تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
page 1398 · printed p. 266
( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ ( 10 ) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ ( 11 ) ) .
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ صِفَاتِ قَوْمٍ مِنَ [ الْمُكَذِّبِينَ ] الَّذِينَ يَدَّعُونَ الْإِيمَانَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ، وَلَمْ يَثْبُتِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ ، بِأَنَّهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ فِتْنَةٌ وَمِحْنَةٌ فِي الدُّنْيَا ، اعْتَقَدُوا أَنَّ هَذَا مِنْ نِقْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِهِمْ ، فَارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ ) .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَعْنِي فِتْنَتَهُ أَنْ يَرْتَدَّ عَنْ دِينِهِ إِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ . وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ . وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) [ الْحَجِّ : 11 ] .
ثُمَّ قَالَ : ( وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ) أَيْ : وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ قَرِيبٌ مِنْ رَبِّكَ - يَا مُحَمَّدُ - وَفَتْحٌ وَمَغَانِمُ ، لَيَقُولُنَّ هَؤُلَاءِ لَكُمْ : إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ، أَيْ [ كُنَّا ] إِخْوَانَكُمْ فِي الدِّينِ ، كَمَا 266 قَالَ تَعَالَى : ( الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) [ النِّسَاءِ : 141 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ ) [ الْمَائِدَةِ : 52 ] .
وَقَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْهُمْ هَاهُنَا : ( وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ) ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ ) أَيْ : أَوَلَيِسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ ، وَمَا تُكِنُّهُ ضَمَائِرُهُمْ ، وَإِنْ أَظْهَرُوا لَكُمُ الْمُوَافَقَةَ ؟
وَقَوْلُهُ : ( وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ ) أَيْ : وَلَيَخْتَبِرَنَّ اللَّهُ النَّاسَ بِالضَّرَّاءِ وَالسَّرَّاءِ ، لِيَتَمَيَّزَ هَؤُلَاءِ مِنْ هَؤُلَاءِ ، وَمَنْ يُطِيعُ اللَّهَ فِي الضَّرَّاءِ وَالسَّرَّاءِ ، إِنَّمَا يُطِيعُهُ فِي حَظِّ نَفْسِهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ) [ مُحَمَّدٍ : 31 ] ، وَقَالَ تَعَالَى بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ ، الَّتِي كَانَ فِيهَا مَا كَانَ مِنَ الِاخْتِبَارِ وَالِامْتِحَانِ : ( مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ) الْآيَةَ [ آلِ عِمْرَانَ : 179 ] ، [ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ] .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith