تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
page 1374 · printed p. 234
234 ( فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ( 29 ) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ( 30 ) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ ( 31 ) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ( 32 ) ) .
قَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ قَبْلَهَا أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، قَضَى أَتَمَّ الْأَجَلَيْنِ وَأَوْفَاهُمَا وَأَبَرَّهُمَا وَأَكْمَلَهُمَا وَأَنْقَاهُمَا ، وَقَدْ يُسْتَفَادُ هَذَا أَيْضًا مِنَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مِنْ قَوْلِهِ : ( فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ ) أَيِ : الْأَكْمَلَ مِنْهُمَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : قَضَى عَشْرَ سِنِينَ ، وَبَعْدَهَا عَشْرًا أُخَرَ . وَهَذَا الْقَوْلُ لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ ، وَقَدْ حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَسَارَ بِأَهْلِهِ ) قَالُوا : كَانَ مُوسَى قَدِ اشْتَاقَ إِلَى بِلَادِهِ وَأَهْلِهِ ، فَعَزَمَ عَلَى زِيَارَتِهِمْ فِي خُفْيَةٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ، فَتَحَمَّلَ بِأَهْلِهِ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ الْغَنَمِ الَّتِي وَهَبَهَا لَهُ صِهْرُهُ ، فَسَلَكَ بِهِمْ فِي لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ مُظْلِمَةٍ بَارِدَةٍ ، فَنَزَلَ مَنْزِلًا فَجَعَلَ كُلَّمَا أَوْرَى زَنْدَهُ لَا يُضِيءُ شَيْئًا ، فَتَعَجَّبَ مِنْ ذَلِكَ ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ [ إِذْ ] ( آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا ) أَيْ : رَأَى نَارًا تُضِيءُ لَهُ عَلَى بُعْدٍ ، ( قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا ) أَيْ : حَتَّى أَذْهَبَ إِلَيْهَا ، ( لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ ) . وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ أَضَلَّ الطَّرِيقَ ، ( أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ ) أَيْ : قِطْعَةٍ مِنْهَا ، ( لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ) أَيْ : تَتَدَفَّئُونَ بِهَا مِنَ الْبَرْدِ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ ) أَيْ : مِنْ جَانِبِ الْوَادِي مِمَّا يَلِي الْجَبَلَ عَنْ يَمِينِهِ مِنْ نَاحِيَةِ الْغَرْبِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ ) ، فَهَذَا مِمَّا يُرْشِدُ إِلَى أَنَّ مُوسَى قَصَدَ النَّارَ إِلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ ، وَالْجَبَلُ الْغَرْبِيُّ عَنْ يَمِينِهِ ، وَالنَّارُ وَجَدَهَا تَضْطَرِمَ فِي شَجَرَةٍ خَضْرَاءَ فِي لَحْفِ الْجَبَلِ مِمَّا يَلِي الْوَادِيَ ، فَوَقَفَ بَاهِتًا فِي أَمْرِهَا ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ : ( مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ ) .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : رَأَيْتُ الشَّجَرَةَ الَّتِي نُودِيَ مِنْهَا مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، سَمْرَةً خَضْرَاءَ تَرِفُّ . إِسْنَادُهُ مُقَارَبٌ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ بَعْضِ مَنْ لَا يُتَّهَمُ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ : شَجَرَةٌ مِنَ الْعُلَّيْقِ ، وَبَعْضُ أَهْلِ الْكِتَابِ يَقُولُ : مِنَ الْعَوْسَجِ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : هِيَ مِنَ الْعَوْسَجِ ، وَعَصَاهُ مِنَ الْعَوْسَجِ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) أَيِ : الَّذِي يُخَاطِبُكَ وَيُكَلِّمُكَ هُوَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ، الْفَعَّالُ لِمَا يَشَاءُ ، لَا إِلَهَ غَيْرُهُ ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ ، تَعَالَى وَتَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ عَنْ مُمَاثَلَةِ الْمَخْلُوقَاتِ فِي 235 ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ ، وَأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ سُبْحَانَهُ !
وَقَوْلُهُ : ( وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ) أَيِ : الَّتِي فِي يَدِكَ . كَمَا قَرَّرَهُ عَلَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : ( وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى ) [ طَهَ : 17 ، 18 ] . وَالْمَعْنَى : أَمَّا هَذِهِ عَصَاكَ الَّتِي تَعْرِفُهَا أَلْقِهَا ( فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى ) فَعَرَفَ وَتَحَقَّقَ أَنَّ الَّذِي يُخَاطِبُهُ وَيُكَلِّمُهُ هُوَ الَّذِي يَقُولُ لِلشَّيْءِ : كُنْ ، فَيَكُونُ . كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ " طَهَ " .
وَقَالَ هَاهُنَا : ( فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ ) أَيْ : تَضْطَرِبُ ( كَأَنَّهَا جَانٌّ ) أَيْ : فِي حَرَكَتِهَا السَّرِيعَةِ مَعَ عِظَمِ خَلْقِ قَوَائِمِهَا وَاتِّسَاعِ فَمِهَا ، وَاصْطِكَاكِ أَنْيَابِهَا وَأَضْرَاسِهَا ، بِحَيْثُ لَا تَمُرُّ بِصَخْرَةٍ إِلَّا ابْتَلَعَتْهَا ، فَتَنْحَدِرُ فِي فِيهَا تَتَقَعْقَعُ ، كَأَنَّهَا حَادِرَةٌ فِي وَادٍ . فَعِنْدَ ذَلِكَ ( وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ ) أَيْ : وَلَمْ يَكُنْ يَلْتَفِتُ ; لِأَنَّ طَبْعَ الْبَشَرِيَّةِ يَنْفِرُ مِنْ ذَلِكَ . فَلَمَّا قَالَ اللَّهُ لَهُ : ( يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ ) ، رَجَعَ فَوَقَفَ فِي مَقَامِهِ الْأَوَّلِ .
ثُمَّ قَالَ اللَّهُ لَهُ : ( اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ) أَيْ : إِذَا أَدْخَلْتَ يَدَكَ فِي جَيْبِ دِرْعِكَ ثُمَّ أَخْرَجْتَهَا فَإِنَّهَا تَخْرُجُ تَتَلَأْلَأُ كَأَنَّهَا قِطْعَةُ قَمَرٍ فِي لَمَعَانِ الْبَرْقِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ) أَيْ : مِنْ غَيْرِ بَرَصٍ .
وَقَوْلُهُ : ( وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ ) : قَالَ مُجَاهِدٌ : مِنَ الْفَزَعِ . وَقَالَ قَتَادَةُ : مِنَ الرُّعْبِ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَابْنُ جَرِيرٍ : مِمَّا حَصَلَ لَكَ مِنْ خَوْفِكَ مِنَ الْحَيَّةِ .
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَعَمُّ مِنْ هَذَا ، وَهُوَ أَنَّهُ أُمِرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، إِذَا خَافَ مِنْ شَيْءٍ أَنْ يَضُمَّ إِلَيْهِ جَنَاحَهُ مِنَ الرَّهْبِ ، وَهِيَ يَدُهُ ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُهُ مِنَ الْخَوْفِ . وَرُبَّمَا إِذَا اسْتَعْمَلَ أَحَدٌ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِاقْتِدَاءِ فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى فُؤَادِهِ ، فَإِنَّهُ يَزُولُ عَنْهُ مَا يَجِدُ ، أَوْ يَخِفُّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَبِهِ الثِّقَةُ .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ ثَعْلَبٍ الشَّيْخُ الصَّالِحُ ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْمُؤَدَّبُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : كَانَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، قَدْ مُلِئَ قَلْبُهُ رُعْبًا مِنْ فِرْعَوْنَ ، فَكَانَ إِذَا رَآهُ قَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَدْرَأُ بِكَ فِي نَحْرِهِ ، وَأُعَوِّذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ ، فَفَرَّغَ اللَّهُ مَا كَانَ فِي قَلْبِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَجَعَلَهُ فِي قَلْبِ فِرْعَوْنَ ، فَكَانَ إِذَا رَآهُ بَالَ كَمَا يَبُولُ الْحِمَارُ .
وَقَوْلُهُ : ( فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ ) يَعْنِي : إِلْقَاءَهُ الْعَصَا وَجَعْلَهَا حَيَّةً تَسْعَى ، وَإِدْخَالَهُ يَدَهُ فِي جَيْبِهِ فَتَخْرُجُ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ - دَلِيلَانِ قَاطِعَانِ وَاضِحَانِ عَلَى قُدْرَةِ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ ، وَصِحَّةِ نُبُوَّةِ مَنْ جَرَى هَذَا الْخَارِقُ عَلَى يَدَيْهِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ) أَيْ : وَقَوْمِهِ مِنَ الرُّؤَسَاءِ وَالْكُبَرَاءِ وَالْأَتْبَاعِ ، ( إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ) أَيْ : خَارِجِينَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ ، مُخَالِفِينَ لِدِينِ اللَّهِ ، [ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ] .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith