تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السابع
( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ( 21 ) وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ( 22 ) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ ( 23 ) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ ( 24 ) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ( 25 ) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ( 26 ) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ ( 27 ) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ( 28 ) )
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ فَضْلِهِ وَكَرَمِهِ ، وَامْتِنَانِهِ وَلُطْفِهِ بِخَلْقِهِ وَإِحْسَانِهِ : أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّاتُهُمْ فِي الْإِيمَانِ يُلْحِقُهُمْ بِآبَائِهِمْ فِي الْمَنْزِلَةِ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغُوا عَمَلَهُمْ ، لِتَقَرَّ أَعْيُنُ الْآبَاءِ بِالْأَبْنَاءِ عِنْدَهُمْ فِي مَنَازِلِهِمْ ، فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمْ عَلَى أَحْسَنِ الْوُجُوهِ ، بِأَنْ يَرْفَعَ النَّاقِصَ الْعَمَلِ ، بِكَامِلِ الْعَمَلِ ، وَلَا يَنْقُصَ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِهِ وَمَنْزِلَتِهِ ، لِلتَّسَاوِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَاكَ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ )
قَالَ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ الْمُؤْمِنِ فِي دَرَجَتِهِ ، وَإِنْ كَانُوا دُونَهُ فِي الْعَمَلِ ، لِتَقَرَّ بِهِمْ عَيْنُهُ ثُمَّ قَرَأَ : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ )
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، بِهِ . وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ بِهِ . وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ بَحْرٍ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ حَمَّادٍ الْوَرَّاقِ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا ، فَذَكَرَهُ ، ثُمَّ قَالَ : وَقَدْ رَوَاهُ 433 الثَّوْرِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مَزِيدٍ الْبَيْرُوتِيُّ ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي شَيْبَانُ ، أَخْبَرَنِي لَيْثٌ ، عَنْ حَبِيبٍ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ الْأَسَدِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) قَالَ : هُمْ ذُرِّيَّةُ الْمُؤْمِنِ ، يَمُوتُونَ عَلَى الْإِيمَانِ : فَإِنْ كَانَتْ مَنَازِلُ آبَائِهِمْ أَرْفَعَ مِنْ مَنَازِلِهِمْ أُلْحِقُوا بِآبَائِهِمْ ، وَلَمْ يَنْقُصُوا مِنْ أَعْمَالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوا شَيْئًا .
وَقَالَ الْحَافِظُ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ التُّسْتَرِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَزْوَانَ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - أَظُنُّهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ الْجَنَّةَ سَأَلَ عَنْ أَبَوَيْهِ وَزَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ ، فَيُقَالُ : إِنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغُوا دَرَجَتَكَ . فَيَقُولُ : يَا رَبِّ ، قَدْ عَمِلْتُ لِي وَلَهُمْ . فَيُؤْمَرُ بِإِلْحَاقِهِمْ بِهِ ، وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ ) الْآيَةَ .
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : يَقُولُ : وَالَّذِينَ أَدْرَكَ ذُرِّيَّتَهُمُ الْإِيمَانُ فَعَمِلُوا بِطَاعَتِي ، أَلْحَقْتُهُمْ بِإِيمَانِهِمْ إِلَى الْجَنَّةِ ، وَأَوْلَادُهُمُ الصِّغَارُ تَلْحَقُ بِهِمْ .
وَهَذَا رَاجِعٌ إِلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ ، فَإِنَّ ذَاكَ مُفَسَّرٌ أَصْرَحَ مِنْ هَذَا . وَهَكَذَا يَقُولُ الشَّعْبِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، وقَتَادَةُ ، وَأَبُو صَالِحٍ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَابْنُ زَيْدٍ . وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ . وَقَدْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ :
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا حَمَدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ زَاذَانَ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : سَأَلَتْ خَدِيجَةُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ وَلَدَيْنِ مَاتَا لَهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " هُمَا فِي النَّارِ " . فَلَمَّا رَأَى الْكَرَاهَةَ فِي وَجْهِهَا قَالَ : " لَوْ رَأَيْتِ مَكَانَهُمَا لَأَبْغَضْتِهِمَا " . قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَوَلَدِي مِنْكَ . قَالَ : " فِي الْجَنَّةِ " . قَالَ : ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ وَأَوْلَادَهُمْ فِي الْجَنَّةِ ، وَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ وَأَوْلَادَهُمْ فِي النَّارِ " . ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) [ الْآيَةَ ] .
هَذَا فَضْلُهُ تَعَالَى عَلَى الْأَبْنَاءِ بِبَرَكَةِ عَمَلِ الْآبَاءِ ، وَأَمَّا فَضْلُهُ عَلَى الْآبَاءِ بِبَرَكَةِ دُعَاءِ الْأَبْنَاءِ ، فَقَدْ 434 قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَاصِمٍ بْنِ أَبِي النَّجُودِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ فِي الْجَنَّةِ فَيَقُولُ : يَا رَبِّ ، أَنَّى لِي هَذِهِ ؟ فَيَقُولُ : بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ " .
إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَلَكِنْ لَهُ شَاهِدٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ : صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ "
وَقَوْلُهُ : ( كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ) لَمَّا أَخْبَرَ عَنْ مَقَامِ الْفَضْلِ ، وَهُوَ رَفْعُ دَرَجَةِ الذُّرِّيَّةِ إِلَى مَنْزِلَةِ الْآبَاءِ مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ ، أَخْبَرَ عَنْ مَقَامِ الْعَدْلِ ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُؤَاخِذُ أَحَدًا بِذَنْبِ أَحَدٍ ، بَلْ ( كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ) أَيْ : مُرَّتُهُنَّ بِعَمَلِهِ ، لَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ ذَنْبُ غَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ ، سَوَاءٌ كَانَ أَبَا أَوِ ابْنًا ، كَمَا قَالَ : ( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ ) [ الْمُدَّثِّرِ : 38 - 41 ] .
وَقَوْلُهُ : ( وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ) أَيْ : وَأَلْحَقْنَاهُمْ بِفَوَاكِهَ وَلُحُومٍ مِنْ أَنْوَاعٍ شَتَّى ، مِمَّا يُسْتَطَابُ وَيُشْتَهَى .
وَقَوْلُهُ ( يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا ) أَيْ : يَتَعَاطَوْنَ فِيهَا كَأْسًا ، أَيْ : مِنَ الْخَمْرِ . قَالَهُ الضَّحَّاكُ . ( لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ ) أَيْ : لَا يَتَكَلَّمُونَ عَنْهَا بِكَلَامٍ لَاغٍ أَيْ : هَذَيَانٍ ، وَلَا إِثْمٍ أَيْ : فُحْشٍ ، كَمَا تَتَكَلَّمُ بِهِ الشَّرَبَةُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : اللَّغْوُ : الْبَاطِلُ . وَالتَّأْثِيمُ : الْكَذِبُ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : لَا يَسْتَبُّونَ وَلَا يُؤَثَّمُونَ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : كَانَ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا مَعَ الشَّيْطَانِ .
فَنَزَّهَ اللَّهُ خَمْرَ الْآخِرَةِ عَنْ قَاذُورَاتِ خَمْرِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا ، فَنَفَى عَنْهَا - كَمَا تَقَدَّمَ - صُدَاعَ الرَّأْسِ ، وَوَجَعَ الْبَطْنِ ، وَإِزَالَةَ الْعَقْلِ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَأَخْبَرَ أَنَّهَا لَا تَحْمِلُهُمْ عَلَى الْكَلَامِ السَّيِّئِ الْفَارِغِ عَنِ الْفَائِدَةِ الْمُتَضَمِّنِ هَذَيَانًا وَفُحْشًا ، وَأَخْبَرَ بِحُسْنِ مَنْظَرِهَا ، وَطِيبِ طَعْمِهَا وَمَخْبَرِهَا فَقَالَ : ( بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزِفُونَ ) [ الصَّافَّاتِ : 46 ، 47 ] ، وَقَالَ ( لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ ) [ الْوَاقِعَةِ : 19 ] ، وَقَالَ هَاهُنَا : ( يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ )
435 وَقَوْلُهُ : ( وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ ) : إِخْبَارٌ عَنْ خَدَمِهِمْ وَحَشَمِهِمْ فِي الْجَنَّةِ كَأَنَّهُمُ اللُّؤْلُؤُ الرَّطْبُ ، الْمَكْنُونُ فِي حُسْنِهِمْ وَبَهَائِهِمْ وَنَظَافَتِهِمْ وَحُسْنِ مَلَابِسِهِمْ ، كَمَا قَالَ ( يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ) [ الْوَاقِعَةِ : 17 ، 18 ] .
وَقَوْلُهُ : ( وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ) أَيْ : أَقْبَلُوا يَتَحَادَثُونَ وَيَتَسَاءَلُونَ عَنْ أَعْمَالِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا ، وَهَذَا كَمَا يَتَحَادَثُ أَهْلُ الشَّرَابِ عَلَى شَرَابِهِمْ إِذَا أَخَذَ فِيهِمُ الشَّرَابُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ .
( قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ) أَيْ : قَدْ كُنَّا فِي الدَّارِ الدُّنْيَا وَنَحْنُ بَيْنَ أَهْلِنَا خَائِفِينَ مِنْ رَبِّنَا مُشْفِقِينَ مِنْ عَذَابِهِ وَعِقَابِهِ ، ( فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ ) أَيْ : فَتَصَدَّقَ عَلَيْنَا وَأَجَارَنَا مِمَّا نَخَافُ .
( إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ ) أَيْ : نَتَضَرَّعُ إِلَيْهِ فَاسْتَجَابَ [ اللَّهُ ] لَنَا وَأَعْطَانَا سُؤْلَنَا ، ( إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ )
وَقَدْ وَرَدَ فِي هَذَا الْمَقَامِ حَدِيثٌ ، رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ فَقَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ دِينَارٍ ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْحٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ اشْتَاقُوا إِلَى الْإِخْوَانِ ، فَيَجِيءُ سَرِيرُ هَذَا حَتَّى يُحَاذِيَ سَرِيرَ هَذَا ، فَيَتَحَدَّثَانِ ، فَيَتَّكِئُ هَذَا وَيَتَّكِئُ هَذَا ، فَيَتَحَدَّثَانِ بِمَا كَانَ فِي الدُّنْيَا ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ : يَا فُلَانُ ، تَدْرِي أَيَّ يَوْمٍ غَفَرَ اللَّهُ لَنَا ؟ يَوْمَ كُنَّا فِي مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا ، فَدَعَوْنَا اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - فَغَفَرَ لَنَا " .
ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ : لَا نَعْرِفُهُ يُرْوَى إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ .
قُلْتُ : وَسَعِيدُ بْنُ دِينَارٍ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : هُوَ مَجْهُولٌ ، وَشَيْخُهُ الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْحٍ قَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ جِهَةِ حِفْظِهِ ، وَهُوَ رَجُلٌ صَالِحٌ ثِقَةٌ فِي نَفْسِهِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَوْدِيُّ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ; أَنَّهَا قَرَأَتْ هَذِهِ الْآيَةَ : ( فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ) فَقَالَتْ : اللَّهُمَّ مُنَّ عَلَيْنَا وَقِنَا عَذَابَ السَّمُومِ ، إِنَّكَ أَنْتَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ . قِيلَ لِلْأَعْمَشِ : فِي الصَّلَاةِ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ فَضْلِهِ وَكَرَمِهِ ، وَامْتِنَانِهِ وَلُطْفِهِ بِخَلْقِهِ وَإِحْسَانِهِ : أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّاتُهُمْ فِي الْإِيمَانِ يُلْحِقُهُمْ بِآبَائِهِمْ فِي الْمَنْزِلَةِ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغُوا عَمَلَهُمْ ، لِتَقَرَّ أَعْيُنُ الْآبَاءِ بِالْأَبْنَاءِ عِنْدَهُمْ فِي مَنَازِلِهِمْ ، فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمْ عَلَى أَحْسَنِ الْوُجُوهِ ، بِأَنْ يَرْفَعَ النَّاقِصَ الْعَمَلِ ، بِكَامِلِ الْعَمَلِ ، وَلَا يَنْقُصَ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِهِ وَمَنْزِلَتِهِ ، لِلتَّسَاوِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَاكَ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ )
قَالَ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ الْمُؤْمِنِ فِي دَرَجَتِهِ ، وَإِنْ كَانُوا دُونَهُ فِي الْعَمَلِ ، لِتَقَرَّ بِهِمْ عَيْنُهُ ثُمَّ قَرَأَ : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ )
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، بِهِ . وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ بِهِ . وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ بَحْرٍ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ حَمَّادٍ الْوَرَّاقِ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا ، فَذَكَرَهُ ، ثُمَّ قَالَ : وَقَدْ رَوَاهُ 433 الثَّوْرِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مَزِيدٍ الْبَيْرُوتِيُّ ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي شَيْبَانُ ، أَخْبَرَنِي لَيْثٌ ، عَنْ حَبِيبٍ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ الْأَسَدِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) قَالَ : هُمْ ذُرِّيَّةُ الْمُؤْمِنِ ، يَمُوتُونَ عَلَى الْإِيمَانِ : فَإِنْ كَانَتْ مَنَازِلُ آبَائِهِمْ أَرْفَعَ مِنْ مَنَازِلِهِمْ أُلْحِقُوا بِآبَائِهِمْ ، وَلَمْ يَنْقُصُوا مِنْ أَعْمَالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوا شَيْئًا .
وَقَالَ الْحَافِظُ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ التُّسْتَرِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَزْوَانَ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - أَظُنُّهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ الْجَنَّةَ سَأَلَ عَنْ أَبَوَيْهِ وَزَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ ، فَيُقَالُ : إِنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغُوا دَرَجَتَكَ . فَيَقُولُ : يَا رَبِّ ، قَدْ عَمِلْتُ لِي وَلَهُمْ . فَيُؤْمَرُ بِإِلْحَاقِهِمْ بِهِ ، وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ ) الْآيَةَ .
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : يَقُولُ : وَالَّذِينَ أَدْرَكَ ذُرِّيَّتَهُمُ الْإِيمَانُ فَعَمِلُوا بِطَاعَتِي ، أَلْحَقْتُهُمْ بِإِيمَانِهِمْ إِلَى الْجَنَّةِ ، وَأَوْلَادُهُمُ الصِّغَارُ تَلْحَقُ بِهِمْ .
وَهَذَا رَاجِعٌ إِلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ ، فَإِنَّ ذَاكَ مُفَسَّرٌ أَصْرَحَ مِنْ هَذَا . وَهَكَذَا يَقُولُ الشَّعْبِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، وقَتَادَةُ ، وَأَبُو صَالِحٍ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَابْنُ زَيْدٍ . وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ . وَقَدْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ :
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا حَمَدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ زَاذَانَ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : سَأَلَتْ خَدِيجَةُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ وَلَدَيْنِ مَاتَا لَهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " هُمَا فِي النَّارِ " . فَلَمَّا رَأَى الْكَرَاهَةَ فِي وَجْهِهَا قَالَ : " لَوْ رَأَيْتِ مَكَانَهُمَا لَأَبْغَضْتِهِمَا " . قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَوَلَدِي مِنْكَ . قَالَ : " فِي الْجَنَّةِ " . قَالَ : ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ وَأَوْلَادَهُمْ فِي الْجَنَّةِ ، وَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ وَأَوْلَادَهُمْ فِي النَّارِ " . ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) [ الْآيَةَ ] .
هَذَا فَضْلُهُ تَعَالَى عَلَى الْأَبْنَاءِ بِبَرَكَةِ عَمَلِ الْآبَاءِ ، وَأَمَّا فَضْلُهُ عَلَى الْآبَاءِ بِبَرَكَةِ دُعَاءِ الْأَبْنَاءِ ، فَقَدْ 434 قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَاصِمٍ بْنِ أَبِي النَّجُودِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ فِي الْجَنَّةِ فَيَقُولُ : يَا رَبِّ ، أَنَّى لِي هَذِهِ ؟ فَيَقُولُ : بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ " .
إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَلَكِنْ لَهُ شَاهِدٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ : صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ "
وَقَوْلُهُ : ( كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ) لَمَّا أَخْبَرَ عَنْ مَقَامِ الْفَضْلِ ، وَهُوَ رَفْعُ دَرَجَةِ الذُّرِّيَّةِ إِلَى مَنْزِلَةِ الْآبَاءِ مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ ، أَخْبَرَ عَنْ مَقَامِ الْعَدْلِ ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُؤَاخِذُ أَحَدًا بِذَنْبِ أَحَدٍ ، بَلْ ( كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ) أَيْ : مُرَّتُهُنَّ بِعَمَلِهِ ، لَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ ذَنْبُ غَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ ، سَوَاءٌ كَانَ أَبَا أَوِ ابْنًا ، كَمَا قَالَ : ( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ ) [ الْمُدَّثِّرِ : 38 - 41 ] .
وَقَوْلُهُ : ( وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ) أَيْ : وَأَلْحَقْنَاهُمْ بِفَوَاكِهَ وَلُحُومٍ مِنْ أَنْوَاعٍ شَتَّى ، مِمَّا يُسْتَطَابُ وَيُشْتَهَى .
وَقَوْلُهُ ( يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا ) أَيْ : يَتَعَاطَوْنَ فِيهَا كَأْسًا ، أَيْ : مِنَ الْخَمْرِ . قَالَهُ الضَّحَّاكُ . ( لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ ) أَيْ : لَا يَتَكَلَّمُونَ عَنْهَا بِكَلَامٍ لَاغٍ أَيْ : هَذَيَانٍ ، وَلَا إِثْمٍ أَيْ : فُحْشٍ ، كَمَا تَتَكَلَّمُ بِهِ الشَّرَبَةُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : اللَّغْوُ : الْبَاطِلُ . وَالتَّأْثِيمُ : الْكَذِبُ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : لَا يَسْتَبُّونَ وَلَا يُؤَثَّمُونَ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : كَانَ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا مَعَ الشَّيْطَانِ .
فَنَزَّهَ اللَّهُ خَمْرَ الْآخِرَةِ عَنْ قَاذُورَاتِ خَمْرِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا ، فَنَفَى عَنْهَا - كَمَا تَقَدَّمَ - صُدَاعَ الرَّأْسِ ، وَوَجَعَ الْبَطْنِ ، وَإِزَالَةَ الْعَقْلِ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَأَخْبَرَ أَنَّهَا لَا تَحْمِلُهُمْ عَلَى الْكَلَامِ السَّيِّئِ الْفَارِغِ عَنِ الْفَائِدَةِ الْمُتَضَمِّنِ هَذَيَانًا وَفُحْشًا ، وَأَخْبَرَ بِحُسْنِ مَنْظَرِهَا ، وَطِيبِ طَعْمِهَا وَمَخْبَرِهَا فَقَالَ : ( بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزِفُونَ ) [ الصَّافَّاتِ : 46 ، 47 ] ، وَقَالَ ( لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ ) [ الْوَاقِعَةِ : 19 ] ، وَقَالَ هَاهُنَا : ( يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ )
435 وَقَوْلُهُ : ( وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ ) : إِخْبَارٌ عَنْ خَدَمِهِمْ وَحَشَمِهِمْ فِي الْجَنَّةِ كَأَنَّهُمُ اللُّؤْلُؤُ الرَّطْبُ ، الْمَكْنُونُ فِي حُسْنِهِمْ وَبَهَائِهِمْ وَنَظَافَتِهِمْ وَحُسْنِ مَلَابِسِهِمْ ، كَمَا قَالَ ( يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ) [ الْوَاقِعَةِ : 17 ، 18 ] .
وَقَوْلُهُ : ( وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ) أَيْ : أَقْبَلُوا يَتَحَادَثُونَ وَيَتَسَاءَلُونَ عَنْ أَعْمَالِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا ، وَهَذَا كَمَا يَتَحَادَثُ أَهْلُ الشَّرَابِ عَلَى شَرَابِهِمْ إِذَا أَخَذَ فِيهِمُ الشَّرَابُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ .
( قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ) أَيْ : قَدْ كُنَّا فِي الدَّارِ الدُّنْيَا وَنَحْنُ بَيْنَ أَهْلِنَا خَائِفِينَ مِنْ رَبِّنَا مُشْفِقِينَ مِنْ عَذَابِهِ وَعِقَابِهِ ، ( فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ ) أَيْ : فَتَصَدَّقَ عَلَيْنَا وَأَجَارَنَا مِمَّا نَخَافُ .
( إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ ) أَيْ : نَتَضَرَّعُ إِلَيْهِ فَاسْتَجَابَ [ اللَّهُ ] لَنَا وَأَعْطَانَا سُؤْلَنَا ، ( إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ )
وَقَدْ وَرَدَ فِي هَذَا الْمَقَامِ حَدِيثٌ ، رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ فَقَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ دِينَارٍ ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْحٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ اشْتَاقُوا إِلَى الْإِخْوَانِ ، فَيَجِيءُ سَرِيرُ هَذَا حَتَّى يُحَاذِيَ سَرِيرَ هَذَا ، فَيَتَحَدَّثَانِ ، فَيَتَّكِئُ هَذَا وَيَتَّكِئُ هَذَا ، فَيَتَحَدَّثَانِ بِمَا كَانَ فِي الدُّنْيَا ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ : يَا فُلَانُ ، تَدْرِي أَيَّ يَوْمٍ غَفَرَ اللَّهُ لَنَا ؟ يَوْمَ كُنَّا فِي مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا ، فَدَعَوْنَا اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - فَغَفَرَ لَنَا " .
ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ : لَا نَعْرِفُهُ يُرْوَى إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ .
قُلْتُ : وَسَعِيدُ بْنُ دِينَارٍ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : هُوَ مَجْهُولٌ ، وَشَيْخُهُ الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْحٍ قَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ جِهَةِ حِفْظِهِ ، وَهُوَ رَجُلٌ صَالِحٌ ثِقَةٌ فِي نَفْسِهِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَوْدِيُّ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ; أَنَّهَا قَرَأَتْ هَذِهِ الْآيَةَ : ( فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ) فَقَالَتْ : اللَّهُمَّ مُنَّ عَلَيْنَا وَقِنَا عَذَابَ السَّمُومِ ، إِنَّكَ أَنْتَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ . قِيلَ لِلْأَعْمَشِ : فِي الصَّلَاةِ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith