تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السابع
444 ( عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ( 5 ) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى ( 6 ) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ( 7 ) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ( 8 ) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ( 9 ) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ( 10 ) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ( 11 ) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى ( 12 ) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ( 13 ) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ( 14 ) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى ( 15 ) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ( 16 ) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ( 17 ) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ( 18 ) ) .
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ عَلَّمَهُ الَّذِي جَاءَ بِهِ إِلَى النَّاسِ ( شَدِيدُ الْقُوَى ) ، وَهُوَ جِبْرِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، كَمَا قَالَ : ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ) [ التَّكْوِيرِ : 19 - 21 ] .
وَقَالَ هَاهُنَا : ( ذُو مِرَّةٍ ) أَيْ : ذُو قُوَّةٍ . قَالَهُ مُجَاهِدٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَابْنُ زَيْدٍ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ذُو مَنْظَرٍ حَسَنٍ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : ذُو خَلْقٍ طَوِيلٍ حَسَنٍ .
وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ ; فَإِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، ذُو مَنْظَرٍ حَسَنٍ ، وَقُوَّةٍ شَدِيدَةٍ . وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ " .
وَقَوْلُهُ : ( فَاسْتَوَى ) يَعْنِي جِبْرِيلَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ . قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ وقَتَادَةُ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ .
( وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ) يَعْنِي جِبْرِيلَ ، اسْتَوَى فِي الْأُفُقِ الْأَعْلَى . قَالَهُ عِكْرِمَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ . قَالَ عِكْرِمَةُ : وَالْأُفُقُ الْأَعْلَى : الَّذِي يَأْتِي مِنْهُ الصُّبْحُ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : هُوَ مَطْلَعُ الشَّمْسِ . وَقَالَ قَتَادَةُ : هُوَ الَّذِي يَأْتِي مِنْهُ النَّهَارُ . وَكَذَا قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، وَغَيْرُهُمْ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا مُصَرِّفُ بْنُ عَمْرٍو الْيَامِيُّ أَبُو الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنِ الْوَلِيدِ - هُوَ ابْنُ قَيْسٍ - عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي الْكَهْتَلَةِ أَظُنُّهُ ذَكَرَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَرَ جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ إِلَّا مَرَّتَيْنِ ، أَمَّا وَاحِدَةٌ فَإِنَّهُ سَأَلَهُ أَنْ يَرَاهُ فِي صُورَتِهِ فَسَدَّ الْأُفُقَ . وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَإِنَّهُ كَانَ مَعَهُ حَيْثُ صَعِدَ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ) .
وَقَدْ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا قَوْلًا لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ ، وَلَا حَكَاهُ هُوَ عَنْ أَحَدٍ وَحَاصِلُهُ : أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْمَعْنَى : ( فَاسْتَوَى ) أَيْ : هَذَا الشَّدِيدُ الْقُوَى ذُو الْمِرَّةِ هُوَ وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ ( بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ) أَيِ : اسْتَوَيَا جَمِيعًا بِالْأُفُقِ ، وَذَلِكَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ كَذَا قَالَ ، وَلَمْ يُوَافِقْهُ أَحَدٌ عَلَى ذَلِكَ . ثُمَّ 445 شَرَعَ يُوَجِّهُ مَا قَالَ مِنْ حَيْثُ الْعَرَبِيَّةُ ، فَقَالَ : وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا ) [ النَّمْلِ : 67 ] ، فَعَطَفَ بِالْآبَاءِ عَلَى الْمُكَنَّى فِي ) كُنَّا ) مِنْ غَيْرِ إِظْهَارِ " نَحْنُ " ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( فَاسْتَوَى وَهُوَ ) قَالَ : وَذَكَرَ الْفَرَّاءُ عَنْ بَعْضِ الْعَرَبِ أَنَّهُ أَنْشَدَهُ :
﴿﴾ أَلَمْ تَرَ أَنَّ النَّبْعَ يَصْلُبُ عُودُهُ ﴿﴾ ﴿﴾ وَلَا يَسْتَوِي وَالْخَرْوَعُ الْمُتَقَصِّفُ ﴿﴾
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مِنْ جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ مُتَّجِهٌ ، وَلَكِنْ لَا يُسَاعِدُهُ الْمَعْنَى عَلَى ذَلِكَ ; فَإِنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ لِجِبْرِيلَ لَمْ تَكُنْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ ، بَلْ قَبْلَهَا ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْأَرْضِ ، فَهَبَطَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَتَدَلَّى إِلَيْهِ ، فَاقْتَرَبَ مِنْهُ وَهُوَ عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا ، لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ ، ثُمَّ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ، يَعْنِي لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ ، وَكَانَتْ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ الْأُولَى فِي أَوَائِلِ الْبَعْثَةِ بَعْدَ مَا جَاءَهُ جِبْرِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَوَّلَ مَرَّةٍ ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ صَدْرَ سُورَةِ " اقْرَأْ " ، ثُمَّ فَتَرَ الْوَحْيُ فَتْرَةً ذَهَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا مِرَارًا لِيَتَرَدَّى مِنْ رُءُوسِ الْجِبَالِ ، فَكُلَّمَا هَمَّ بِذَلِكَ نَادَاهُ جِبْرِيلُ مِنَ الْهَوَاءِ : " يَا مُحَمَّدُ ، أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا ، وَأَنَا جِبْرِيلُ " . فَيَسْكُنُ لِذَلِكَ جَأْشُهُ ، وَتَقَرُّ عَيْنُهُ ، وَكُلَّمَا طَالَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ عَادَ لِمِثْلِهَا حَتَّى تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْأَبْطَحِ فِي صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا ، لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ قَدْ سَدَّ عِظَمُ خَلْقِهِ الْأُفُقَ ، فَاقْتَرَبَ مِنْهُ وَأَوْحَى إِلَيْهِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا أَمَرَهُ بِهِ ، فَعَرَفَ عِنْدَ ذَلِكَ عَظَمَةَ الْمَلَكِ الَّذِي جَاءَهُ بِالرِّسَالَةِ ، وَجَلَالَةَ قَدْرِهِ ، وَعُلُوَّ مَكَانَتِهِ عِنْدَ خَالِقِهِ الَّذِي بَعَثَهُ إِلَيْهِ . فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ حَيْثُ قَالَ :
حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " بَيْنَا أَنَا قَاعِدٌ إِذْ جَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَوَكَزَ بَيْنَ كَتِفِي ، فَقُمْتُ إِلَى شَجَرَةٍ فِيهَا كَوَكْرَيِ الطَّيْرِ ، فَقَعَدَ فِي أَحَدِهِمَا وَقَعَدْتُ فِي الْآخَرِ . فَسَمَتْ وَارْتَفَعَتْ حَتَّى سَدَّتِ الْخَافِقَيْنِ وَأَنَا أُقَلِّبُ طَرْفِي ، وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَمَسَّ السَّمَاءَ لَمَسِسْتُ ، فَالْتَفَتَ إِلَيَّ جِبْرِيلُ كَأَنَّهُ حِلْسٌ لَاطٍ ، فَعَرَفْتُ فَضْلَ عِلْمِهِ بِاللَّهِ عَلَيَّ . وَفُتِحَ لِي بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ وَرَأَيْتُ النُّورَ الْأَعْظَمَ ، وَإِذَا دُونَ الْحِجَابِ رَفْرَفَةُ الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ . وَأُوحِيَ إِلَيَّ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُوحِيَ " .
ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ : لَا يَرْوِيهِ إِلَّا الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ ، وَكَانَ رَجُلًا مَشْهُورًا مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ .
قُلْتُ : الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ هَذَا هُوَ أَبُو قُدَامَةَ الْإِيَادِيُّ ، أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ إِلَّا أَنَّ ابْنَ مَعِينٍ ضَعَّفَهُ ، وَقَالَ : لَيْسَ هُوَ بِشَيْءٍ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : مُضْطَرِبُ الْحَدِيثِ . وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ : كُتِبَ حَدِيثُهُ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ . وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : كَثُرَ وَهْمُهُ فَلَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ إِذَا انْفَرَدَ . فَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَرَائِبِ رِوَايَاتِهِ ، فَإِنَّ فِيهِ نَكَارَةً وَغَرَابَةَ أَلْفَاظٍ وَسِيَاقًا عَجِيبًا ، وَلَعَلَّهُ مَنَامٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ 446 قَالَ : رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ وَلَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ ، كُلُّ جَنَاحٍ مِنْهَا قَدْ سَدَّ الْأُفُقَ ، يَسْقُطُ مِنْ جَنَاحِهِ مِنَ التَّهَاوِيلِ وَالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ . انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ .
وَقَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ إِدْرِيسَ بْنِ مُنَبِّهٍ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : سَأَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جِبْرِيلَ أَنْ يَرَاهُ فِي صُورَتِهِ ، فَقَالَ : ادْعُ رَبَّكَ . فَدَعَا رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، فَطَلَعَ عَلَيْهِ سَوَادٌ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ ، فَجَعَلَ يَرْتَفِعُ وَيَنْتَشِرُ ، فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صُعِقَ ، فَأَتَاهُ فَنَعَشَهُ وَمَسَحَ الْبُزَاقَ عَنْ شِدْقِهِ .
انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ " عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ " ، مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ هَبَّارِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ : كَانَ أَبُو لَهَبٍ وَابْنُهُ عُتْبَةُ قَدْ تَجَهَّزَا إِلَى الشَّامِ ، فَتَجَهَّزْتُ مَعَهُمَا ، فَقَالَ ابْنُهُ عُتْبَةُ : وَاللَّهِ لَأَنْطَلِقَنَّ إِلَى مُحَمَّدٍ وَلَأُوذِيَنَّهُ فِي رَبِّهِ سُبْحَانَهُ ، فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، هُوَ يَكْفُرُ بِالَّذِي دَنَا فَتَدَلَّى ، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى . فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " اللَّهُمَّ ابْعَثْ إِلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِكَ " . ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ فَرَجَعَ إِلَى أَبِيهِ فَقَالَ : يَا بُنَيَّ ، مَا قُلْتَ لَهُ ؟ فَذَكَرَ لَهُ مَا قَالَ لَهُ ، قَالَ : فَمَا قَالَ لَكَ ؟ قَالَ : قَالَ : " اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِكَ " قَالَ : يَا بُنَيَّ وَاللَّهِ مَا آمَنُ عَلَيْكَ دُعَاءَهُ . فَسِرْنَا حَتَّى نَزَلْنَا الشُّرَاةَ ، وَهِيَ مَأْسَدَةٌ ، وَنَزَلْنَا إِلَى صَوْمَعَةِ رَاهِبٍ ، فَقَالَ الرَّاهِبُ : يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ ، مَا أَنْزَلَكُمْ هَذِهِ الْبِلَادَ فَإِنَّهَا تَسْرَحُ الْأُسْدُ فِيهَا كَمَا تَسْرَحُ الْغَنَمُ ؟ فَقَالَ لَنَا أَبُو لَهَبٍ : إِنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمْ كِبَرَ سِنِّي وَحَقِّي ، وَإِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ دَعَا عَلَى ابْنِي دَعْوَةً - وَاللَّهِ - مَا آمَنُهَا عَلَيْهِ ، فَاجْمَعُوا مَتَاعَكُمْ إِلَى هَذِهِ الصَّوْمَعَةِ ، وَافْرِشُوا لِابْنِي عَلَيْهَا ، ثُمَّ افْرِشُوا حَوْلَهَا . فَفَعَلْنَا ، فَجَاءَ الْأَسَدُ فَشَمَّ وُجُوهَنَا ، فَلَمَّا لَمْ يَجِدُ مَا يُرِيدُ تَقَبَّضَ ، فَوَثَبَ ، فَإِذَا هُوَ فَوْقَ الْمَتَاعِ ، فَشَمَّ وَجْهَهُ ثُمَّ هَزَمَهُ هَزْمَةً فَفَضَخَ رَأْسَهُ . فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ : قَدْ عَرَفْتُ أَنَّهُ لَا يَنْفَلِتُ عَنْ دَعْوَةِ مُحَمَّدٍ .
وَقَوْلُهُ : ( فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ) أَيْ : فَاقْتَرَبَ جِبْرِيلُ إِلَى مُحَمَّدٍ لَمَّا هَبَطَ عَلَيْهِ إِلَى الْأَرْضِ حَتَّى كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَابُ قَوْسَيْنِ أَيْ : بِقَدْرِهِمَا إِذَا مُدَّا . قَالَهُ مُجَاهِدٌ ، وقَتَادَةُ .
وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ بُعْدُ مَا بَيْنَ وَتَرِ الْقَوْسِ إِلَى كَبِدِهَا .
وَقَوْلُهُ : ( أَوْ أَدْنَى ) قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ تُسْتَعْمَلُ فِي اللُّغَةِ لِإِثْبَاتِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ وَنَفْيِ مَا زَادَ عَلَيْهِ ، كَقَوْلِهِ : ( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ) [ الْبَقَرَةِ : 74 ] ، أَيْ : مَا هِيَ بِأَلْيَنَ مِنَ الْحِجَارَةِ ، بَلْ هِيَ مِثْلُهَا أَوْ تَزِيدُ عَلَيْهَا فِي الشِّدَّةِ وَالْقَسْوَةِ . وَكَذَا قَوْلُهُ : ( يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ) [ النِّسَاءِ : 77 ] ، وَقَوْلُهُ : ( وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ) [ الصَّافَّاتِ : 147 ] ، 447 أَيْ : لَيْسُوا أَقَلَّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِائَةُ أَلْفٍ حَقِيقَةً ، أَوْ يَزِيدُونَ عَلَيْهَا . فَهَذَا تَحْقِيقٌ لِلْمُخْبَرِ بِهِ لَا شَكَّ وَلَا تَرَدُّدَ ، فَإِنَّ هَذَا مُمْتَنِعٌ هَاهُنَا ، وَهَكَذَا هَذِهِ الْآيَةُ : ( فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ) .
وَهَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ هَذَا الْمُقْتَرِبَ الدَّانِيَ الَّذِي صَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، هُوَ قَوْلُ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي ذَرٍّ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، كَمَا سَنُورِدُ أَحَادِيثَهُمْ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : " رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ " . فَجَعَلَ هَذِهِ إِحْدَاهُمَا . وَجَاءَ فِي حَدِيثِ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ ، عَنْ أَنَسٍ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ : " ثُمَّ دَنَا الْجَبَّارُ رَبُّ الْعِزَّةِ فَتَدَلَّى " وَلِهَذَا تَكَلَّمَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي مَتْنِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ فِيهَا مِنَ الْغَرَابَةِ ، فَإِنْ صَحَّ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى وَقْتٍ آخَرَ وَقِصَّةٍ أُخْرَى ، لَا أَنَّهَا تَفْسِيرٌ لِهَذِهِ الْآيَةِ ; فَإِنَّ هَذِهِ كَانَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْأَرْضِ لَا لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ ; وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ : ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ) ، فَهَذِهِ هِيَ لَيْلَةُ الْإِسْرَاءِ وَالْأُولَى كَانَتْ فِي الْأَرْضِ .
وَقَدْ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ ، حَدَّثَنَا زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : ( فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ) ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " رَأَيْتُ جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ " .
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ أَوَّلُ شَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ رَأَى فِي مَنَامِهِ جِبْرِيلَ بِأَجْيَادٍ ، ثُمَّ إِنَّهُ خَرَجَ لِيَقْضِيَ حَاجَتَهُ فَصَرَخَ بِهِ جِبْرِيلُ : يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ . فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمِينًا وَشِمَالًا فَلَمْ يَرَ شَيْئًا - ثَلَاثًا - ثُمَّ رَفَعَ بَصَرَهُ فَإِذَا هُوَ ثَانٍ إِحْدَى رِجْلَيْهِ مَعَ الْأُخْرَى عَلَى أُفُقِ السَّمَاءِ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، جِبْرِيلُ ، جِبْرِيلُ - يُسَكِّنُهُ - فَهَرَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى دَخَلَ فِي النَّاسِ ، فَنَظَرَ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ النَّاسِ ، ثُمَّ نَظَرَ فَرَآهُ ، فَدَخَلَ فِي النَّاسِ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا ، ثُمَّ خَرَجَ فَنَظَرَ فَرَآهُ ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى [ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ] ) إِلَى قَوْلِهِ : ( ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ) يَعْنِي جِبْرِيلُ إِلَى مُحَمَّدٍ ، ( فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ) : وَيَقُولُونَ : الْقَابُ نِصْفُ الْأُصْبُعِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : ذِرَاعَيْنِ كَانَ بَيْنَهُمَا .
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ . وَفِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ جَابِرٍ شَاهِدٌ لِهَذَا .
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ طَلْقِ بْنِ غَنَّامٍ ، عَنْ زَائِدَةَ ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ : سَأَلْتُ زِرًّا عَنْ قَوْلِهِ : 448 ( فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ) قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَنَّ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي ابْنُ بَزِيعٍ الْبَغْدَادِيُّ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ : ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) قَالَ : رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جِبْرِيلَ عَلَيْهِ حُلَّتَا رَفْرَفٍ ، قَدْ مَلَأَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ .
فَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ يَكُونُ قَوْلُهُ : ( فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ) مَعْنَاهُ : فَأَوْحَى جِبْرِيلُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ مَا أَوْحَى . أَوْ : فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى عَبْدِهِ مُحَمَّدٍ مَا أَوْحَى بِوَاسِطَةِ جِبْرِيلَ وَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ صَحِيحٌ ، وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ : ( فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ) ، قَالَ : أَوْحَى إِلَيْهِ : " أَلَمْ أَجِدْكَ يَتِيمًا " ( ، وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) [ الشَّرْحِ : 4 ] .
وَقَالَ غَيْرُهُ : أَوْحَى [ اللَّهُ ] إِلَيْهِ أَنَّ الْجَنَّةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ حَتَّى تَدْخُلَهَا ، وَعَلَى الْأُمَمِ حَتَّى تَدْخُلَهَا أُمَّتُكَ .
وَقَوْلُهُ : ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى ) قَالَ مُسْلِمٌ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ حُصَيْنٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) ، ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ) قَالَ : رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ .
وَكَذَا رَوَاهُ سِمَاكٌ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، مِثْلَهُ . وَكَذَا قَالَ أَبُو صَالِحٍ وَالسُّدِّيُّ وَغَيْرُهُمَا : إِنَّهُ رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ [ أَوْ مَرَّةً ] ، وَقَدْ خَالَفَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ ، وَفِي رِوَايَةِ عَنْهُ أَنَّهُ أَطْلَقَ الرُّؤْيَةَ ، وَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْمُقَيَّدَةِ بِالْفُؤَادِ . وَمَنْ رَوَى عَنْهُ بِالْبَصَرِ فَقَدْ أَغْرَبَ ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ عَنِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَقَوْلُ الْبَغَوِيِّ فِي تَفْسِيرِهِ : وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ رَآهُ بِعَيْنِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَنَسٍ وَالْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ . فِيهِ نَظَرٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نَبْهَانَ بْنِ صَفْوَانَ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ الْعَنْبَرِيُّ ، عَنْ سَلْمِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ . قُلْتُ : أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ : ( لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ) [ الْأَنْعَامِ : 103 ] قَالَ : وَيْحَكَ ! ذَاكَ إِذَا تَجَلَّى بِنُورِهِ الَّذِي هُوَ نُورُهُ ، وَقَدْ رَأَى رَبَّهُ مَرَّتَيْنِ .
449 ثُمَّ قَالَ : حَسَنٌ غَرِيبٌ .
وَقَالَ أَيْضًا : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مَجَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : لَقِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَعْبًا بِعَرَفَةَ ، فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ فَكَبَّرَ حَتَّى جَاوَبَتْهُ الْجِبَالُ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنَّا بَنُو هَاشِمٍ فَقَالَ كَعْبٌ : إِنَّ اللَّهَ قَسَّمَ رُؤْيَتَهُ وَكَلَامَهُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَمُوسَى ، فَكَلَّمَ مُوسَى مَرَّتَيْنِ وَرَآهُ مُحَمَّدٌ مَرَّتَيْنِ . وَقَالَ مَسْرُوقٌ : دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ : هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ ؟ فَقَالَتْ : لَقَدْ تَكَلَّمْتَ بِشَيْءٍ قَفَّ لَهُ شَعْرِي . فَقُلْتُ : رُوَيْدًا ، ثُمَّ قَرَأْتُ : ( لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى )
فَقَالَتْ : أَيْنَ يُذْهَبُ بِكَ ؟ إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ ، مَنْ أَخْبَرَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ أَوْ كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أُمِرَ بِهِ ، أَوْ يَعْلَمُ الْخَمْسَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ ) [ لُقْمَانَ : 34 ] ، فَقَدْ أَعْظَمَ الْفِرْيَةَ ، وَلَكِنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ ، لَمْ يَرَهُ فِي صُورَتِهِ إِلَّا مَرَّتَيْنِ ، مَرَّةً عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَمَرَّةً فِي جِيَادٍ ، وَلَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ قَدْ سَدَّ الْأُفُقَ .
وَقَالَ النَّسَائِيُّ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَتَعْجَبُونَ أَنْ تَكُونَ الْحُلَّةُ لِإِبْرَاهِيمَ ، وَالْكَلَامُ لِمُوسَى ، وَالرُّؤْيَةُ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ؟ ! .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ ؟ فَقَالَ : " نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ " . وَفِي رِوَايَةٍ : " رَأَيْتُ نُورًا " .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، رَأَيْتَ رَبَّكَ ؟ قَالَ : " رَأَيْتُهُ بِفُؤَادِي مَرَّتَيْنِ " ثُمَّ قَرَأَ : ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) .
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنِ ابْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ مِهْرَانَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ ؟ قَالَ : " لَمْ أَرَهُ بِعَيْنِي ، وَرَأَيْتُهُ بِفُؤَادِي مَرَّتَيْنِ " ثُمَّ تَلَا ( ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ) .
450 ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ ، أَخْبَرَنِي عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ : سَأَلْتُ عِكْرِمَةَ : ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) ، فَقَالَ عِكْرِمَةُ : تُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَكَ أَنَّهُ قَدْ رَآهُ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : قَدْ رَآهُ ، ثُمَّ قَدْ رَآهُ . قَالَ : فَسَأَلْتُ عَنْهُ الْحَسَنَ فَقَالَ : رَأَى جَلَالَهُ وَعَظَمَتَهُ وَرِدَاءَهُ .
وَحَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُجَاهِدٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ، أَخْبَرَنَا أَبُو خَلَدَةَ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ ؟ قَالَ : " رَأَيْتُ نَهْرًا ، وَرَأَيْتُ وَرَاءَ النَّهْرِ حِجَابًا ، وَرَأَيْتُ وَرَاءَ الْحِجَابِ نُورًا لَمْ أَرَ غَيْرَ " .
وَذَلِكَ غَرِيبٌ جِدًّا ، فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " رَأَيْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ " .
فَإِنَّهُ حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ ، لَكِنَّهُ مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثِ الْمَنَامِ كَمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا :
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " أَتَانِي رَبِّي اللَّيْلَةَ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ - أَحْسَبُهُ يَعْنِي فِي النَّوْمِ - فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، أَتَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى ؟ " قَالَ : " قُلْتُ : لَا . فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْيَيَّ - أَوْ قَالَ : نَحْرِي - فَعَلِمْتُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى ؟ " قَالَ : " قُلْتُ : نَعَمْ ، يَخْتَصِمُونَ فِي الْكَفَّارَاتِ وَالدَّرَجَاتِ " . قَالَ : " وَمَا الْكَفَّارَاتُ وَالدَّرَجَاتُ ؟ " قَالَ : " قُلْتُ : الْمُكْثُ فِي الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ ، وَالْمَشْيُ عَلَى الْأَقْدَامِ إِلَى الْجُمُعَاتِ ، وَإِبْلَاغُ الْوُضُوءِ فِي الْمَكَارِهِ ، مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَاشَ بِخَيْرٍ وَمَاتَ بِخَيْرٍ ، وَكَانَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ . وَقَالَ : قُلْ يَا مُحَمَّدُ إِذَا صَلَّيْتَ : اللَّهُمَّ ، إِنِّي أَسْأَلُكَ الْخَيِّرَاتِ وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ ، وَإِذَا أَرَدْتَ بِعِبَادِكَ فِتْنَةً أَنْ تَقْبِضَنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ " . قَالَ : " وَالدَّرَجَاتُ بَذْلُ الطَّعَامِ ، وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ ، وَالصَّلَاةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسِ نِيَامٌ " .
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخِرِ سُورَةِ " ص " ، عَنْ مُعَاذٍ نَحْوُهُ . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَفِيهِ سِيَاقٌ آخَرُ وَزِيَادَةٌ غَرِيبَةٌ فَقَالَ :
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى التَّمِيمِيُّ ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَيَّارٍ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَرْبِيٍّ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " رَأَيْتُ رَبِّي فِي 451 أَحْسَنِ صُورَةٍ فَقَالَ لِي : يَا مُحَمَّدُ ، هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى ؟ فَقُلْتُ : لَا يَا رَبِّ . فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ فَوَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْيَيَّ ، فَعَلِمْتُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، فَقُلْتُ : يَا رَبِّ ، فِي الدَّرَجَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ ، وَنَقْلِ الْأَقْدَامِ إِلَى الْجُمُعَاتِ ، وَانْتِظَارِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ . فَقُلْتُ : يَا رَبِّ إِنَّكَ اتَّخَذْتَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَكَلَّمْتَ مُوسَى تَكْلِيمًا ، وَفَعَلْتَ وَفَعَلْتَ ، فَقَالَ : أَلَمْ أَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ؟ أَلَمْ أَضَعْ عَنْكَ وِزْرَكَ ؟ أَلَمْ أَفْعَلْ بِكَ ؟ أَلَمْ أَفْعَلْ ؟ قَالَ : " فَأَفْضَى إِلَيَّ بِأَشْيَاءَ لَمْ يُؤْذَنْ لِي أَنْ أُحَدِّثَكُمُوهَا " قَالَ : " فَذَاكَ قَوْلُهُ فِي كِتَابِهِ : ( ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) ، فَجَعَلَ نُورَ بَصَرِي فِي فُؤَادِي ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ بِفُؤَادِي " . إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ .
وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ بِسَنَدِهِ إِلَى هَبَّارِ بْنِ الْأَسْوَدِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ; أَنَّ عُتْبَةَ بْنَ أَبِي لَهَبٍ لَمَّا خَرَجَ فِي تِجَارَةٍ إِلَى الشَّامِ قَالَ لِأَهْلِ مَكَّةَ : اعْلَمُوا أَنِّي كَافِرٌ بِالَّذِي دَنَا فَتَدَلَّى . فَبَلَغَ قَوْلُهُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : " سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِهِ " . قَالَ هَبَّارٌ : فَكُنْتُ مَعَهُمْ ، فَنَزَلْنَا بِأَرْضٍ كَثِيرَةٍ الْأُسْدِ ، قَالَ : فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْأَسَدَ جَاءَ فَجَعَلَ يَشُمُّ رُءُوسَ الْقَوْمِ وَاحِدًا وَاحِدًا ، حَتَّى تَخَطَّى إِلَى عُتْبَةَ فَاقْتَطَعَ رَأْسَهُ مِنْ بَيْنِهِمْ .
وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ فِي السِّيرَةِ : أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِأَرْضِ الزَّرْقَاءِ ، وَقِيلَ : بِالسَّرَاةِ ، وَأَنَّهُ خَافَ لَيْلَتَئِذٍ ، وَأَنَّهُمْ جَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ وَنَامُوا مِنْ حَوْلِهِ ، فَجَاءَ الْأَسَدُ فَجَعَلَ يَزْأَرُ ، ثُمَّ تَخَطَّاهُمْ إِلَيْهِ فَضَغَمَ رَأْسَهُ ، لَعَنَهُ اللَّهُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى ) ، هَذِهِ هِيَ الْمَرَّةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا جِبْرِيلَ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا ، وَكَانَتْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ . وَقَدْ قَدَّمْنَا الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي الْإِسْرَاءِ بِطُرُقِهَا وَأَلْفَاظِهَا فِي أَوَّلِ سُورَةِ " سُبْحَانَ " بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، كَانَ يُثْبِتُ الرُّؤْيَةَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ ، وَيَسْتَشْهِدُ بِهَذِهِ الْآيَةِ . وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ، وَقَدْ خَالَفَهُ جَمَاعَاتٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ) ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " رَأَيْتُ جِبْرِيلَ وَلَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ ، يَنْتَثِرُ مِنْ رِيشِهِ التَّهَاوِيلُ : الدُّرُّ وَالْيَاقُوتُ " . وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ قَوِيٌّ .
وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ جَامِعِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، 452 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ وَلَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ ، كُلُّ جَنَاحٍ مِنْهَا قَدْ سَدَّ الْأُفُقَ : يَسْقُطُ مِنْ جَنَاحِهِ مِنَ التَّهَاوِيلِ وَالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ " . إِسْنَادُهُ حَسَنٌ أَيْضًا .
وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا : حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ ، حَدَّثَنِي حُسَيْنٌ ، حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ بَهْدَلَةَ قَالَ : سَمِعْتُ شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ يَقُولُ : سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ قَالَ : رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " رَأَيْتُ جِبْرِيلَ عَلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَلَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ " سَأَلْتُ عَاصِمًا عَنِ الْأَجْنِحَةِ فَأَبَى أَنْ يُخْبِرَنِي . قَالَ : فَأَخْبَرَنِي بَعْضُ أَصْحَابِهِ أَنَّ الْجَنَاحَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ . وَهَذَا أَيْضًا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ .
وَقَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ ، حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ بَهْدَلَةَ ، حَدَّثَنِي شَقِيقٌ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فِي خَضِرٍ مُعَلَّقٍ بِهِ الدُّرُّ " . إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ أَيْضًا .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا عَامِرٌ قَالَ : أَتَى مَسْرُوقٌ عَائِشَةَ فَقَالَ : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ، هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ؟ قَالَتْ : سُبْحَانَ اللَّهِ لَقَدْ قَفَّ شَعْرِي لِمَا قُلْتَ ، أَيْنَ أَنْتَ مِنْ ثَلَاثٍ مَنْ حَدَّثَكَهُنَّ فَقَدْ كَذَبَ : مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ ، ثُمَّ قَرَأَتْ : ( لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ) [ الْأَنْعَامِ : 103 ] ، ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ) [ الشُّورَى : 51 ] ، وَمَنْ أَخْبَرَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فَقَدْ كَذَبَ ، ثُمَّ قَرَأَتْ : ( إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ) الْآيَةَ [ لُقْمَانَ : 34 ] ، وَمَنْ أَخْبَرَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ كَتَمَ ، فَقَدْ كَذَبَ ، ثُمَّ قَرَأَتْ : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) [ الْمَائِدَةِ : 67 ] ، وَلَكِنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ مَرَّتَيْنِ .
وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ عَائِشَةَ فَقُلْتُ : أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ : ( وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ) [ التَّكْوِيرِ : 23 ] ، ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ) فَقَالَتْ : أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهَا ، فَقَالَ : " إِنَّمَا ذَاكَ جِبْرِيلُ " . لَمْ يَرَهُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا إِلَّا مَرَّتَيْنِ ، رَآهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ .
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، مِنْ حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ بِهِ .
رِوَايَةُ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ 453 قَالَ : قُلْتُ لِأَبِي ذَرٍّ : لَوْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَسَأَلْتُهُ . قَالَ : وَمَا كُنْتَ تَسْأَلُهُ ؟ قَالَ : كُنْتُ أَسْأَلُهُ : هَلْ رَأَى رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ؟ فَقَالَ : إِنِّي قَدْ سَأَلْتُهُ فَقَالَ : " قَدْ رَأَيْتُهُ ، نُورًا أَنَّى أَرَاهُ " .
هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقَيْنِ بِلَفْظَيْنِ فَقَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ ؟ فَقَالَ : " نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ " .
وَقَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ : قُلْتُ لِأَبِي ذَرٍّ : لَوْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَسَأَلْتُهُ . فَقَالَ : عَنْ أَيِّ شَيْءٍ كُنْتَ تَسْأَلُهُ ؟ قَالَ : قُلْتُ : كُنْتُ أَسْأَلُهُ : هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ ؟ قَالَ أَبُو ذَرٍّ : قَدْ سَأَلْتُ فَقَالَ : " رَأَيْتُ نُورًا " .
وَقَدْ حَكَى الْخَلَّالُ فِي " عِلَلِهِ " أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ : مَا زِلْتُ مُنْكِرًا لَهُ ، وَمَا أَدْرِي مَا وَجْهُهُ .
وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ الْوَاسِطِيُّ ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : رَآهُ بِقَلْبِهِ ، وَلَمْ يَرَهُ بِعَيْنِهِ .
وَحَاوَلَ ابْنُ خُزَيْمَةَ أَنْ يَدَّعِيَ انْقِطَاعَهُ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ وَبَيْنَ أَبِي ذَرٍّ ، وَأَمَّا ابْنُ الْجَوْزِيِّ فَتَأَوَّلَهُ عَلَى أَنَّ أَبَا ذَرٍّ لَعَلَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ الْإِسْرَاءِ ، فَأَجَابَهُ بِمَا أَجَابَهُ بِهِ ، وَلَوْ سَأَلَهُ بَعْدَ الْإِسْرَاءِ لَأَجَابَهُ بِالْإِثْبَاتِ . وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا ، فَإِنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، قَدْ سَأَلَتْ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ الْإِسْرَاءِ ، وَلَمْ يُثْبِتْ لَهَا الرُّؤْيَةَ . وَمَنْ قَالَ : إِنَّهُ خَاطَبَهَا عَلَى قَدْرِ عَقْلِهَا ، أَوْ حَاوَلَ تَخْطِئَتَهَا فِيمَا ذَهَبَتْ إِلَيْهِ - كَابْنِ خُزَيْمَةَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ - فَإِنَّهُ هُوَ الْمُخْطِئُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ النَّسَائِيُّ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شَرِيكٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَبَّهُ بِقَلْبِهِ ، وَلَمْ يَرَهُ بِبَصَرِهِ .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَطَاءٍ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ : ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ) ، قَالَ : رَأَى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ : ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ) قَالَ : رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ مَرَّتَيْنِ ، وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَغَيْرُهُمْ .
454 وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ) : قَدْ تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْإِسْرَاءِ أَنَّهُ غَشِيَتْهَا الْمَلَائِكَةُ مِثْلَ الْغِرْبَانِ ، وَغَشِيَهَا نُورُ الرَّبِّ ، وَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ مَا أَدْرِي مَا هِيَ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ عَدِيٍّ ، عَنْ طَلْحَةَ ، عَنْ مُرَّةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ - قَالَ : لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْتُهِيَ بِهِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ، وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ ، إِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُعْرَجُ بِهِ مِنَ الْأَرْضِ فَيُقْبَضُ مِنْهَا ، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يَهْبِطُ مِنْ فَوْقِهَا فَيُقْبَضُ مِنْهَا ، ( إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ) قَالَ : فِرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ ، قَالَ : وَأُعْطِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثًا : أُعْطِيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ ، وَأُعْطِيَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، وَغُفِرَ لِمَنْ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا مِنْ أُمَّتِهِ الْمُقْحَمَاتُ . انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ .
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ غَيْرِهِ - شَكَّ أَبُو جَعْفَرٍ - قَالَ : لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ انْتَهَى إِلَى السِّدْرَةِ ، فَقِيلَ لَهُ : هَذِهِ السِّدْرَةُ [ قَالَ ] : فَغَشِيَهَا نُورُ الْخَلَّاقِ ، وَغَشِيَتْهَا الْمَلَائِكَةُ مِثْلَ الْغِرْبَانِ حِينَ يَقَعْنَ عَلَى الشَّجَرِ ، قَالَ : فَكَلَّمَهُ عِنْدَ ذَلِكَ ، فَقَالَ لَهُ : سَلْ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ) قَالَ : كَانَ أَغْصَانُ السِّدْرَةِ لُؤْلُؤًا وَيَاقُوتًا وَزَبَرْجَدًا ، فَرَآهَا مُحَمَّدٌ ، وَرَأَى رَبَّهُ بِقَلْبِهِ .
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ شَيْءٍ رَأَيْتَ يَغْشَى تِلْكَ السِّدْرَةَ ؟ قَالَ : " رَأَيْتُ يَغْشَاهَا فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ ، وَرَأَيْتُ عَلَى كُلِّ وَرَقَةٍ مِنْ وَرَقِهَا مَلَكًا قَائِمًا يُسَبِّحُ اللَّهَ ، عَزَّ وَجَلَّ " .
وَقَوْلُهُ : ( مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَا ذَهَبَ يَمِينًا وَلَا شَمَالًا ( وَمَا طَغَى ) مَا جَاوَزَ مَا أُمِرَ بِهِ .
وَهَذِهِ صِفَةٌ عَظِيمَةٌ فِي الثَّبَاتِ وَالطَّاعَةِ ، فَإِنَّهُ مَا فَعَلَ إِلَّا مَا أُمِرَ بِهِ ، وَلَا سَأَلَ فَوْقَ مَا أُعْطِيَ . وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ النَّاظِمُ :
﴿﴾ رَأَى جَنَّةَ الْمَأْوَى وَمَا فَوْقَهَا ، وَلَوْ ﴿﴾ ﴿﴾ رَأَى غَيْرُهُ مَا قَدْ رَآهُ لَتَاهَا ﴿﴾
وَقَوْلُهُ : ( لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ) ، كَقَوْلِهِ : ( لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا ) [ طه : 23 ] أَيِ : الدَّالَةُ عَلَى قُدْرَتِنَا وَعَظَمَتِنَا . وَبِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ اسْتَدَلَّ مَنْ ذَهَبَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الرُّؤْيَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ لَمْ تَقَعْ ; لِأَنَّهُ قَالَ : ( لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ) ، وَلَوْ كَانَ رَأَى رَبَّهُ لَأَخْبَرَ بِذَلِكَ وَلَقَالَ ذَلِكَ لِلنَّاسِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ " سُبْحَانَ " وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي الْكَهْتَلَةِ 455 قَالَ مُحَمَّدٌ : أَظُنُّهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَرَ جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ إِلَّا مَرَّتَيْنِ ، أَمَّا مَرَّةٌ فَإِنَّهُ سَأَلَهُ أَنْ يُرِيَهُ نَفْسَهُ فِي صُورَتِهِ ، فَأَرَاهُ صُورَتَهُ فَسَدَّ الْأُفُقَ . وَأَمَّا الْأُخْرَى فَإِنَّهُ صَعِدَ مَعَهُ حِينَ صَعِدَ بِهِ . وَقَوْلُهُ : ( وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ) قَالَ : فَلَمَّا أَحَسَّ جِبْرِيلُ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، عَادَ فِي صُورَتِهِ وَسَجَدَ . فَقَوْلُهُ : ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ) قَالَ : خَلْقَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ .
هَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَهُوَ غَرِيبٌ .
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ عَلَّمَهُ الَّذِي جَاءَ بِهِ إِلَى النَّاسِ ( شَدِيدُ الْقُوَى ) ، وَهُوَ جِبْرِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، كَمَا قَالَ : ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ) [ التَّكْوِيرِ : 19 - 21 ] .
وَقَالَ هَاهُنَا : ( ذُو مِرَّةٍ ) أَيْ : ذُو قُوَّةٍ . قَالَهُ مُجَاهِدٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَابْنُ زَيْدٍ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ذُو مَنْظَرٍ حَسَنٍ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : ذُو خَلْقٍ طَوِيلٍ حَسَنٍ .
وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ ; فَإِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، ذُو مَنْظَرٍ حَسَنٍ ، وَقُوَّةٍ شَدِيدَةٍ . وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ " .
وَقَوْلُهُ : ( فَاسْتَوَى ) يَعْنِي جِبْرِيلَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ . قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ وقَتَادَةُ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ .
( وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ) يَعْنِي جِبْرِيلَ ، اسْتَوَى فِي الْأُفُقِ الْأَعْلَى . قَالَهُ عِكْرِمَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ . قَالَ عِكْرِمَةُ : وَالْأُفُقُ الْأَعْلَى : الَّذِي يَأْتِي مِنْهُ الصُّبْحُ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : هُوَ مَطْلَعُ الشَّمْسِ . وَقَالَ قَتَادَةُ : هُوَ الَّذِي يَأْتِي مِنْهُ النَّهَارُ . وَكَذَا قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، وَغَيْرُهُمْ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا مُصَرِّفُ بْنُ عَمْرٍو الْيَامِيُّ أَبُو الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنِ الْوَلِيدِ - هُوَ ابْنُ قَيْسٍ - عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي الْكَهْتَلَةِ أَظُنُّهُ ذَكَرَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَرَ جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ إِلَّا مَرَّتَيْنِ ، أَمَّا وَاحِدَةٌ فَإِنَّهُ سَأَلَهُ أَنْ يَرَاهُ فِي صُورَتِهِ فَسَدَّ الْأُفُقَ . وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَإِنَّهُ كَانَ مَعَهُ حَيْثُ صَعِدَ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ) .
وَقَدْ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا قَوْلًا لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ ، وَلَا حَكَاهُ هُوَ عَنْ أَحَدٍ وَحَاصِلُهُ : أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْمَعْنَى : ( فَاسْتَوَى ) أَيْ : هَذَا الشَّدِيدُ الْقُوَى ذُو الْمِرَّةِ هُوَ وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ ( بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ) أَيِ : اسْتَوَيَا جَمِيعًا بِالْأُفُقِ ، وَذَلِكَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ كَذَا قَالَ ، وَلَمْ يُوَافِقْهُ أَحَدٌ عَلَى ذَلِكَ . ثُمَّ 445 شَرَعَ يُوَجِّهُ مَا قَالَ مِنْ حَيْثُ الْعَرَبِيَّةُ ، فَقَالَ : وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا ) [ النَّمْلِ : 67 ] ، فَعَطَفَ بِالْآبَاءِ عَلَى الْمُكَنَّى فِي ) كُنَّا ) مِنْ غَيْرِ إِظْهَارِ " نَحْنُ " ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( فَاسْتَوَى وَهُوَ ) قَالَ : وَذَكَرَ الْفَرَّاءُ عَنْ بَعْضِ الْعَرَبِ أَنَّهُ أَنْشَدَهُ :
﴿﴾ أَلَمْ تَرَ أَنَّ النَّبْعَ يَصْلُبُ عُودُهُ ﴿﴾ ﴿﴾ وَلَا يَسْتَوِي وَالْخَرْوَعُ الْمُتَقَصِّفُ ﴿﴾
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مِنْ جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ مُتَّجِهٌ ، وَلَكِنْ لَا يُسَاعِدُهُ الْمَعْنَى عَلَى ذَلِكَ ; فَإِنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ لِجِبْرِيلَ لَمْ تَكُنْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ ، بَلْ قَبْلَهَا ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْأَرْضِ ، فَهَبَطَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَتَدَلَّى إِلَيْهِ ، فَاقْتَرَبَ مِنْهُ وَهُوَ عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا ، لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ ، ثُمَّ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ، يَعْنِي لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ ، وَكَانَتْ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ الْأُولَى فِي أَوَائِلِ الْبَعْثَةِ بَعْدَ مَا جَاءَهُ جِبْرِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَوَّلَ مَرَّةٍ ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ صَدْرَ سُورَةِ " اقْرَأْ " ، ثُمَّ فَتَرَ الْوَحْيُ فَتْرَةً ذَهَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا مِرَارًا لِيَتَرَدَّى مِنْ رُءُوسِ الْجِبَالِ ، فَكُلَّمَا هَمَّ بِذَلِكَ نَادَاهُ جِبْرِيلُ مِنَ الْهَوَاءِ : " يَا مُحَمَّدُ ، أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا ، وَأَنَا جِبْرِيلُ " . فَيَسْكُنُ لِذَلِكَ جَأْشُهُ ، وَتَقَرُّ عَيْنُهُ ، وَكُلَّمَا طَالَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ عَادَ لِمِثْلِهَا حَتَّى تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْأَبْطَحِ فِي صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا ، لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ قَدْ سَدَّ عِظَمُ خَلْقِهِ الْأُفُقَ ، فَاقْتَرَبَ مِنْهُ وَأَوْحَى إِلَيْهِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا أَمَرَهُ بِهِ ، فَعَرَفَ عِنْدَ ذَلِكَ عَظَمَةَ الْمَلَكِ الَّذِي جَاءَهُ بِالرِّسَالَةِ ، وَجَلَالَةَ قَدْرِهِ ، وَعُلُوَّ مَكَانَتِهِ عِنْدَ خَالِقِهِ الَّذِي بَعَثَهُ إِلَيْهِ . فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ حَيْثُ قَالَ :
حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " بَيْنَا أَنَا قَاعِدٌ إِذْ جَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَوَكَزَ بَيْنَ كَتِفِي ، فَقُمْتُ إِلَى شَجَرَةٍ فِيهَا كَوَكْرَيِ الطَّيْرِ ، فَقَعَدَ فِي أَحَدِهِمَا وَقَعَدْتُ فِي الْآخَرِ . فَسَمَتْ وَارْتَفَعَتْ حَتَّى سَدَّتِ الْخَافِقَيْنِ وَأَنَا أُقَلِّبُ طَرْفِي ، وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَمَسَّ السَّمَاءَ لَمَسِسْتُ ، فَالْتَفَتَ إِلَيَّ جِبْرِيلُ كَأَنَّهُ حِلْسٌ لَاطٍ ، فَعَرَفْتُ فَضْلَ عِلْمِهِ بِاللَّهِ عَلَيَّ . وَفُتِحَ لِي بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ وَرَأَيْتُ النُّورَ الْأَعْظَمَ ، وَإِذَا دُونَ الْحِجَابِ رَفْرَفَةُ الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ . وَأُوحِيَ إِلَيَّ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُوحِيَ " .
ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ : لَا يَرْوِيهِ إِلَّا الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ ، وَكَانَ رَجُلًا مَشْهُورًا مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ .
قُلْتُ : الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ هَذَا هُوَ أَبُو قُدَامَةَ الْإِيَادِيُّ ، أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ إِلَّا أَنَّ ابْنَ مَعِينٍ ضَعَّفَهُ ، وَقَالَ : لَيْسَ هُوَ بِشَيْءٍ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : مُضْطَرِبُ الْحَدِيثِ . وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ : كُتِبَ حَدِيثُهُ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ . وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : كَثُرَ وَهْمُهُ فَلَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ إِذَا انْفَرَدَ . فَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَرَائِبِ رِوَايَاتِهِ ، فَإِنَّ فِيهِ نَكَارَةً وَغَرَابَةَ أَلْفَاظٍ وَسِيَاقًا عَجِيبًا ، وَلَعَلَّهُ مَنَامٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ 446 قَالَ : رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ وَلَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ ، كُلُّ جَنَاحٍ مِنْهَا قَدْ سَدَّ الْأُفُقَ ، يَسْقُطُ مِنْ جَنَاحِهِ مِنَ التَّهَاوِيلِ وَالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ . انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ .
وَقَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ إِدْرِيسَ بْنِ مُنَبِّهٍ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : سَأَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جِبْرِيلَ أَنْ يَرَاهُ فِي صُورَتِهِ ، فَقَالَ : ادْعُ رَبَّكَ . فَدَعَا رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، فَطَلَعَ عَلَيْهِ سَوَادٌ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ ، فَجَعَلَ يَرْتَفِعُ وَيَنْتَشِرُ ، فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صُعِقَ ، فَأَتَاهُ فَنَعَشَهُ وَمَسَحَ الْبُزَاقَ عَنْ شِدْقِهِ .
انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ " عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ " ، مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ هَبَّارِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ : كَانَ أَبُو لَهَبٍ وَابْنُهُ عُتْبَةُ قَدْ تَجَهَّزَا إِلَى الشَّامِ ، فَتَجَهَّزْتُ مَعَهُمَا ، فَقَالَ ابْنُهُ عُتْبَةُ : وَاللَّهِ لَأَنْطَلِقَنَّ إِلَى مُحَمَّدٍ وَلَأُوذِيَنَّهُ فِي رَبِّهِ سُبْحَانَهُ ، فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، هُوَ يَكْفُرُ بِالَّذِي دَنَا فَتَدَلَّى ، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى . فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " اللَّهُمَّ ابْعَثْ إِلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِكَ " . ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ فَرَجَعَ إِلَى أَبِيهِ فَقَالَ : يَا بُنَيَّ ، مَا قُلْتَ لَهُ ؟ فَذَكَرَ لَهُ مَا قَالَ لَهُ ، قَالَ : فَمَا قَالَ لَكَ ؟ قَالَ : قَالَ : " اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِكَ " قَالَ : يَا بُنَيَّ وَاللَّهِ مَا آمَنُ عَلَيْكَ دُعَاءَهُ . فَسِرْنَا حَتَّى نَزَلْنَا الشُّرَاةَ ، وَهِيَ مَأْسَدَةٌ ، وَنَزَلْنَا إِلَى صَوْمَعَةِ رَاهِبٍ ، فَقَالَ الرَّاهِبُ : يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ ، مَا أَنْزَلَكُمْ هَذِهِ الْبِلَادَ فَإِنَّهَا تَسْرَحُ الْأُسْدُ فِيهَا كَمَا تَسْرَحُ الْغَنَمُ ؟ فَقَالَ لَنَا أَبُو لَهَبٍ : إِنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمْ كِبَرَ سِنِّي وَحَقِّي ، وَإِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ دَعَا عَلَى ابْنِي دَعْوَةً - وَاللَّهِ - مَا آمَنُهَا عَلَيْهِ ، فَاجْمَعُوا مَتَاعَكُمْ إِلَى هَذِهِ الصَّوْمَعَةِ ، وَافْرِشُوا لِابْنِي عَلَيْهَا ، ثُمَّ افْرِشُوا حَوْلَهَا . فَفَعَلْنَا ، فَجَاءَ الْأَسَدُ فَشَمَّ وُجُوهَنَا ، فَلَمَّا لَمْ يَجِدُ مَا يُرِيدُ تَقَبَّضَ ، فَوَثَبَ ، فَإِذَا هُوَ فَوْقَ الْمَتَاعِ ، فَشَمَّ وَجْهَهُ ثُمَّ هَزَمَهُ هَزْمَةً فَفَضَخَ رَأْسَهُ . فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ : قَدْ عَرَفْتُ أَنَّهُ لَا يَنْفَلِتُ عَنْ دَعْوَةِ مُحَمَّدٍ .
وَقَوْلُهُ : ( فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ) أَيْ : فَاقْتَرَبَ جِبْرِيلُ إِلَى مُحَمَّدٍ لَمَّا هَبَطَ عَلَيْهِ إِلَى الْأَرْضِ حَتَّى كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَابُ قَوْسَيْنِ أَيْ : بِقَدْرِهِمَا إِذَا مُدَّا . قَالَهُ مُجَاهِدٌ ، وقَتَادَةُ .
وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ بُعْدُ مَا بَيْنَ وَتَرِ الْقَوْسِ إِلَى كَبِدِهَا .
وَقَوْلُهُ : ( أَوْ أَدْنَى ) قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ تُسْتَعْمَلُ فِي اللُّغَةِ لِإِثْبَاتِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ وَنَفْيِ مَا زَادَ عَلَيْهِ ، كَقَوْلِهِ : ( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ) [ الْبَقَرَةِ : 74 ] ، أَيْ : مَا هِيَ بِأَلْيَنَ مِنَ الْحِجَارَةِ ، بَلْ هِيَ مِثْلُهَا أَوْ تَزِيدُ عَلَيْهَا فِي الشِّدَّةِ وَالْقَسْوَةِ . وَكَذَا قَوْلُهُ : ( يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ) [ النِّسَاءِ : 77 ] ، وَقَوْلُهُ : ( وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ) [ الصَّافَّاتِ : 147 ] ، 447 أَيْ : لَيْسُوا أَقَلَّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِائَةُ أَلْفٍ حَقِيقَةً ، أَوْ يَزِيدُونَ عَلَيْهَا . فَهَذَا تَحْقِيقٌ لِلْمُخْبَرِ بِهِ لَا شَكَّ وَلَا تَرَدُّدَ ، فَإِنَّ هَذَا مُمْتَنِعٌ هَاهُنَا ، وَهَكَذَا هَذِهِ الْآيَةُ : ( فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ) .
وَهَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ هَذَا الْمُقْتَرِبَ الدَّانِيَ الَّذِي صَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، هُوَ قَوْلُ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي ذَرٍّ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، كَمَا سَنُورِدُ أَحَادِيثَهُمْ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : " رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ " . فَجَعَلَ هَذِهِ إِحْدَاهُمَا . وَجَاءَ فِي حَدِيثِ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ ، عَنْ أَنَسٍ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ : " ثُمَّ دَنَا الْجَبَّارُ رَبُّ الْعِزَّةِ فَتَدَلَّى " وَلِهَذَا تَكَلَّمَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي مَتْنِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ فِيهَا مِنَ الْغَرَابَةِ ، فَإِنْ صَحَّ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى وَقْتٍ آخَرَ وَقِصَّةٍ أُخْرَى ، لَا أَنَّهَا تَفْسِيرٌ لِهَذِهِ الْآيَةِ ; فَإِنَّ هَذِهِ كَانَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْأَرْضِ لَا لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ ; وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ : ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ) ، فَهَذِهِ هِيَ لَيْلَةُ الْإِسْرَاءِ وَالْأُولَى كَانَتْ فِي الْأَرْضِ .
وَقَدْ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ ، حَدَّثَنَا زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : ( فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ) ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " رَأَيْتُ جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ " .
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ أَوَّلُ شَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ رَأَى فِي مَنَامِهِ جِبْرِيلَ بِأَجْيَادٍ ، ثُمَّ إِنَّهُ خَرَجَ لِيَقْضِيَ حَاجَتَهُ فَصَرَخَ بِهِ جِبْرِيلُ : يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ . فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمِينًا وَشِمَالًا فَلَمْ يَرَ شَيْئًا - ثَلَاثًا - ثُمَّ رَفَعَ بَصَرَهُ فَإِذَا هُوَ ثَانٍ إِحْدَى رِجْلَيْهِ مَعَ الْأُخْرَى عَلَى أُفُقِ السَّمَاءِ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، جِبْرِيلُ ، جِبْرِيلُ - يُسَكِّنُهُ - فَهَرَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى دَخَلَ فِي النَّاسِ ، فَنَظَرَ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ النَّاسِ ، ثُمَّ نَظَرَ فَرَآهُ ، فَدَخَلَ فِي النَّاسِ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا ، ثُمَّ خَرَجَ فَنَظَرَ فَرَآهُ ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى [ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ] ) إِلَى قَوْلِهِ : ( ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ) يَعْنِي جِبْرِيلُ إِلَى مُحَمَّدٍ ، ( فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ) : وَيَقُولُونَ : الْقَابُ نِصْفُ الْأُصْبُعِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : ذِرَاعَيْنِ كَانَ بَيْنَهُمَا .
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ . وَفِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ جَابِرٍ شَاهِدٌ لِهَذَا .
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ طَلْقِ بْنِ غَنَّامٍ ، عَنْ زَائِدَةَ ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ : سَأَلْتُ زِرًّا عَنْ قَوْلِهِ : 448 ( فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ) قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَنَّ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي ابْنُ بَزِيعٍ الْبَغْدَادِيُّ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ : ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) قَالَ : رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جِبْرِيلَ عَلَيْهِ حُلَّتَا رَفْرَفٍ ، قَدْ مَلَأَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ .
فَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ يَكُونُ قَوْلُهُ : ( فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ) مَعْنَاهُ : فَأَوْحَى جِبْرِيلُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ مَا أَوْحَى . أَوْ : فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى عَبْدِهِ مُحَمَّدٍ مَا أَوْحَى بِوَاسِطَةِ جِبْرِيلَ وَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ صَحِيحٌ ، وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ : ( فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ) ، قَالَ : أَوْحَى إِلَيْهِ : " أَلَمْ أَجِدْكَ يَتِيمًا " ( ، وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) [ الشَّرْحِ : 4 ] .
وَقَالَ غَيْرُهُ : أَوْحَى [ اللَّهُ ] إِلَيْهِ أَنَّ الْجَنَّةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ حَتَّى تَدْخُلَهَا ، وَعَلَى الْأُمَمِ حَتَّى تَدْخُلَهَا أُمَّتُكَ .
وَقَوْلُهُ : ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى ) قَالَ مُسْلِمٌ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ حُصَيْنٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) ، ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ) قَالَ : رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ .
وَكَذَا رَوَاهُ سِمَاكٌ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، مِثْلَهُ . وَكَذَا قَالَ أَبُو صَالِحٍ وَالسُّدِّيُّ وَغَيْرُهُمَا : إِنَّهُ رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ [ أَوْ مَرَّةً ] ، وَقَدْ خَالَفَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ ، وَفِي رِوَايَةِ عَنْهُ أَنَّهُ أَطْلَقَ الرُّؤْيَةَ ، وَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْمُقَيَّدَةِ بِالْفُؤَادِ . وَمَنْ رَوَى عَنْهُ بِالْبَصَرِ فَقَدْ أَغْرَبَ ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ عَنِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَقَوْلُ الْبَغَوِيِّ فِي تَفْسِيرِهِ : وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ رَآهُ بِعَيْنِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَنَسٍ وَالْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ . فِيهِ نَظَرٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نَبْهَانَ بْنِ صَفْوَانَ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ الْعَنْبَرِيُّ ، عَنْ سَلْمِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ . قُلْتُ : أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ : ( لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ) [ الْأَنْعَامِ : 103 ] قَالَ : وَيْحَكَ ! ذَاكَ إِذَا تَجَلَّى بِنُورِهِ الَّذِي هُوَ نُورُهُ ، وَقَدْ رَأَى رَبَّهُ مَرَّتَيْنِ .
449 ثُمَّ قَالَ : حَسَنٌ غَرِيبٌ .
وَقَالَ أَيْضًا : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مَجَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : لَقِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَعْبًا بِعَرَفَةَ ، فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ فَكَبَّرَ حَتَّى جَاوَبَتْهُ الْجِبَالُ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنَّا بَنُو هَاشِمٍ فَقَالَ كَعْبٌ : إِنَّ اللَّهَ قَسَّمَ رُؤْيَتَهُ وَكَلَامَهُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَمُوسَى ، فَكَلَّمَ مُوسَى مَرَّتَيْنِ وَرَآهُ مُحَمَّدٌ مَرَّتَيْنِ . وَقَالَ مَسْرُوقٌ : دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ : هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ ؟ فَقَالَتْ : لَقَدْ تَكَلَّمْتَ بِشَيْءٍ قَفَّ لَهُ شَعْرِي . فَقُلْتُ : رُوَيْدًا ، ثُمَّ قَرَأْتُ : ( لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى )
فَقَالَتْ : أَيْنَ يُذْهَبُ بِكَ ؟ إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ ، مَنْ أَخْبَرَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ أَوْ كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أُمِرَ بِهِ ، أَوْ يَعْلَمُ الْخَمْسَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ ) [ لُقْمَانَ : 34 ] ، فَقَدْ أَعْظَمَ الْفِرْيَةَ ، وَلَكِنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ ، لَمْ يَرَهُ فِي صُورَتِهِ إِلَّا مَرَّتَيْنِ ، مَرَّةً عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَمَرَّةً فِي جِيَادٍ ، وَلَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ قَدْ سَدَّ الْأُفُقَ .
وَقَالَ النَّسَائِيُّ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَتَعْجَبُونَ أَنْ تَكُونَ الْحُلَّةُ لِإِبْرَاهِيمَ ، وَالْكَلَامُ لِمُوسَى ، وَالرُّؤْيَةُ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ؟ ! .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ ؟ فَقَالَ : " نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ " . وَفِي رِوَايَةٍ : " رَأَيْتُ نُورًا " .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، رَأَيْتَ رَبَّكَ ؟ قَالَ : " رَأَيْتُهُ بِفُؤَادِي مَرَّتَيْنِ " ثُمَّ قَرَأَ : ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) .
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنِ ابْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ مِهْرَانَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ ؟ قَالَ : " لَمْ أَرَهُ بِعَيْنِي ، وَرَأَيْتُهُ بِفُؤَادِي مَرَّتَيْنِ " ثُمَّ تَلَا ( ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ) .
450 ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ ، أَخْبَرَنِي عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ : سَأَلْتُ عِكْرِمَةَ : ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) ، فَقَالَ عِكْرِمَةُ : تُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَكَ أَنَّهُ قَدْ رَآهُ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : قَدْ رَآهُ ، ثُمَّ قَدْ رَآهُ . قَالَ : فَسَأَلْتُ عَنْهُ الْحَسَنَ فَقَالَ : رَأَى جَلَالَهُ وَعَظَمَتَهُ وَرِدَاءَهُ .
وَحَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُجَاهِدٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ، أَخْبَرَنَا أَبُو خَلَدَةَ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ ؟ قَالَ : " رَأَيْتُ نَهْرًا ، وَرَأَيْتُ وَرَاءَ النَّهْرِ حِجَابًا ، وَرَأَيْتُ وَرَاءَ الْحِجَابِ نُورًا لَمْ أَرَ غَيْرَ " .
وَذَلِكَ غَرِيبٌ جِدًّا ، فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " رَأَيْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ " .
فَإِنَّهُ حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ ، لَكِنَّهُ مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثِ الْمَنَامِ كَمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا :
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " أَتَانِي رَبِّي اللَّيْلَةَ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ - أَحْسَبُهُ يَعْنِي فِي النَّوْمِ - فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، أَتَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى ؟ " قَالَ : " قُلْتُ : لَا . فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْيَيَّ - أَوْ قَالَ : نَحْرِي - فَعَلِمْتُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى ؟ " قَالَ : " قُلْتُ : نَعَمْ ، يَخْتَصِمُونَ فِي الْكَفَّارَاتِ وَالدَّرَجَاتِ " . قَالَ : " وَمَا الْكَفَّارَاتُ وَالدَّرَجَاتُ ؟ " قَالَ : " قُلْتُ : الْمُكْثُ فِي الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ ، وَالْمَشْيُ عَلَى الْأَقْدَامِ إِلَى الْجُمُعَاتِ ، وَإِبْلَاغُ الْوُضُوءِ فِي الْمَكَارِهِ ، مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَاشَ بِخَيْرٍ وَمَاتَ بِخَيْرٍ ، وَكَانَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ . وَقَالَ : قُلْ يَا مُحَمَّدُ إِذَا صَلَّيْتَ : اللَّهُمَّ ، إِنِّي أَسْأَلُكَ الْخَيِّرَاتِ وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ ، وَإِذَا أَرَدْتَ بِعِبَادِكَ فِتْنَةً أَنْ تَقْبِضَنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ " . قَالَ : " وَالدَّرَجَاتُ بَذْلُ الطَّعَامِ ، وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ ، وَالصَّلَاةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسِ نِيَامٌ " .
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخِرِ سُورَةِ " ص " ، عَنْ مُعَاذٍ نَحْوُهُ . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَفِيهِ سِيَاقٌ آخَرُ وَزِيَادَةٌ غَرِيبَةٌ فَقَالَ :
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى التَّمِيمِيُّ ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَيَّارٍ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَرْبِيٍّ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " رَأَيْتُ رَبِّي فِي 451 أَحْسَنِ صُورَةٍ فَقَالَ لِي : يَا مُحَمَّدُ ، هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى ؟ فَقُلْتُ : لَا يَا رَبِّ . فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ فَوَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْيَيَّ ، فَعَلِمْتُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، فَقُلْتُ : يَا رَبِّ ، فِي الدَّرَجَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ ، وَنَقْلِ الْأَقْدَامِ إِلَى الْجُمُعَاتِ ، وَانْتِظَارِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ . فَقُلْتُ : يَا رَبِّ إِنَّكَ اتَّخَذْتَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَكَلَّمْتَ مُوسَى تَكْلِيمًا ، وَفَعَلْتَ وَفَعَلْتَ ، فَقَالَ : أَلَمْ أَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ؟ أَلَمْ أَضَعْ عَنْكَ وِزْرَكَ ؟ أَلَمْ أَفْعَلْ بِكَ ؟ أَلَمْ أَفْعَلْ ؟ قَالَ : " فَأَفْضَى إِلَيَّ بِأَشْيَاءَ لَمْ يُؤْذَنْ لِي أَنْ أُحَدِّثَكُمُوهَا " قَالَ : " فَذَاكَ قَوْلُهُ فِي كِتَابِهِ : ( ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) ، فَجَعَلَ نُورَ بَصَرِي فِي فُؤَادِي ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ بِفُؤَادِي " . إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ .
وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ بِسَنَدِهِ إِلَى هَبَّارِ بْنِ الْأَسْوَدِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ; أَنَّ عُتْبَةَ بْنَ أَبِي لَهَبٍ لَمَّا خَرَجَ فِي تِجَارَةٍ إِلَى الشَّامِ قَالَ لِأَهْلِ مَكَّةَ : اعْلَمُوا أَنِّي كَافِرٌ بِالَّذِي دَنَا فَتَدَلَّى . فَبَلَغَ قَوْلُهُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : " سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِهِ " . قَالَ هَبَّارٌ : فَكُنْتُ مَعَهُمْ ، فَنَزَلْنَا بِأَرْضٍ كَثِيرَةٍ الْأُسْدِ ، قَالَ : فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْأَسَدَ جَاءَ فَجَعَلَ يَشُمُّ رُءُوسَ الْقَوْمِ وَاحِدًا وَاحِدًا ، حَتَّى تَخَطَّى إِلَى عُتْبَةَ فَاقْتَطَعَ رَأْسَهُ مِنْ بَيْنِهِمْ .
وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ فِي السِّيرَةِ : أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِأَرْضِ الزَّرْقَاءِ ، وَقِيلَ : بِالسَّرَاةِ ، وَأَنَّهُ خَافَ لَيْلَتَئِذٍ ، وَأَنَّهُمْ جَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ وَنَامُوا مِنْ حَوْلِهِ ، فَجَاءَ الْأَسَدُ فَجَعَلَ يَزْأَرُ ، ثُمَّ تَخَطَّاهُمْ إِلَيْهِ فَضَغَمَ رَأْسَهُ ، لَعَنَهُ اللَّهُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى ) ، هَذِهِ هِيَ الْمَرَّةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا جِبْرِيلَ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا ، وَكَانَتْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ . وَقَدْ قَدَّمْنَا الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي الْإِسْرَاءِ بِطُرُقِهَا وَأَلْفَاظِهَا فِي أَوَّلِ سُورَةِ " سُبْحَانَ " بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، كَانَ يُثْبِتُ الرُّؤْيَةَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ ، وَيَسْتَشْهِدُ بِهَذِهِ الْآيَةِ . وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ، وَقَدْ خَالَفَهُ جَمَاعَاتٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ) ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " رَأَيْتُ جِبْرِيلَ وَلَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ ، يَنْتَثِرُ مِنْ رِيشِهِ التَّهَاوِيلُ : الدُّرُّ وَالْيَاقُوتُ " . وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ قَوِيٌّ .
وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ جَامِعِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، 452 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ وَلَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ ، كُلُّ جَنَاحٍ مِنْهَا قَدْ سَدَّ الْأُفُقَ : يَسْقُطُ مِنْ جَنَاحِهِ مِنَ التَّهَاوِيلِ وَالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ " . إِسْنَادُهُ حَسَنٌ أَيْضًا .
وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا : حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ ، حَدَّثَنِي حُسَيْنٌ ، حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ بَهْدَلَةَ قَالَ : سَمِعْتُ شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ يَقُولُ : سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ قَالَ : رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " رَأَيْتُ جِبْرِيلَ عَلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَلَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ " سَأَلْتُ عَاصِمًا عَنِ الْأَجْنِحَةِ فَأَبَى أَنْ يُخْبِرَنِي . قَالَ : فَأَخْبَرَنِي بَعْضُ أَصْحَابِهِ أَنَّ الْجَنَاحَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ . وَهَذَا أَيْضًا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ .
وَقَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ ، حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ بَهْدَلَةَ ، حَدَّثَنِي شَقِيقٌ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فِي خَضِرٍ مُعَلَّقٍ بِهِ الدُّرُّ " . إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ أَيْضًا .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا عَامِرٌ قَالَ : أَتَى مَسْرُوقٌ عَائِشَةَ فَقَالَ : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ، هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ؟ قَالَتْ : سُبْحَانَ اللَّهِ لَقَدْ قَفَّ شَعْرِي لِمَا قُلْتَ ، أَيْنَ أَنْتَ مِنْ ثَلَاثٍ مَنْ حَدَّثَكَهُنَّ فَقَدْ كَذَبَ : مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ ، ثُمَّ قَرَأَتْ : ( لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ) [ الْأَنْعَامِ : 103 ] ، ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ) [ الشُّورَى : 51 ] ، وَمَنْ أَخْبَرَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فَقَدْ كَذَبَ ، ثُمَّ قَرَأَتْ : ( إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ) الْآيَةَ [ لُقْمَانَ : 34 ] ، وَمَنْ أَخْبَرَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ كَتَمَ ، فَقَدْ كَذَبَ ، ثُمَّ قَرَأَتْ : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) [ الْمَائِدَةِ : 67 ] ، وَلَكِنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ مَرَّتَيْنِ .
وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ عَائِشَةَ فَقُلْتُ : أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ : ( وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ) [ التَّكْوِيرِ : 23 ] ، ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ) فَقَالَتْ : أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهَا ، فَقَالَ : " إِنَّمَا ذَاكَ جِبْرِيلُ " . لَمْ يَرَهُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا إِلَّا مَرَّتَيْنِ ، رَآهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ .
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، مِنْ حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ بِهِ .
رِوَايَةُ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ 453 قَالَ : قُلْتُ لِأَبِي ذَرٍّ : لَوْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَسَأَلْتُهُ . قَالَ : وَمَا كُنْتَ تَسْأَلُهُ ؟ قَالَ : كُنْتُ أَسْأَلُهُ : هَلْ رَأَى رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ؟ فَقَالَ : إِنِّي قَدْ سَأَلْتُهُ فَقَالَ : " قَدْ رَأَيْتُهُ ، نُورًا أَنَّى أَرَاهُ " .
هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقَيْنِ بِلَفْظَيْنِ فَقَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ ؟ فَقَالَ : " نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ " .
وَقَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ : قُلْتُ لِأَبِي ذَرٍّ : لَوْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَسَأَلْتُهُ . فَقَالَ : عَنْ أَيِّ شَيْءٍ كُنْتَ تَسْأَلُهُ ؟ قَالَ : قُلْتُ : كُنْتُ أَسْأَلُهُ : هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ ؟ قَالَ أَبُو ذَرٍّ : قَدْ سَأَلْتُ فَقَالَ : " رَأَيْتُ نُورًا " .
وَقَدْ حَكَى الْخَلَّالُ فِي " عِلَلِهِ " أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ : مَا زِلْتُ مُنْكِرًا لَهُ ، وَمَا أَدْرِي مَا وَجْهُهُ .
وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ الْوَاسِطِيُّ ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : رَآهُ بِقَلْبِهِ ، وَلَمْ يَرَهُ بِعَيْنِهِ .
وَحَاوَلَ ابْنُ خُزَيْمَةَ أَنْ يَدَّعِيَ انْقِطَاعَهُ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ وَبَيْنَ أَبِي ذَرٍّ ، وَأَمَّا ابْنُ الْجَوْزِيِّ فَتَأَوَّلَهُ عَلَى أَنَّ أَبَا ذَرٍّ لَعَلَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ الْإِسْرَاءِ ، فَأَجَابَهُ بِمَا أَجَابَهُ بِهِ ، وَلَوْ سَأَلَهُ بَعْدَ الْإِسْرَاءِ لَأَجَابَهُ بِالْإِثْبَاتِ . وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا ، فَإِنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، قَدْ سَأَلَتْ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ الْإِسْرَاءِ ، وَلَمْ يُثْبِتْ لَهَا الرُّؤْيَةَ . وَمَنْ قَالَ : إِنَّهُ خَاطَبَهَا عَلَى قَدْرِ عَقْلِهَا ، أَوْ حَاوَلَ تَخْطِئَتَهَا فِيمَا ذَهَبَتْ إِلَيْهِ - كَابْنِ خُزَيْمَةَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ - فَإِنَّهُ هُوَ الْمُخْطِئُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ النَّسَائِيُّ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شَرِيكٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَبَّهُ بِقَلْبِهِ ، وَلَمْ يَرَهُ بِبَصَرِهِ .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَطَاءٍ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ : ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ) ، قَالَ : رَأَى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ : ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ) قَالَ : رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ مَرَّتَيْنِ ، وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَغَيْرُهُمْ .
454 وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ) : قَدْ تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْإِسْرَاءِ أَنَّهُ غَشِيَتْهَا الْمَلَائِكَةُ مِثْلَ الْغِرْبَانِ ، وَغَشِيَهَا نُورُ الرَّبِّ ، وَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ مَا أَدْرِي مَا هِيَ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ عَدِيٍّ ، عَنْ طَلْحَةَ ، عَنْ مُرَّةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ - قَالَ : لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْتُهِيَ بِهِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ، وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ ، إِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُعْرَجُ بِهِ مِنَ الْأَرْضِ فَيُقْبَضُ مِنْهَا ، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يَهْبِطُ مِنْ فَوْقِهَا فَيُقْبَضُ مِنْهَا ، ( إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ) قَالَ : فِرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ ، قَالَ : وَأُعْطِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثًا : أُعْطِيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ ، وَأُعْطِيَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، وَغُفِرَ لِمَنْ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا مِنْ أُمَّتِهِ الْمُقْحَمَاتُ . انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ .
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ غَيْرِهِ - شَكَّ أَبُو جَعْفَرٍ - قَالَ : لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ انْتَهَى إِلَى السِّدْرَةِ ، فَقِيلَ لَهُ : هَذِهِ السِّدْرَةُ [ قَالَ ] : فَغَشِيَهَا نُورُ الْخَلَّاقِ ، وَغَشِيَتْهَا الْمَلَائِكَةُ مِثْلَ الْغِرْبَانِ حِينَ يَقَعْنَ عَلَى الشَّجَرِ ، قَالَ : فَكَلَّمَهُ عِنْدَ ذَلِكَ ، فَقَالَ لَهُ : سَلْ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ) قَالَ : كَانَ أَغْصَانُ السِّدْرَةِ لُؤْلُؤًا وَيَاقُوتًا وَزَبَرْجَدًا ، فَرَآهَا مُحَمَّدٌ ، وَرَأَى رَبَّهُ بِقَلْبِهِ .
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ شَيْءٍ رَأَيْتَ يَغْشَى تِلْكَ السِّدْرَةَ ؟ قَالَ : " رَأَيْتُ يَغْشَاهَا فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ ، وَرَأَيْتُ عَلَى كُلِّ وَرَقَةٍ مِنْ وَرَقِهَا مَلَكًا قَائِمًا يُسَبِّحُ اللَّهَ ، عَزَّ وَجَلَّ " .
وَقَوْلُهُ : ( مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَا ذَهَبَ يَمِينًا وَلَا شَمَالًا ( وَمَا طَغَى ) مَا جَاوَزَ مَا أُمِرَ بِهِ .
وَهَذِهِ صِفَةٌ عَظِيمَةٌ فِي الثَّبَاتِ وَالطَّاعَةِ ، فَإِنَّهُ مَا فَعَلَ إِلَّا مَا أُمِرَ بِهِ ، وَلَا سَأَلَ فَوْقَ مَا أُعْطِيَ . وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ النَّاظِمُ :
﴿﴾ رَأَى جَنَّةَ الْمَأْوَى وَمَا فَوْقَهَا ، وَلَوْ ﴿﴾ ﴿﴾ رَأَى غَيْرُهُ مَا قَدْ رَآهُ لَتَاهَا ﴿﴾
وَقَوْلُهُ : ( لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ) ، كَقَوْلِهِ : ( لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا ) [ طه : 23 ] أَيِ : الدَّالَةُ عَلَى قُدْرَتِنَا وَعَظَمَتِنَا . وَبِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ اسْتَدَلَّ مَنْ ذَهَبَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الرُّؤْيَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ لَمْ تَقَعْ ; لِأَنَّهُ قَالَ : ( لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ) ، وَلَوْ كَانَ رَأَى رَبَّهُ لَأَخْبَرَ بِذَلِكَ وَلَقَالَ ذَلِكَ لِلنَّاسِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ " سُبْحَانَ " وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي الْكَهْتَلَةِ 455 قَالَ مُحَمَّدٌ : أَظُنُّهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَرَ جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ إِلَّا مَرَّتَيْنِ ، أَمَّا مَرَّةٌ فَإِنَّهُ سَأَلَهُ أَنْ يُرِيَهُ نَفْسَهُ فِي صُورَتِهِ ، فَأَرَاهُ صُورَتَهُ فَسَدَّ الْأُفُقَ . وَأَمَّا الْأُخْرَى فَإِنَّهُ صَعِدَ مَعَهُ حِينَ صَعِدَ بِهِ . وَقَوْلُهُ : ( وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ) قَالَ : فَلَمَّا أَحَسَّ جِبْرِيلُ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، عَادَ فِي صُورَتِهِ وَسَجَدَ . فَقَوْلُهُ : ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ) قَالَ : خَلْقَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ .
هَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَهُوَ غَرِيبٌ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith