تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
page 1372 · printed p. 227
( فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 21 ) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ( 22 ) وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ( 23 ) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ( 24 ) )
لَمَّا أَخْبَرَهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ بِمَا تَمَالَأَ عَلَيْهِ فِرْعَوْنُ وَدَوْلَتُهُ فِي أَمْرِهِ ، خَرَجَ مِنْ مِصْرَ وَحْدَهُ ، وَلَمْ يَأْلَفْ ذَلِكَ قَلْبُهُ ، بَلْ كَانَ فِي رَفَاهِيَةٍ وَنِعْمَةٍ وَرِئَاسَةٍ ، ( فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ) أَيْ : يَتَلَفَّتُ ( قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) أَيْ : مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ . فَذَكَرُوا أَنَّ اللَّهَ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، بَعَثَ لَهُ مَلَكًا عَلَى فَرَسٍ ، فَأَرْشَدَهُ إِلَى الطَّرِيقِ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ .
( وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ ) أَيْ : أَخَذَ طَرِيقًا سَالِكًا مَهْيَعًا فَرِحَ بِذَلِكَ ، ( قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ) أَيْ : إِلَى الطَّرِيقِ الْأَقْوَمِ . فَفَعَلَ اللَّهُ بِهِ ذَلِكَ ، وَهُدَاهُ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، فَجُعِلَ هَادِيًا مَهْدِيًّا .
( وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ ) أَيْ : وَلَمَّا وَصَلَ إِلَى مَدْيَنَ وَوَرَدَ مَاءَهَا ، وَكَانَ لَهَا بِئْرٌ تَرِدُهُ رِعَاءُ الشَّاءِ ( وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ ) أَيْ : جَمَاعَةً ( يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ ) أَيْ : تُكَفْكِفَانِ غَنَمَهُمَا أَنْ تَرِدَ مَعَ غَنَمِ أُولَئِكَ الرِّعَاءِ لِئَلَّا يُؤْذَيَا . فَلَمَّا رَآهُمَا مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، رَقَّ لَهُمَا وَرَحِمَهُمَا ، ( قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ) أَيْ : مَا خَبَرُكُمَا لَا تَرِدَانِ مَعَ هَؤُلَاءِ ؟ ( قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ) أَيْ : لَا يَحْصُلُ لَنَا سَقْيٌ إِلَّا بَعْدَ فَرَاغِ هَؤُلَاءِ ، ( وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ) أَيْ : فَهَذَا الْحَالُ الْمُلْجِئُ لَنَا إِلَى مَا تَرَى .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( فَسَقَى لَهُمَا ) قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، أَنْبَأَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبَى إِسْحَاقَ ، عَنْ عَمْرِو 227 بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنْ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لَمَّا وَرَدَ مَاءً مَدْيَنَ ، وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ ، قَالَ : فَلَمَّا فَرَغُوا أَعَادُوا الصَّخْرَةَ عَلَى الْبِئْرِ ، وَلَا يُطِيقُ رَفْعَهَا إِلَّا عَشَرَةُ رِجَالٍ ، فَإِذَا هُوَ بِامْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ، قَالَ : مَا خَطْبُكُمَا ؟ فَحَدَّثَتَاهُ ، فَأَتَى الْحَجَرَ فَرَفَعَهُ ، ثُمَّ لَمْ يَسْتَقِ إِلَّا ذَنُوبًا وَاحِدًا حَتَّى رَوِيَتِ الْغَنَمُ . إِسْنَادٌ صَحِيحٌ .
وَقَوْلُهُ : ( ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : سَارَ مُوسَى مِنْ مِصْرَ إِلَى مَدْيَنَ ، لَيْسَ لَهُ طَعَامٌ إِلَّا الْبَقْلُ وَوَرَقُ الشَّجَرِ ، وَكَانَ حَافِيًا فَمَا وَصَلَ مَدْيَنَ حَتَّى سَقَطَتْ نَعْلُ قَدَمِهِ . وَجَلَسَ فِي الظِّلِّ وَهُوَ صَفْوَةُ اللَّهِ مِنْ خَلْقِهِ ، وَإِنَّ بَطْنَهُ لَاصِقٌ بِظَهْرِهِ مِنَ الْجُوعِ ، وَإِنَّ خُضْرَةَ الْبَقْلِ لَتُرَى مِنْ دَاخِلِ جَوْفِهِ وَإِنَّهُ لَمُحْتَاجٌ إِلَى شِقِّ تَمْرَةٍ .
وَقَوْلُهُ : ( إِلَى الظِّلِّ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَالسُّدِّيُّ : جَلَسَ تَحْتَ شَجَرَةٍ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَمْرٍو الْعَنْقَزِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ - قَالَ : حَثَثْتُ عَلَى جَمَلٍ لَيْلَتَيْنِ ، حَتَّى صَبَّحْتُ مَدْيَنَ ، فَسَأَلْتُ عَنِ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوَى إِلَيْهَا مُوسَى ، فَإِذَا شَجَرَةٌ خَضْرَاءُ تَرِفُّ ، فَأَهْوَى إِلَيْهَا جَمَلِي - وَكَانَ جَائِعًا - فَأَخَذَهَا جَمَلِي فَعَالَجَهَا سَاعَةً ، ثُمَّ لَفِظَهَا ، فَدَعَوْتُ اللَّهَ لِمُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ .
وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى الشَّجَرَةِ الَّتِي كَلَّمَ اللَّهُ مِنْهَا لِمُوسَى ، كَمَا سَيَأْتِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : كَانَتْ مِنْ شَجَرِ السَّمُرِ .
وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ : لَمَّا قَالَ مُوسَى ( رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) ، أَسْمَعَ الْمَرْأَةَ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith