تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السابع
( فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ ( 88 ) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ ( 89 ) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ ( 90 ) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ( 91 ) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ ( 92 ) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ ( 93 ) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ ( 94 ) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ( 95 ) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ( 96 ) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ ( 97 ) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ ( 98 ) )
إِنَّمَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِقَوْمِهِ ذَلِكَ ، لِيُقِيمَ فِي الْبَلَدِ إِذَا ذَهَبُوا إِلَى عِيدِهِمْ ، فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ أَزِفَ خُرُوجُهُمْ إِلَى عِيدٍ لَهُمْ ، فَأَحَبَّ أَنْ يَخْتَلِيَ بِآلِهَتِهِمْ لِيَكْسِرَهَا ، فَقَالَ لَهُمْ كَلَامًا هُوَ حَقٌّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، فَهِمُوا مِنْهُ أَنَّهُ سَقِيمٌ عَلَى مُقْتَضَى مَا يَعْتَقِدُونَهُ ، ( فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ ) قَالَ قَتَادَةُ : وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِمَنْ تَفَكَّرَ : نَظَرَ فِي النُّجُومِ : يَعْنِي قَتَادَةُ : أَنَّهُ نَظَّرَ فِي السَّمَاءِ مُتَفَكِّرًا فِيمَا يُلْهِيهِمْ بِهِ ، فَقَالَ : ( إِنِّي سَقِيمٌ ) أَيْ : ضَعِيفٌ .
فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، حَدَّثَنِي هِشَامٌ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، غَيْرَ ثَلَاثِ كَذْبَاتٍ : ثِنْتَيْنِ فِي ذَاتِ اللَّهِ ، قَوْلُهُ : ( إِنِّي سَقِيمٌ ) ، وَقَوْلُهُ ( بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا ) [ الْأَنْبِيَاءِ : 62 ] ، وَقَوْلُهُ فِي سَارَةَ : هِيَ أُخْتِي " فَهُوَ حَدِيثٌ مُخَرَّجٌ فِي الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ مِنْ طَرُقٍ ، وَلَكِنْ لَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الْكَذِبِ الْحَقِيقِيِّ الَّذِي يُذَمُّ فَاعِلُهُ ، حَاشَا وَكَلَّا وَإِنَّمَا أُطْلِقَ الْكَذِبُ عَلَى هَذَا 25 تَجُوُّزًا ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الْمَعَارِيضِ فِي الْكَلَامِ لِمَقْصِدٍ شَرْعِيٍّ دِينِيٍّ ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : " إِنَّ [ فِي ] الْمَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةً عَنِ الْكَذِبِ "
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كَلِمَاتِ إِبْرَاهِيمَ الثَّلَاثِ الَّتِي قَالَ : " مَا مِنْهَا كَلِمَةٌ إِلَّا مَاحَلَ بِهَا عَنْ دِينِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَقَالَ : ( إِنِّي سَقِيمٌ ) ، وَقَالَ ( بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ ) ، وَقَالَ لِلْمَلِكِ حِينَ أَرَادَ الْمَرْأَةَ : هِيَ أُخْتِي " .
قَالَ سُفْيَانُ فِي قَوْلِهِ : ( إِنِّي سَقِيمٌ ) يَعْنِي : طَعِينٌ . وَكَانُوا يَفِرُّونَ مِنَ الْمَطْعُونِ ، فَأَرَادَ أَنْ يَخْلُوَ بِآلِهَتِهِمْ . وَكَذَا قَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ . فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ ) ، فَقَالُوا لَهُ وَهُوَ فِي بَيْتِ آلِهَتِهِمْ : اخْرُجْ . فَقَالَ : إِنِّي مَطْعُونٌ ، فَتَرَكُوهُ مَخَافَةَ الطَّاعُونِ .
وَقَالَ قَتَادَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : رَأَى نَجْمًا طَلَعَ فَقَالَ : ( إِنِّي سَقِيمٌ ) كَابَدَ نَبِيُّ اللَّهِ عَنْ دِينِهِ ( فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ ) .
وَقَالَ آخَرُونَ : فَقَالَ : ( إِنِّي سَقِيمٌ ) بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يُسْتَقْبَلُ ، يَعْنِي : مَرَضَ الْمَوْتِ .
وَقِيلَ : أَرَادَ ( إِنِّي سَقِيمٌ ) أَيْ : مَرِيضُ الْقَلْبِ مِنْ عِبَادَتِكُمُ الْأَوْثَانَ مِنْ دُونِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - .
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : خَرَجَ قَوْمُ إِبْرَاهِيمَ إِلَى عِيدِهِمْ ، فَأَرَادُوهُ عَلَى الْخُرُوجِ ، فَاضْطَجَعَ عَلَى ظَهْرِهِ وَقَالَ : ( إِنِّي سَقِيمٌ ) ، وَجَعَلَ يَنْظُرُ فِي السَّمَاءِ فَلَمَّا خَرَجُوا أَقْبَلَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَكَسَرَهَا . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ .
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ ) أَيْ : إِلَى عِيدِهِمْ ، ( فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ ) أَيْ : ذَهَبَ إِلَيْهَا بَعْدَ أَنْ خَرَجُوا فِي سُرْعَةٍ وَاخْتِفَاءٍ ، ( فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ) ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ وَضَعُوا بَيْنَ أَيْدِيهَا طَعَامًا قُرْبَانًا لِتُبَرِّكَ لَهُمْ فِيهِ .
قَالَ السُّدِّيُّ : دَخَلَ إِبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِلَى بَيْتِ الْآلِهَةِ ، فَإِذَا هُمْ فِي بَهْوٍ عَظِيمٍ ، وَإِذَا مُسْتَقْبِلُ بَابِ الْبَهْوِ صَنَمٌ عَظِيمٌ ، إِلَى جَنْبِهِ [ صَنَمٌ آخَرُ ] أَصْغَرُ مِنْهُ ، بَعْضُهَا إِلَى جَنْبِ بَعْضٍ ، كُلُّ صَنَمٍ يَلِيهِ أَصْغَرُ مِنْهُ ، حَتَّى بَلَغُوا بَابَ الْبَهْوِ ، وَإِذَا هُمْ قَدْ جَعَلُوا طَعَامًا وَضَعُوهُ بَيْنَ أَيْدِي الْآلِهَةِ ، وَقَالُوا : إِذَا كَانَ حِينَ نَرْجِعُ وَقَدْ بَرَّكَتِ الْآلِهَةُ فِي طَعَامِنَا أَكَلْنَاهُ ، فَلَمَّا نَظَرَ إِبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مِنَ الطَّعَامِ قَالَ : ( أَلَا تَأْكُلُونَ . مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ ) ؟ ! 26
وَقَوْلُهُ : ( فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ ) : قَالَ الْفَرَّاءُ : مَعْنَاهُ مَالَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ .
وَقَالَ قَتَادَةُ وَالْجَوْهَرِيُّ : فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ .
وَإِنَّمَا ضَرَبَهُمْ بِالْيَمِينِ لِأَنَّهَا أَشَدُّ وَأَنْكَى ; وَلِهَذَا تَرَكَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ تَفْسِيرُ ذَلِكَ .
قَوْلُهُ هَاهُنَا : ( فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ ) : قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ : أَيْ يُسْرِعُونَ .
وَهَذِهِ الْقِصَّةُ هَاهُنَا مُخْتَصَرَةٌ ، وَفِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ مَبْسُوطَةٌ ، فَإِنَّهُمْ لَمَّا رَجَعُوا مَا عَرَفُوا مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ حَتَّى كَشَفُوا وَاسْتَعْلَمُوا ، فَعَرَفُوا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - هُوَ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ . فَلَمَّا جَاءُوا لِيُعَاتِبُوهُ أَخْذَ فِي تَأْنِيبِهِمْ وَعَيْبِهِمْ ، فَقَالَ : ( أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ) ؟ ! أَيْ : أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنَ الْأَصْنَامِ مَا أَنْتُمْ تَنْحِتُونَهَا وَتَجْعَلُونَهَا بِأَيْدِيكُمْ ؟ ! ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ " مَا " مَصْدَرِيَّةٌ ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ : وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَعَمَلَكُمْ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى " الَّذِي " تَقْدِيرُهُ : وَاللَّهُ خَلْقَكُمْ وَالَّذِي تَعْمَلُونَهُ . وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ مُتَلَازِمٌ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ; رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ " أَفْعَالِ الْعِبَادِ " ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا قَالَ : " إِنَّ اللَّهَ يَصْنَعُ كُلَّ صَانِعٍ وَصَنْعَتَهُ " . وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ : ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ )
فَعِنْدَ ذَلِكَ لَمَّا قَامَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ عَدَلُوا إِلَى أَخْذِهِ بِالْيَدِ وَالْقَهْرِ ، فَقَالُوا : ( ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ ) وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَنَجَّاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ وَأَظْهَرَهُ عَلَيْهِمْ ، وَأَعْلَى حَجَّتَهُ وَنَصَرَهَا ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ )
إِنَّمَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِقَوْمِهِ ذَلِكَ ، لِيُقِيمَ فِي الْبَلَدِ إِذَا ذَهَبُوا إِلَى عِيدِهِمْ ، فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ أَزِفَ خُرُوجُهُمْ إِلَى عِيدٍ لَهُمْ ، فَأَحَبَّ أَنْ يَخْتَلِيَ بِآلِهَتِهِمْ لِيَكْسِرَهَا ، فَقَالَ لَهُمْ كَلَامًا هُوَ حَقٌّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، فَهِمُوا مِنْهُ أَنَّهُ سَقِيمٌ عَلَى مُقْتَضَى مَا يَعْتَقِدُونَهُ ، ( فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ ) قَالَ قَتَادَةُ : وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِمَنْ تَفَكَّرَ : نَظَرَ فِي النُّجُومِ : يَعْنِي قَتَادَةُ : أَنَّهُ نَظَّرَ فِي السَّمَاءِ مُتَفَكِّرًا فِيمَا يُلْهِيهِمْ بِهِ ، فَقَالَ : ( إِنِّي سَقِيمٌ ) أَيْ : ضَعِيفٌ .
فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، حَدَّثَنِي هِشَامٌ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، غَيْرَ ثَلَاثِ كَذْبَاتٍ : ثِنْتَيْنِ فِي ذَاتِ اللَّهِ ، قَوْلُهُ : ( إِنِّي سَقِيمٌ ) ، وَقَوْلُهُ ( بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا ) [ الْأَنْبِيَاءِ : 62 ] ، وَقَوْلُهُ فِي سَارَةَ : هِيَ أُخْتِي " فَهُوَ حَدِيثٌ مُخَرَّجٌ فِي الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ مِنْ طَرُقٍ ، وَلَكِنْ لَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الْكَذِبِ الْحَقِيقِيِّ الَّذِي يُذَمُّ فَاعِلُهُ ، حَاشَا وَكَلَّا وَإِنَّمَا أُطْلِقَ الْكَذِبُ عَلَى هَذَا 25 تَجُوُّزًا ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الْمَعَارِيضِ فِي الْكَلَامِ لِمَقْصِدٍ شَرْعِيٍّ دِينِيٍّ ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : " إِنَّ [ فِي ] الْمَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةً عَنِ الْكَذِبِ "
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كَلِمَاتِ إِبْرَاهِيمَ الثَّلَاثِ الَّتِي قَالَ : " مَا مِنْهَا كَلِمَةٌ إِلَّا مَاحَلَ بِهَا عَنْ دِينِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَقَالَ : ( إِنِّي سَقِيمٌ ) ، وَقَالَ ( بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ ) ، وَقَالَ لِلْمَلِكِ حِينَ أَرَادَ الْمَرْأَةَ : هِيَ أُخْتِي " .
قَالَ سُفْيَانُ فِي قَوْلِهِ : ( إِنِّي سَقِيمٌ ) يَعْنِي : طَعِينٌ . وَكَانُوا يَفِرُّونَ مِنَ الْمَطْعُونِ ، فَأَرَادَ أَنْ يَخْلُوَ بِآلِهَتِهِمْ . وَكَذَا قَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ . فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ ) ، فَقَالُوا لَهُ وَهُوَ فِي بَيْتِ آلِهَتِهِمْ : اخْرُجْ . فَقَالَ : إِنِّي مَطْعُونٌ ، فَتَرَكُوهُ مَخَافَةَ الطَّاعُونِ .
وَقَالَ قَتَادَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : رَأَى نَجْمًا طَلَعَ فَقَالَ : ( إِنِّي سَقِيمٌ ) كَابَدَ نَبِيُّ اللَّهِ عَنْ دِينِهِ ( فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ ) .
وَقَالَ آخَرُونَ : فَقَالَ : ( إِنِّي سَقِيمٌ ) بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يُسْتَقْبَلُ ، يَعْنِي : مَرَضَ الْمَوْتِ .
وَقِيلَ : أَرَادَ ( إِنِّي سَقِيمٌ ) أَيْ : مَرِيضُ الْقَلْبِ مِنْ عِبَادَتِكُمُ الْأَوْثَانَ مِنْ دُونِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - .
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : خَرَجَ قَوْمُ إِبْرَاهِيمَ إِلَى عِيدِهِمْ ، فَأَرَادُوهُ عَلَى الْخُرُوجِ ، فَاضْطَجَعَ عَلَى ظَهْرِهِ وَقَالَ : ( إِنِّي سَقِيمٌ ) ، وَجَعَلَ يَنْظُرُ فِي السَّمَاءِ فَلَمَّا خَرَجُوا أَقْبَلَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَكَسَرَهَا . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ .
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ ) أَيْ : إِلَى عِيدِهِمْ ، ( فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ ) أَيْ : ذَهَبَ إِلَيْهَا بَعْدَ أَنْ خَرَجُوا فِي سُرْعَةٍ وَاخْتِفَاءٍ ، ( فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ) ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ وَضَعُوا بَيْنَ أَيْدِيهَا طَعَامًا قُرْبَانًا لِتُبَرِّكَ لَهُمْ فِيهِ .
قَالَ السُّدِّيُّ : دَخَلَ إِبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِلَى بَيْتِ الْآلِهَةِ ، فَإِذَا هُمْ فِي بَهْوٍ عَظِيمٍ ، وَإِذَا مُسْتَقْبِلُ بَابِ الْبَهْوِ صَنَمٌ عَظِيمٌ ، إِلَى جَنْبِهِ [ صَنَمٌ آخَرُ ] أَصْغَرُ مِنْهُ ، بَعْضُهَا إِلَى جَنْبِ بَعْضٍ ، كُلُّ صَنَمٍ يَلِيهِ أَصْغَرُ مِنْهُ ، حَتَّى بَلَغُوا بَابَ الْبَهْوِ ، وَإِذَا هُمْ قَدْ جَعَلُوا طَعَامًا وَضَعُوهُ بَيْنَ أَيْدِي الْآلِهَةِ ، وَقَالُوا : إِذَا كَانَ حِينَ نَرْجِعُ وَقَدْ بَرَّكَتِ الْآلِهَةُ فِي طَعَامِنَا أَكَلْنَاهُ ، فَلَمَّا نَظَرَ إِبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مِنَ الطَّعَامِ قَالَ : ( أَلَا تَأْكُلُونَ . مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ ) ؟ ! 26
وَقَوْلُهُ : ( فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ ) : قَالَ الْفَرَّاءُ : مَعْنَاهُ مَالَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ .
وَقَالَ قَتَادَةُ وَالْجَوْهَرِيُّ : فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ .
وَإِنَّمَا ضَرَبَهُمْ بِالْيَمِينِ لِأَنَّهَا أَشَدُّ وَأَنْكَى ; وَلِهَذَا تَرَكَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ تَفْسِيرُ ذَلِكَ .
قَوْلُهُ هَاهُنَا : ( فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ ) : قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ : أَيْ يُسْرِعُونَ .
وَهَذِهِ الْقِصَّةُ هَاهُنَا مُخْتَصَرَةٌ ، وَفِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ مَبْسُوطَةٌ ، فَإِنَّهُمْ لَمَّا رَجَعُوا مَا عَرَفُوا مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ حَتَّى كَشَفُوا وَاسْتَعْلَمُوا ، فَعَرَفُوا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - هُوَ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ . فَلَمَّا جَاءُوا لِيُعَاتِبُوهُ أَخْذَ فِي تَأْنِيبِهِمْ وَعَيْبِهِمْ ، فَقَالَ : ( أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ) ؟ ! أَيْ : أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنَ الْأَصْنَامِ مَا أَنْتُمْ تَنْحِتُونَهَا وَتَجْعَلُونَهَا بِأَيْدِيكُمْ ؟ ! ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ " مَا " مَصْدَرِيَّةٌ ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ : وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَعَمَلَكُمْ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى " الَّذِي " تَقْدِيرُهُ : وَاللَّهُ خَلْقَكُمْ وَالَّذِي تَعْمَلُونَهُ . وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ مُتَلَازِمٌ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ; رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ " أَفْعَالِ الْعِبَادِ " ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا قَالَ : " إِنَّ اللَّهَ يَصْنَعُ كُلَّ صَانِعٍ وَصَنْعَتَهُ " . وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ : ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ )
فَعِنْدَ ذَلِكَ لَمَّا قَامَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ عَدَلُوا إِلَى أَخْذِهِ بِالْيَدِ وَالْقَهْرِ ، فَقَالُوا : ( ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ ) وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَنَجَّاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ وَأَظْهَرَهُ عَلَيْهِمْ ، وَأَعْلَى حَجَّتَهُ وَنَصَرَهَا ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ )
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith