تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثاني
page 280 · printed p. 118
( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 130 ) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ( 131 ) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 132 ) )
( وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ( 133 ) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 134 ) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 135 ) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ( 136 ) )
يَقُولُ تَعَالَى نَاهِيًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ تَعَاطِي الرِّبَا وَأَكْلِهِ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ، كَمَا كَانُوا يَقُولُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ - إِذَا حَلَّ أَجَلُ الدَّيْنِ : إِمَّا أَنْ يَقْضِيَ وَإِمَّا أَنْ يُرْبِيَ ، فَإِنْ قَضَاهُ وَإِلَّا زَادَهُ فِي الْمُدَّةِ وَزَادَهُ الْآخَرُ فِي الْقَدْرِ ، وَهَكَذَا كُلُّ عَامٍ ، فَرُبَّمَا تَضَاعَفَ الْقَلِيلُ حَتَّى يَصِيرَ كَثِيرًا مُضَاعَفًا .
وَأَمَرَ تَعَالَى عِبَادَهُ بِالتَّقْوَى لَعَلَّهُمْ يُفْلِحُونَ فِي الْأُولَى وَالْأُخْرَى ثُمَّ تَوَعَّدَهُمْ بِالنَّارِ وَحَذَّرَهُمْ مِنْهَا ، فَقَالَ : ( وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) .
ثُمَّ نَدَبَهُمْ إِلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى فِعْلِ الْخَيْرَاتِ وَالْمُسَارِعَةِ إِلَى نَيْلِ الْقُرُبَاتِ ، فَقَالَ : ( وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ) أَيْ : كَمَا أُعِدَّتِ النَّارُ لِلْكَافِرِينَ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : ( عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ) تَنْبِيهًا عَلَى اتِّسَاعِ طُولِهَا ، كَمَا قَالَ فِي صِفَةِ فَرْشِ الْجَنَّةِ : ( بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ) [ الرَّحْمَنِ : 54 ] أَيْ : فَمَا ظَنُّكَ بِالظَّهَائِرِ ؟ وَقِيلَ : بَلْ عَرْضُهَا كَطُولِهَا ، لِأَنَّهَا قُبَّةٌ تَحْتَ الْعَرْشِ ، وَالشَّيْءُ الْمُقَبَّبُ وَالْمُسْتَدِيرُ عَرْضُهُ كَطُولِهِ . وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ : ۝ " إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ الْجَنَّةَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ ، فَإِنَّهُ أَعْلَى الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ ، وَسَقْفُهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ " .
وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ : ( سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ) الْآيَةَ [ رَقْمُ : 21 ] .
وَقَدْ رُوِّينَا فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ : ۝ أَنَّ هِرَقْلَ كَتَبَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّكَ دَعَوْتَنِي إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ، فَأَيْنَ النَّارُ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " سُبْحَانَ اللَّهِ ! فَأَيْنَ اللَّيْلُ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ ؟ " .
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ فَقَالَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي 118 خُثَيْمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ ، ۝ عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ قَالَ : لَقِيتُ التَّنُوخِيَّ رَسُولَ هِرَقْلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحِمْصَ ، شَيْخًا كَبِيرًا فَسَدَ ، قَالَ : قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكِتَابِ هِرَقْلَ ، فَنَاوَلَ الصَّحِيفَةَ رَجُلًا عَنْ يَسَارِهِ . قَالَ : قُلْتُ : مَنْ صَاحِبُكُمُ الَّذِي يَقْرَأُ ؟ قَالُوا : مُعَاوِيَةُ . فَإِذَا كِتَابُ صَاحِبِي : " إِنَّكَ كَتَبْتُ تَدْعُونِي إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ، فَأَيْنَ النَّارُ ؟ قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " سُبْحَانَ اللَّهِ ! فَأَيْنَ اللَّيْلُ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ ؟ " .
وَقَالَ الْأَعْمَشُ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَشُعْبَةُ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ، أَنَّ نَاسًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلُوا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ، فَأَيْنَ النَّارُ ؟ فَقَالَ عُمَرُ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] أَرَأَيْتُمْ إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ أَيْنَ النَّهَارُ ؟ وَإِذَا جَاءَ النَّهَارُ أَيْنَ اللَّيْلُ ؟ فَقَالُوا : لَقَدْ نَزَعْتَ مِثْلَهَا مِنَ التَّوْرَاةِ .
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ الطُّرُقِ ثُمَّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ ، أَنْبَأَنَا يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ : أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ قَالَ : يَقُولُونَ : ( جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ) فَأَيْنَ النَّارُ ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَيْنَ يَكُونُ اللَّيْلُ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ ، وَأَيْنَ يَكُونُ النَّهَارُ إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ ؟
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا مَرْفُوعًا ، فَقَالَ الْبَزَّارُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ أَبُو هِشَامٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَصَمِّ ، عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ ، ۝ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَرَأَيْتَ قَوْلَهُ تَعَالَى : ( جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ) فَأَيْنَ النَّارُ ؟ قَالَ : " أَرَأَيْتَ اللَّيْلَ إِذَا جَاءَ لَبِسَ كُلَّ شَيْءٍ ، فَأَيْنَ النَّهَارُ ؟ " قَالَ : حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ . قَالَ : " وَكَذِلَكَ النَّارُ تَكُونُ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ " .
وَهَذَا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ : أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ مُشَاهَدَتِنَا اللَّيْلَ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ أَلَّا يَكُونَ فِي مَكَانٍ ، وَإِنْ كُنَّا لَا نَعْلَمُهُ ، وَكَذَلِكَ النَّارُ تَكُونُ حَيْثُ يَشَاءُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، وَهَذَا أَظْهَرُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ الْبَزَّارِ .
الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى : أَنَّ النَّهَارَ إِذَا تَغَشَّى وَجْهَ الْعَالَمِ مِنْ هَذَا الْجَانِبِ ، فَإِنَّ اللَّيْلَ يَكُونُ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ ، فَكَذَلِكَ الْجَنَّةُ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ تَحْتَ الْعَرْشِ ، وَعَرْضُهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ : ( كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ) [ الْحَدِيدِ : 21 ] وَالنَّارُ فِي أَسْفَلِ سَافِلِينَ . فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ كَوْنِهَا كَعَرْضِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَبَيْنَ وُجُودِ النَّارِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
119 ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى صَفَةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَقَالَ : ( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ) أَيْ : فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ ، وَالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ ، وَفِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ ، كَمَا قَالَ : ( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً ) [ الْبَقَرَةِ : 274 ] . وَالْمَعْنَى : أَنَّهُمْ لَا يَشْغَلُهُمْ أَمْرٌ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْإِنْفَاقِ فِي مَرَاضِيهِ ، وَالْإِحْسَانِ إِلَى خَلْقِهِ مِنْ قَرَابَاتِهِمْ وَغَيْرِهِمْ بِأَنْوَاعِ الْبِرِّ .
وَقَوْلُهُ : ( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ) أَيْ : إِذَا ثَارَ بِهِمُ الْغَيْظُ كَظَمُوهُ ، بِمَعْنَى : كَتَمُوهُ فَلَمْ يَعْمَلُوهُ ، وَعَفَوْا مَعَ ذَلِكَ عَمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْهِمْ وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ : ۝ " يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : ابْنَ آدَمَ ، اذْكُرْنِي إِذَا غَضِبْتَ ، أَذْكُرُكَ إِذَا غَضِبْتُ ، فَلَا أُهْلِكُكَ فِيمَنْ أُهْلِكُ " رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ .
وَقَدْ قَالَ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ : حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الزَّمِنُ ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ شُعَيْبٍ الضَّرِيرُ أَبُو الْفَضْلِ ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْنُمَيْرِيُّ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ۝ " مَنْ كَفَّ غَضَبَهُ كَفَّ اللَّهُ عَنْهُ عَذَابَهُ ، وَمَنْ خَزَنَ لِسَانَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ ، وَمَنِ اعْتَذَرَ إِلَى اللَّهِ قَبِلَ عُذْرَهُ " [ وَ ] هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : ۝ " لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ ، وَلَكِنَّ الشَّدِيدَ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ " . وَقَدْ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ ؟ " قَالَ : قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِ وَارِثِهِ . قَالَ : " اعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ ، مَا لَكَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا قَدَّمْتَ ، وَمَالُ وَارِثِكَ مَا أَخَّرْتَ " . قَالَ : وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا تَعُدُّونَ فِيْكُمُ الصُّرَعَةَ ؟ " قُلْنَا : الَّذِي لَا تَصْرَعُهُ الرِّجَالُ ، قَالَ : قَالَ " لَا ، وَلَكِنِ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ " . قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا تَعُدُّونَ فِيْكُمُ الرَّقُوبَ ؟ " قَالَ : قُلْنَا : الَّذِي لَا وَلَدَ لَهُ . قَالَ : " لَا ، وَلَكِنَّ الرَّقُوبَ الَّذِي لَمْ يُقَدِّمْ مِنْ وَلَدِهِ شَيْئًا " .
120 أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ الْفَصْلَ الْأَوَّلَ مِنْهُ وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَصْلَ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ ، بِهِ .
حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْجُعْفِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي حَصْبَةَ ، أَوِ ابْنِ حَصْبَةَ ، عَنْ رَجُلٍ شَهِدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ فَقَالَ : ۝ " تَدْرُونَ مَا الرَّقُوبُ ؟ " قَالُوا الَّذِي لَا وَلَدَ لَهُ . قَالَ : " الرَّقُوبُ كُلُّ الرَّقُوبِ الَّذِي لَهُ وَلَدٌ فَمَاتَ ، وَلَمْ يُقَدِّمْ مِنْهُمْ شَيْئًا " . قَالَ : " تَدْرُونَ مَا الصُّعْلُوكُ ؟ " قَالُوا : الَّذِي لَيْسَ لَهُ مَالٌ . قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الصُّعْلُوكُ كُلُّ الصُّعْلُوكِ الَّذِي لَهُ مَالٌ ، فَمَاتَ وَلَمْ يُقَدِّمْ مِنْهُ شَيْئًا " . قَالَ : ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا الصُّرَعَةُ ؟ " قَالُوا : الصَّرِيعُ . قَالَ : فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصُّرَعَةُ كُلُّ الصُّرَعَةِ الَّذِي يَغْضَبُ فَيَشْتَدُّ غَضَبُهُ ، وَيَحْمَرُّ وَجْهُهُ ، وَيَقْشَعِرُّ شَعْرُهُ ، فَيَصْرَعُ غَضَبَهُ " .
حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ - هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ - عَنْ أَبِيهِ ، ۝ عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ عَمٍّ لَهُ يُقَالُ لَهُ : جَارِيَةُ بْنُ قُدَامَةَ السَّعْدِيُّ ، أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قُلْ لِي قَوْلًا يَنْفَعُنِي وَأَقْلِلْ عَلَيَّ ، لَعَلِّي أَعِيهِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تَغْضَبْ " . فَأَعَادَ عَلَيْهِ حَتَّى أَعَادَ عَلَيْهِ مِرَارًا ، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ : " لَا تَغْضَبْ " .
وَكَذَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنْ هِشَامٍ ، بِهِ . وَرَوَاهُ [ أَيْضًا ] عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ ، ۝ عَنْ هِشَامٍ ، بِهِ ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قُلْ لِي قَوْلًا وَأَقْلِلْ عَلَيَّ لَعَلِّي أَعْقِلُهُ . قَالَ : " لَا تَغْضَبْ " .
الْحَدِيثُ انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ .
حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، ۝ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَوْصِنِي . قَالَ : " لَا تَغْضَبْ " . قَالَ الرَّجُلُ : فَفَكَّرْتُ حِينَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَالَ ، فَإِذَا الْغَضَبُ يَجْمَعُ الشَّرَّ كُلَّهُ .
انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ .
حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : كَانَ يَسْقِي عَلَى حَوْضٍ لَهُ ، فَجَاءَ قَوْمٌ قَالُوا أَيُّكُمْ يُورِدُ عَلَى أَبِي ذَرٍّ وَيَحْتَسِبُ شَعَرَاتٍ مِنْ رَأْسِهِ فَقَالَ رَجُلٌ : أَنَا . فَجَاءَ الرَّجُلُ فَأَوْرَدَ عَلَيْهِ الْحَوْضَ فَدَقَّهُ ، وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ قَائِمًا فَجَلَسَ ، ثُمَّ اضْطَجَعَ ، فَقِيلَ لَهُ : يَا أَبَا ذَرٍّ ، لِمَ جَلَسْتَ ثُمَّ اضْطَجَعْتَ ؟ فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَنَا : " ۝ إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ ، فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلَّا فَلْيَضْطَجِعْ " .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ بِإِسْنَادِهِ ، إِلَّا أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ : عَنْ أَبِي حَرْبٍ ، عَنْ أَبِي 121 ذَرٍّ ، وَالصَّحِيحُ : ابْنُ أَبِي حَرْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، كَمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ ، عَنْ أَبِيهِ .
حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ : حَدَّثَنَا أَبُو وَائِلٍ الصَّنْعَانِيُّ قَالَ : كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عُرْوَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ ، فَكَلَّمَهُ بِكَلَامٍ أَغْضَبَهُ ، فَلَمَّا أَنْ غَضِبَ قَامَ ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْنَا وَقَدْ تَوَضَّأَ فَقَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ جَدِّي عَطِيَّةَ - هُوَ ابْنُ سَعْدٍ السَّعْدِيُّ ، وَقَدْ كَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ ، فَإِذَا أُغْضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ " .
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ خَالِدٍ الصنْعَانِيِّ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ الْقَاصِّ الْمُرَادِيِّ الصَّنْعَانِيِّ : قَالَ أَبُو دَاوُدَ : أُرَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بَحِيرٍ .
حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ ، حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ جَعْوَنَةَ السُّلَمِيُّ ، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ وَقَاهُ اللَّهُ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ ، أَلَا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ - ثَلَاثًا - أَلَا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ . وَالسَّعِيدُ مَنْ وُقِيَ الْفِتَنَ ، وَمَا مِنْ جَرْعَةٍ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ [ عَزَّ وَجَلَّ ] مِنْ جَرْعَةِ غَيْظٍ يَكْظِمُهَا عَبْدٌ ، مَا كَظَمَهَا عَبْدٌ لِلَّهِ إِلَّا مَلَأَ جَوْفَهُ إِيمَانًا " .
انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ ، إِسْنَادُهُ حَسَنٌ لَيْسَ فِيهِ مَجْرُوحٌ ، وَمَتْنُهُ حَسَنٌ .
حَدِيثٌ آخَرُ فِي مَعْنَاهُ : قَالَ أَبُو دَاوُدَ : حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٍّ - عَنْ بِشْرٍ - يَعْنِي ابْنَ مَنْصُورٍ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ۝ مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ مَلَأَهُ اللَّهُ أَمْنًا وَإِيمَانًا ، وَمَنْ تَرَكَ لُبْسَ ثَوْبِ جَمَالٍ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ - قَالَ بِشْرٌ : أَحْسَبُهُ قَالَ : " تَوَاضُعًا " - كَسَاهُ اللَّهُ حُلَّةَ الْكَرَامَةِ ، وَمَنْ زَوَّجَ لِلَّهِ كَسَاهُ اللَّهُ تَاجَ الْمُلْكِ " .
حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، حَدَّثَنِي أَبُو مَرْحُومٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ " مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ ، دَعَاهُ اللَّهُ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ ، حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنْ أَيِّ الْحُورِ شَاءَ " .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ ، بِهِ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ غَرِيبٌ .
122 حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ : عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ - يُقَالُ لَهُ : عَبْدُ الْجَلِيلِ - عَنْ عَمٍّ لَهُ ، ۝ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ) أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنْ كَظَمَ غَيْظًا ، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى إِنْفَاذِهِ مِلْأَهُ اللَّهُ أَمْنًا وَإِيمَانًا " . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " مَا تَجَرَّعَ عَبْدٌ مِنْ جُرْعَةٍ أَفْضَلَ أَجْرًا مِنْ جُرْعَةِ غَيْظٍ كَظَمَهَا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ " .
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ ، بِهِ .
فَقَوْلُهُ : ( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ) أَيْ : لَا يَعْمَلُونَ غَضَبَهُمْ فِي النَّاسِ ، بَلْ يَكُفُّونَ عَنْهُمْ شَرَّهُمْ ، وَيَحْتَسِبُونَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
ثُمَّ قَالَ [ تَعَالَى ] ( وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ) أَيْ : مَعَ كَفِّ الشَّرِّ يَعْفُونَ عَمَّنْ ظَلَمَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ ، فَلَا يَبْقَى فِي أَنْفُسِهِمْ مَوْجِدَةً عَلَى أَحَدٍ ، وَهَذَا أَكْمَلُ الْأَحْوَالِ ، وَلِهَذَا قَالَ : ( وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) فَهَذَا مِنْ مَقَامَاتِ الْإِحْسَانِ .
وَفِي الْحَدِيثِ : ۝ " ثَلَاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ : مَا نَقَصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا ، وَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ " .
وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ الْقُرَشِيِّ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ " مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُشْرَفَ لَهُ الْبُنْيَانُ ، وَتُرْفَعَ لَهُ الدَّرَجَاتُ فَلْيَعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَهُ ، وَيُعْطِ مَنْ حَرَمَهُ ، وَيَصِلْ مَنْ قَطَعَهُ " .
ثُمَّ قَالَ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ وَقَدْ أَوْرَدَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ، وَكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ ، بِنَحْوِ ذَلِكَ . وَرُوِيَ عَنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ يَقُولُ : أَيْنَ الْعَافُونَ عَنِ النَّاسِ ؟ هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ ، وَخُذُوا أُجُورَكُمْ ، وَحُقَّ عَلَى كُلِّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِذَا عَفَا أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ " .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ) أَيْ : 123 إِذَا صَدَرَ مِنْهُمْ ذَنْبٌ أَتْبَعُوهُ بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ " إِنَّ رَجُلًا أَذْنَبَ ذَنْبًا ، فَقَالَ : رَبِّ إِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ . فَقَالَ اللَّهُ [ عَزَّ وَجَلَّ ] عَبْدِي عَمِلَ ذَنْبًا ، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ، ثُمَّ عَمِلَ ذَنْبًا آخَرَ فَقَالَ : رَبِّ ، إِنِّي عَمِلْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ . فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي . ثُمَّ عَمِلَ ذَنْبًا آخَرَ فَقَالَ : رَبِّ ، إِنِّي عَمِلْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ لِي . فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : عَلِمَ عَبْدَيْ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثُمَّ عَمِلَ ذَنَبًا آخَرَ فَقَالَ : رَبِّ ، إِنِّي عَمِلْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : عَبْدِي عَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ، فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ " .
أَخْرَجَهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، بِنَحْوِهِ .
حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ وَأَبُو عَامِرٍ قَالَا حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ ، حَدَّثَنَا سَعْدٌ الطَّائِيُّ ، ۝ حَدَّثَنَا أَبُو الْمُدِلَّةِ - مَوْلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ، قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِذَا رَأَيْنَاكَ رَقَّتْ قُلُوبُنَا ، وَكُنَّا مِنْ أَهْلِ الْآخِرَةِ ، وَإِذَا فَارَقْنَاكَ أَعْجَبَتْنَا الدُّنْيَا وَشَمَمْنَا النِّسَاءَ وَالْأَوْلَادَ ، فَقَالَ لَوْ أَنَّكُمْ تَكُونُونَ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، عَلَى الْحَالِ الَّتِي أَنْتُمْ عَلَيْهَا عِنْدِي ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ بِأَكُفِّهِمْ ، وَلَزَارَتْكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ ، وَلَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ كَيْ يَغْفِرَ لَهُمْ " . قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، حَدِّثْنَا عَنِ الْجَنَّةِ مَا بِنَاؤُهَا ؟ قَالَ : " لَبِنَةُ ذَهَبٍ ، وَلَبِنَةُ فِضَّةٍ ، وَمِلَاطُهَا الْمِسْكُ الْأَذْفَرُ ، وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ ، وَتُرَابُهَا الزَّعْفَرَانُ ، مَنْ يَدْخُلُهَا يَنْعَمُ وَلَا يَبْأَسُ ، وَيَخْلُدُ وَلَا يَمُوتُ ، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُ ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُ ، ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ : الْإِمَامُ الْعَادِلُ ، وَالصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ تُحْمَلُ عَلَى الْغَمَامِ وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ ، وَيَقُولُ الرَّبُّ : وَعِزَّتِي لِأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ " .
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعْدٍ ، بِهِ .
وَيَتَأَكَّدُ الْوُضُوءُ وَصَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ التَّوْبَةِ ، لِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ :
حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ ، وَسُفْيَانُ - هُوَ الثَّوْرِيُّ - عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الثَّقَفِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ أَسْمَاءَ بْنِ الْحَكَمِ الْفَزَارِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : كُنْتُ إِذَا 124 سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا نَفَعَنِي اللَّهُ بِمَا شَاءَ مِنْهُ ، وَإِذَا حَدَّثَنِي عَنْهُ [ غَيْرِي اسْتَحْلَفْتُهُ ، فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدَّقْتُهُ ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَنِي ] وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " ۝ مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَيَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ - الْوُضُوءَ - قَالَ مِسْعَرٌ : فَيُصَلِّي . وَقَالَ سُفْيَانُ : ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ - فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا غَفَرَ لَهُ " .
كَذَا رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ ، وَالْحُمَيْدِيُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَأَهْلُ السُّنَنِ ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْبَزَّارُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، مِنْ طُرُقٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، بِهِ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَقَدْ ذَكَرْنَا طُرُقَهُ وَالْكَلَامَ عَلَيْهِ مُسْتَقْصًى فِي مُسْنَدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] عَنْ خَلِيفَةِ النَّبِيِّ [ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَمِمَّا يَشْهَدُ لِصِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ " مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغَ - أَوْ : فَيُسْبِغَ - الْوُضُوءَ ، ثُمَّ يَقُولُ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ " .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ تَوَضَّأَ لَهُمْ وُضُوءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ۝ " مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيْهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ " .
فَقَدْ ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَةِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ ، عَنْ سَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَرَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ الْمُبِينُ مِنْ أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ مِنَ الذَّنْبِ يَنْفَعُ الْعَاصِينَ .
وَقَدْ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ إِبْلِيسَ حِينَ نَزَلَتْ : ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ) الْآيَةَ ، بَكَى .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى : حَدَّثَنَا مُحْرِزُ بْنُ عَوْنٍ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَطَرَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَفُورِ ، عَنْ أَبِي نُضَيْرَةَ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ " عَلَيْكُمْ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَالِاسْتِغْفَارِ ، فَأَكْثِرُوا مِنْهُمَا ، فَإِنَّ إِبْلِيسَ قَالَ : أَهْلَكْتُ النَّاسَ بِالذُّنُوبِ ، وَأَهْلَكُونِي بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَالِاسْتِغْفَارِ ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ أَهْلَكْتُهُمْ بِالْأَهْوَاءِ ، فَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ " .
عُثْمَانُ بْنُ مَطَرٍ وَشَيْخُهُ ضَعِيفَانِ .
125 وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ ، مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو وَأَبِي الْهَيْثَمِ الْعُتْوَارِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ " قَالَ إِبْلِيسُ : يَا رَبِّ ، وَعِزَّتِكَ لَا أَزَالُ أُغْوِي [ عِبَادَكَ ] مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ . فَقَالَ اللَّهُ : وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَلَا أَزَالُ أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي " .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ أَبِي خَلِيفَةَ ، سَمِعْتُ أَبَا بَدْرٍ يُحَدِّثُ عَنْ ثَابِتٍ ، ۝ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَذْنَبْتُ ذَنْبًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذَا أَذْنَبْتَ فَاسْتَغْفِرْ رَبَّكَ " . [ قَالَ : فَإِنِّي أَسْتَغْفِرُ ، ثُمَّ أَعُودُ فَأُذْنِبُ . قَالَ فَإِذَا أَذْنَبْتَ فَعُدْ فَاسْتَغْفِرْ رَبَّكَ ] " فَقَالَهَا فِي الرَّابِعَةِ فَقَالَ : " اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ حَتَّى يَكُونَ الشَّيْطَانُ هُوَ الْمَحْسُورُ " .
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ ) أَيْ : لَا يَغْفِرُهَا أَحَدٌ سِوَاهُ ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَبٍ ، حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ ، وَالْمُبَارَكُ ، عَنِ الْحَسَنِ ، ۝ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِأَسِيرٍ فَقَالَ : اللَّهْمُ إِنِّي أَتُوبُ إِلَيْكَ وَلَا أَتُوبُ إِلَى مُحَمَّدٍ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " عَرَفَ الْحَقَّ لِأَهْلِهِ " .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) أَيْ : تَابُوا مِنْ ذُنُوبِهِمْ ، وَرَجَعُوا إِلَى اللَّهِ عَنْ قَرِيبٍ ، وَلَمْ يَسْتَمِرُّوا عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَيُصِرُّوا عَلَيْهَا غَيْرَ مُقْلِعِينَ عَنْهَا ، وَلَوْ تَكَرَّرَ مِنْهُمُ الذَّنْبُ تَابُوا عَنْهُ ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي مُسْنَدِهِ :
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرُهُ قَالُوا : حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى عَبْدُ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ أَبِي نُصَيْرَةَ ، عَنْ مَوْلًى لِأَبِي بَكْرٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَإِنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً " .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ ، مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ وَاقِدٍ - وَقَدْ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ - بِهِ وَشَيْخُهُ أَبُو نُصَيْرَةَ الْوَاسِطِيُّ وَاسْمُهُ مُسْلِمُ بْنُ عُبَيْدٍ ، وَثَّقَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَقَوْلُ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ : لَيْسَ إِسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ بِذَاكَ ، فَالظَّاهِرُ إِنَّمَا [ هُوَ ] لِأَجْلِ جَهَالَةِ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ ، وَلَكِنَّ جَهَالَةَ مَثَلِهِ لَا تَضُرُّ ، لِأَنَّهُ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ ، وَيَكْفِيهِ نِسْبَتُهُ إِلَى [ أَبِي بَكْرٍ ] الصِّدِّيقِ ، فَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
126 وَقَوْلُهُ : ( وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) قَالَ مُجَاهِدٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ : ( وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) أَنَّ مَنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ .
وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ) [ التَّوْبَةِ : 104 ] وَكَقَوْلِهِ ( وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ) [ النِّسَاءِ : 110 ] وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ ، حَدَّثَنَا حِبَّانُ - هُوَ ابْنُ زَيْدٍ الشَّرْعَبِيُّ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ - وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ ۝ - : " ارْحَمُوا تُرْحَمُوا ، وَاغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُمْ ، وَيْلٌ لِأَقْمَاعِ الْقَوْلِ ، وَيْلٌ لِلْمُصِرِّينَ الَّذِينَ يُصِرُّونَ عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ " .
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى - بَعْدَ وَصْفِهِمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ - : ( أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ ) أَيْ : جَزَاؤُهُمْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَجَنَّاتٌ ( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ) أَيْ : مِنْ أَنْوَاعِ الْمَشْرُوبَاتِ ( خَالِدِينَ فِيهَا ) أَيْ : مَاكِثِينَ فِيهَا ( وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ) يَمْدَحُ تَعَالَى الْجَنَّةَ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith