تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السابع
page 1721 · printed p. 278
( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 10 ) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ ( 11 ) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ ( 12 ) إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 13 ) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 14 ) ) .
يَقُولُ تَعَالَى : ( قُلْ ) يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الْكَافِرِينَ بِالْقُرْآنِ : ( أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ ) هَذَا الْقُرْآنُ ( مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ ) أَيْ : مَا ظَنُّكُمْ أَنَّ اللَّهَ صَانِعٌ بِكُمْ إِنْ كَانَ هَذَا الْكِتَابُ الَّذِي جِئْتُكُمْ بِهِ قَدْ أَنْزَلَهُ 278 عَلَيَّ لِأُبَلِّغَكُمُوهُ ، وَقَدْ كَفَرْتُمْ بِهِ وَكَذَّبْتُمُوهُ ، ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ ) أَيْ : وَقَدْ شَهِدَتْ بِصِدْقِهِ وَصِحَّتِهِ الْكُتُبُ الْمُتَقَدِّمَةُ الْمُنَزَّلَةُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي ، بَشَّرَتْ بِهِ وَأَخْبَرَتْ بِمِثْلِ مَا أَخْبَرَ هَذَا الْقُرْآنُ بِهِ .
وَقَوْلُهُ : ( فَآمَنَ ) أَيْ : هَذَا الَّذِي شَهِدَ بِصِدْقِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِمَعْرِفَتِهِ بِحَقِّيَّتِهِ ) وَاسْتَكْبَرْتُمْ ) أَنْتُمْ : عَنِ اتِّبَاعِهِ .
وَقَالَ مَسْرُوقٌ : فَآمَنَ هَذَا الشَّاهِدُ بِنَبِيِّهِ وَكِتَابِهِ ، وَكَفَرْتُمْ أَنْتُمْ بِنَبِيِّكُمْ وَكِتَابِكُمْ ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ )
وَهَذَا الشَّاهِدُ اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ وَغَيْرَهُ ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ نَزَلَتْ قَبْلَ إِسْلَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ . وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ : ( وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ) [ الْقَصَصِ : 53 ] ، وَقَالَ : ( إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ) [ الْإِسْرَاءِ : 107 ، 108 ] .
قَالَ مَسْرُوقٌ ، وَالشَّعْبِيُّ : لَيْسَ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ، هَذِهِ الْآيَةُ مَكِّيَّةٌ ، وَإِسْلَامُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ كَانَ بِالْمَدِينَةِ . رَوَاهُ عَنْهُمَا ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَالَ مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ لِأَحَدٍ يَمْشِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ : " إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ " ، إِلَّا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ، قَالَ : وَفِيهِ نَزَلَتْ : ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ )
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ ، مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ ، بِهِ . وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَقَتَادَةُ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَيُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ، وَهِلَالُ بْنُ يَسَافٍ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، وَابْنُ زَيْدٍ ; أَنَّهُمْ كُلُّهُمْ قَالُوا : إِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ ) أَيْ : قَالُوا عَنِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْقُرْآنِ : لَوْ كَانَ الْقُرْآنُ خَيْرًا مَا سَبَقَنَا هَؤُلَاءِ إِلَيْهِ . يَعْنُونَ بِلَالًا وَعَمَّارًا وَصُهَيْبًا وَخَبَّابًا وَأَشْبَاهَهُمْ وَأَقْرَانَهُمْ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَالْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّهُمْ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَجَاهَةً وَلَهُ بِهِمْ عِنَايَةً . وَقَدْ غَلِطُوا فِي ذَلِكَ غَلَطًا فَاحِشًا ، وَأَخْطَئُوا خَطَأً بَيِّنًا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا ) [ الْأَنْعَامِ : 53 ] أَيْ : يَتَعَجَّبُونَ : كَيْفَ اهْتَدَى هَؤُلَاءِ دُونَنَا ; وَلِهَذَا قَالُوا : ( لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ ) وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فَيَقُولُونَ فِي كُلِّ فِعْلٍ وَقَوْلٍ لَمْ يَثْبُتْ عَنِ الصَّحَابَةِ : هُوَ بِدْعَةٌ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ خَيْرًا لَسَبَقُونَا إِلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُمْ 279 لَمْ يَتْرُكُوا خَصْلَةً مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ إِلَّا وَقَدْ بَادَرُوا إِلَيْهَا .
وَقَوْلُهُ : ( وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ ) أَيْ : بِالْقُرْآنِ ( فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ ) أَيْ : كَذِبٌ ) قَدِيمٌ ) أَيْ : مَأْثُورٌ عَنِ الْأَقْدَمِينَ ، فَيَنْتَقِصُونَ الْقُرْآنَ وَأَهْلَهُ ، وَهَذَا هُوَ الْكِبْرُ الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " ۝ بَطَرُ الْحَقِّ ، وَغَمْطُ النَّاسِ " .
ثُمَّ قَالَ : ( وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى ) وَهُوَ التَّوْرَاةُ ( إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ ) يَعْنِي الْقُرْآنَ ) مُصَدِّقٌ ) أَيْ : لِمَا قَبْلَهُ مِنَ الْكُتُبِ ( لِسَانًا عَرَبِيًّا ) أَيْ : فَصِيحًا بَيِّنًا وَاضِحًا ، ( لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ ) أَيْ : مُشْتَمِلٌ عَلَى النِّذَارَةِ لِلْكَافِرِينَ وَالْبِشَارَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا فِي سُورَةِ " حم ، السَّجْدَةِ " .
وَقَوْلُهُ : ( فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) أَيْ : فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَ ، ( وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) عَلَى مَا خَلَّفُوا ، ( أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) أَيِ : الْأَعْمَالُ سَبَبٌ لِنَيْلِ الرَّحْمَةِ لَهُمْ وَسُبُوغِهَا عَلَيْهِمْ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith