تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السابع
( وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ ( 15 ) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ ( 16 ) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ( 17 ) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ( 18 ) وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ ( 19 ) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ( 20 ) )
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ فِيمَا افْتَرَوْهُ وَكَذَّبُوهُ فِي جَعْلِهِمْ بَعْضَ الْأَنْعَامِ لِطَوَاغِيتِهِمْ وَبَعْضَهَا لِلَّهِ ، كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي سُورَةِ " الْأَنْعَامِ " ، فِي قَوْلِهِ : ( وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ) [ الْأَنْعَامِ : 136 ] . وَكَذَلِكَ جَعَلُوا لَهُ مِنْ قِسْمَيِ الْبَنَاتِ وَالْبَنِينَ أَخَسَّهُمَا وَأَرْدَأَهُمَا وَهُوَ الْبَنَاتُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى . تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى ) [ النَّجْمِ : 21 ، 22 ] . وَقَالَ هَاهُنَا : ( وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ )
ثُمَّ قَالَ : ( أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ ) وَهَذَا إِنْكَارٌ عَلَيْهِمْ غَايَةَ الْإِنْكَارِ . ثُمَّ ذَكَرَ تَمَامَ الْإِنْكَارِ فَقَالَ : ( وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ) أَيْ : إِذَا بُشِّرَ أَحَدُ هَؤُلَاءِ بِمَا جَعَلُوهُ لِلَّهِ مِنَ الْبَنَاتِ يَأْنَفُ مِنْ ذَلِكَ غَايَةَ الْأَنَفَةِ ، وَتَعْلُوهُ كَآبَةٌ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ، 223 وَيَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ خَجَلِهِ مِنْ ذَلِكَ ، يَقُولُ تَعَالَى : فَكَيْفَ تَأْنَفُونَ أَنْتُمْ مِنْ ذَلِكَ ، وَتَنْسُبُونَهُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ؟ .
ثُمَّ قَالَ : ( أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ) أَيِ : الْمَرْأَةُ نَاقِصَةٌ يَكْمُلُ نَقْصُهَا بِلُبْسِ الْحُلِيِّ مُنْذُ تَكُونُ طِفْلَةً ، وَإِذَا خَاصَمَتْ فَلَا عِبَارَةَ لَهَا ، بَلْ هِيَ عَاجِزَةٌ عَيِيَّةٌ ، أَوَمَنْ يَكُونُ هَكَذَا يُنْسَبُ إِلَى جَنَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ؟ ! فَالْأُنْثَى نَاقِصَةُ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ ، فِي الصُّورَةِ وَالْمَعْنَى ، فَيَكْمُلُ نَقْصُ ظَاهِرِهَا وَصُورَتِهَا بِلُبْسِ الْحُلِيِّ وَمَا فِي مَعْنَاهُ ، لِيُجْبَرَ مَا فِيهَا مِنْ نَقْصٍ ، كَمَا قَالَ بَعْضُ شُعَرَاءِ الْعَرَبِ :
﴿﴾ وَمَا الْحَلْيُ إِلَّا زِينَةٌ مِنْ نَقِيصَةٍ ﴿﴾ ﴿﴾ يُتَمِّمُ مِنْ حُسْنٍ إِذَا الْحُسْنُ قَصَّرَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْجَمَالُ مُوَفَّرًا ﴿﴾ ﴿﴾ كَحُسْنِكِ ، لَمْ يَحْتَجْ إِلَى أَنْ يُزَوَّرَا ﴿﴾
وَأَمَّا نَقْصُ مَعْنَاهَا ، فَإِنَّهَا ضَعِيفَةٌ عَاجِزَةٌ عَنِ الِانْتِصَارِ عِنْدَ الِانْتِصَارِ ، لَا عِبَارَةَ لَهَا وَلَا هِمَّةَ ، كَمَا قَالَ بَعْضُ الْعَرَبِ وَقَدْ بُشِّرَ بِبِنْتٍ : " مَا هِيَ بِنِعْمَ الْوَلَدِ : نَصْرُهَا بِالْبُكَاءِ ، وَبِرُّهَا سَرِقَةٌ " .
وَقَوْلُهُ : ( وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا ) أَيِ : اعْتَقَدُوا فِيهِمْ ذَلِكَ ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ تَعَالَى قَوْلَهُمْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : ( أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ) أَيْ : شَاهَدُوهُ وَقَدْ خَلَقَهُمُ اللَّهُ إِنَاثًا ، ( سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ ) أَيْ : بِذَلِكَ ، ( وَيُسْأَلُونَ ) عَنْ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَهَذَا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ ، وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ .
( وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ ) أَيْ : لَوْ أَرَادَ اللَّهُ لَحَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عِبَادَةِ هَذِهِ الْأَصْنَامِ ، الَّتِي هِيَ عَلَى صُوَرِ الْمَلَائِكَةِ الَّتِي هِيَ بَنَاتُ اللَّهِ ، فَإِنَّهُ عَالِمٌ بِذَلِكَ وَهُوَ يُقْرِرُنَا عَلَيْهِ ، فَجَمَعُوا بَيْنَ أَنْوَاعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْخَطَأِ :
أَحَدُهَا : جَعْلُهُمْ لِلَّهِ وَلَدًا ، تَعَالَى وَتَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا .
الثَّانِي : دَعْوَاهُمْ أَنَّهُ اصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ ، فَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا .
الثَّالِثُ : عِبَادَتُهُمْ لَهُمْ مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ ، بِلَا دَلِيلٍ وَلَا بُرْهَانٍ ، وَلَا إِذَنٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، بَلْ بِمُجَرَّدِ الْآرَاءِ وَالْأَهْوَاءِ ، وَالتَّقْلِيدِ لِلْأَسْلَافِ وَالْكُبَرَاءِ وَالْآبَاءِ ، وَالْخَبْطِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْجَهْلَاءِ .
الرَّابِعُ : احْتِجَاجُهُمْ بِتَقْرِيرِهِمْ عَلَى ذَلِكَ قَدَرًا [ وَالْحُجَّةُ إِنَّمَا تَكُونُ بِالشَّرْعِ ] ، وَقَدْ جَهِلُوا فِي هَذَا الِاحْتِجَاجِ جَهْلًا كَبِيرًا ، فَإِنَّهُ تَعَالَى قَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ أَشَدَّ الْإِنْكَارِ ، فَإِنَّهُ مُنْذُ بَعَثَ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ يَأْمُرُ بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَيَنْهَى عَنْ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ ، قَالَ [ تَعَالَى ] ، ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ) [ النَّحْلِ : 36 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ) [ الزُّخْرُفِ : 45 ] .
224
وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ حُجَّتَهُمْ هَذِهِ - : ( مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ ) أَيْ : بِصِحَّةِ مَا قَالُوهُ وَاحْتَجُّوا بِهِ ( إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ) أَيْ : يُكَذِّبُونَ وَيَتَقَوَّلُونَ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ : ( مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ) أَيْ مَا يَعْلَمُونَ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَى ذَلِكَ .
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ فِيمَا افْتَرَوْهُ وَكَذَّبُوهُ فِي جَعْلِهِمْ بَعْضَ الْأَنْعَامِ لِطَوَاغِيتِهِمْ وَبَعْضَهَا لِلَّهِ ، كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي سُورَةِ " الْأَنْعَامِ " ، فِي قَوْلِهِ : ( وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ) [ الْأَنْعَامِ : 136 ] . وَكَذَلِكَ جَعَلُوا لَهُ مِنْ قِسْمَيِ الْبَنَاتِ وَالْبَنِينَ أَخَسَّهُمَا وَأَرْدَأَهُمَا وَهُوَ الْبَنَاتُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى . تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى ) [ النَّجْمِ : 21 ، 22 ] . وَقَالَ هَاهُنَا : ( وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ )
ثُمَّ قَالَ : ( أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ ) وَهَذَا إِنْكَارٌ عَلَيْهِمْ غَايَةَ الْإِنْكَارِ . ثُمَّ ذَكَرَ تَمَامَ الْإِنْكَارِ فَقَالَ : ( وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ) أَيْ : إِذَا بُشِّرَ أَحَدُ هَؤُلَاءِ بِمَا جَعَلُوهُ لِلَّهِ مِنَ الْبَنَاتِ يَأْنَفُ مِنْ ذَلِكَ غَايَةَ الْأَنَفَةِ ، وَتَعْلُوهُ كَآبَةٌ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ، 223 وَيَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ خَجَلِهِ مِنْ ذَلِكَ ، يَقُولُ تَعَالَى : فَكَيْفَ تَأْنَفُونَ أَنْتُمْ مِنْ ذَلِكَ ، وَتَنْسُبُونَهُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ؟ .
ثُمَّ قَالَ : ( أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ) أَيِ : الْمَرْأَةُ نَاقِصَةٌ يَكْمُلُ نَقْصُهَا بِلُبْسِ الْحُلِيِّ مُنْذُ تَكُونُ طِفْلَةً ، وَإِذَا خَاصَمَتْ فَلَا عِبَارَةَ لَهَا ، بَلْ هِيَ عَاجِزَةٌ عَيِيَّةٌ ، أَوَمَنْ يَكُونُ هَكَذَا يُنْسَبُ إِلَى جَنَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ؟ ! فَالْأُنْثَى نَاقِصَةُ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ ، فِي الصُّورَةِ وَالْمَعْنَى ، فَيَكْمُلُ نَقْصُ ظَاهِرِهَا وَصُورَتِهَا بِلُبْسِ الْحُلِيِّ وَمَا فِي مَعْنَاهُ ، لِيُجْبَرَ مَا فِيهَا مِنْ نَقْصٍ ، كَمَا قَالَ بَعْضُ شُعَرَاءِ الْعَرَبِ :
﴿﴾ وَمَا الْحَلْيُ إِلَّا زِينَةٌ مِنْ نَقِيصَةٍ ﴿﴾ ﴿﴾ يُتَمِّمُ مِنْ حُسْنٍ إِذَا الْحُسْنُ قَصَّرَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْجَمَالُ مُوَفَّرًا ﴿﴾ ﴿﴾ كَحُسْنِكِ ، لَمْ يَحْتَجْ إِلَى أَنْ يُزَوَّرَا ﴿﴾
وَأَمَّا نَقْصُ مَعْنَاهَا ، فَإِنَّهَا ضَعِيفَةٌ عَاجِزَةٌ عَنِ الِانْتِصَارِ عِنْدَ الِانْتِصَارِ ، لَا عِبَارَةَ لَهَا وَلَا هِمَّةَ ، كَمَا قَالَ بَعْضُ الْعَرَبِ وَقَدْ بُشِّرَ بِبِنْتٍ : " مَا هِيَ بِنِعْمَ الْوَلَدِ : نَصْرُهَا بِالْبُكَاءِ ، وَبِرُّهَا سَرِقَةٌ " .
وَقَوْلُهُ : ( وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا ) أَيِ : اعْتَقَدُوا فِيهِمْ ذَلِكَ ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ تَعَالَى قَوْلَهُمْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : ( أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ) أَيْ : شَاهَدُوهُ وَقَدْ خَلَقَهُمُ اللَّهُ إِنَاثًا ، ( سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ ) أَيْ : بِذَلِكَ ، ( وَيُسْأَلُونَ ) عَنْ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَهَذَا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ ، وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ .
( وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ ) أَيْ : لَوْ أَرَادَ اللَّهُ لَحَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عِبَادَةِ هَذِهِ الْأَصْنَامِ ، الَّتِي هِيَ عَلَى صُوَرِ الْمَلَائِكَةِ الَّتِي هِيَ بَنَاتُ اللَّهِ ، فَإِنَّهُ عَالِمٌ بِذَلِكَ وَهُوَ يُقْرِرُنَا عَلَيْهِ ، فَجَمَعُوا بَيْنَ أَنْوَاعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْخَطَأِ :
أَحَدُهَا : جَعْلُهُمْ لِلَّهِ وَلَدًا ، تَعَالَى وَتَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا .
الثَّانِي : دَعْوَاهُمْ أَنَّهُ اصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ ، فَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا .
الثَّالِثُ : عِبَادَتُهُمْ لَهُمْ مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ ، بِلَا دَلِيلٍ وَلَا بُرْهَانٍ ، وَلَا إِذَنٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، بَلْ بِمُجَرَّدِ الْآرَاءِ وَالْأَهْوَاءِ ، وَالتَّقْلِيدِ لِلْأَسْلَافِ وَالْكُبَرَاءِ وَالْآبَاءِ ، وَالْخَبْطِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْجَهْلَاءِ .
الرَّابِعُ : احْتِجَاجُهُمْ بِتَقْرِيرِهِمْ عَلَى ذَلِكَ قَدَرًا [ وَالْحُجَّةُ إِنَّمَا تَكُونُ بِالشَّرْعِ ] ، وَقَدْ جَهِلُوا فِي هَذَا الِاحْتِجَاجِ جَهْلًا كَبِيرًا ، فَإِنَّهُ تَعَالَى قَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ أَشَدَّ الْإِنْكَارِ ، فَإِنَّهُ مُنْذُ بَعَثَ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ يَأْمُرُ بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَيَنْهَى عَنْ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ ، قَالَ [ تَعَالَى ] ، ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ) [ النَّحْلِ : 36 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ) [ الزُّخْرُفِ : 45 ] .
224
وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ حُجَّتَهُمْ هَذِهِ - : ( مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ ) أَيْ : بِصِحَّةِ مَا قَالُوهُ وَاحْتَجُّوا بِهِ ( إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ) أَيْ : يُكَذِّبُونَ وَيَتَقَوَّلُونَ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ : ( مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ) أَيْ مَا يَعْلَمُونَ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَى ذَلِكَ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith