تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثاني
( هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ( 38 ) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ( 39 ) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ( 40 ) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ( 41 ) )
لَمَّا رَأَى زَكَرِيَّا ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرْزُقُ مَرْيَمَ ، عَلَيْهَا السَّلَامُ ، فَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ ، وَفَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ ، طَمِعَ حِينَئِذٍ فِي الْوَلَدِ ، وَ [ إِنْ ] كَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ [ ضَعُفَ وَ ] وَهَنَ مِنْهُ الْعَظْمُ ، وَاشْتَعَلَ رَأْسُهُ شَيْبًا ، وَإِنْ كَانَتِ امْرَأَتُهُ مَعَ ذَلِكَ كَبِيرَةً وَعَاقِرًا ، لَكِنَّهُ مَعَ هَذَا كُلِّهِ سَأَلَ رَبَّهُ وَنَادَاهُ نِدَاءً خَفِيًّا ، وَقَالَ : ( رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ) أَيْ : مِنْ عِنْدِكَ ( ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ) أَيْ : وَلَدًا صَالِحًا ( إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ) .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ ) أَيْ : خَاطَبَتْهُ الْمَلَائِكَةُ شِفَاهًا خِطَابًا أَسْمَعَتْهُ ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي مِحْرَابِ عِبَادَتِهِ ، وَمَحَلِّ خَلْوَتِهِ ، وَمَجْلِسِ مُنَاجَاتِهِ وَصَلَاتِهِ . ثُمَّ أَخْبَرَ عَمَّا بَشَّرَتْهُ بِهِ الْمَلَائِكَةُ : ( أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى ) أَيْ : بِوَلَدٍ يُوجَدُ لَكَ مِنْ صُلْبِكَ اسْمُهُ يَحْيَى . قَالَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ : إِنَّمَا سُمِّيَ يَحْيَى لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحْيَاهُ بِالْإِيمَانِ .
وَقَوْلُهُ : ( مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ ) رَوَى الْعَوْفِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ وَأَبُو الشَّعْثَاءِ وَالسُّدِّيُّ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَغَيْرُهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : ( مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ ) أَيْ : بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ : هُوَ أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، وَقَالَ قَتَادَةُ : وَعَلَى سُنَنِهِ وَمِنْهَاجِهِ . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ ) قَالَ : كَانَ يَحْيَى وَعِيسَى ابْنَيْ خَالَةٍ ، وَكَانَتْ أَمُّ يَحْيَى تَقُولُ لِمَرْيَمَ : إِنِّي أَجِدُ الَّذِي فِي بَطْنِي يَسْجُدُ لِلَّذِي فِي بَطْنِكِ فَذَلِكَ تَصْدِيقُهُ بِعِيسَى : تَصْدِيقُهُ لَهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَ عِيسَى ، وَكَلِمَةُ اللَّهِ عِيسَى ، وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَهَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ أَيْضًا .
وَقَوْلُهُ : ( وَسَيِّدًا ) قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَقَتَادَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَغَيْرُهُمْ : الْحَكِيمُ ، وَقَالَ قَتَادَةُ : سَيِّدًا فِي الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالضَّحَّاكُ : السَّيِّدُ الْحَكِيمُ الْمُتَّقِي ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : هُوَ الْفَقِيهُ الْعَالِمُ . وَقَالَ عَطِيَّةُ : السَّيِّدُ فِي خُلُقِهِ وَدِينِهِ . وَقَالَ عِكْرِمَةُ : هُوَ الَّذِي لَا يَغْلِبُهُ الْغَضَبُ . وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : هُوَ الشَّرِيفُ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ هُوَ 38 الْكَرِيمُ عَلَى اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ .
وَقَوْلُهُ : ( وَحَصُورًا ) رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَأَبِي الشَّعْثَاءِ ، وَعَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ أَنَّهُمْ قَالُوا : هُوَ الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ . وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ : هُوَ الَّذِي لَا يُولَدُ لَهُ . وَقَالَ الضَّحَّاكُ : هُوَ الَّذِي لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا مَاءَ لَهُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْمُغِيرَةِ ، أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ قَابُوسَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْحَصُورِ : الَّذِي لَا يُنْزِلُ الْمَاءَ ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي هَذَا حَدِيثًا غَرِيبًا جِدًّا فَقَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ الْبَغْدَادِيُّ ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، حَدَّثَنَا عُبَادَةُ - يَعْنِي ابْنَ الْعَوَّامِ - عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنِ ابْنِ الْعَاصِ - لَا يَدْرِي عَبْدُ اللَّهِ أَوْ عَمْرٌو - عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ : ( وَسَيِّدًا وَحَصُورًا ) قَالَ : ثُمَّ تَنَاوَلَ شَيْئًا مِنَ الْأَرْضِ فَقَالَ : " كَانَ ذَكَرُهُ مِثْلَ هَذَا " .
ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ ، أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ : لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ لَا يَلْقَاهُ بِذَنْبٍ غَيْرَ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا ، ثُمَّ قَرَأَ سَعِيدٌ : ( وَسَيِّدًا وَحَصُورًا ) ثُمَّ أَخَذَ شَيْئًا مِنَ الْأَرْضِ فَقَالَ الْحَصُورُ مَا كَانَ ذَكَرُهُ مِثْلَ ذِي وَأَشَارَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ بِطَرَفِ إِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ . فَهَذَا مَوْقُوفٌ وَهُوَ أَقْوَى إِسْنَادًا مِنَ الْمَرْفُوعِ ، بَلْ وَفِي صِحَّةِ الْمَرْفُوعِ نَظَرٌ ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .
وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي كِتَابِهِ الشِّفَاءِ : اعْلَمْ أَنَّ ثَنَاءَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى يَحْيَى أَنَّهُ كَانَ ) حَصُورًا ) لَيْسَ كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ : إِنَّهُ كَانَ هَيُّوبًا ، أَوْ لَا ذَكَرَ لَهُ ، بَلْ قَدْ أَنْكَرَ هَذَا حُذَّاقُ الْمُفَسِّرِينَ وَنُقَّادُ الْعُلَمَاءِ ، وَقَالُوا : هَذِهِ نَقِيصَةٌ وَعَيْبٌ وَلَا تَلِيقُ بِالْأَنْبِيَاءِ ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ : أَنَّهُ مَعْصُومٌ مِنَ الذُّنُوبِ ، أَيْ لَا يَأْتِيهَا كَأَنَّهُ حُصِرَ عَنْهَا ، وَقِيلَ : مَانِعًا نَفْسَهُ مِنَ الشَّهَوَاتِ . وَقِيلَ : لَيْسَتْ لَهُ شَهْوَةٌ فِي النِّسَاءِ .
وَقَدْ بَانَ لَكَ مِنْ هَذَا أَنَّ عَدَمَ الْقُدْرَةِ عَلَى النِّكَاحِ نَقْصٌ ، وَإِنَّمَا الْفَضْلُ فِي كَوْنِهَا مَوْجُودَةً ثُمَّ قَمَعَهَا : إِمَّا بِمُجَاهَدَةٍ كَعِيسَى أَوْ بِكِفَايَةٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، كَيَحْيَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ . ثُمَّ هِيَ حَقٌّ مَنْ أُقْدِرَ عَلَيْهَا وَقَامَ بِالْوَاجِبِ فِيهَا وَلَمْ تَشْغَلْهُ عَنْ رَبِّهِ دَرَجَةً عَلْيَاءَ ، وَهِيَ دَرَجَةُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 39 الَّذِي لَمْ يَشْغَلْهُ كَثْرَتُهُنَّ عَنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ ، بَلْ زَادَهُ ذَلِكَ عِبَادَةً ، بِتَحْصِينِهِنَّ وَقِيَامِهِ عَلَيْهِنَّ ، وَاكْتِسَابِهِ لَهُنَّ ، وَهِدَايَتِهِ إِيَّاهُنَّ . بَلْ قَدْ صَرَّحَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ حُظُوظِ دُنْيَاهُ هُوَ ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ حُظُوظِ دُنْيَا غَيْرِهِ ، فَقَالَ : " حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ " .
هَذَا لَفْظُهُ . وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ مَدَحَ يَحْيَى بِأَنَّهُ حَصُورٌ لَيْسَ أَنَّهُ لَا يَأْتِي النِّسَاءَ ، بَلْ مَعْنَاهُ كَمَا قَالَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ : أَنَّهُ مَعْصُومٌ عَنِ الْفَوَاحِشِ وَالْقَاذُورَاتِ ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ تَزْوِيجِهِ بِالنِّسَاءِ الْحَلَالِ وَغَشَيَانِهِنَّ وَإِيلَادِهِنَّ ، بَلْ قَدْ يُفْهَمُ وُجُودُ النَّسْلِ لَهُ مِنْ دُعَاءِ زَكَرِيَّا الْمُتَقَدِّمِ حَيْثُ قَالَ : ( هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ) كَأَنَّهُ قَالَ : وَلَدًا لَهُ ذُرِّيَّةٌ وَنَسْلٌ وَعَقِبٌ ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .
[ وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ زُغْبَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ الْقَمَرِيِّ ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ ، عَنِ الْقَعْقَاعِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَلْقَى اللَّهَ بِذَنْبٍ قَدْ أَذَنَبَهُ يُعَذِّبُهُ عَلَيْهِ ، إِنْ شَاءَ أَوْ يَرْحَمُهُ ، إِلَّا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا ، فَإِنَّهُ كَانَ سَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ " ، ثُمَّ أَهْوَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قَذَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ فَأَخَذَهَا وَقَالَ : " كَانَ ذَكَرُهُ مِثْلَ هَذِهِ الْقَذَاةِ " ] .
قَوْلُهُ : ( وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ) هَذِهِ بِشَارَةٌ ثَانِيَةٌ بِنُبُوَّةِ يَحْيَى بَعْدَ الْبِشَارَةِ بِوِلَادَتِهِ ، وَهِيَ أَعْلَى مِنَ الْأُولَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى لِأُمِّ مُوسَى : ( إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكَ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) [ الْقَصَصِ : 7 ] فَلَمَّا تَحَقَّقَ زَكَرِيَّا ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، هَذِهِ الْبِشَارَةَ أَخَذَ يَتَعَجَّبُ مِنْ وُجُودِ الْوَلَدِ مِنْهُ بَعْدَ الْكِبَرِ ( قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ ) أَيِ الْمَلَكُ : ( كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ) أَيْ : هَكَذَا أَمْرُ اللَّهِ عَظِيمٌ ، لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ وَلَا يَتَعَاظَمُهُ أَمْرٌ .
( قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ) أَيْ : عَلَامَةً أَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى وُجُودِ الْوَلَدِ مِنِّي ( قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا ) أَيْ : إِشَارَةً لَا تَسْتَطِيعُ النُّطْقَ ، مَعَ أَنَّكَ سَوِيٌّ صَحِيحٌ ، كَمَا فِي قَوْلِهِ : ( ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا ) [ مَرْيَمَ : 10 ] ثُمَّ أُمِرَ بِكَثْرَةِ الذِّكْرِ وَالشُّكْرِ وَالتَّسْبِيحِ فِي هَذِهِ الْحَالِ ، فَقَالَ : ( وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ) وَسَيَأْتِي طَرَفٌ آخَرُ فِي بَسْطِ هَذَا الْمَقَامِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ مَرْيَمَ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
لَمَّا رَأَى زَكَرِيَّا ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرْزُقُ مَرْيَمَ ، عَلَيْهَا السَّلَامُ ، فَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ ، وَفَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ ، طَمِعَ حِينَئِذٍ فِي الْوَلَدِ ، وَ [ إِنْ ] كَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ [ ضَعُفَ وَ ] وَهَنَ مِنْهُ الْعَظْمُ ، وَاشْتَعَلَ رَأْسُهُ شَيْبًا ، وَإِنْ كَانَتِ امْرَأَتُهُ مَعَ ذَلِكَ كَبِيرَةً وَعَاقِرًا ، لَكِنَّهُ مَعَ هَذَا كُلِّهِ سَأَلَ رَبَّهُ وَنَادَاهُ نِدَاءً خَفِيًّا ، وَقَالَ : ( رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ) أَيْ : مِنْ عِنْدِكَ ( ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ) أَيْ : وَلَدًا صَالِحًا ( إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ) .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ ) أَيْ : خَاطَبَتْهُ الْمَلَائِكَةُ شِفَاهًا خِطَابًا أَسْمَعَتْهُ ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي مِحْرَابِ عِبَادَتِهِ ، وَمَحَلِّ خَلْوَتِهِ ، وَمَجْلِسِ مُنَاجَاتِهِ وَصَلَاتِهِ . ثُمَّ أَخْبَرَ عَمَّا بَشَّرَتْهُ بِهِ الْمَلَائِكَةُ : ( أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى ) أَيْ : بِوَلَدٍ يُوجَدُ لَكَ مِنْ صُلْبِكَ اسْمُهُ يَحْيَى . قَالَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ : إِنَّمَا سُمِّيَ يَحْيَى لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحْيَاهُ بِالْإِيمَانِ .
وَقَوْلُهُ : ( مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ ) رَوَى الْعَوْفِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ وَأَبُو الشَّعْثَاءِ وَالسُّدِّيُّ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَغَيْرُهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : ( مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ ) أَيْ : بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ : هُوَ أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، وَقَالَ قَتَادَةُ : وَعَلَى سُنَنِهِ وَمِنْهَاجِهِ . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ ) قَالَ : كَانَ يَحْيَى وَعِيسَى ابْنَيْ خَالَةٍ ، وَكَانَتْ أَمُّ يَحْيَى تَقُولُ لِمَرْيَمَ : إِنِّي أَجِدُ الَّذِي فِي بَطْنِي يَسْجُدُ لِلَّذِي فِي بَطْنِكِ فَذَلِكَ تَصْدِيقُهُ بِعِيسَى : تَصْدِيقُهُ لَهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَ عِيسَى ، وَكَلِمَةُ اللَّهِ عِيسَى ، وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَهَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ أَيْضًا .
وَقَوْلُهُ : ( وَسَيِّدًا ) قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَقَتَادَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَغَيْرُهُمْ : الْحَكِيمُ ، وَقَالَ قَتَادَةُ : سَيِّدًا فِي الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالضَّحَّاكُ : السَّيِّدُ الْحَكِيمُ الْمُتَّقِي ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : هُوَ الْفَقِيهُ الْعَالِمُ . وَقَالَ عَطِيَّةُ : السَّيِّدُ فِي خُلُقِهِ وَدِينِهِ . وَقَالَ عِكْرِمَةُ : هُوَ الَّذِي لَا يَغْلِبُهُ الْغَضَبُ . وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : هُوَ الشَّرِيفُ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ هُوَ 38 الْكَرِيمُ عَلَى اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ .
وَقَوْلُهُ : ( وَحَصُورًا ) رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَأَبِي الشَّعْثَاءِ ، وَعَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ أَنَّهُمْ قَالُوا : هُوَ الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ . وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ : هُوَ الَّذِي لَا يُولَدُ لَهُ . وَقَالَ الضَّحَّاكُ : هُوَ الَّذِي لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا مَاءَ لَهُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْمُغِيرَةِ ، أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ قَابُوسَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْحَصُورِ : الَّذِي لَا يُنْزِلُ الْمَاءَ ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي هَذَا حَدِيثًا غَرِيبًا جِدًّا فَقَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ الْبَغْدَادِيُّ ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، حَدَّثَنَا عُبَادَةُ - يَعْنِي ابْنَ الْعَوَّامِ - عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنِ ابْنِ الْعَاصِ - لَا يَدْرِي عَبْدُ اللَّهِ أَوْ عَمْرٌو - عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ : ( وَسَيِّدًا وَحَصُورًا ) قَالَ : ثُمَّ تَنَاوَلَ شَيْئًا مِنَ الْأَرْضِ فَقَالَ : " كَانَ ذَكَرُهُ مِثْلَ هَذَا " .
ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ ، أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ : لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ لَا يَلْقَاهُ بِذَنْبٍ غَيْرَ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا ، ثُمَّ قَرَأَ سَعِيدٌ : ( وَسَيِّدًا وَحَصُورًا ) ثُمَّ أَخَذَ شَيْئًا مِنَ الْأَرْضِ فَقَالَ الْحَصُورُ مَا كَانَ ذَكَرُهُ مِثْلَ ذِي وَأَشَارَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ بِطَرَفِ إِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ . فَهَذَا مَوْقُوفٌ وَهُوَ أَقْوَى إِسْنَادًا مِنَ الْمَرْفُوعِ ، بَلْ وَفِي صِحَّةِ الْمَرْفُوعِ نَظَرٌ ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .
وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي كِتَابِهِ الشِّفَاءِ : اعْلَمْ أَنَّ ثَنَاءَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى يَحْيَى أَنَّهُ كَانَ ) حَصُورًا ) لَيْسَ كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ : إِنَّهُ كَانَ هَيُّوبًا ، أَوْ لَا ذَكَرَ لَهُ ، بَلْ قَدْ أَنْكَرَ هَذَا حُذَّاقُ الْمُفَسِّرِينَ وَنُقَّادُ الْعُلَمَاءِ ، وَقَالُوا : هَذِهِ نَقِيصَةٌ وَعَيْبٌ وَلَا تَلِيقُ بِالْأَنْبِيَاءِ ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ : أَنَّهُ مَعْصُومٌ مِنَ الذُّنُوبِ ، أَيْ لَا يَأْتِيهَا كَأَنَّهُ حُصِرَ عَنْهَا ، وَقِيلَ : مَانِعًا نَفْسَهُ مِنَ الشَّهَوَاتِ . وَقِيلَ : لَيْسَتْ لَهُ شَهْوَةٌ فِي النِّسَاءِ .
وَقَدْ بَانَ لَكَ مِنْ هَذَا أَنَّ عَدَمَ الْقُدْرَةِ عَلَى النِّكَاحِ نَقْصٌ ، وَإِنَّمَا الْفَضْلُ فِي كَوْنِهَا مَوْجُودَةً ثُمَّ قَمَعَهَا : إِمَّا بِمُجَاهَدَةٍ كَعِيسَى أَوْ بِكِفَايَةٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، كَيَحْيَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ . ثُمَّ هِيَ حَقٌّ مَنْ أُقْدِرَ عَلَيْهَا وَقَامَ بِالْوَاجِبِ فِيهَا وَلَمْ تَشْغَلْهُ عَنْ رَبِّهِ دَرَجَةً عَلْيَاءَ ، وَهِيَ دَرَجَةُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 39 الَّذِي لَمْ يَشْغَلْهُ كَثْرَتُهُنَّ عَنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ ، بَلْ زَادَهُ ذَلِكَ عِبَادَةً ، بِتَحْصِينِهِنَّ وَقِيَامِهِ عَلَيْهِنَّ ، وَاكْتِسَابِهِ لَهُنَّ ، وَهِدَايَتِهِ إِيَّاهُنَّ . بَلْ قَدْ صَرَّحَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ حُظُوظِ دُنْيَاهُ هُوَ ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ حُظُوظِ دُنْيَا غَيْرِهِ ، فَقَالَ : " حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ " .
هَذَا لَفْظُهُ . وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ مَدَحَ يَحْيَى بِأَنَّهُ حَصُورٌ لَيْسَ أَنَّهُ لَا يَأْتِي النِّسَاءَ ، بَلْ مَعْنَاهُ كَمَا قَالَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ : أَنَّهُ مَعْصُومٌ عَنِ الْفَوَاحِشِ وَالْقَاذُورَاتِ ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ تَزْوِيجِهِ بِالنِّسَاءِ الْحَلَالِ وَغَشَيَانِهِنَّ وَإِيلَادِهِنَّ ، بَلْ قَدْ يُفْهَمُ وُجُودُ النَّسْلِ لَهُ مِنْ دُعَاءِ زَكَرِيَّا الْمُتَقَدِّمِ حَيْثُ قَالَ : ( هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ) كَأَنَّهُ قَالَ : وَلَدًا لَهُ ذُرِّيَّةٌ وَنَسْلٌ وَعَقِبٌ ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .
[ وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ زُغْبَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ الْقَمَرِيِّ ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ ، عَنِ الْقَعْقَاعِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَلْقَى اللَّهَ بِذَنْبٍ قَدْ أَذَنَبَهُ يُعَذِّبُهُ عَلَيْهِ ، إِنْ شَاءَ أَوْ يَرْحَمُهُ ، إِلَّا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا ، فَإِنَّهُ كَانَ سَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ " ، ثُمَّ أَهْوَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قَذَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ فَأَخَذَهَا وَقَالَ : " كَانَ ذَكَرُهُ مِثْلَ هَذِهِ الْقَذَاةِ " ] .
قَوْلُهُ : ( وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ) هَذِهِ بِشَارَةٌ ثَانِيَةٌ بِنُبُوَّةِ يَحْيَى بَعْدَ الْبِشَارَةِ بِوِلَادَتِهِ ، وَهِيَ أَعْلَى مِنَ الْأُولَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى لِأُمِّ مُوسَى : ( إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكَ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) [ الْقَصَصِ : 7 ] فَلَمَّا تَحَقَّقَ زَكَرِيَّا ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، هَذِهِ الْبِشَارَةَ أَخَذَ يَتَعَجَّبُ مِنْ وُجُودِ الْوَلَدِ مِنْهُ بَعْدَ الْكِبَرِ ( قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ ) أَيِ الْمَلَكُ : ( كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ) أَيْ : هَكَذَا أَمْرُ اللَّهِ عَظِيمٌ ، لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ وَلَا يَتَعَاظَمُهُ أَمْرٌ .
( قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ) أَيْ : عَلَامَةً أَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى وُجُودِ الْوَلَدِ مِنِّي ( قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا ) أَيْ : إِشَارَةً لَا تَسْتَطِيعُ النُّطْقَ ، مَعَ أَنَّكَ سَوِيٌّ صَحِيحٌ ، كَمَا فِي قَوْلِهِ : ( ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا ) [ مَرْيَمَ : 10 ] ثُمَّ أُمِرَ بِكَثْرَةِ الذِّكْرِ وَالشُّكْرِ وَالتَّسْبِيحِ فِي هَذِهِ الْحَالِ ، فَقَالَ : ( وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ) وَسَيَأْتِي طَرَفٌ آخَرُ فِي بَسْطِ هَذَا الْمَقَامِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ مَرْيَمَ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith