُنْشِئُوا بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ مُعَاقَدَةً .
قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ إِدْرِيسَ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ) قَالَ : وَرَثَةً ، ( وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ) كَانَ الْمُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَرِثُ الْمُهَاجِرِيُّ الْأَنْصَارِيَّ ، دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ; لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ ، فَلَمَّا نَزَلَتْ ( وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ) نُسِخَتْ ، ثُمَّ قَالَ : ( وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ) مِنَ النَّصْرِ وَالرِّفَادَةِ وَالنَّصِيحَةِ ، وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ وَيُوصَى لَهُ .
ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ : سَمِعَ أَبُو أُسَامَةَ إِدْرِيسَ ، وَسَمِعَ إِدْرِيسُ عَنْ طَلْحَةَ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، حَدَّثَنَا إِدْرِيسُ الْأَوَدِيُّ ، أَخْبَرَنِي طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ [ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ] ) الْآيَةَ ، 289 قَالَ : كَانَ الْمُهَاجِرُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَرِثُ الْمُهَاجِرِيُّ الْأَنْصَارِيَّ ، دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ; بِالْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ( وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ) نُسِخَتْ . ثُمَّ قَالَ : ( وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ )
وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ - وَعُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ( وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ) فَكَانَ الرَّجُلُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ يُعَاقِدُ الرَّجُلَ ، يَقُولُ : تَرِثُنِي وَأَرِثُكَ وَكَانَ الْأَحْيَاءُ يَتَحَالَفُونَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كُلُّ حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَوْ عَقْدٍ أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ ، فَلَا يَزِيدُهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً ، وَلَا عَقْدَ وَلَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ " . فَنَسَخَتْهَا هَذِهِ الْآيَةُ : ( وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ) [ الْأَنْفَالِ : 75 ] .
ثُمَّ قَالَ : وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَأَبِي صَالِحٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، والسُّدِّيِّ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَقَتَادَةَ ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ أَنَّهُمْ قَالُوا : هُمُ الْحُلَفَاءُ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - وَرَفَعَهُ - قَالَ : " مَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا حِدَّةً وَشِدَّةً " .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ يُونُسَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ ، وَكُلُّ حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً ، وَمَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي حُمْرَ النَّعَمِ وَإِنِّي نَقَضْتُ الْحِلْفَ الَّذِي كَانَ فِي دَارِ النَّدْوَةِ " هَذَا لَفْظُ ابْنِ جَرِيرٍ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " شَهِدْتُ حِلْفَ الْمُطَيَّبِينَ ، وَأَنَا غُلَامٌ مَعَ عُمُومَتِي ، فَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي حُمْرَ النَّعَمِ وَأَنَا أَنْكُثُهُ " . قَالَ الزُّهْرِيُّ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَمْ يُصِبِ الْإِسْلَامُ حِلْفًا إِلَّا زَادَهُ شِدَّةً " . قَالَ : " وَلَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ " . وَقَدْ أَلَّفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، بِتَمَامِهِ .
وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، أَخْبَرَنِي مُغِيرَةُ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ شُعْبَةَ بْنِ التَّوْأَمِ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ : أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْحِلْفِ ، قَالَ : فَقَالَ : " مَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَتَمَسَّكُوا بِهِ ، وَلَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ " .
290
وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ هُشَيْمٍ .
وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ جُدْعَانَ ، عَنْ جَدَّتِهِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ ، وَمَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً " .
وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ : لَمَّا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ قَامَ خَطِيبًا فِي النَّاسِ فَقَالَ : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، مَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً ، وَلَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ " .
ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، بِهِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ زَكَرِيَّا ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ ، وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً " .
وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَهُوَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، بِإِسْنَادِهِ ، مِثْلَهُ . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ عُثْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ وَابْنِ نُمَيْرِ وَأَبِي أُسَامَةَ ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ زَكَرِيَّا - وَهُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ - بِإِسْنَادِهِ ، مِثْلَهُ .
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ ، بِهِ . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ إِسْحَاقَ بْنِ يُوسُفَ الْأَزْرَقِ ، عَنْ زَكَرِيَّا ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، بِهِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، قَالَ : مُغِيرَةُ أَخْبَرَنِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ شُعْبَةَ بْنِ التَّوْأَمِ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ : أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْحِلْفِ ، فَقَالَ : " مَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَتَمَسَّكُوا بِهِ ، وَلَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ " .
وَكَذَا رَوَاهُ شُعْبَةُ ، عَنْ مُغِيرَةَ - وَهُوَ ابْنُ مِقْسَمٍ - عَنْ أَبِيهِ ، بِهِ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ : كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَى أُمِّ سَعْدٍ بِنْتِ الرَّبِيعِ ، مَعَ ابْنِ ابْنِهَا مُوسَى بْنِ سَعْدٍ - وَكَانَتْ يَتِيمَةً فِي حِجْرِ أَبِي بَكْرٍ - فَقَرَأْتُ عَلَيْهَا ( وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ) فَقَالَتْ : لَا وَلَكِنْ : ( وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ) قَالَتْ : إِنَّمَا نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حِينَ أَبَى أَنْ يُسْلِمَ ، فَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ لَا يُوَرِّثَهُ ، فَلَمَّا أَسْلَمَ حِينَ حُمِلَ عَلَى الْإِسْلَامِ بِالسَّيْفِ أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُؤْتِيَهُ نَصِيبَهُ .
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَهَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ، وَأَنَّ هَذَا كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ يَتَوَارَثُونَ بِالْحِلْفِ ، ثُمَّ نُسِخَ وَبَقِيَ تَأْثِيرُ الْحِلْفِ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ أُمِرُوا أَنْ يُوفُوا بِالْعُقُودِ 291 وَالْعُهُودِ ، وَالْحِلْفُ الَّذِي كَانُوا قَدْ تَعَاقَدُوا قَبْلَ ذَلِكَ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ : لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ ، وَأَيُّمَا حِلْفٌ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً .
وَهَذَا نَصٌّ فِي الرَّدِّ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَى التَّوَارُثِ بِالْحِلْفِ الْيَوْمَ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ .
وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ) أَيْ : وَرَثَهً مِنْ أَقْرِبَائِهِ مِنْ أَبَوَيْهِ وَأَقْرَبِيهِ ، وَهُمْ يَرِثُونَهُ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا ، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ " أَيِ : اقْسِمُوا الْمِيرَاثَ عَلَى أَصْحَابِ الْفُرُوضِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي آيَتَيِ الْفَرَائِضِ ، فَمَا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَعْطُوهُ الْعَصَبَةَ ، وَقَوْلُهُ : ( وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ) أَيْ : قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ، أَيْ مِنَ الْمِيرَاثِ ، فَأَيُّمَا حِلْفٌ عُقِدَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا تَأْثِيرَ لَهُ .
وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَسَخَتِ الْحِلْفَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، وَحُكْمَ الْمَاضِي أَيْضًا ، فَلَا تَوَارُثَ بِهِ ، كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ .
حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، حَدَّثَنَا إِدْرِيسُ الْأَوَدِيُّ ، أَخْبَرَنِي طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ) قَالَ : مِنَ النُّصْرَةِ وَالنَّصِيحَةِ وَالرِّفَادَةِ ، وَيُوصَى لَهُ ، وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ .
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَأَبِي مَالِكٍ ، نَحْوُ ذَلِكَ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : ( وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ) قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ يُعَاقِدُ الرَّجُلَ ، أَيُّهُمَا مَاتَ وِرْثَهُ الْآخَرُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائُكُمْ مَعْرُوفًا ) [ الْأَحْزَابِ : 6 ] . يَقُولُ : إِلَّا أَنْ يُوصُوا لِأَوْلِيَائِهِمُ الَّذِينَ عَاقَدُوا وَصِيَّةً فَهُوَ لَهُمْ جَائِزٌ مِنْ ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ ، وَذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوفُ .
وَهَذَا نَصُّ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ : أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ : ( وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائُكُمْ مَعْرُوفًا )
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : ( فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ) أَيْ : مِنَ الْمِيرَاثِ . قَالَ : وَعَاقَدَ أَبُو بَكْرٍ مَوْلًى فَوَرِثَهُ . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الَّذِينَ كَانُوا يَتَبَنَّوْنَ رِجَالًا غَيْرَ أَبْنَائِهِمْ ، يُوَرِّثُونَهُمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ، فَجَعَلَ لَهُمْ نَصِيبًا فِي الْوَصِيَّةِ ، وَرَدَّ الْمِيرَاثَ إِلَى الْمَوَالِي فِي ذِي الرَّحِمِ وَالْعَصَبَةِ وَأَبَى اللَّهُ لِلْمُدَّعِينَ مِيرَاثًا مِمَّنِ ادَّعَاهُمْ وَتَبَنَّاهُمْ ، وَلَكِنْ جَعَلَ لَهُمْ نَصِيبًا مِنَ الْوَصِيَّةِ . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
292
وَقَدِ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : ( فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ) أَيْ : مِنَ النُّصْرَةِ وَالنَّصِيحَةِ وَالْمَعُونَةِ ، لَا أَنَّ الْمُرَادَ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنَ الْمِيرَاثِ - حَتَّى تَكُونَ الْآيَةُ مَنْسُوخَةً ، وَلَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ حُكْمًا ثُمَّ نُسِخَ ، بَلْ إِنَّمَا دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى الْوَفَاءِ بِالْحِلْفِ الْمَعْقُودِ عَلَى النُّصْرَةِ وَالنَّصِيحَةِ فَقَطْ ، فَهِيَ مَحْكَمَةٌ لَا مَنْسُوخَةٌ .
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ فِيهِ نَظَرٌ ، فَإِنَّ مِنَ الْحِلْفِ مَا كَانَ عَلَى الْمُنَاصَرَةِ وَالْمُعَاوَنَةِ ، وَمِنْهُ مَا كَانَ عَلَى الْإِرْثِ ، كَمَا حَكَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ ، وَكَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَانَ الْمُهَاجِرِيُّ يَرِثُ الْأَنْصَارِيَّ دُونَ قِرَابَاتِهِ وَذَوِي رَحِمِهِ ، حَتَّى نُسِخَ ذَلِكَ ، فَكَيْفَ يَقُولُ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ ؟ ! وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith