تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثامن
249 تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمُزَّمِّلِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ [ أَحْمَدُ ] بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ الْوَاسِطِيُّ ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ فِي دَارِ النَّدْوَةِ فَقَالُوا : سَمُّوا هَذَا الرَّجُلَ اسْمًا تَصْدُرُ النَّاسُ عَنْهُ ، فَقَالُوا : كَاهِنٌ . قَالُوا : لَيْسَ بِكَاهِنٍ . قَالُوا : مَجْنُونٌ . قَالُوا : لَيْسَ بِمَجْنُونٍ . قَالُوا : سَاحِرٌ . قَالُوا : لَيْسَ بِسَاحِرٍ ، فَتَفَرَّقَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى ذَلِكَ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَتَزَمَّلَ فِي ثِيَابِهِ وَتَدَثَّرَ فِيهَا ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَقَالَ : " يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ " " يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ " .
ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ : مُعَلَّى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَدْ حَدَّثَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَاحْتَمَلُوا حَدِيثَهُ ، لَكِنْ تَفَرَّدَ بِأَحَادِيثَ لَا يُتَابَعُ عَلَيْهَا .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
( يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ( 1 ) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ( 2 ) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ( 3 ) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ( 4 ) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ( 5 ) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا ( 6 ) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا ( 7 ) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا ( 8 ) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ( 9 ) )
يَأْمُرُ تَعَالَى رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتْرُكَ التَّزَمُّلَ ، وَهُوَ : التَّغَطِّي فِي اللَّيْلِ ، وَيَنْهَضَ إِلَى الْقِيَامِ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ) [ السَّجْدَةِ : 16 ] وَكَذَلِكَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُمْتَثِلًا مَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ ، وَقَدْ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ وَحْدَهُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ) [ الْإِسْرَاءِ : 79 ] وَهَاهُنَا بَيَّنَ لَهُ مِقْدَارَ مَا يَقُومُ ، فَقَالَ تَعَالَى : ( يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا )
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ : ( يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ) يَعْنِي : يَا أَيُّهَا النَّائِمُ . وَقَالَ قَتَادَةُ : الْمُزَّمِّلُ فِي ثِيَابِهِ ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : نَزَلَتْ وَهُوَ مُتَزَمِّلٌ بِقَطِيفَةٍ .
وَقَالَ شَبِيبُ بْنُ بِشْرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ) قَالَ : يَا مُحَمَّدُ 250 زُمِّلْتَ الْقُرْآنَ .
وَقَوْلُهُ : ( نِصْفَهُ ) بَدَلٌ مِنَ اللَّيْلِ ( أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا . أَوْ زِدْ عَلَيْهِ ) أَيْ : أَمَرْنَاكَ أَنْ تَقُومَ نِصْفَ اللَّيْلِ بِزِيَادَةٍ قَلِيلَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ قَلِيلٍ ، لَا حَرَجَ عَلَيْكَ فِي ذَلِكَ .
وَقَوْلُهُ : ( وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ) أَيِ : اقْرَأْهُ عَلَى تَمَهُّلٍ ، فَإِنَّهُ يَكُونُ عَوْنًا عَلَى فَهْمِ الْقُرْآنِ وَتَدَبُّرِهِ . وَكَذَلِكَ كَانَ يَقْرَأُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ ، قَالَتْ عَائِشَةُ : كَانَ يَقْرَأُ السُّورَةَ فَيُرَتِّلُهَا ، حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلِ مِنْهَا . وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : كَانَتْ مَدًّا ، ثُمَّ قَرَأَ ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) يَمُدُّ " بِسْمِ اللَّهِ " ، وَيَمُدُّ " الرَّحْمَنِ " ، وَيَمُدُّ " الرَّحِيمِ " .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ : أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ : كَانَ يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ آيَةً آيَةً ، ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِ الْعَالَمِينَ . الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرٍّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ : اقْرَأْ وَارْقَ ، وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا ، فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا " .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ بِهِ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي أَوَّلِ التَّفْسِيرِ الْأَحَادِيثَ الدَّالَّةَ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّرْتِيلِ وَتَحْسِينِ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : " زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ " ، وَ " لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ " ، وَ " لَقَدْ أُوتِيَ هَذَا مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ " يَعْنِي : أَبَا مُوسَى ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى : لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّكَ كُنْتَ تَسْمَعُ قِرَاءَتِي لَحَبَّرْتُهُ لَكَ تَحْبِيرًا .
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ : لَا تَنْثُرُوهُ نَثْرَ الرَّمْلِ وَلَا تَهُذُّوهُ هَذَّ الشِّعْرِ ، قِفُوا عِنْدَ عَجَائِبِهِ ، وَحَرِّكُوا بِهِ الْقُلُوبَ ، وَلَا يَكُنْ هَمُّ أَحَدِكُمْ آخِرَ السُّورَةِ . رَوَاهُ الْبَغَوِيُّ .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا آدَمُ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ : سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ : قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ اللَّيْلَةَ فِي رَكْعَةٍ ، فَقَالَ : هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ . لَقَدْ عَرَفْتُ 251 النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرِنُ بَيْنَهُنَّ ، فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنَ الْمُفَصَّلِ ، سُورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ) قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ : أَيِ الْعَمَلُ بِهِ .
وَقِيلَ : ثَقِيلٌ وَقْتَ نُزُولِهِ ; مِنْ عَظَمَتِهِ . كَمَا قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي ، فَكَادَتْ تَرُضُّ فَخِذِي .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ تُحِسُّ بِالْوَحْيِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَسْمَعُ صَلَاصِيلَ ، ثُمَّ أَسْكُتُ عِنْدَ ذَلِكَ ، فَمَا مِنْ مَرَّةٍ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا ظَنَنْتُ أَنَّ نَفْسِي تَفِيضُ " ، تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ .
وَفِي أَوَّلِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ ؟ فَقَالَ : " أَحْيَانًا يَأْتِينِي فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ ، فَيَفْصِمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ " . قَالَتْ عَائِشَةُ : وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا هَذَا لَفْظُهُ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : إِنْ كَانَ لِيُوحَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ ، فَتَضْرِبُ بِجِرَانِهَا .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ; أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أُوحِيَ إِلَيْهِ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ ، وَضَعَتْ جِرَانَهَا ، فَمَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَحَرَّكَ حَتَّى يُسَرَّى عَنْهُ .
وَهَذَا مُرْسَلٌ . الْجِرَانُ : هُوَ بَاطِنُ الْعُنُقِ .
وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّهُ ثَقِيلٌ مِنَ الْوَجْهَيْنِ مَعًا ، كَمَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : كَمَا ثَقُلَ فِي الدُّنْيَا ثَقُلَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْمَوَازِينِ .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا ) قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : نَشَأَ : قَامَ بِالْحَبَشَةِ .
وَقَالَ عُمَرُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ : اللَّيْلُ كُلُّهُ نَاشِئَةٌ . وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ ، 252 يُقَالُ : نَشَأَ : إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ . وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مُجَاهِدٍ : بَعْدَ الْعِشَاءِ . وَكَذَا قَالَ أَبُو مِجْلَزٍ وَقَتَادَةُ وَسَالِمٌ وَأَبُو حَازِمٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرُ .
وَالْغَرَضُ أَنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ : سَاعَاتُهُ وَأَوْقَاتُهُ ، وَكُلُّ سَاعَةٍ مِنْهُ تُسَمَّى نَاشِئَةً ، وَهِيَ الْآنَّاتُ . وَالْمَقْصُودُ أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ هُوَ أَشَدُّ مُوَاطَأَةً بَيْنَ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ ، وَأَجْمَعُ عَلَى التِّلَاوَةِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا ) أَيْ : أَجْمَعُ لِلْخَاطِرِ فِي أَدَاءِ الْقِرَاءَةِ وَتَفَهُّمِهَا مِنْ قِيَامِ النَّهَارِ ; لِأَنَّهُ وَقْتُ انْتِشَارِ النَّاسِ وَلَغَطِ الْأَصْوَاتِ وَأَوْقَاتُ الْمَعَاشِ .
[ وَقَدْ ] قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : " إِنْ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَصْوَبُ قِيلًا " فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : إِنَّمَا نَقْرَؤُهَا ( وَأَقْوَمُ قِيلًا ) فَقَالَ لَهُ : إِنَّ أَصْوَبَ وَأَقْوَمَ وَأَهْيَأَ وَأَشْبَاهَ هَذَا وَاحِدٌ .
وَلِهَذَا قَالَ : ( إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ : الْفَرَاغُ وَالنَّوْمُ .
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَمُجَاهِدٌ وَابْنُ مَالِكٍ وَالضَّحَّاكُ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ : فَرَاغًا طَوِيلًا .
وَقَالَ قَتَادَةُ : فَرَاغًا وَبُغْيَةً وَمُنْقَلَبًا .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : ( سَبْحًا طَوِيلًا ) تَطَوُّعًا كَثِيرًا .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ : ( [ إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ ] سَبْحًا طَوِيلًا ) قَالَ : لِحَوَائِجِكَ ، فَأَفْرِغْ لِدِينِكَ اللَّيْلَ . قَالَ : وَهَذَا حِينَ كَانَتْ صَلَاةُ اللَّيْلِ فَرِيضَةً ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ مَنَّ عَلَى الْعِبَادِ فَخَفَّفَهَا وَوَضَعَهَا ، وَقَرَأَ : ( قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ، ثُمَّ قَالَ : ( إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ) حَتَّى بَلَغَ : ( فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ) [ اللَّيْلَ نِصْفَهُ أَوْ ثُلْثَهُ . ثُمَّ جَاءَ أَمْرٌ أُوْسَعُ وَأَفْسَحُ وَضَعَ الْفَرِيضَةَ عَنْهُ وَعَنْ أُمَّتِهِ ] فَقَالَ : قَالَ : ( وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ) [ الْإِسْرَاءِ : 49 ] وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ كَمَا قَالَهُ .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ حَيْثُ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ هِشَامٍ : أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ ارْتَحَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ لِيَبِيعَ عَقَارًا لَهُ بِهَا وَيَجْعَلَهُ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ ، ثُمَّ يُجَاهِدُ الرُّومَ حَتَّى يَمُوتَ ، فَلَقِيَ رَهْطًا مِنْ قَوْمِهِ فَحَدَّثُوهُ أَنَّ رَهْطًا مِنْ قَوْمِهِ سِتَّةً أَرَادُوا ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " أَلَيْسَ لَكُمْ فِيَّ أُسْوَةٌ ؟ " 253 فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ ، فَأَشْهَدَهُمْ عَلَى رَجْعَتِهَا ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْنَا فَأَخْبَرَنَا أَنَّهُ أَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَأَلَهُ عَنِ الْوِتْرِ ، فَقَالَ : أَلَّا أُنَبِّئُكَ بِأَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ بِوِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : ائْتِ عَائِشَةَ فَاسْأَلْهَا ثُمَّ ارْجِعْ إِلَيَّ فَأَخْبِرْنِي بِرَدِّهَا عَلَيْكَ . قَالَ : فَأَتَيْتُ عَلَى حَكِيمِ بْنِ أَفْلَحَ فَاسْتَلْحَقْتُهُ إِلَيْهَا ، فَقَالَ : مَا أَنَا بِقَارِبِهَا ; إِنِّي نَهَيْتُهَا أَنْ تَقُولَ فِي هَاتَيْنِ الشِّيعَتَيْنِ شَيْئًا ، فَأَبَتْ فِيهِمَا إِلَّا مُضِيًّا ، فَأَقْسَمْتُ عَلَيْهِ ، فَجَاءَ مَعِي ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهَا فَقَالَتْ : حَكِيمٌ ؟ وَعَرَفَتْهُ ، قَالَ : نَعَمْ . قَالَتْ : مَنْ هَذَا مَعَكَ ؟ قَالَ : سَعِيدُ بْنُ هِشَامٍ . قَالَتْ : مَنْ هِشَامٌ ؟ قَالَ : ابْنُ عَامِرٍ . قَالَ : فَتَرَحَّمَتْ عَلَيْهِ وَقَالَتْ : نِعْمَ الْمَرْءُ كَانَ عَامِرٌ . قُلْتُ : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ، أَنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَتْ : أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ ؟ قُلْتُ : بَلَى . قَالَتْ : فَإِنَّ خُلُقَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ الْقُرْآنَ ، فَهَمَمْتُ أَنْ أَقُومَ ، ثُمَّ بَدَا لِي قِيَامُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قُلْتُ : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ، أَنْبِئِينِي عَنْ قِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَتْ : أَلَسْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ السُّورَةَ : ( يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ) ؟ قُلْتُ : بَلَى . قَالَتْ : فَإِنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ قِيَامَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ حَوْلًا حَتَّى انْتَفَخَتْ أَقْدَامُهُمْ ، وَأَمْسَكَ اللَّهُ خَاتِمَتَهَا فِي السَّمَاءِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ التَّخْفِيفَ فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ ، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا مِنْ بَعْدِ فَرِيضَةٍ ، فَهَمَمْتُ أَنْ أَقْوَمَ ، ثُمَّ بَدَا لِي وِتْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قُلْتُ : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ، أَنْبِئِينِي عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَتْ : كُنَّا نَعُدُّ لَهُ سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ ، فَيَبْعَثُهُ اللَّهُ لِمَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ مِنَ اللَّيْلِ ، فَيَتَسَوَّكُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ يُصَلِّي ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ لَا يَجْلِسُ فِيهِنَّ إِلَّا عِنْدَ الثَّامِنَةِ ، فَيَجْلِسُ وَيَذْكُرُ رَبَّهُ تَعَالَى وَيَدْعُو [ وَيَسْتَغْفِرُ ثُمَّ يَنْهَضُ وَمَا يُسَلِّمُ . ثُمَّ يُصَلِّي التَّاسِعَةَ فَيَقْعُدُ فَيَحْمَدُ رَبَّهُ وَيَذْكُرُهُ وَيَدْعُو ] ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ ، فَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يَا بُنَيَّ ، فَلَمَّا أَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخَذَهُ اللَّحْمُ ، أَوْتَرَ بِسَبْعٍ ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ ، فَتِلْكَ تِسْعٌ يَا بُنَيَّ . وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَحَبَّ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهَا ، وَكَانَ إِذَا شَغَلَهُ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ نَوْمٌ أَوْ وَجَعٌ أَوْ مَرَضٌ ، صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، وَلَا أَعْلَمُ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي لَيْلَةٍ ، وَلَا قَامَ لَيْلَةً حَتَّى أَصْبَحَ ، وَلَا صَامَ شَهْرًا كَامِلًا غَيْرَ رَمَضَانَ .
فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَحَدَّثْتُهُ بِحَدِيثِهَا ، فَقَالَ : صَدَقَتْ ، أَمَا لَوْ كُنْتُ أَدْخُلُ عَلَيْهَا لَأَتَيْتُهَا حَتَّى تُشَافِهَنِي مُشَافَهَةً .
هَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِتَمَامِهِ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ بِنَحْوِهِ .
طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ عَائِشَةَ فِي هَذَا الْمَعْنَى : قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ - وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا مِهْرَانُ قَالَا جَمِيعًا ، وَاللَّفْظُ لِابْنِ وَكِيعٍ : عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ طَحْلَاءَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كُنْتُ أَجْعَلُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَصِيرًا يُصَلِّي عَلَيْهِ مِنَ اللَّيْلِ ، فَتَسَامَعَ النَّاسُ بِهِ فَاجْتَمَعُوا ، فَخَرَجَ كَالْمُغْضَبِ - وَكَانَ بِهِمْ رَحِيمًا ، فَخَشِيَ أَنْ يُكْتَبَ 254 عَلَيْهِمْ قِيَامُ اللَّيْلِ - فَقَالَ : " أَيُّهَا النَّاسُ ، اكْلَفُوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ مِنَ الثَّوَابِ حَتَّى تَمَلُّوا مِنَ الْعَمَلِ ، وَخَيْرُ الْأَعْمَالِ مَا دِيمَ عَلَيْهِ " . وَنَزَلَ الْقُرْآنُ : ( يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ ) حَتَّى كَانَ الرَّجُلُ يَرْبِطُ الْحَبْلَ وَيَتَعَلَّقُ ، فَمَكَثُوا بِذَلِكَ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ ، فَرَأَى اللَّهُ مَا يَبْتَغُونَ مِنْ رِضْوَانِهِ ، فَرَحِمَهُمْ فَرَدَّهُمْ إِلَى الْفَرِيضَةِ ، وَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ .
وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ الرَّبَذِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ . وَالْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحِ بِدُونِ زِيَادَةِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ ، وَهَذَا السِّيَاقُ قَدْ يُوهِمُ أَنَّ نُزُولَ هَذِهِ السُّورَةِ بِالْمَدِينَةِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَإِنَّمَا هِيَ مَكِّيَّةٌ . وَقَوْلُهُ فِي هَذَا السِّيَاقِ : إِنَّ بَيْنَ نُزُولِ أَوَّلِهَا وَآخِرِهَا ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ - غَرِيبٌ ; فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُمَا سَنَةٌ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ مِسْعَرٍ ، عَنْ سِمَاكٍ الْحَنَفِيِّ ، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : أَوَّلُ مَا نَزَلَ : أَوَّلُ الْمُزَّمِّلِ ، كَانُوا يَقُومُونَ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِمْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ، وَكَانَ بَيْنَ أَوَّلِهَا وَآخِرِهَا قَرِيبٌ مِنْ سَنَةٍ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ بِهِ .
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ كِلَاهُمَا عَنْ مِسْعَرٍ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : كَانَ بَيْنَهُمَا سَنَةٌ . وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ ، عَنْ وَكِيعٍ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : ( يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ) قَامُوا حَوْلًا حَتَّى وَرِمَتْ أَقْدَامُهُمْ وَسُوقُهُمْ ، حَتَّى نَزَلَتْ : ( فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ) قَالَ : فَاسْتَرَاحَ النَّاسُ .
وَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : [ حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنَا أَبِي ] عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ : فَقُلْتُ - يَعْنِي لِعَائِشَةَ - : أَخْبِرِينَا عَنْ قِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَتْ : أَلَسْتَ تَقْرَأُ : ( يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ) ؟ قُلْتُ : بَلَى . قَالَتْ : فَإِنَّهَا كَانَتْ قِيَامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ ، حَتَّى انْتَفَخَتْ أَقْدَامُهُمْ ، وَحُبِسَ آخِرُهَا فِي السَّمَاءِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا ، ثُمَّ نَزَلَ .
وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ : ( قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ) قَامُوا حَوْلًا أَوْ حَوْلَيْنِ ، حَتَّى انْتَفَخَتْ سُوقُهُمْ 255 وَأَقْدَامُهُمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَخْفِيفَهَا بَعْدُ فِي آخِرِ السُّورَةِ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ ، عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ سَعِيدٍ - هُوَ ابْنُ جُبَيْرٍ - قَالَ : لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ) قَالَ : مَكَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ عَشْرَ سِنِينَ يَقُومُ اللَّيْلَ ، كَمَا أَمَرَهُ ، وَكَانَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَقُومُونَ مَعَهُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ : ( إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ) فَخَفَّفَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ .
وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ رَافِعٍ ، عَنْ يَعْقُوبَ الْقُمِّيِّ بِهِ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا [ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ) فَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وَالْمُؤْمِنِينَ بِقِيَامِ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا ] فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ، ثُمَّ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَحِمَهُمْ ، فَأَنْزَلَ بَعْدَ هَذَا : ( عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ) فَوَسَّعَ اللَّهُ - وَلَهُ الْحَمْدُ - وَلَمْ يُضَيِّقْ .
وَقَوْلُهُ : ( وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا ) أَيْ : أَكْثِرْ مِنْ ذِكْرِهِ ، وَانْقَطِعْ إِلَيْهِ ، وَتَفَرَّغْ لِعِبَادَتِهِ إِذَا فَرَغْتَ مِنْ أَشْغَالِكَ ، وَمَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ أُمُورِ دُنْيَاكَ ، كَمَا قَالَ : ( فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ) [ الشَّرْحِ : 7 ] أَيْ : إِذَا فَرَغْتَ مِنْ مَهَامِّكَ فَانْصَبْ فِي طَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ ، لِتَكُونَ فَارِغَ الْبَالِ . قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ بِمَعْنَاهُ أَوْ قَرِيبٍ مِنْهُ .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَأَبُو صَالِحٍ وَعَطِيَّةُ وَالضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ : ( وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا ) أَيْ : أَخْلِصْ لَهُ الْعِبَادَةَ .
وَقَالَ الْحَسَنُ : اجْتَهِدْ وَبَتِّلْ إِلَيْهِ نَفْسَكَ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : يُقَالُ لِلْعَابِدِ : مُتَبَتِّلٌ ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ : أَنَّهُ نَهَى عَنِ التَّبَتُّلِ ، يَعْنِي : الِانْقِطَاعَ إِلَى الْعِبَادَةِ وَتَرْكَ التَّزَوُّجِ .
وَقَوْلُهُ : ( رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ) أَيْ : هُوَ الْمَالِكُ الْمُتَصَرِّفُ فِي الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، وَكَمَا أَفْرَدْتَهُ بِالْعِبَادَةِ فَأَفْرِدْهُ بِالتَّوَكُّلِ ، ( فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ) كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : ( فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ) [ هُودٍ : 123 ] وَكَقَوْلِهِ : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) وَآيَاتٌ كَثِيرَةٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى ، فِيهَا الْأَمْرُ بِإِفْرَادِ الْعِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ لِلَّهِ ، وَتَخْصِيصِهِ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ .
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ [ أَحْمَدُ ] بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ الْوَاسِطِيُّ ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ فِي دَارِ النَّدْوَةِ فَقَالُوا : سَمُّوا هَذَا الرَّجُلَ اسْمًا تَصْدُرُ النَّاسُ عَنْهُ ، فَقَالُوا : كَاهِنٌ . قَالُوا : لَيْسَ بِكَاهِنٍ . قَالُوا : مَجْنُونٌ . قَالُوا : لَيْسَ بِمَجْنُونٍ . قَالُوا : سَاحِرٌ . قَالُوا : لَيْسَ بِسَاحِرٍ ، فَتَفَرَّقَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى ذَلِكَ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَتَزَمَّلَ فِي ثِيَابِهِ وَتَدَثَّرَ فِيهَا ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَقَالَ : " يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ " " يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ " .
ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ : مُعَلَّى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَدْ حَدَّثَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَاحْتَمَلُوا حَدِيثَهُ ، لَكِنْ تَفَرَّدَ بِأَحَادِيثَ لَا يُتَابَعُ عَلَيْهَا .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
( يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ( 1 ) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ( 2 ) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ( 3 ) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ( 4 ) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ( 5 ) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا ( 6 ) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا ( 7 ) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا ( 8 ) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ( 9 ) )
يَأْمُرُ تَعَالَى رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتْرُكَ التَّزَمُّلَ ، وَهُوَ : التَّغَطِّي فِي اللَّيْلِ ، وَيَنْهَضَ إِلَى الْقِيَامِ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ) [ السَّجْدَةِ : 16 ] وَكَذَلِكَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُمْتَثِلًا مَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ ، وَقَدْ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ وَحْدَهُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ) [ الْإِسْرَاءِ : 79 ] وَهَاهُنَا بَيَّنَ لَهُ مِقْدَارَ مَا يَقُومُ ، فَقَالَ تَعَالَى : ( يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا )
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ : ( يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ) يَعْنِي : يَا أَيُّهَا النَّائِمُ . وَقَالَ قَتَادَةُ : الْمُزَّمِّلُ فِي ثِيَابِهِ ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : نَزَلَتْ وَهُوَ مُتَزَمِّلٌ بِقَطِيفَةٍ .
وَقَالَ شَبِيبُ بْنُ بِشْرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ) قَالَ : يَا مُحَمَّدُ 250 زُمِّلْتَ الْقُرْآنَ .
وَقَوْلُهُ : ( نِصْفَهُ ) بَدَلٌ مِنَ اللَّيْلِ ( أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا . أَوْ زِدْ عَلَيْهِ ) أَيْ : أَمَرْنَاكَ أَنْ تَقُومَ نِصْفَ اللَّيْلِ بِزِيَادَةٍ قَلِيلَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ قَلِيلٍ ، لَا حَرَجَ عَلَيْكَ فِي ذَلِكَ .
وَقَوْلُهُ : ( وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ) أَيِ : اقْرَأْهُ عَلَى تَمَهُّلٍ ، فَإِنَّهُ يَكُونُ عَوْنًا عَلَى فَهْمِ الْقُرْآنِ وَتَدَبُّرِهِ . وَكَذَلِكَ كَانَ يَقْرَأُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ ، قَالَتْ عَائِشَةُ : كَانَ يَقْرَأُ السُّورَةَ فَيُرَتِّلُهَا ، حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلِ مِنْهَا . وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : كَانَتْ مَدًّا ، ثُمَّ قَرَأَ ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) يَمُدُّ " بِسْمِ اللَّهِ " ، وَيَمُدُّ " الرَّحْمَنِ " ، وَيَمُدُّ " الرَّحِيمِ " .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ : أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ : كَانَ يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ آيَةً آيَةً ، ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِ الْعَالَمِينَ . الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرٍّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ : اقْرَأْ وَارْقَ ، وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا ، فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا " .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ بِهِ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي أَوَّلِ التَّفْسِيرِ الْأَحَادِيثَ الدَّالَّةَ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّرْتِيلِ وَتَحْسِينِ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : " زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ " ، وَ " لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ " ، وَ " لَقَدْ أُوتِيَ هَذَا مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ " يَعْنِي : أَبَا مُوسَى ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى : لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّكَ كُنْتَ تَسْمَعُ قِرَاءَتِي لَحَبَّرْتُهُ لَكَ تَحْبِيرًا .
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ : لَا تَنْثُرُوهُ نَثْرَ الرَّمْلِ وَلَا تَهُذُّوهُ هَذَّ الشِّعْرِ ، قِفُوا عِنْدَ عَجَائِبِهِ ، وَحَرِّكُوا بِهِ الْقُلُوبَ ، وَلَا يَكُنْ هَمُّ أَحَدِكُمْ آخِرَ السُّورَةِ . رَوَاهُ الْبَغَوِيُّ .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا آدَمُ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ : سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ : قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ اللَّيْلَةَ فِي رَكْعَةٍ ، فَقَالَ : هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ . لَقَدْ عَرَفْتُ 251 النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرِنُ بَيْنَهُنَّ ، فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنَ الْمُفَصَّلِ ، سُورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ) قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ : أَيِ الْعَمَلُ بِهِ .
وَقِيلَ : ثَقِيلٌ وَقْتَ نُزُولِهِ ; مِنْ عَظَمَتِهِ . كَمَا قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي ، فَكَادَتْ تَرُضُّ فَخِذِي .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ تُحِسُّ بِالْوَحْيِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَسْمَعُ صَلَاصِيلَ ، ثُمَّ أَسْكُتُ عِنْدَ ذَلِكَ ، فَمَا مِنْ مَرَّةٍ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا ظَنَنْتُ أَنَّ نَفْسِي تَفِيضُ " ، تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ .
وَفِي أَوَّلِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ ؟ فَقَالَ : " أَحْيَانًا يَأْتِينِي فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ ، فَيَفْصِمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ " . قَالَتْ عَائِشَةُ : وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا هَذَا لَفْظُهُ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : إِنْ كَانَ لِيُوحَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ ، فَتَضْرِبُ بِجِرَانِهَا .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ; أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أُوحِيَ إِلَيْهِ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ ، وَضَعَتْ جِرَانَهَا ، فَمَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَحَرَّكَ حَتَّى يُسَرَّى عَنْهُ .
وَهَذَا مُرْسَلٌ . الْجِرَانُ : هُوَ بَاطِنُ الْعُنُقِ .
وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّهُ ثَقِيلٌ مِنَ الْوَجْهَيْنِ مَعًا ، كَمَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : كَمَا ثَقُلَ فِي الدُّنْيَا ثَقُلَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْمَوَازِينِ .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا ) قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : نَشَأَ : قَامَ بِالْحَبَشَةِ .
وَقَالَ عُمَرُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ : اللَّيْلُ كُلُّهُ نَاشِئَةٌ . وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ ، 252 يُقَالُ : نَشَأَ : إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ . وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مُجَاهِدٍ : بَعْدَ الْعِشَاءِ . وَكَذَا قَالَ أَبُو مِجْلَزٍ وَقَتَادَةُ وَسَالِمٌ وَأَبُو حَازِمٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرُ .
وَالْغَرَضُ أَنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ : سَاعَاتُهُ وَأَوْقَاتُهُ ، وَكُلُّ سَاعَةٍ مِنْهُ تُسَمَّى نَاشِئَةً ، وَهِيَ الْآنَّاتُ . وَالْمَقْصُودُ أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ هُوَ أَشَدُّ مُوَاطَأَةً بَيْنَ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ ، وَأَجْمَعُ عَلَى التِّلَاوَةِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا ) أَيْ : أَجْمَعُ لِلْخَاطِرِ فِي أَدَاءِ الْقِرَاءَةِ وَتَفَهُّمِهَا مِنْ قِيَامِ النَّهَارِ ; لِأَنَّهُ وَقْتُ انْتِشَارِ النَّاسِ وَلَغَطِ الْأَصْوَاتِ وَأَوْقَاتُ الْمَعَاشِ .
[ وَقَدْ ] قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : " إِنْ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَصْوَبُ قِيلًا " فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : إِنَّمَا نَقْرَؤُهَا ( وَأَقْوَمُ قِيلًا ) فَقَالَ لَهُ : إِنَّ أَصْوَبَ وَأَقْوَمَ وَأَهْيَأَ وَأَشْبَاهَ هَذَا وَاحِدٌ .
وَلِهَذَا قَالَ : ( إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ : الْفَرَاغُ وَالنَّوْمُ .
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَمُجَاهِدٌ وَابْنُ مَالِكٍ وَالضَّحَّاكُ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ : فَرَاغًا طَوِيلًا .
وَقَالَ قَتَادَةُ : فَرَاغًا وَبُغْيَةً وَمُنْقَلَبًا .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : ( سَبْحًا طَوِيلًا ) تَطَوُّعًا كَثِيرًا .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ : ( [ إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ ] سَبْحًا طَوِيلًا ) قَالَ : لِحَوَائِجِكَ ، فَأَفْرِغْ لِدِينِكَ اللَّيْلَ . قَالَ : وَهَذَا حِينَ كَانَتْ صَلَاةُ اللَّيْلِ فَرِيضَةً ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ مَنَّ عَلَى الْعِبَادِ فَخَفَّفَهَا وَوَضَعَهَا ، وَقَرَأَ : ( قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ، ثُمَّ قَالَ : ( إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ) حَتَّى بَلَغَ : ( فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ) [ اللَّيْلَ نِصْفَهُ أَوْ ثُلْثَهُ . ثُمَّ جَاءَ أَمْرٌ أُوْسَعُ وَأَفْسَحُ وَضَعَ الْفَرِيضَةَ عَنْهُ وَعَنْ أُمَّتِهِ ] فَقَالَ : قَالَ : ( وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ) [ الْإِسْرَاءِ : 49 ] وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ كَمَا قَالَهُ .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ حَيْثُ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ هِشَامٍ : أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ ارْتَحَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ لِيَبِيعَ عَقَارًا لَهُ بِهَا وَيَجْعَلَهُ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ ، ثُمَّ يُجَاهِدُ الرُّومَ حَتَّى يَمُوتَ ، فَلَقِيَ رَهْطًا مِنْ قَوْمِهِ فَحَدَّثُوهُ أَنَّ رَهْطًا مِنْ قَوْمِهِ سِتَّةً أَرَادُوا ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " أَلَيْسَ لَكُمْ فِيَّ أُسْوَةٌ ؟ " 253 فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ ، فَأَشْهَدَهُمْ عَلَى رَجْعَتِهَا ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْنَا فَأَخْبَرَنَا أَنَّهُ أَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَأَلَهُ عَنِ الْوِتْرِ ، فَقَالَ : أَلَّا أُنَبِّئُكَ بِأَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ بِوِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : ائْتِ عَائِشَةَ فَاسْأَلْهَا ثُمَّ ارْجِعْ إِلَيَّ فَأَخْبِرْنِي بِرَدِّهَا عَلَيْكَ . قَالَ : فَأَتَيْتُ عَلَى حَكِيمِ بْنِ أَفْلَحَ فَاسْتَلْحَقْتُهُ إِلَيْهَا ، فَقَالَ : مَا أَنَا بِقَارِبِهَا ; إِنِّي نَهَيْتُهَا أَنْ تَقُولَ فِي هَاتَيْنِ الشِّيعَتَيْنِ شَيْئًا ، فَأَبَتْ فِيهِمَا إِلَّا مُضِيًّا ، فَأَقْسَمْتُ عَلَيْهِ ، فَجَاءَ مَعِي ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهَا فَقَالَتْ : حَكِيمٌ ؟ وَعَرَفَتْهُ ، قَالَ : نَعَمْ . قَالَتْ : مَنْ هَذَا مَعَكَ ؟ قَالَ : سَعِيدُ بْنُ هِشَامٍ . قَالَتْ : مَنْ هِشَامٌ ؟ قَالَ : ابْنُ عَامِرٍ . قَالَ : فَتَرَحَّمَتْ عَلَيْهِ وَقَالَتْ : نِعْمَ الْمَرْءُ كَانَ عَامِرٌ . قُلْتُ : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ، أَنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَتْ : أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ ؟ قُلْتُ : بَلَى . قَالَتْ : فَإِنَّ خُلُقَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ الْقُرْآنَ ، فَهَمَمْتُ أَنْ أَقُومَ ، ثُمَّ بَدَا لِي قِيَامُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قُلْتُ : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ، أَنْبِئِينِي عَنْ قِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَتْ : أَلَسْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ السُّورَةَ : ( يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ) ؟ قُلْتُ : بَلَى . قَالَتْ : فَإِنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ قِيَامَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ حَوْلًا حَتَّى انْتَفَخَتْ أَقْدَامُهُمْ ، وَأَمْسَكَ اللَّهُ خَاتِمَتَهَا فِي السَّمَاءِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ التَّخْفِيفَ فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ ، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا مِنْ بَعْدِ فَرِيضَةٍ ، فَهَمَمْتُ أَنْ أَقْوَمَ ، ثُمَّ بَدَا لِي وِتْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قُلْتُ : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ، أَنْبِئِينِي عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَتْ : كُنَّا نَعُدُّ لَهُ سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ ، فَيَبْعَثُهُ اللَّهُ لِمَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ مِنَ اللَّيْلِ ، فَيَتَسَوَّكُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ يُصَلِّي ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ لَا يَجْلِسُ فِيهِنَّ إِلَّا عِنْدَ الثَّامِنَةِ ، فَيَجْلِسُ وَيَذْكُرُ رَبَّهُ تَعَالَى وَيَدْعُو [ وَيَسْتَغْفِرُ ثُمَّ يَنْهَضُ وَمَا يُسَلِّمُ . ثُمَّ يُصَلِّي التَّاسِعَةَ فَيَقْعُدُ فَيَحْمَدُ رَبَّهُ وَيَذْكُرُهُ وَيَدْعُو ] ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ ، فَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يَا بُنَيَّ ، فَلَمَّا أَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخَذَهُ اللَّحْمُ ، أَوْتَرَ بِسَبْعٍ ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ ، فَتِلْكَ تِسْعٌ يَا بُنَيَّ . وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَحَبَّ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهَا ، وَكَانَ إِذَا شَغَلَهُ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ نَوْمٌ أَوْ وَجَعٌ أَوْ مَرَضٌ ، صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، وَلَا أَعْلَمُ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي لَيْلَةٍ ، وَلَا قَامَ لَيْلَةً حَتَّى أَصْبَحَ ، وَلَا صَامَ شَهْرًا كَامِلًا غَيْرَ رَمَضَانَ .
فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَحَدَّثْتُهُ بِحَدِيثِهَا ، فَقَالَ : صَدَقَتْ ، أَمَا لَوْ كُنْتُ أَدْخُلُ عَلَيْهَا لَأَتَيْتُهَا حَتَّى تُشَافِهَنِي مُشَافَهَةً .
هَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِتَمَامِهِ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ بِنَحْوِهِ .
طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ عَائِشَةَ فِي هَذَا الْمَعْنَى : قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ - وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا مِهْرَانُ قَالَا جَمِيعًا ، وَاللَّفْظُ لِابْنِ وَكِيعٍ : عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ طَحْلَاءَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كُنْتُ أَجْعَلُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَصِيرًا يُصَلِّي عَلَيْهِ مِنَ اللَّيْلِ ، فَتَسَامَعَ النَّاسُ بِهِ فَاجْتَمَعُوا ، فَخَرَجَ كَالْمُغْضَبِ - وَكَانَ بِهِمْ رَحِيمًا ، فَخَشِيَ أَنْ يُكْتَبَ 254 عَلَيْهِمْ قِيَامُ اللَّيْلِ - فَقَالَ : " أَيُّهَا النَّاسُ ، اكْلَفُوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ مِنَ الثَّوَابِ حَتَّى تَمَلُّوا مِنَ الْعَمَلِ ، وَخَيْرُ الْأَعْمَالِ مَا دِيمَ عَلَيْهِ " . وَنَزَلَ الْقُرْآنُ : ( يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ ) حَتَّى كَانَ الرَّجُلُ يَرْبِطُ الْحَبْلَ وَيَتَعَلَّقُ ، فَمَكَثُوا بِذَلِكَ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ ، فَرَأَى اللَّهُ مَا يَبْتَغُونَ مِنْ رِضْوَانِهِ ، فَرَحِمَهُمْ فَرَدَّهُمْ إِلَى الْفَرِيضَةِ ، وَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ .
وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ الرَّبَذِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ . وَالْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحِ بِدُونِ زِيَادَةِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ ، وَهَذَا السِّيَاقُ قَدْ يُوهِمُ أَنَّ نُزُولَ هَذِهِ السُّورَةِ بِالْمَدِينَةِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَإِنَّمَا هِيَ مَكِّيَّةٌ . وَقَوْلُهُ فِي هَذَا السِّيَاقِ : إِنَّ بَيْنَ نُزُولِ أَوَّلِهَا وَآخِرِهَا ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ - غَرِيبٌ ; فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُمَا سَنَةٌ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ مِسْعَرٍ ، عَنْ سِمَاكٍ الْحَنَفِيِّ ، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : أَوَّلُ مَا نَزَلَ : أَوَّلُ الْمُزَّمِّلِ ، كَانُوا يَقُومُونَ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِمْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ، وَكَانَ بَيْنَ أَوَّلِهَا وَآخِرِهَا قَرِيبٌ مِنْ سَنَةٍ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ بِهِ .
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ كِلَاهُمَا عَنْ مِسْعَرٍ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : كَانَ بَيْنَهُمَا سَنَةٌ . وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ ، عَنْ وَكِيعٍ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : ( يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ) قَامُوا حَوْلًا حَتَّى وَرِمَتْ أَقْدَامُهُمْ وَسُوقُهُمْ ، حَتَّى نَزَلَتْ : ( فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ) قَالَ : فَاسْتَرَاحَ النَّاسُ .
وَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : [ حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنَا أَبِي ] عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ : فَقُلْتُ - يَعْنِي لِعَائِشَةَ - : أَخْبِرِينَا عَنْ قِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَتْ : أَلَسْتَ تَقْرَأُ : ( يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ) ؟ قُلْتُ : بَلَى . قَالَتْ : فَإِنَّهَا كَانَتْ قِيَامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ ، حَتَّى انْتَفَخَتْ أَقْدَامُهُمْ ، وَحُبِسَ آخِرُهَا فِي السَّمَاءِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا ، ثُمَّ نَزَلَ .
وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ : ( قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ) قَامُوا حَوْلًا أَوْ حَوْلَيْنِ ، حَتَّى انْتَفَخَتْ سُوقُهُمْ 255 وَأَقْدَامُهُمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَخْفِيفَهَا بَعْدُ فِي آخِرِ السُّورَةِ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ ، عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ سَعِيدٍ - هُوَ ابْنُ جُبَيْرٍ - قَالَ : لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ) قَالَ : مَكَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ عَشْرَ سِنِينَ يَقُومُ اللَّيْلَ ، كَمَا أَمَرَهُ ، وَكَانَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَقُومُونَ مَعَهُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ : ( إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ) فَخَفَّفَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ .
وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ رَافِعٍ ، عَنْ يَعْقُوبَ الْقُمِّيِّ بِهِ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا [ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ) فَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وَالْمُؤْمِنِينَ بِقِيَامِ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا ] فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ، ثُمَّ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَحِمَهُمْ ، فَأَنْزَلَ بَعْدَ هَذَا : ( عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ) فَوَسَّعَ اللَّهُ - وَلَهُ الْحَمْدُ - وَلَمْ يُضَيِّقْ .
وَقَوْلُهُ : ( وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا ) أَيْ : أَكْثِرْ مِنْ ذِكْرِهِ ، وَانْقَطِعْ إِلَيْهِ ، وَتَفَرَّغْ لِعِبَادَتِهِ إِذَا فَرَغْتَ مِنْ أَشْغَالِكَ ، وَمَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ أُمُورِ دُنْيَاكَ ، كَمَا قَالَ : ( فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ) [ الشَّرْحِ : 7 ] أَيْ : إِذَا فَرَغْتَ مِنْ مَهَامِّكَ فَانْصَبْ فِي طَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ ، لِتَكُونَ فَارِغَ الْبَالِ . قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ بِمَعْنَاهُ أَوْ قَرِيبٍ مِنْهُ .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَأَبُو صَالِحٍ وَعَطِيَّةُ وَالضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ : ( وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا ) أَيْ : أَخْلِصْ لَهُ الْعِبَادَةَ .
وَقَالَ الْحَسَنُ : اجْتَهِدْ وَبَتِّلْ إِلَيْهِ نَفْسَكَ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : يُقَالُ لِلْعَابِدِ : مُتَبَتِّلٌ ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ : أَنَّهُ نَهَى عَنِ التَّبَتُّلِ ، يَعْنِي : الِانْقِطَاعَ إِلَى الْعِبَادَةِ وَتَرْكَ التَّزَوُّجِ .
وَقَوْلُهُ : ( رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ) أَيْ : هُوَ الْمَالِكُ الْمُتَصَرِّفُ فِي الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، وَكَمَا أَفْرَدْتَهُ بِالْعِبَادَةِ فَأَفْرِدْهُ بِالتَّوَكُّلِ ، ( فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ) كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : ( فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ) [ هُودٍ : 123 ] وَكَقَوْلِهِ : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) وَآيَاتٌ كَثِيرَةٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى ، فِيهَا الْأَمْرُ بِإِفْرَادِ الْعِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ لِلَّهِ ، وَتَخْصِيصِهِ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith