تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثامن
( رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا ( 37 ) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ( 38 ) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا ( 39 ) إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا ( 40 ) )
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عَظَمَتِهِ وَجَلَالِهِ ، وَأَنَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِمَا وَمَا بَيْنَهُمَا ، وَأَنَّهُ الرَّحْمَنُ الَّذِي شَمِلَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ .
وَقَوْلُهُ : ( لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا ) أَيْ : لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى ابْتِدَاءِ مُخَاطَبَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، كَقَوْلِهِ : ( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) [ الْبَقَرَةِ : 255 ] ، وَكَقَوْلِهِ : ( يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) [ هُودٍ : 105 ]
وَقَوْلُهُ : ( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ ) اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُرَادِ بِالرُّوحِ هَاهُنَا ، مَا هُوَ ؟ عَلَى أَقْوَالٍ :
أَحَدُهَا : رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُمْ أَرْوَاحُ بَنِي آدَمَ .
الثَّانِي : هُمْ بَنُو آدَمَ . قَالَهُ الْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَقَالَ قَتَادَةُ : هَذَا مِمَّا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَكْتُمُهُ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُمْ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ ، عَلَى صُوَرِ بَنِي آدَمَ ، وَلَيْسُوا بِمَلَائِكَةٍ وَلَا بِبَشَرٍ ، وَهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَأَبُو صَالِحٍ وَالْأَعْمَشُ .
الرَّابِعُ : هُوَ جِبْرِيلُ . قَالَهُ الشَّعْبِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالضَّحَّاكُ . وَيُسْتَشْهَدُ لِهَذَا الْقَوْلِ بِقَوْلِهِ : ( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ) [ الشُّعَرَاءِ : 193 ، 194 ] وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ : الرُّوحُ : أَشْرَفُ الْمَلَائِكَةِ ، وَأَقْرَبُ إِلَى الرَّبِّ - عَزَّ وَجَلَّ - وَصَاحِبُ الْوَحْيِ .
وَالْخَامِسُ : أَنَّهُ الْقُرْآنُ . قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ ، كَقَوْلِهِ : ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ) الْآيَةَ [ الشُّورَى : 52 ] .
وَالسَّادِسُ : أَنَّهُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ بِقَدْرِ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ ; قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : قَوْلُهُ : ( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ ) قَالَ : هُوَ مَلِكٌ عَظِيمٌ مِنْ أَعْظَمِ الْمَلَائِكَةِ خَلْقًا .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ الْعَسْقَلَانِيُّ ، حَدَّثَنَا رَوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ ، عَنْ أَبِي 310 حَمْزَةَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : الرُّوحُ : فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ هُوَ أَعْظَمُ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَمِنَ الْجِبَالِ وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ ، يُسَبِّحُ كُلَّ يَوْمٍ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ تَسْبِيحَةٍ ، يَخْلُقُ اللَّهُ مِنْ كُلِّ تَسْبِيحَةٍ مَلَكًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَفًا وَحْدَهُ ، وَهَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ جِدًّا .
وَقَدْ قَالَ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْسٍ الْمِصْرِيُّ ، حَدَّثَنَا وَهْبُ [ اللَّهِ بْنُ رِزْقٍ أَبُو هُرَيْرَةَ ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ ] ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، حَدَّثَنِي عَطَاءٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " إِنَّ لِلَّهِ مَلَكًا لَوْ قِيلَ لَهُ : الْتَقِمِ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرْضِينَ بِلُقْمَةٍ وَاحِدَةٍ ، لَفَعَلَ ، تَسْبِيحُهُ : سُبْحَانَكَ حَيْثُ كُنْتَ " .
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا ، وَفِي رَفْعِهِ نَظَرٌ ، وَقَدْ يَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَيَكُونُ مِمَّا تَلَقَّاهُ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَتَوَقَّفَ ابْنُ جَرِيرٍ فَلَمْ يَقْطَعُ بِوَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ كُلِّهَا ، وَالْأَشْبَهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُمْ بَنُو آدَمَ .
وَقَوْلُهُ : ( إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ) كَقَوْلِهِ : ( لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) [ هُودٍ : 105 ] . وَكَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ : " وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا الرُّسُلُ " .
وَقَوْلُهُ ( وَقَالَ صَوَابًا ) أَيْ : حَقًّا ، وَمِنَ الْحَقِّ : " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " ، كَمَا قَالَهُ أَبُو صَالِحٍ ، وَعِكْرِمَةُ .
وَقَوْلُهُ : ( ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ ) أَيِ : الْكَائِنُ لَا مَحَالَةَ ، ( فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا ) أَيْ : مَرْجِعًا وَطَرِيقًا يَهْتَدِي إِلَيْهِ وَمَنْهَجًا يَمُرُّ بِهِ عَلَيْهِ .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا ) يَعْنِي : يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِتَأَكُّدِ وُقُوعِهِ صَارَ قَرِيبًا ، لِأَنَّ كُلَّ مَا هُوَ آتٍ آتٍ .
( يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ) أَيْ : يَعْرِضُ عَلَيْهِ جَمِيعَ أَعْمَالِهِ ، خَيْرِهَا وَشَرِّهَا ، قَدِيمِهَا وَحَدِيثِهَا ، كَقَوْلِهِ : ( وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ) [ الْكَهْفِ : 49 ] ، وَكَقَوْلِهِ : ( يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ) [ الْقِيَامَةِ : 13 ] .
( وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا ) أَيْ : يَوَدُّ الْكَافِرُ يَوْمَئِذٍ أَنَّهُ كَانَ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا تُرَابًا ، وَلَمْ يَكُنْ خُلِقَ ، وَلَا خَرَجَ إِلَى الْوُجُودِ . وَذَلِكَ حِينَ عَايَنَ عَذَابَ اللَّهِ ، وَنَظَرَ إِلَى أَعْمَالِهِ الْفَاسِدَةِ قَدْ سُطِّرَتْ عَلَيْهِ بِأَيْدِي الْمَلَائِكَةِ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ ، وَقِيلَ : إِنَّمَا يَوَدُّ ذَلِكَ حِينَ يَحْكُمُ اللَّهُ بَيْنَ 311 الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي كَانَتْ فِي الدُّنْيَا ، فَيَفْصِلُ بَيْنَهَا بِحُكْمِهِ الْعَدْلِ الَّذِي لَا يَجُورُ ، حَتَّى إِنَّهُ لِيَقْتَصَّ لِلشَّاةِ الْجَمَّاءِ مِنَ الْقَرْنَاءِ . فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْحُكْمِ بَيْنَهَا قَالَ لَهَا : كُونِي تُرَابًا ، فَتَصِيرُ تُرَابًا . فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ الْكَافِرُ : ( يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا ) أَيْ : كُنْتُ حَيَوَانًا فَأَرْجِعُ إِلَى التُّرَابِ . وَقَدْ وَرَدَ مَعْنَى هَذَا فِي حَدِيثِ الصُّوَرِ الْمَشْهُورِ وَوَرَدَ فِيهِ آثَارٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَغَيْرِهِمَا .
[ آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ " عَمَّ " ]
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عَظَمَتِهِ وَجَلَالِهِ ، وَأَنَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِمَا وَمَا بَيْنَهُمَا ، وَأَنَّهُ الرَّحْمَنُ الَّذِي شَمِلَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ .
وَقَوْلُهُ : ( لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا ) أَيْ : لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى ابْتِدَاءِ مُخَاطَبَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، كَقَوْلِهِ : ( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) [ الْبَقَرَةِ : 255 ] ، وَكَقَوْلِهِ : ( يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) [ هُودٍ : 105 ]
وَقَوْلُهُ : ( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ ) اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُرَادِ بِالرُّوحِ هَاهُنَا ، مَا هُوَ ؟ عَلَى أَقْوَالٍ :
أَحَدُهَا : رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُمْ أَرْوَاحُ بَنِي آدَمَ .
الثَّانِي : هُمْ بَنُو آدَمَ . قَالَهُ الْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَقَالَ قَتَادَةُ : هَذَا مِمَّا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَكْتُمُهُ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُمْ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ ، عَلَى صُوَرِ بَنِي آدَمَ ، وَلَيْسُوا بِمَلَائِكَةٍ وَلَا بِبَشَرٍ ، وَهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَأَبُو صَالِحٍ وَالْأَعْمَشُ .
الرَّابِعُ : هُوَ جِبْرِيلُ . قَالَهُ الشَّعْبِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالضَّحَّاكُ . وَيُسْتَشْهَدُ لِهَذَا الْقَوْلِ بِقَوْلِهِ : ( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ) [ الشُّعَرَاءِ : 193 ، 194 ] وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ : الرُّوحُ : أَشْرَفُ الْمَلَائِكَةِ ، وَأَقْرَبُ إِلَى الرَّبِّ - عَزَّ وَجَلَّ - وَصَاحِبُ الْوَحْيِ .
وَالْخَامِسُ : أَنَّهُ الْقُرْآنُ . قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ ، كَقَوْلِهِ : ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ) الْآيَةَ [ الشُّورَى : 52 ] .
وَالسَّادِسُ : أَنَّهُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ بِقَدْرِ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ ; قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : قَوْلُهُ : ( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ ) قَالَ : هُوَ مَلِكٌ عَظِيمٌ مِنْ أَعْظَمِ الْمَلَائِكَةِ خَلْقًا .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ الْعَسْقَلَانِيُّ ، حَدَّثَنَا رَوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ ، عَنْ أَبِي 310 حَمْزَةَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : الرُّوحُ : فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ هُوَ أَعْظَمُ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَمِنَ الْجِبَالِ وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ ، يُسَبِّحُ كُلَّ يَوْمٍ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ تَسْبِيحَةٍ ، يَخْلُقُ اللَّهُ مِنْ كُلِّ تَسْبِيحَةٍ مَلَكًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَفًا وَحْدَهُ ، وَهَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ جِدًّا .
وَقَدْ قَالَ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْسٍ الْمِصْرِيُّ ، حَدَّثَنَا وَهْبُ [ اللَّهِ بْنُ رِزْقٍ أَبُو هُرَيْرَةَ ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ ] ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، حَدَّثَنِي عَطَاءٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " إِنَّ لِلَّهِ مَلَكًا لَوْ قِيلَ لَهُ : الْتَقِمِ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرْضِينَ بِلُقْمَةٍ وَاحِدَةٍ ، لَفَعَلَ ، تَسْبِيحُهُ : سُبْحَانَكَ حَيْثُ كُنْتَ " .
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا ، وَفِي رَفْعِهِ نَظَرٌ ، وَقَدْ يَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَيَكُونُ مِمَّا تَلَقَّاهُ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَتَوَقَّفَ ابْنُ جَرِيرٍ فَلَمْ يَقْطَعُ بِوَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ كُلِّهَا ، وَالْأَشْبَهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُمْ بَنُو آدَمَ .
وَقَوْلُهُ : ( إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ) كَقَوْلِهِ : ( لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) [ هُودٍ : 105 ] . وَكَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ : " وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا الرُّسُلُ " .
وَقَوْلُهُ ( وَقَالَ صَوَابًا ) أَيْ : حَقًّا ، وَمِنَ الْحَقِّ : " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " ، كَمَا قَالَهُ أَبُو صَالِحٍ ، وَعِكْرِمَةُ .
وَقَوْلُهُ : ( ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ ) أَيِ : الْكَائِنُ لَا مَحَالَةَ ، ( فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا ) أَيْ : مَرْجِعًا وَطَرِيقًا يَهْتَدِي إِلَيْهِ وَمَنْهَجًا يَمُرُّ بِهِ عَلَيْهِ .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا ) يَعْنِي : يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِتَأَكُّدِ وُقُوعِهِ صَارَ قَرِيبًا ، لِأَنَّ كُلَّ مَا هُوَ آتٍ آتٍ .
( يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ) أَيْ : يَعْرِضُ عَلَيْهِ جَمِيعَ أَعْمَالِهِ ، خَيْرِهَا وَشَرِّهَا ، قَدِيمِهَا وَحَدِيثِهَا ، كَقَوْلِهِ : ( وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ) [ الْكَهْفِ : 49 ] ، وَكَقَوْلِهِ : ( يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ) [ الْقِيَامَةِ : 13 ] .
( وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا ) أَيْ : يَوَدُّ الْكَافِرُ يَوْمَئِذٍ أَنَّهُ كَانَ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا تُرَابًا ، وَلَمْ يَكُنْ خُلِقَ ، وَلَا خَرَجَ إِلَى الْوُجُودِ . وَذَلِكَ حِينَ عَايَنَ عَذَابَ اللَّهِ ، وَنَظَرَ إِلَى أَعْمَالِهِ الْفَاسِدَةِ قَدْ سُطِّرَتْ عَلَيْهِ بِأَيْدِي الْمَلَائِكَةِ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ ، وَقِيلَ : إِنَّمَا يَوَدُّ ذَلِكَ حِينَ يَحْكُمُ اللَّهُ بَيْنَ 311 الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي كَانَتْ فِي الدُّنْيَا ، فَيَفْصِلُ بَيْنَهَا بِحُكْمِهِ الْعَدْلِ الَّذِي لَا يَجُورُ ، حَتَّى إِنَّهُ لِيَقْتَصَّ لِلشَّاةِ الْجَمَّاءِ مِنَ الْقَرْنَاءِ . فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْحُكْمِ بَيْنَهَا قَالَ لَهَا : كُونِي تُرَابًا ، فَتَصِيرُ تُرَابًا . فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ الْكَافِرُ : ( يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا ) أَيْ : كُنْتُ حَيَوَانًا فَأَرْجِعُ إِلَى التُّرَابِ . وَقَدْ وَرَدَ مَعْنَى هَذَا فِي حَدِيثِ الصُّوَرِ الْمَشْهُورِ وَوَرَدَ فِيهِ آثَارٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَغَيْرِهِمَا .
[ آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ " عَمَّ " ]
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith