تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
( إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ( 85 ) وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ ( 86 ) وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 87 ) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 88 ) ) .
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا رَسُولَهُ ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ ، بِبَلَاغِ الرِّسَالَةِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ عَلَى النَّاسِ ، وَمُخْبِرًا لَهُ بِأَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَى مَعَادٍ ، وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ، فَيَسْأَلُهُ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ مِنْ أَعْبَاءِ النُّبُوَّةِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) أَيِ : افْتَرَضَ عَلَيْكَ أَدَاءَهُ إِلَى النَّاسِ ، ( لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) أَيْ : إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَيَسْأَلُكَ عَنْ ذَلِكَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ) [ الْأَعْرَافِ : 6 ] ، وَقَالَ ( يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ [ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ] ) [ الْمَائِدَةِ : 109 ] [ وَقَالَ ] : ( وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ ) [ الزُّمَرِ : 69 ] .
وَقَالَ السُّدِّيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) ، يَقُولُ : لَرَادُّكَ إِلَى الْجَنَّةِ ، ثُمَّ سَائِلُكَ عَنِ الْقُرْآنِ . قَالَ السُّدِّيُّ : وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ مِثْلَهَا .
وَقَالَ الْحَكَمُ بْنُ أَبَانٍ ، عَنْ عِكْرمِةَ ، [ وَ ] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : ( لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) قَالَ : إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَرَوَاهُ مَالِكٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ .
260
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) : إِلَى الْمَوْتِ .
وَلِهَذَا طُرُقٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، وَفِي بَعْضِهَا : لَرَادُّكَ إِلَى مَعْدِنِكَ مِنَ الْجَنَّةِ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : يُحْيِيكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَكَذَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ ، وَعَطَاءٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَأَبِي قَزَعَةَ ، وَأَبِي مَالِكٍ ، وَأَبِي صَالِحٍ .
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : أَيْ وَاللَّهِ ، إِنَّ لَهُ لَمَعَادًا ، يَبْعَثُهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ غَيْرُ ذَلِكَ ، كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ صَحِيحِهِ :
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ، أَنْبَأَنَا يَعْلَى ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الْعُصْفُرِيُّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) قَالَ : إِلَى مَكَّةَ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي تَفْسِيرِ سُنَنِهِ ، وَابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ يَعْلَى - وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ - بِهِ . وَهَكَذَا رَوَى الْعَوْفيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) أَيْ : لَرَادُّكَ إِلَى مَكَّةَ كَمَا أَخْرَجَكَ مِنْهَا .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : ( لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) : إِلَى مَوْلِدِكَ بِمَكَّةَ .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَيَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَعَطِيَّةَ ، وَالضَّحَّاكِ ، نَحْوُ ذَلِكَ .
[ وَحَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَ : قَالَ سُفْيَانُ : فَسَمِعْنَاهُ مِنْ مُقَاتِلٍ مُنْذُ سَبْعِينَ سَنَةً ، عَنِ الضَّحَّاكِ ] قَالَ : لَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَكَّةَ ، فَبَلَغَ الْجُحْفَةَ ، اشْتَاقَ إِلَى مَكَّةَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ : ( إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) إِلَى مَكَّةَ .
وَهَذَا مِنْ كَلَامِ الضَّحَّاكِ يَقْتَضِي أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَدَنِيَّةٌ ، وَإِنْ كَانَ مَجْمُوعُ السُّورَةِ مَكِّيًّا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَدْ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : ( لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) قَالَ : هَذِهِ مِمَّا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَكْتُمُهَا ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدِهِ عَنْ نُعَيْمٍ الْقَارِئِ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ : ( لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) قَالَ : إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ .
وَهَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - يَرْجِعُ إِلَى قَوْلِ مَنْ فَسَّرَ ذَلِكَ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ; لِأَنَّ بَيْتَ الْمَقْدِسِ هُوَ أَرْضُ الْمَحْشَرِ وَالْمَنْشَرِ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ .
وَوَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَّرَ ذَلِكَ تَارَةً بِرُجُوعِهِ إِلَى مَكَّةَ ، وَهُوَ الْفَتْحُ الَّذِي هُوَ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَمَارَةٌ عَلَى اقْتِرَابِ أَجَلِهِ ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ ، كَمَا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ 261 بِسُورَةِ ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا . فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ) أَنَّهُ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نُعِيَ إِلَيْهِ ، وَكَانَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَوَافَقَهُ عُمَرُ عَلَى ذَلِكَ ، وَقَالَ : لَا أَعْلَمَ مِنْهَا غَيْرَ الَّذِي تَعْلَمُ . وَلِهَذَا فَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ تَارَةً أُخْرَى قَوْلَهُ : ( لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) بِالْمَوْتِ ، وَتَارَةً بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ الَّذِي هُوَ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَتَارَةً بِالْجَنَّةِ الَّتِي هِيَ جَزَاؤُهُ وَمَصِيرُهُ عَلَى أَدَاءِ رِسَالَةِ اللَّهِ وَإِبْلَاغِهَا إِلَى الثِّقْلَيْنِ : الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ، وَلِأَنَّهُ أَكْمَلُ خَلْقِ اللَّهِ ، وَأَفْصَحُ خَلْقِ اللَّهِ ، وَأَشْرَفُ خَلْقِ اللَّهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ .
وَقَوْلُهُ : ( قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ) أَيْ : قُلْ - لِمَنْ خَالَفَكَ وَكَذَّبَكَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ قَوْمِكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ - قُلْ : رُبِّي أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِي مِنْكُمْ وَمِنِّي ، وَسَتَعْلَمُونَ لِمَنْ تَكُونُ عَاقِبَةُ الدَّارِ ، وَلِمَنْ تَكُونُ الْعَاقِبَةُ وَالنُّصْرَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُذَكِّرًا لِنَبِيِّهِ نِعْمَتَهُ الْعَظِيمَةَ عَلَيْهِ وَعَلَى الْعِبَادِ إِذْ أَرْسَلَهُ إِلَيْهِمْ : ( وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ ) أَيْ : مَا كُنْتَ تَظُنُّ قَبْلَ إِنْزَالِ الْوَحْيِ إِلَيْكَ أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ عَلَيْكَ ، ( إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ) أَيْ : إِنَّمَا نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ رَحْمَتِهِ بِكَ وَبِالْعِبَادِ بِسَبَبِكَ ، فَإِذَا مَنَحَكَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ الْعَظِيمَةِ ( فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا ) أَيْ : مُعِينًا ) لِلْكَافِرِينَ ) [ أَيْ ] : وَلَكِنْ فَارِقْهُمْ وَنَابِذْهُمْ وَخَالِفْهُمْ .
( وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ ) أَيْ : لَا تَتَأَثَّرْ لِمُخَالَفَتِهِمْ لَكَ وَصَدِّهِمُ النَّاسَ عَنْ طَرِيقِكَ لَا تَلْوِي عَلَى ذَلِكَ وَلَا تُبَالِهِ ; فَإِنَّ اللَّهَ مُعْلٍ كَلِمَتَكَ ، وَمُؤَيِّدٌ دِينَكَ ، وَمُظْهِرٌ مَا أُرْسِلْتَ بِهِ عَلَى سَائِرِ الْأَدْيَانِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ ) أَيْ : إِلَى عِبَادَةِ رَبِّكَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، ( وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ) أَيْ : لَا تَلِيقُ الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ وَلَا تَنْبَغِي الْإِلَهِيَّةُ إِلَّا لِعَظَمَتِهِ .
وَقَوْلُهُ : ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) : إِخْبَارٌ بِأَنَّهُ الدَّائِمُ الْبَاقِي الْحَيُّ الْقَيُّومُ ، الَّذِي تَمُوتُ الْخَلَائِقُ وَلَا يَمُوتُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) [ الرَّحْمَنِ : 26 ، 27 ] ، فَعَبَّرَ بِالْوَجْهِ عَنِ الذَّاتِ ، وَهَكَذَا قَوْلُهُ هَاهُنَا : ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) أَيْ : إِلَّا إِيَّاهُ .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ ، مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا شَاعِرٌ [ كَلِمَةُ ] لَبِيَدٍ :
﴿﴾ أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ ﴿﴾
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالثَّوْرِيُّ فِي قَوْلِهِ : ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) أَيْ : إِلَّا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُهُ ، 262 وَحَكَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ كَالْمُقَرِّرِ لَهُ .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَيَسْتَشْهِدُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ :
﴿﴾ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ذنبًا لَسْتُ مُحْصِيَهُ ﴿﴾ ﴿﴾ رَبُّ الْعِبَادِ ، إلَيهِ الْوَجْهُ وَالْعَمَلُ ﴿﴾
وَهَذَا الْقَوْلُ لَا يُنَافِي الْقَوْلَ الْأَوَّلَ ، فَإِنَّ هَذَا إِخْبَارٌ عَنْ كُلِّ الْأَعْمَالِ بِأَنَّهَا بَاطِلَةٌ إِلَّا مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الْمُطَابِقَةِ لِلشَّرِيعَةِ . وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ مُقْتَضَاهُ أَنَّ كُلَّ الذَّوَاتِ فَانِيَةٌ وَهَالِكَةٌ وَزَائِلَةٌ إِلَّا ذَاتَهُ تَعَالَى ، فَإِنَّهُ الْأَوَّلُ الْآخِرُ الَّذِي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَبَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ " التَّفَكُّرِ وَالِاعْتِبَارِ " : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ سُلَيْمٍ الْبَاهِلِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَعَاهَدَ قَلْبَهُ ، يَأْتِي الْخَرِبَةَ فَيَقِفُ عَلَى بَابِهَا ، فَيُنَادِي بِصَوْتٍ حَزِينٍ فَيَقُولُ : أَيْنَ أَهْلُكِ ؟ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى نَفْسِهِ فَيَقُولُ : ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) .
وَقَوْلُهُ : ( لَهُ الْحُكْمُ ) أَيِ : الْمُلْكُ وَالتَّصَرُّفُ ، وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ، ( وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) أَيْ : يَوْمَ مَعَادِكُمْ ، فَيَجْزِيكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ ، إِنْ كَانَ خَيْرًا فَخَيْرٌ ، وَإِنَّ شَرًّا فَشَرٌّ .
[ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ " الْقَصَصِ " ]
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا رَسُولَهُ ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ ، بِبَلَاغِ الرِّسَالَةِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ عَلَى النَّاسِ ، وَمُخْبِرًا لَهُ بِأَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَى مَعَادٍ ، وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ، فَيَسْأَلُهُ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ مِنْ أَعْبَاءِ النُّبُوَّةِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) أَيِ : افْتَرَضَ عَلَيْكَ أَدَاءَهُ إِلَى النَّاسِ ، ( لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) أَيْ : إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَيَسْأَلُكَ عَنْ ذَلِكَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ) [ الْأَعْرَافِ : 6 ] ، وَقَالَ ( يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ [ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ] ) [ الْمَائِدَةِ : 109 ] [ وَقَالَ ] : ( وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ ) [ الزُّمَرِ : 69 ] .
وَقَالَ السُّدِّيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) ، يَقُولُ : لَرَادُّكَ إِلَى الْجَنَّةِ ، ثُمَّ سَائِلُكَ عَنِ الْقُرْآنِ . قَالَ السُّدِّيُّ : وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ مِثْلَهَا .
وَقَالَ الْحَكَمُ بْنُ أَبَانٍ ، عَنْ عِكْرمِةَ ، [ وَ ] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : ( لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) قَالَ : إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَرَوَاهُ مَالِكٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ .
260
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) : إِلَى الْمَوْتِ .
وَلِهَذَا طُرُقٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، وَفِي بَعْضِهَا : لَرَادُّكَ إِلَى مَعْدِنِكَ مِنَ الْجَنَّةِ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : يُحْيِيكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَكَذَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ ، وَعَطَاءٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَأَبِي قَزَعَةَ ، وَأَبِي مَالِكٍ ، وَأَبِي صَالِحٍ .
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : أَيْ وَاللَّهِ ، إِنَّ لَهُ لَمَعَادًا ، يَبْعَثُهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ غَيْرُ ذَلِكَ ، كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ صَحِيحِهِ :
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ، أَنْبَأَنَا يَعْلَى ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الْعُصْفُرِيُّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) قَالَ : إِلَى مَكَّةَ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي تَفْسِيرِ سُنَنِهِ ، وَابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ يَعْلَى - وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ - بِهِ . وَهَكَذَا رَوَى الْعَوْفيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) أَيْ : لَرَادُّكَ إِلَى مَكَّةَ كَمَا أَخْرَجَكَ مِنْهَا .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : ( لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) : إِلَى مَوْلِدِكَ بِمَكَّةَ .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَيَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَعَطِيَّةَ ، وَالضَّحَّاكِ ، نَحْوُ ذَلِكَ .
[ وَحَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَ : قَالَ سُفْيَانُ : فَسَمِعْنَاهُ مِنْ مُقَاتِلٍ مُنْذُ سَبْعِينَ سَنَةً ، عَنِ الضَّحَّاكِ ] قَالَ : لَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَكَّةَ ، فَبَلَغَ الْجُحْفَةَ ، اشْتَاقَ إِلَى مَكَّةَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ : ( إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) إِلَى مَكَّةَ .
وَهَذَا مِنْ كَلَامِ الضَّحَّاكِ يَقْتَضِي أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَدَنِيَّةٌ ، وَإِنْ كَانَ مَجْمُوعُ السُّورَةِ مَكِّيًّا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَدْ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : ( لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) قَالَ : هَذِهِ مِمَّا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَكْتُمُهَا ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدِهِ عَنْ نُعَيْمٍ الْقَارِئِ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ : ( لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) قَالَ : إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ .
وَهَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - يَرْجِعُ إِلَى قَوْلِ مَنْ فَسَّرَ ذَلِكَ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ; لِأَنَّ بَيْتَ الْمَقْدِسِ هُوَ أَرْضُ الْمَحْشَرِ وَالْمَنْشَرِ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ .
وَوَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَّرَ ذَلِكَ تَارَةً بِرُجُوعِهِ إِلَى مَكَّةَ ، وَهُوَ الْفَتْحُ الَّذِي هُوَ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَمَارَةٌ عَلَى اقْتِرَابِ أَجَلِهِ ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ ، كَمَا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ 261 بِسُورَةِ ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا . فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ) أَنَّهُ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نُعِيَ إِلَيْهِ ، وَكَانَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَوَافَقَهُ عُمَرُ عَلَى ذَلِكَ ، وَقَالَ : لَا أَعْلَمَ مِنْهَا غَيْرَ الَّذِي تَعْلَمُ . وَلِهَذَا فَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ تَارَةً أُخْرَى قَوْلَهُ : ( لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) بِالْمَوْتِ ، وَتَارَةً بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ الَّذِي هُوَ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَتَارَةً بِالْجَنَّةِ الَّتِي هِيَ جَزَاؤُهُ وَمَصِيرُهُ عَلَى أَدَاءِ رِسَالَةِ اللَّهِ وَإِبْلَاغِهَا إِلَى الثِّقْلَيْنِ : الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ، وَلِأَنَّهُ أَكْمَلُ خَلْقِ اللَّهِ ، وَأَفْصَحُ خَلْقِ اللَّهِ ، وَأَشْرَفُ خَلْقِ اللَّهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ .
وَقَوْلُهُ : ( قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ) أَيْ : قُلْ - لِمَنْ خَالَفَكَ وَكَذَّبَكَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ قَوْمِكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ - قُلْ : رُبِّي أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِي مِنْكُمْ وَمِنِّي ، وَسَتَعْلَمُونَ لِمَنْ تَكُونُ عَاقِبَةُ الدَّارِ ، وَلِمَنْ تَكُونُ الْعَاقِبَةُ وَالنُّصْرَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُذَكِّرًا لِنَبِيِّهِ نِعْمَتَهُ الْعَظِيمَةَ عَلَيْهِ وَعَلَى الْعِبَادِ إِذْ أَرْسَلَهُ إِلَيْهِمْ : ( وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ ) أَيْ : مَا كُنْتَ تَظُنُّ قَبْلَ إِنْزَالِ الْوَحْيِ إِلَيْكَ أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ عَلَيْكَ ، ( إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ) أَيْ : إِنَّمَا نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ رَحْمَتِهِ بِكَ وَبِالْعِبَادِ بِسَبَبِكَ ، فَإِذَا مَنَحَكَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ الْعَظِيمَةِ ( فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا ) أَيْ : مُعِينًا ) لِلْكَافِرِينَ ) [ أَيْ ] : وَلَكِنْ فَارِقْهُمْ وَنَابِذْهُمْ وَخَالِفْهُمْ .
( وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ ) أَيْ : لَا تَتَأَثَّرْ لِمُخَالَفَتِهِمْ لَكَ وَصَدِّهِمُ النَّاسَ عَنْ طَرِيقِكَ لَا تَلْوِي عَلَى ذَلِكَ وَلَا تُبَالِهِ ; فَإِنَّ اللَّهَ مُعْلٍ كَلِمَتَكَ ، وَمُؤَيِّدٌ دِينَكَ ، وَمُظْهِرٌ مَا أُرْسِلْتَ بِهِ عَلَى سَائِرِ الْأَدْيَانِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ ) أَيْ : إِلَى عِبَادَةِ رَبِّكَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، ( وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ) أَيْ : لَا تَلِيقُ الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ وَلَا تَنْبَغِي الْإِلَهِيَّةُ إِلَّا لِعَظَمَتِهِ .
وَقَوْلُهُ : ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) : إِخْبَارٌ بِأَنَّهُ الدَّائِمُ الْبَاقِي الْحَيُّ الْقَيُّومُ ، الَّذِي تَمُوتُ الْخَلَائِقُ وَلَا يَمُوتُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) [ الرَّحْمَنِ : 26 ، 27 ] ، فَعَبَّرَ بِالْوَجْهِ عَنِ الذَّاتِ ، وَهَكَذَا قَوْلُهُ هَاهُنَا : ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) أَيْ : إِلَّا إِيَّاهُ .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ ، مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا شَاعِرٌ [ كَلِمَةُ ] لَبِيَدٍ :
﴿﴾ أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ ﴿﴾
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالثَّوْرِيُّ فِي قَوْلِهِ : ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) أَيْ : إِلَّا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُهُ ، 262 وَحَكَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ كَالْمُقَرِّرِ لَهُ .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَيَسْتَشْهِدُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ :
﴿﴾ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ذنبًا لَسْتُ مُحْصِيَهُ ﴿﴾ ﴿﴾ رَبُّ الْعِبَادِ ، إلَيهِ الْوَجْهُ وَالْعَمَلُ ﴿﴾
وَهَذَا الْقَوْلُ لَا يُنَافِي الْقَوْلَ الْأَوَّلَ ، فَإِنَّ هَذَا إِخْبَارٌ عَنْ كُلِّ الْأَعْمَالِ بِأَنَّهَا بَاطِلَةٌ إِلَّا مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الْمُطَابِقَةِ لِلشَّرِيعَةِ . وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ مُقْتَضَاهُ أَنَّ كُلَّ الذَّوَاتِ فَانِيَةٌ وَهَالِكَةٌ وَزَائِلَةٌ إِلَّا ذَاتَهُ تَعَالَى ، فَإِنَّهُ الْأَوَّلُ الْآخِرُ الَّذِي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَبَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ " التَّفَكُّرِ وَالِاعْتِبَارِ " : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ سُلَيْمٍ الْبَاهِلِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَعَاهَدَ قَلْبَهُ ، يَأْتِي الْخَرِبَةَ فَيَقِفُ عَلَى بَابِهَا ، فَيُنَادِي بِصَوْتٍ حَزِينٍ فَيَقُولُ : أَيْنَ أَهْلُكِ ؟ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى نَفْسِهِ فَيَقُولُ : ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) .
وَقَوْلُهُ : ( لَهُ الْحُكْمُ ) أَيِ : الْمُلْكُ وَالتَّصَرُّفُ ، وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ، ( وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) أَيْ : يَوْمَ مَعَادِكُمْ ، فَيَجْزِيكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ ، إِنْ كَانَ خَيْرًا فَخَيْرٌ ، وَإِنَّ شَرًّا فَشَرٌّ .
[ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ " الْقَصَصِ " ]
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith