تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
page 1367 · printed p. 222
( وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 7 ) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ ( 8 ) وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ( 9 ) ) .
ذَكَرُوا أَنَّ فِرْعَوْنَ لَمَّا أَكْثَرَ مِنْ قَتْلِ ذُكُورِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، خَافَتِ الْقِبْطُ أَنْ يُفْنِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَيَلُونَ هُمْ مَا كَانُوا يَلُونَهُ مِنَ الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ . فَقَالُوا لِفِرْعَوْنَ : إِنَّهُ يُوشِكُ - إِنِ اسْتَمَرَّ هَذَا الْحَالُ - أَنْ يَمُوتَ شُيُوخُهُمْ ، وَغِلْمَانُهُمْ لَا يَعِيشُونَ ، وَنِسَاؤُهُمْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَقُمْنَ بِمَا يَقُومُ بِهِ رِجَالُهُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ ، فَيَخْلُصُ إِلَيْنَا ذَلِكَ . فَأَمَرَ بِقَتْلِ الْوِلْدَانِ عَامًا وَتَرْكِهِمْ عَامًا ، فَوُلِدَ هَارُونُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فِي السَّنَةِ الَّتِي يَتْرُكُونَ فِيهَا الْوِلْدَانَ ، وَوُلِدَ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فِي السَّنَةِ الَّتِي يَقْتُلُونَ فِيهَا الْوِلْدَانَ ، وَكَانَ لِفِرْعَوْنَ أُنَاسٌ مُوَكَّلُونَ بِذَلِكَ ، وَقَوَابِلُ يَدُرْنَ عَلَى النِّسَاءِ ، فَمَنْ رَأَيْنَهَا قَدْ حَمَلَتْ 222 أَحْصَوُا اسْمَهَا ، فَإِذَا كَانَ وَقْتُ وِلَادَتِهَا لَا يَقْبَلُهَا إِلَّا نِسَاءُ الْقِبْطِ ، فَإِذَا وَلَدَتِ الْمَرْأَةُ جَارِيَةً تَرَكْنَهَا وَذَهَبْنَ ، وَإِنْ وَلَدَتْ غُلَامًا دَخَلَ أُولَئِكَ الذَّبَّاحُونَ ، بِأَيْدِيهِمُ الشِّفَارُ الْمُرْهَفَةُ ، فَقَتَلُوهُ وَمَضَوْا قَبَّحَهُمُ اللَّهُ . فَلَمَّا حَمَلَتْ أُمُّ مُوسَى بِهِ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهَا مَخَايِلُ الْحَمْلِ كَغَيْرِهَا ، وَلَمْ تَفْطِنْ لَهَا الدَّايَاتُ ، وَلَكِنْ لَمَّا وَضَعَتْهُ ذَكَرًا ضَاقَتْ بِهِ ذَرْعًا ، وَخَافَتْ عَلَيْهِ خَوْفًا شَدِيدًا وَأَحَبَّتْهُ حُبًّا زَائِدًا ، وَكَانَ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لَا يَرَاهُ أَحَدٌ إِلَّا أَحَبَّهُ ، فَالسَّعِيدُ مَنْ أَحَبَّهُ طَبْعًا وَشَرْعًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ) [ طَهَ : 39 ] . فَلَمَّا ضَاقَتْ ذَرْعًا بِهِ أُلْهِمَتْ فِي سِرِّهَا ، وَأُلْقِي فِي خَلَدِهَا ، وَنُفِثَ فِي رَوْعِهَا ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) . وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَتْ دَارُهَا عَلَى حَافَّةِ النِّيلِ ، فَاتَّخَذَتْ تَابُوتًا ، وَمَهَّدَتْ فِيهِ مَهْدًا ، وَجَعَلَتْ تُرْضِعُ وَلَدَهَا ، فَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا أَحَدٌ مِمَّنْ تَخَافُ جَعَلَتْهُ فِي ذَلِكَ التَّابُوتِ ، وَسَيَّرَتْهُ فِي الْبَحْرِ ، وَرَبَطَتْهُ بِحَبْلٍ عِنْدَهَا . فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ دَخَلَ عَلَيْهَا مَنْ تَخَافُهُ ، فَذَهَبَتْ فَوَضَعَتْهُ فِي ذَلِكَ التَّابُوتِ ، وَأَرْسَلَتْهُ فِي الْبَحْرِ وَذَهَلَتْ عَنْ أَنْ تَرْبِطَهُ ، فَذَهَبَ مَعَ الْمَاءِ وَاحْتَمَلَهُ ، حَتَّى مَرَّ بِهِ عَلَى دَارِ فِرْعَوْنَ ، فَالْتَقَطَهُ الْجَوَارِي فَاحْتَمَلْنَهُ ، فَذَهَبْنَ بِهِ إِلَى امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ ، وَلَا يَدْرِينَ مَا فِيهِ ، وَخَشِينَ أَنْ يَفْتَتْنَ عَلَيْهَا فِي فَتْحِهِ دُونَهَا . فَلَمَّا كَشَفَتْ عَنْهُ إِذَا هُوَ غُلَامٌ مِنْ أَحْسَنِ الْخَلْقِ وَأَجْمَلِهِ وَأَحْلَاهُ وَأَبْهَاهُ ، فَأَوْقَعَ اللَّهُ مَحَبَّتَهُ فِي قَلْبِهَا حِينَ نَظَرَتْ إِلَيْهِ ، وَذَلِكَ لِسَعَادَتِهَا وَمَا أَرَادَ اللَّهُ مِنْ كَرَامَتِهَا وَشَقَاوَةِ بَعْلِهَا ; وَلِهَذَا قَالَ ( فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا [ وَحَزَنًا ] ) .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ : " اللَّامُ " هُنَا لَامُ الْعَاقِبَةِ لَا لَامُ التَّعْلِيلِ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا بِالْتِقَاطِهِ ذَلِكَ . وَلَا شَكَّ أَنَّ ظَاهِرَ اللَّفْظِ يَقْتَضِي مَا قَالُوهُ ، وَلَكِنْ إِذَا نُظِرَ إِلَى مَعْنَى السِّيَاقِ فَإِنَّهُ تَبْقَى اللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ، قَيَّضَهُمْ لِالْتِقَاطِهِ لِيَجْعَلَهُ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا فَيَكُونَ أَبْلَغَ فِي إِبْطَالِ حَذَرِهِمْ مِنْهُ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ ) .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ كَتَبَ كِتَابًا إِلَى قَوْمٍ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ ، فِي تَكْذِيبِهِمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَبِأَقْدَارِهِ النَّافِذَةِ فِي عِلْمِهِ السَّابِقِ : وَمُوسَى فِي عِلْمِ اللَّهِ السَّابِقِ لِفِرْعَوْنَ عَدُوٌّ وَحَزَنٌ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ) ، وَقُلْتُمْ أَنْتُمْ : لَوْ شَاءَ فِرْعَوْنُ أَنْ يَكُونَ لِمُوسَى وَلِيًّا وَنَصِيرًا ، وَاللَّهُ يَقُولُ : ( لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ) .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ) يَعْنِي : أَنَّ فِرْعَوْنَ لَمَّا رَآهُ هَمَّ بِقَتْلِهِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَجَعَلَتِ امْرَأَتُهُ آسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ تُحَاجُّ عَنْهُ وَتَذُبُّ دُونَهُ ، وَتُحَبِّبُهُ إِلَى فِرْعَوْنَ ، فَقَالَتْ : ( قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ ) فَقَالَ : أَمَّا لَكِ فَنَعَمْ ، وَأَمَّا لِي فَلَا . فَكَانَ كَذَلِكَ ، وَهَدَاهَا اللَّهُ بِهِ ، وَأَهْلَكَهُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْفُتُونِ فِي سُورَةِ " طَهَ " هَذِهِ الْقِصَّةُ بِطُولِهَا ، مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا عَنِ النَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِ .
223
وَقَوْلُهُ " : ( عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا ) ، وَقَدْ حَصَلَ لَهَا ذَلِكَ ، وَهَدَاهَا اللَّهُ بِهِ ، وَأَسْكَنَهَا الْجَنَّةَ بِسَبَبِهِ . وَقَوْلُهَا : ( أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ) أَيْ : أَرَادَتْ أَنْ تَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَتَتَبَنَّاهُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ مِنْهُ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ) أَيْ : لَا يَدْرُونَ مَا أَرَادَ اللَّهُ مِنْهُ بِالْتِقَاطِهِمْ إِيَّاهُ ، مِنَ الْحِكْمَةِ الْعَظِيمَةِ الْبَالِغَةِ ، وَالْحُجَّةِ الْقَاطِعَةِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith