تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثامن
page 1856 · printed p. 133
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ( 9 ) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 10 ) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ( 11 ) )
133
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِكَثْرَةِ ذِكْرِهِ وَنَاهِيًا لَهُمْ عَنْ أَنْ تَشْغَلَهُمُ الْأَمْوَالُ ، وَالْأَوْلَادُ عَنْ ذَلِكَ ، وَمُخْبِرًا لَهُمْ بِأَنَّهُ مَنِ الْتَهَى بِمَتَاعِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا عَمَّا خُلِقَ لَهُ مِنْ طَاعَةِ رَبِّهِ وَذِكْرِهِ ، فَإِنَّهُ مِنَ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ يَخْسَرُونَ أَنْفُسَهُمْ ، وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، ثُمَّ حَثَّهُمْ عَلَى الْإِنْفَاقِ فِي طَاعَتِهِ فَقَالَ : ( وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ) فَكُلُّ مُفَرِّطٍ يَنْدَمُ عِنْدَ الِاحْتِضَارِ ، وَيَسْأَلُ طُولَ الْمُدَّةِ وَلَوْ شَيْئًا يَسِيرًا ، يَسْتَعْتِبُ وَيَسْتَدْرِكُ مَا فَاتَهُ ، وَهَيْهَاتَ ! كَانَ مَا كَانَ ، وَأَتَى مَا هُوَ آتٍ ، وَكُلٌّ بِحَسَبِ تَفْرِيطِهِ ، أَمَّا الْكُفَّارُ فَكَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ ) [ إِبْرَاهِيمَ : 44 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) [ الْمُؤْمِنُونَ : 99 ، 100 ]
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) أَيْ : لَا يَنْظُرُ أَحَدًا بَعْدَ حُلُولِ أَجْلِهِ ، وَهُوَ أَعْلَمُ وَأَخْبَرُ بِمَنْ يَكُونُ صَادِقًا فِي قَوْلِهِ وَسُؤَالِهِ مِمَّنْ لَوْ رُدَّ لَعَادَ إِلَى شَرٍّ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) وَقَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ : حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو جَنَابٍ الْكَلْبِيُّ ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يُبَلِّغُهُ حَجَّ بَيْتِ رَبِّهِ ، أَوْ تَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ زَكَاةٌ ، فَلَمْ يَفْعَلْ ، سَأَلَ الرَّجْعَةَ عِنْدَ الْمَوْتِ . فَقَالَ رَجُلٌ : يَا ابْنَ عَبَّاسٍ اتَّقِ اللَّهَ ، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ الرَّجْعَةَ الْكُفَّارُ . فَقَالَ سَأَتْلُو عَلَيْكَ بِذَلِكَ قُرْآنًا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) قَالَ : فَمَا يُوجِبُ الزَّكَاةَ ؟ قَالَ : إِذَا بَلَغَ الْمَالُ مِائَتَيْنِ فَصَاعِدًا . قَالَ : فَمَا يُوجِبُ الْحَجَّ ؟ قَالَ : الزَّادُ وَالْبَعِيرُ .
ثُمَّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي حَيَّةَ - وَهُوَ أَبُو جَنَابٍ الْكَلْبِيُّ - عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَحْوِهِ
ثُمَّ قَالَ : وَقَدْ رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، وَغَيْرُهُ ، عَنْ أَبِي جَنَابٍ ، عَنِ ابْنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ قَوْلِهِ . وَهُوَ أَصَحُّ ، وَضَعَّفَ أَبَا جَنَابٍ الْكَلْبِيَّ . 134
قُلْتُ : رِوَايَةُ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهَا انْقِطَاعٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُفَيْلٍ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ ، عَنْ مَسْلَمَةَ الْجُهَنِيِّ ، عَنْ عَمِّهِ - يَعْنِي أَبَا مَشْجَعَةَ بْنَ رِبْعِيٍّ - عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : ذَكَرْنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الزِّيَادَةَ فِي الْعُمْرِ فَقَالَ : ۝ " إِنَّ اللَّهَ لَا يُؤَخِّرُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجْلُهَا ، وَإِنَّمَا الزِّيَادَةُ فِي الْعُمْرِ أَنْ يَرْزُقَ اللَّهُ الْعَبْدَ ذُرِّيَّةً صَالِحَةً يَدْعُونَ لَهُ ، فَيَلْحَقُهُ دُعَاؤُهُمْ فِي قَبْرِهِ "
آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ " الْمُنَافِقُونَ " وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith