تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثامن
( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 11 ) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ ( 12 ) )
172
وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُمْ لَا تَضُرُّهُمْ مُخَالَطَةُ الْكَافِرِينَ إِذَا كَانُوا مُحْتَاجِينَ إِلَيْهِمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ) [ آلِ عِمْرَانَ : 28 ] .
قَالَ : قَتَادَةُ كَانَ فِرْعَوْنُ أَعْتَى أَهْلِ الْأَرْضِ وَأَبْعَدَهُ ، فَوَاللَّهِ مَا ضَرَّ امْرَأَتَهُ كُفْرُ زَوْجِهَا حِينَ أَطَاعَتْ رَبَّهَا لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ حَكَمٌ عَدْلٌ ، لَا يُؤَاخِذُ أَحَدًا إِلَّا بِذَنْبِهِ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ حَفْصٍ الْأُبُلِّيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ ، عَنْ سَلْمَانَ قَالَ : كَانَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ تُعَذَّبُ فِي الشَّمْسِ ، فَإِذَا انْصَرَفَ عَنْهَا أَظَلَّتْهَا الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا ، وَكَانَتْ تَرَى بَيْتَهَا فِي الْجَنَّةِ .
ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ الْمُحَارِبِيِّ ، عَنْ أَسْبَاطِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ، بِهِ .
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّةَ ، قَالَ : كَانَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ تَسْأَلُ : مَنْ غَلَبَ ؟ فَيُقَالُ : غَلَبَ مُوسَى ، وَهَارُونُ . فَتَقُولُ : آمَنْتُ بِرَبِّ مُوسَى ، وَهَارُونَ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فِرْعَوْنُ ، فَقَالَ : انْظُرُوا أَعْظَمَ صَخْرَةٍ تَجِدُونَهَا ، فَإِنْ مَضَتْ عَلَى قَوْلِهَا فَأَلْقُوهَا عَلَيْهَا ، وَإِنْ رَجَعَتْ عَنْ قَوْلِهَا فَهِيَ امْرَأَتُهُ ، فَلَمَّا أَتَوْهَا رَفَعَتْ بَصَرَهَا إِلَى السَّمَاءِ فَأَبْصَرَتْ بَيْتَهَا فِي الْجَنَّةِ ، فَمَضَتْ عَلَى قَوْلِهَا ، وَانْتُزِعَ رُوحُهَا ، وَأُلْقِيَتِ الصَّخْرَةُ عَلَى جَسَدٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ .
فَقَوْلُهَا : ( رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ ) قَالَ الْعُلَمَاءُ : اخْتَارَتِ الْجَارَ قَبْلَ الدَّارِ . وَقَدْ وَرَدَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ ، ( وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ ) أَيْ : خَلِّصْنِي مِنْهُ ، فَإِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنْ عَمَلِهِ ، ( وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ هِيَ آسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا .
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ : كَانَ إِيمَانُ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ مِنْ قَبْلِ إِيمَانِ امْرَأَةِ خَازِنِ فِرْعَوْنَ ، وَذَلِكَ أَنَّهَا جَلَسَتْ تُمَشِّطُ ابْنَةَ فِرْعَوْنَ ، فَوَقَعَ الْمُشْطُ مِنْ يَدِهَا ، فَقَالَتْ تَعِسَ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ ؟ فَقَالَتْ لَهَا ابْنَةُ فِرْعَوْنَ : وَلَكِ رَبٌّ غَيْرُ أَبِي ؟ قَالَتْ : رَبِّي ، وَرَبُّ أَبِيكِ ، وَرَبُّ كُلِّ شَيْءٍ اللَّهُ . فَلَطَمَتْهَا بِنْتُ فِرْعَوْنَ وَضَرَبَتْهَا ، وَأَخْبَرْتَ أَبَاهَا ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فِرْعَوْنُ ، فَقَالَ : تَعْبُدِينَ رَبًّا غَيْرِي ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، رَبِّي ، وَرَبُّكَ ، وَرَبُّ كُلِّ شَيْءٍ اللَّهُ . وَإِيَّاهُ أَعْبُدُ فَعَذَّبَهَا فِرْعَوْنُ ، وَأَوْتَدَ لَهَا أَوْتَادًا ، فَشَدَّ رِجْلَيْهَا ، وَيَدَيْهَا ، وَأَرْسَلَ عَلَيْهَا الْحَيَّاتِ ، وَكَانَتْ كَذَلِكَ ، فَأَتَى عَلَيْهَا يَوْمًا ، فَقَالَ لَهَا : مَا أَنْتِ مُنْتَهِيَةٌ ؟ فَقَالَتْ لَهُ : رَبِّي ، وَرَبُّكَ ، وَرَبُّ كُلِّ شَيْءٍ اللَّهُ . فَقَالَ لَهَا : إِنِّي ذَابِحٌ ابْنَكِ فِي فِيكِ إِنْ لَمْ تَفْعَلِي . فَقَالَتْ لَهُ : اقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ . فَذَبَحَ ابْنَهَا فِي فِيهَا ، وَإِنَّ رُوحَ ابْنِهَا بَشَّرَهَا ، فَقَالَ لَهَا : أَبْشِرِي يَا أُمَّهْ ، فَإِنَّ لَكِ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الثَّوَابِ كَذَا وَكَذَا . فَصَبَرَتْ ثُمَّ أَتَى عَلَيْهَا فِرْعَوْنُ يَوْمًا آخَرَ فَقَالَ لَهَا 173 مِثْلَ ذَلِكَ ، فَقَالَتْ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَذَبَحَ ابْنَهَا الْآخَرَ فِي فِيهَا ، فَبَشَّرَهَا رُوحُهُ أَيْضًا ، وَقَالَ لَهَا . اصْبِرِي يَا أُمَّهْ ، فَإِنَّ لَكِ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الثَّوَابِ كَذَا وَكَذَا . قَالَ : وَسَمِعَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ كَلَامَ رُوحِ ابْنِهَا الْأَكْبَرِ ، ثُمَّ الْأَصْغَرِ ، فَآمَنَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ ، وَقَبَضَ اللَّهُ رُوحَ امْرَأَةِ خَازِنِ فِرْعَوْنَ ، وَكَشَفَ الْغِطَاءَ عَنْ ثَوْبِهَا ، وَمَنْزِلَتِهَا ، وَكَرَامَتِهَا فِي الْجَنَّةِ لِامْرَأَةِ فِرْعَوْنَ حَتَّى رَأَتْ ، فَازْدَادَتْ إِيمَانًا وَيَقِينًا ، وَتَصْدِيقًا ، فَاطَّلَعَ فِرْعَوْنُ عَلَى إِيمَانِهَا ، فَقَالَ لِلْمَلَإِ مَا تَعْلَمُونَ مِنْ آسِيَةَ بِنْتِ مُزَاحِمٍ ؟ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا ، فَقَالَ لَهُمْ : إِنَّهَا تَعْبُدُ غَيْرِي . فَقَالُوا لَهُ : اقْتُلْهَا . فَأَوْتَدَ لَهَا أَوْتَادًا فَشَدَّ يَدَيْهَا وَرِجْلَيْهَا ، فَدَعَتْ آسِيَةُ رَبَّهَا فَقَالَتْ : ( رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ ) فَوَافَقَ ذَلِكَ أَنْ حَضَرَهَا فِرْعَوْنُ فَضَحِكَتْ حِينَ رَأَتْ بَيْتَهَا فِي الْجَنَّةِ ، فَقَالَ فِرْعَوْنُ : أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ جُنُونِهَا ، إِنَّا نُعَذِّبُهَا وَهِيَ تَضْحَكُ ، فَقَبَضَ اللَّهُ رُوحَهَا ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا .
وَقَوْلُهُ : ( وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا ) أَيْ حَفِظَتْهُ وَصَانَتْهُ . وَالْإِحْصَانُ : هُوَ الْعَفَافُ وَالْحُرِّيَّةُ ، ( فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا ) أَيْ : بِوَاسِطَةِ الْمَلَكِ ، وَهُوَ جِبْرِيلُ فَإِنَّ اللَّهَ بَعَثَهُ إِلَيْهَا فَتَمَثَّلَ لَهَا فِي صُورَةِ بَشَرٍ سَوِيٍّ ، وَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَنْفُخَ بِفِيهِ فِي جَيْبِ دِرْعِهَا ، فَنَزَلَتِ النَّفْخَةُ فَوَلَجَتْ فِي فَرْجِهَا ، فَكَانَ مِنْهُ الْحَمْلُ بِعِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ . وَلِهَذَا قَالَ : ( فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ ) أَيْ : بِقَدَرِهِ وَشَرْعِهِ ( وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ )
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يُونُسُ ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ ، عَنْ عِلْبَاءَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ خُطُوطٍ ، وَقَالَ : " أَتَدْرُونَ مَا هَذَا ؟ " قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ : خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ ، وَمَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ ، وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ " .
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : " كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ ، وَمَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ " .
وَقَدْ ذَكَرْنَا طُرُقَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ، وَأَلْفَاظَهَا ، وَالْكَلَامَ عَلَيْهَا فِي قِصَّةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ، فِي كِتَابِنَا " الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ " وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ وَذَكَرْنَا مَا وَرَدَ مِنَ الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّهَا تَكُونُ هِيَ وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ مِنْ أَزْوَاجِهِ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فِي الْجَنَّةِ عِنْدَ قَوْلِهِ : ( ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا )
172
وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُمْ لَا تَضُرُّهُمْ مُخَالَطَةُ الْكَافِرِينَ إِذَا كَانُوا مُحْتَاجِينَ إِلَيْهِمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ) [ آلِ عِمْرَانَ : 28 ] .
قَالَ : قَتَادَةُ كَانَ فِرْعَوْنُ أَعْتَى أَهْلِ الْأَرْضِ وَأَبْعَدَهُ ، فَوَاللَّهِ مَا ضَرَّ امْرَأَتَهُ كُفْرُ زَوْجِهَا حِينَ أَطَاعَتْ رَبَّهَا لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ حَكَمٌ عَدْلٌ ، لَا يُؤَاخِذُ أَحَدًا إِلَّا بِذَنْبِهِ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ حَفْصٍ الْأُبُلِّيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ ، عَنْ سَلْمَانَ قَالَ : كَانَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ تُعَذَّبُ فِي الشَّمْسِ ، فَإِذَا انْصَرَفَ عَنْهَا أَظَلَّتْهَا الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا ، وَكَانَتْ تَرَى بَيْتَهَا فِي الْجَنَّةِ .
ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ الْمُحَارِبِيِّ ، عَنْ أَسْبَاطِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ، بِهِ .
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّةَ ، قَالَ : كَانَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ تَسْأَلُ : مَنْ غَلَبَ ؟ فَيُقَالُ : غَلَبَ مُوسَى ، وَهَارُونُ . فَتَقُولُ : آمَنْتُ بِرَبِّ مُوسَى ، وَهَارُونَ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فِرْعَوْنُ ، فَقَالَ : انْظُرُوا أَعْظَمَ صَخْرَةٍ تَجِدُونَهَا ، فَإِنْ مَضَتْ عَلَى قَوْلِهَا فَأَلْقُوهَا عَلَيْهَا ، وَإِنْ رَجَعَتْ عَنْ قَوْلِهَا فَهِيَ امْرَأَتُهُ ، فَلَمَّا أَتَوْهَا رَفَعَتْ بَصَرَهَا إِلَى السَّمَاءِ فَأَبْصَرَتْ بَيْتَهَا فِي الْجَنَّةِ ، فَمَضَتْ عَلَى قَوْلِهَا ، وَانْتُزِعَ رُوحُهَا ، وَأُلْقِيَتِ الصَّخْرَةُ عَلَى جَسَدٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ .
فَقَوْلُهَا : ( رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ ) قَالَ الْعُلَمَاءُ : اخْتَارَتِ الْجَارَ قَبْلَ الدَّارِ . وَقَدْ وَرَدَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ ، ( وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ ) أَيْ : خَلِّصْنِي مِنْهُ ، فَإِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنْ عَمَلِهِ ، ( وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ هِيَ آسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا .
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ : كَانَ إِيمَانُ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ مِنْ قَبْلِ إِيمَانِ امْرَأَةِ خَازِنِ فِرْعَوْنَ ، وَذَلِكَ أَنَّهَا جَلَسَتْ تُمَشِّطُ ابْنَةَ فِرْعَوْنَ ، فَوَقَعَ الْمُشْطُ مِنْ يَدِهَا ، فَقَالَتْ تَعِسَ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ ؟ فَقَالَتْ لَهَا ابْنَةُ فِرْعَوْنَ : وَلَكِ رَبٌّ غَيْرُ أَبِي ؟ قَالَتْ : رَبِّي ، وَرَبُّ أَبِيكِ ، وَرَبُّ كُلِّ شَيْءٍ اللَّهُ . فَلَطَمَتْهَا بِنْتُ فِرْعَوْنَ وَضَرَبَتْهَا ، وَأَخْبَرْتَ أَبَاهَا ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فِرْعَوْنُ ، فَقَالَ : تَعْبُدِينَ رَبًّا غَيْرِي ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، رَبِّي ، وَرَبُّكَ ، وَرَبُّ كُلِّ شَيْءٍ اللَّهُ . وَإِيَّاهُ أَعْبُدُ فَعَذَّبَهَا فِرْعَوْنُ ، وَأَوْتَدَ لَهَا أَوْتَادًا ، فَشَدَّ رِجْلَيْهَا ، وَيَدَيْهَا ، وَأَرْسَلَ عَلَيْهَا الْحَيَّاتِ ، وَكَانَتْ كَذَلِكَ ، فَأَتَى عَلَيْهَا يَوْمًا ، فَقَالَ لَهَا : مَا أَنْتِ مُنْتَهِيَةٌ ؟ فَقَالَتْ لَهُ : رَبِّي ، وَرَبُّكَ ، وَرَبُّ كُلِّ شَيْءٍ اللَّهُ . فَقَالَ لَهَا : إِنِّي ذَابِحٌ ابْنَكِ فِي فِيكِ إِنْ لَمْ تَفْعَلِي . فَقَالَتْ لَهُ : اقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ . فَذَبَحَ ابْنَهَا فِي فِيهَا ، وَإِنَّ رُوحَ ابْنِهَا بَشَّرَهَا ، فَقَالَ لَهَا : أَبْشِرِي يَا أُمَّهْ ، فَإِنَّ لَكِ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الثَّوَابِ كَذَا وَكَذَا . فَصَبَرَتْ ثُمَّ أَتَى عَلَيْهَا فِرْعَوْنُ يَوْمًا آخَرَ فَقَالَ لَهَا 173 مِثْلَ ذَلِكَ ، فَقَالَتْ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَذَبَحَ ابْنَهَا الْآخَرَ فِي فِيهَا ، فَبَشَّرَهَا رُوحُهُ أَيْضًا ، وَقَالَ لَهَا . اصْبِرِي يَا أُمَّهْ ، فَإِنَّ لَكِ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الثَّوَابِ كَذَا وَكَذَا . قَالَ : وَسَمِعَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ كَلَامَ رُوحِ ابْنِهَا الْأَكْبَرِ ، ثُمَّ الْأَصْغَرِ ، فَآمَنَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ ، وَقَبَضَ اللَّهُ رُوحَ امْرَأَةِ خَازِنِ فِرْعَوْنَ ، وَكَشَفَ الْغِطَاءَ عَنْ ثَوْبِهَا ، وَمَنْزِلَتِهَا ، وَكَرَامَتِهَا فِي الْجَنَّةِ لِامْرَأَةِ فِرْعَوْنَ حَتَّى رَأَتْ ، فَازْدَادَتْ إِيمَانًا وَيَقِينًا ، وَتَصْدِيقًا ، فَاطَّلَعَ فِرْعَوْنُ عَلَى إِيمَانِهَا ، فَقَالَ لِلْمَلَإِ مَا تَعْلَمُونَ مِنْ آسِيَةَ بِنْتِ مُزَاحِمٍ ؟ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا ، فَقَالَ لَهُمْ : إِنَّهَا تَعْبُدُ غَيْرِي . فَقَالُوا لَهُ : اقْتُلْهَا . فَأَوْتَدَ لَهَا أَوْتَادًا فَشَدَّ يَدَيْهَا وَرِجْلَيْهَا ، فَدَعَتْ آسِيَةُ رَبَّهَا فَقَالَتْ : ( رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ ) فَوَافَقَ ذَلِكَ أَنْ حَضَرَهَا فِرْعَوْنُ فَضَحِكَتْ حِينَ رَأَتْ بَيْتَهَا فِي الْجَنَّةِ ، فَقَالَ فِرْعَوْنُ : أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ جُنُونِهَا ، إِنَّا نُعَذِّبُهَا وَهِيَ تَضْحَكُ ، فَقَبَضَ اللَّهُ رُوحَهَا ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا .
وَقَوْلُهُ : ( وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا ) أَيْ حَفِظَتْهُ وَصَانَتْهُ . وَالْإِحْصَانُ : هُوَ الْعَفَافُ وَالْحُرِّيَّةُ ، ( فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا ) أَيْ : بِوَاسِطَةِ الْمَلَكِ ، وَهُوَ جِبْرِيلُ فَإِنَّ اللَّهَ بَعَثَهُ إِلَيْهَا فَتَمَثَّلَ لَهَا فِي صُورَةِ بَشَرٍ سَوِيٍّ ، وَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَنْفُخَ بِفِيهِ فِي جَيْبِ دِرْعِهَا ، فَنَزَلَتِ النَّفْخَةُ فَوَلَجَتْ فِي فَرْجِهَا ، فَكَانَ مِنْهُ الْحَمْلُ بِعِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ . وَلِهَذَا قَالَ : ( فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ ) أَيْ : بِقَدَرِهِ وَشَرْعِهِ ( وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ )
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يُونُسُ ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ ، عَنْ عِلْبَاءَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ خُطُوطٍ ، وَقَالَ : " أَتَدْرُونَ مَا هَذَا ؟ " قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ : خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ ، وَمَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ ، وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ " .
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : " كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ ، وَمَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ " .
وَقَدْ ذَكَرْنَا طُرُقَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ، وَأَلْفَاظَهَا ، وَالْكَلَامَ عَلَيْهَا فِي قِصَّةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ، فِي كِتَابِنَا " الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ " وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ وَذَكَرْنَا مَا وَرَدَ مِنَ الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّهَا تَكُونُ هِيَ وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ مِنْ أَزْوَاجِهِ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فِي الْجَنَّةِ عِنْدَ قَوْلِهِ : ( ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا )
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith