تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثامن
page 1870 · printed p. 171
( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 9 ) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ( 10 ) )
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا رَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِجِهَادِ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ ، هَؤُلَاءِ بِالسِّلَاحِ وَالْقِتَالِ ، وَهَؤُلَاءِ بِإِقَامَةِ 171 الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ ، ( وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ) أَيْ : فِي الدُّنْيَا ، ( وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) أَيْ : فِي الْآخِرَةِ .
ثُمَّ قَالَ : ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا ) أَيْ : فِي مُخَالَطَتِهِمُ الْمُسْلِمِينَ وَمُعَاشَرَتِهِمْ لَهُمْ ، أَنَّ ذَلِكَ لَا يُجْدِي عَنْهُمْ شَيْئًا وَلَا يَنْفَعُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ ، إِنْ لَمْ يَكُنِ الْإِيمَانُ حَاصِلًا فِي قُلُوبِهِمْ ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمَثَلَ فَقَالَ : ( امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ ) أَيْ : نَبِيَّيْنِ رَسُولَيْنِ عِنْدَهُمَا فِي صُحْبَتِهَا لَيْلًا وَنَهَارًا يُؤَاكِلَانِهِمَا ، وَيُضَاجِعَانِهِمَا ، وَيُعَاشِرَانِهِمَا أَشَدَّ الْعِشْرَةِ وَالِاخْتِلَاطِ ( فَخَانَتَاهُمَا ) أَيْ : فِي الْإِيمَانِ ، لَمْ يُوَافِقَاهُمَا عَلَى الْإِيمَانِ ، وَلَا صَدَّقَاهُمَا فِي الرِّسَالَةِ ، فَلَمْ يُجْدِ ذَلِكَ كُلُّهُ شَيْئًا ، وَلَا دَفَعَ عَنْهُمَا مَحْذُورًا ; وَلِهَذَا قَالَ : ( فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ) أَيْ : لِكُفْرِهِمَا ، ( وَقِيلَ ) أَيْ : لِلْمَرْأَتَيْنِ : ( ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ) وَلَيْسَ الْمُرَادُ : ( فَخَانَتَاهُمَا ) فِي فَاحِشَةٍ ، بَلْ فِي الدِّينِ ، فَإِنَّ نِسَاءَ الْأَنْبِيَاءِ مَعْصُومَاتٌ عَنِ الْوُقُوعِ فِي الْفَاحِشَةِ ; لِحُرْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ ، كَمَا قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ النُّورِ .
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ قَتَّةَ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ( فَخَانَتَاهُمَا ) قَالَ : مَا زَنَتَا ، أَمَّا امْرَأَةُ نُوحٍ فَكَانَتْ تُخْبِرُ أَنَّهُ مَجْنُونٌ ، وَأَمَّا خِيَانَةُ امْرَأَةِ لُوطٍ فَكَانَتْ تَدُلُّ قَوْمَهَا عَلَى أَضْيَافِهِ .
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَتْ خِيَانَتُهُمَا أَنَّهُمَا كَانَتَا عَلَى عَوْرَتَيْهِمَا ، فَكَانَتِ امْرَأَةُ نُوحٍ تَطَّلِعُ عَلَى سِرِّ نُوحٍ ، فَإِذَا آمَنَ مَعَ نُوحٍ أَحَدٌ أَخْبَرَتِ الْجَبَابِرَةَ مَنْ قَوْمِ نُوحٍ بِهِ ، وَأَمَّا امْرَأَةُ لُوطٍ فَكَانَتْ إِذَا أَضَافَ لُوطٌ أَحَدًا أَخْبَرَتْ بِهِ أَهْلَ الْمَدِينَةِ مِمَّنْ يَعْمَلُ السُّوءَ .
وَهَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَغَيْرُهُمْ .
[ وَقَالَ الضَّحَّاكُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : مَا بَغَتِ امْرَأَةُ نَبِيٍّ قَطُّ ، إِنَّمَا كَانَتْ خِيَانَتُهُمَا فِي الدِّينِ ] .
وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى ضَعْفِ الْحَدِيثِ الَّذِي يَأْثِرُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ : مَنْ أَكَلَ مَعَ مَغْفُورٍ لَهُ غُفِرَ لَهُ . وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا أَصْلَ لَهُ ، وَإِنَّمَا يُرْوَى هَذَا عَنْ بَعْضِ الصَّالِحِينَ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَنَامِ فَقَالَ : ۝ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنْتَ قُلْتَ : مَنْ أَكَلَ مَعَ مَغْفُورٍ لَهُ غُفِرَ لَهُ ؟ قَالَ : " لَا ، وَلَكِنِّي الْآنَ أَقُولُهُ " .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith