تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثامن
page 1892 · printed p. 220
220 تَفْسِيرُ سُورَةِ سَأَلَ سَائِلٌ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ( 1 ) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ ( 2 ) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ ( 3 ) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ( 4 ) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا ( 5 ) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ( 6 ) وَنَرَاهُ قَرِيبًا ( 7 ) )
( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ) فِيهِ تَضْمِينٌ دَلَّ عَلَيْهِ حَرْفُ " الْبَاءِ " ، كَأَنَّهُ مُقَدَّرٌ : يَسْتَعْجِلُ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ . كَقَوْلِهِ : ( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ ) أَيْ : وَعَذَابُهُ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ .
قَالَ النَّسَائِيُّ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ) قَالَ : النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ .
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ) قَالَ : ذَلِكَ سُؤَالُ الْكُفَّارِ عَنْ عَذَابِ اللَّهِ وَهُوَ وَاقِعٌ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : تَعَالَى ) سَأَلَ سَائِلٌ ) دَعَا دَاعٍ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ يَقَعُ فِي الْآخِرَةِ ، قَالَ : وَهُوَ قَوْلُهُمْ : ( اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) [ الْأَنْفَالِ : 32 ] .
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُهُ : ( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ) أَيْ : وَادٍ فِي جَهَنَّمَ ، يَسِيلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْعَذَابِ . وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ ، بَعِيدٌ عَنِ الْمُرَادِ . وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَاقِعٍ لِلْكَافِرِينَ ) أَيْ : مُرْصَدٌ مُعَدٌّ لِلْكَافِرِينَ .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ( وَاقِعٍ ) جَاءٍ ) لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ ) أَيْ : لَا دَافِعَ لَهُ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ كَوْنَهُ ; وَلِهَذَا قَالَ ) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ ) قَالَ الثَّوْرِيُّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ذِي الْمَعَارِجِ ) قَالَ : ذُو الدَّرَجَاتِ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ذِي الْمَعَارِجِ ) يَعْنِي : الْعُلُوُّ وَالْفَوَاضِلُ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( ذِي الْمَعَارِجِ ) مَعَارِجِ السَّمَاءِ . وَقَالَ قَتَادَةُ : ذِي الْفَوَاضِلِ وَالنِّعَمِ .
221
وَقَوْلُهُ : ( تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ ) قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : ( تَعْرُجُ ) تَصْعَدُ .
وَأَمَّا الرُّوحُ ، فَقَالَ أَبُو صَالِحٍ : هُمْ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ . يُشْبِهُونَ النَّاسَ ، وَلَيْسُوا أُنَاسًا .
قُلْتُ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ جِبْرِيلَ ، وَيَكُونَ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ لِأَرْوَاحِ بَنِي آدَمَ ، فَإِنَّهَا إِذَا قُبِضَتْ يُصْعَدُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْبَرَاءِ . وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ الْمِنْهَالِ ، عَنْ زَاذَانَ ، عَنِ الْبَرَاءِ مَرْفُوعًا - الْحَدِيثُ بِطُولِهِ فِي قَبْضِ الرُّوحِ الطَّيِّبَةِ - قَالَ فِيهِ : ۝ " فَلَا يَزَالُ يُصْعَدُ بِهَا مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ حَتَّى يُنْتَهَى بِهَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ " . وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ ، فَقَدْ تُكُلِّمَ فِي بَعْضِ رُوَاتِهِ ، وَلَكِنَّهُ مَشْهُورٌ ، وَلَهُ شَاهِدٌ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة‌َ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْهُ ، وَهَذَا إِسْنَادٌ رِجَالُهُ عَلَى شَرْطِ الْجَمَاعَةِ ، وَقَدْ بَسَطْنَا لَفْظَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ) [ إِبْرَاهِيمَ : 27 ] .
وَقَوْلُهُ : ( فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ مَسَافَةُ مَا بَيْنَ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ إِلَى أَسْفَلِ السَّافِلِينَ ، وَهُوَ قَرَارُ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ ، وَذَلِكَ مَسِيرَةُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ، هَذَا ارْتِفَاعُ الْعَرْشِ عَنِ الْمَرْكَزِ الَّذِي فِي وَسَطِ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ . وَذَلِكَ اتِّسَاعُ الْعَرْشِ مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ مَسِيرَةُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ، وَأَنَّهُ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ ، كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي كِتَابِ صِفَةِ الْعَرْشِ . وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ :
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أَخْبَرَنَا حَكَّامٌ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مَعْرُوفٍ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : ( فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) قَالَ : مُنْتَهَى أَمْرِهِ مِنْ أَسْفَلِ الْأَرَضِينَ إِلَى مُنْتَهَى أَمْرِهِ مِنْ فَوْقِ السَّمَاوَاتِ مِقْدَارُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ، وَيَوْمٌ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ : تَنَزُّلَ الْأَمْرِ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَمِنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَذَلِكَ مِقْدَارُهُ أَلْفُ سَنَةٍ ; لِأَنَّ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مِقْدَارُ مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ .
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنِ ابْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ حَكَّامِ بْنِ سَلْمٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مَعْرُوفٍ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ ، لَمْ يَذْكُرِ ابْنَ عَبَّاسٍ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطُّنَافِسِيُّ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا نُوحٌ الْمُؤَدَّبُ ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ مُجَاهِدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : غِلَظُ كُلِّ أَرْضٍ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ ، وَبَيْنَ كُلِّ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ ، فَذَلِكَ سَبْعَةُ آلَافِ عَامٍ . وَغِلَظُ كُلِّ سَمَاءٍ 222 خَمْسُمِائَةِ عَامٍ ، وَبَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى السَّمَاءِ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ ، فَذَلِكَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفَ عَامٍ ، وَبَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَبَيْنَ الْعَرْشِ مَسِيرَةُ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفَ عَامٍ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ )
الْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ مُدَّةُ بَقَاءِ الدُّنْيَا مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ هَذَا الْعَالَمَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ ، قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ :
حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) قَالَ : الدُّنْيَا عُمْرُهَا خَمْسُونَ أَلْفَ سَنَةٍ . وَذَلِكَ عُمْرُهَا يَوْمَ سَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ ، ( تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ ) قَالَ : الْيَوْمُ : الدُّنْيَا .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ - وَعَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : ( فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) قَالَ : الدُّنْيَا مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا مِقْدَارُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ، لَا يَدْرِي أَحَدٌ كَمْ مَضَى ، وَلَا كَمْ بَقِيَ إِلَّا اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ .
الْقَوْلُ الثَّالِثُ : أَنَّهُ الْيَوْمُ الْفَاصِلُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَهُوَ قَوْلٌ غَرِيبٌ جِدًّا . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ :
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، حَدَّثَنَا بُهْلُولُ بْنُ الْمُورِقِ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ : ( فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) قَالَ : هُوَ يَوْمُ الْفَصْلِ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .
الْقَوْلُ الرَّابِعُ : أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ، قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ :
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ الْوَاسِطِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) قَالَ : يَوْمُ الْقِيَامَةِ . هَذَا وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ . وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ( فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) يَوْمُ الْقِيَامَةِ . وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ وَابْنُ زَيْدٍ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) قَالَ : فَهَذَا يَوْمُ الْقِيَامَةِ ، جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْكَافِرِينَ مِقْدَارَ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ .
وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ فِي مَعْنَى ذَلِكَ ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، حَدَّثَنَا دَرَّاجٌ ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : ۝ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) مَا أَطْوَلَ هَذَا الْيَوْمَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، إِنَّهُ لِيُخَفَّفُ عَلَى الْمُؤْمِنِ حَتَّى يَكُونَ أَخَفَّ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ يُصَلِّيهَا فِي الدُّنْيَا " .
223
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ دَرَّاجٍ بِهِ ، إِلَّا أَنَّ دَرَّاجًا وَشَيْخَهُ ضَعِيفَانِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الْغُدَانِيِّ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَة‌َ فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ فَقِيلَ لَهُ : هَذَا أَكْثَرُ عَامِرِيٍّ مَالًا ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة‌َ : رُدُّوهُ فَقَالَ : نُبِّئْتُ أَنَّكَ ذُو مَالٍ كَثِيرٍ ؟ فَقَالَ الْعَامِرِيُّ : إِيْ وَاللَّهِ ، إِنَّ لِي لَمِائَةً حُمْرًا وَمِائَةً أُدْمًا ، حَتَّى عَدَّ مِنْ أَلْوَانِ الْإِبِلِ ، وَأَفْنَانِ الرَّقِيقِ ، وَرِبَاطِ الْخَيْلِ ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة‌َ : إِيَّاكَ وَأَخْفَافَ الْإِبِلِ وَأَظْلَافَ النَّعَمِ - يُرَدِّدُ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، حَتَّى جَعَلَ لَوْنُ الْعَامِرِيُّ يَتَغَيَّرُ - فَقَالَ : مَا ذَاكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؟ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ۝ " مَنْ كَانَتْ لَهُ إِبِلٌ لَا يُعْطِي حَقَّهَا فِي نَجْدَتِهَا وَرِسْلِهَا - قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ : مَا نَجْدَتُهَا وَرِسْلُهَا ؟ قَالَ : " فِي عُسْرِهَا وَيُسْرِهَا - " فَإِنَّهَا تَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَغَذِّ مَا كَانَتْ وَأَكْثَرِهِ وَأَسْمَنِهِ وَآشَرِهِ ، حَتَّى يُبْطَحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرَ ، فَتَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا ، فَإِذَا جَاوَزَتْهُ أُخْرَاهَا أُعِيدَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فَيَرَى سَبِيلَهُ ، وَإِذَا كَانَتْ لَهُ بَقَرٌ لَا يُعْطِي حَقَّهَا فِي نَجْدَتِهَا وَرِسْلِهَا ، فَإِنَّهَا تَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَغَذِّ مَا كَانَتْ وَأَكْثَرِهِ وَأَسْمَنِهِ وَآشَرِهِ ، حَتَّى يُبْطَحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرَ ، فَتَطَؤُهُ كُلُّ ذَاتِ ظِلْفٍ بِظِلْفِهَا ، وَتَنْطَحُهُ كُلُّ ذَاتِ قَرْنٍ بِقَرْنِهَا ، إِذَا جَاوَزَتْهُ أُخْرَاهَا أُعِيدَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فَيَرَى سَبِيلَهُ . وَإِذَا كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ لَا يُعْطِي حَقَّهَا فِي نَجْدَتِهَا وَرِسْلِهَا ، فَإِنَّهَا تَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَغَذِّ مَا كَانَتْ وَأَسْمَنِهِ وَآشَرِهِ ، حَتَّى يُبْطَحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرَ ، فَتَطَؤُهُ كُلُّ ذَاتِ ظِلْفٍ بِظِلْفِهَا وَتَنْطَحُهُ كُلُّ ذَاتِ قَرْنٍ بِقَرْنِهَا ، لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ وَلَا عَضْبَاءُ ، إِذَا جَاوَزَتْهُ أُخْرَاهَا أُعِيدَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ ، فَيَرَى سَبِيلَهُ " . قَالَ الْعَامِرِيُّ : وَمَا حَقُّ الْإِبِلِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؟ قَالَ : أَنْ تُعْطِيَ الْكَرِيمَةَ ، وَتَمْنَحَ الْغَزِيرَةَ ، وَتُفْقِرَ الظَّهْرَ ، وَتَسْقِيَ اللَّبَنَ وَتُطْرِقَ الْفَحْلَ .
وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ بِهِ .
طَرِيقٌ أُخْرَى لِهَذَا الْحَدِيثِ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة‌َ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " مَا مِنْ صَاحِبٍ كَنْزٍ لَا يُؤَدِّي حَقَّهُ إِلَّا جُعِلَ صَفَائِحَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ ، فَتُكْوَى بِهَا جَبْهَتُهُ وَجَنْبُهُ وَظَهْرُهُ ، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تُعِدُّونَ ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ " . وَذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ فِي الْغَنَمِ وَالْإِبِلِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَفِيهِ : ۝ " الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ ; لِرَجُلٍ أَجْرٌ ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ ، وَعَلَى 224 رَجُلٍ وِزْرٌ " إِلَى آخِرِهِ .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِتَمَامِهِ مُنْفَرِدًا بِهِ دُونَ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة‌َ وَمَوْضِعُ اسْتِقْصَاءِ طُرُقِهِ وَأَلْفَاظِهِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ فِي " الْأَحْكَامِ " ، وَالْغَرَضُ مِنْ إِيرَادِهِ هَاهُنَا قَوْلُهُ : ۝ " حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ " .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ يَعْقُوبَ ، عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ : سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ : ( فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) قَالَ : فَاتَّهَمَهُ ، فَقِيلَ لَهُ فِيهِ ، فَقَالَ : مَا يَوْمٌ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ؟ فَقَالَ : إِنَّمَا سَأَلْتُكَ لِتُحَدِّثَنِي . قَالَ : هُمَا يَوْمَانِ ذَكَرَهُمَا اللَّهُ ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِمَا ، وَأَكْرَهُ أَنْ أَقُولَ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِمَا لَا أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا ) أَيِ : اصْبِرْ يَا مُحَمَّدُ عَلَى تَكْذِيبِ قَوْمِكَ لَكَ ، وَاسْتِعْجَالِهِمُ الْعَذَابَ اسْتِبْعَادًا لِوُقُوعِهِ ، كَقَوْلِهِ : ( يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ ) [ الشُّورَى : 18 ] قَالَ : ( إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ) أَيْ : وُقُوعَ الْعَذَابِ وَقِيَامَ السَّاعَةِ يَرَاهُ الْكَفَرَةُ بَعِيدَ الْوُقُوعِ ، بِمَعْنَى مُسْتَحِيلَ الْوُقُوعِ ، ( وَنَرَاهُ قَرِيبًا ) أَيِ : الْمُؤْمِنُونَ يَعْتَقِدُونَ كَوْنَهُ قَرِيبًا ، وَإِنْ كَانَ لَهُ أَمَدٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، لَكِنْ كُلُّ مَا هُوَ آتٍ فَهُوَ قَرِيبٌ وَوَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith