تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
page 1306 · printed p. 125
( وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ( 68 ) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ( 69 ) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ( 70 ) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ( 71 ) ) .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ شَقِيقٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ - قَالَ : ۝ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ؟ قَالَ : " أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًا وَهُوَ خَلَقَكَ " . قَالَ : ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ : " أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ " . قَالَ : ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ : " أَنْ تُزَانِيَ 125 حَلِيلَةَ جَارِكَ " . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ : ( وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ) .
وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ هَنَّادِ بْنِ السَّرِيِّ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، بِهِ .
وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ وَمَنْصُورٍ - زَادَ الْبُخَارِيُّ : وَوَاصِلٍ - ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، بِهِ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَلَفْظُهُمَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ الْحَدِيثَ .
طَرِيقٌ غَرِيبٌ : وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَهْوَازِيُّ ، حَدَّثَنَا عَامِرُ بْنُ مُدْرِكٍ ، حَدَّثَنَا السَّرِيُّ - يَعْنِي ابْنَ إِسْمَاعِيلَ - حَدَّثَنَا الشَّعْبِيُّ ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ : ۝ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ فَاتَّبَعْتُهُ ، فَجَلَسَ عَلَى نَشَزٍ مِنَ الْأَرْضِ ، وَقَعَدْتُ أَسْفَلَ مِنْهُ ، وَوَجْهِي حِيَالَ رُكْبَتَيْهِ ، وَاغْتَنَمْتُ خَلْوَتَهُ وَقُلْتُ : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ الذُّنُوبِ أَكْبَرُ؟ قَالَ : " أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًا وَهُوَ خَلَقَكَ " . قُلْتُ : ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ : " أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ " . قُلْتُ : ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ : " أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ " . ثُمَّ قَرَأَ : ( وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ) . [ إِلَى آخِرِ ] الْآيَةِ .
وَقَالَ النَّسَائِيُّ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ : ۝ " أَلَا إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعٌ - فَمَا أَنَا بِأَشَحَّ عَلَيْهِنَّ مِنِّي مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا ، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ، وَلَا تَزْنُوا ، وَلَا تَسْرِقُوا " .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، سَمِعْتُ أَبَا طَبْيَةَ الْكَلَاعِيَّ ، سَمِعْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، يَقُولُ : ۝ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ : " مَا تَقُولُونَ فِي الزِّنَى " ؟ قَالُوا : حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، فَهُوَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ : " لَأَنْ يَزْنِيَ الرَّجُلُ بِعَشْرِ نِسْوَةٍ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزْنِيَ بِامْرَأَةِ جَارِهِ " . قَالَ : " مَا تَقُولُونَ فِي السَّرِقَةِ " ؟ قَالُوا : حَرَّمَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، فَهِيَ حَرَامٌ . قَالَ : " لَأَنْ يَسْرِقَ الرَّجُلُ مِنْ عَشَرَةِ أَبْيَاتٍ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَسْرِقَ مِنْ جَارِهِ " .
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا : حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ نَصْرٍ ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ مَالِكٍ الطَّائِيِّ عَنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ : ۝ " مَا مِنْ ذَنْبٍ بَعْدَ الشِّرْكِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ نُطْفَةٍ وَضَعَهَا رَجُلٌ فِي رَحِمٍ لَا يَحِلُّ لَهُ " . 126
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : أَخْبَرَنِي يَعْلَى ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يُحَدِّثُ ۝ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ قَتَلُوا فَأَكْثَرُوا ، وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا ، ثُمَّ أَتَوْا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ ، لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةٌ ، فَنَزَلَتْ : ( وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ) ، وَنَزَلَتْ : ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا [ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ] ) [ الزُّمَرِ : 53 ] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي فَاخِتَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ : ۝ " إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكَ أَنْ تَعْبُدَ الْمَخْلُوقَ وَتَدَعَ الْخَالِقَ ، وَيَنْهَاكَ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ وَتَغْذُوَ كَلْبَكَ ، وَيَنْهَاكَ أَنْ تَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ " . قَالَ سُفْيَانُ : وَهُوَ قَوْلُهُ : ( وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ) .
وَقَوْلُهُ : ( وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ) . رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ : ( أَثَامًا ) وَادٍ فِي جَهَنَّمَ .
وَقَالَ عِكْرِمَةُ : ( يَلْقَ أَثَامًا ) أَوْدِيَةٌ فِي جَهَنَّمَ يُعَذَّبُ فِيهَا الزُّنَاةُ . وَكَذَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَمُجَاهِدٍ .
وَقَالَ قَتادَةُ : ( يَلْقَ أَثَامًا ) نَكَالًا كُنَّا نُحَدِّثُ أَنَّهُ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ .
وَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ لُقْمَانَ كَانَ يَقُولُ : يَا بُنَيَّ ، إِيَّاكَ وَالزِّنَى ، فَإِنَّ أَوَّلَهُ مَخَافَةٌ ، وَآخِرَهُ نَدَامَةٌ .
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ - مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا - أَنَّ " غَيًّا " وَ " أَثَامًا " بِئْرَانِ فِي قَعْرِ جَهَنَّمَ أَجَارَنَا اللَّهُ مِنْهَا بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : ( يَلْقَ أَثَامًا ) : جَزَاءً .
وَهَذَا أَشْبَهُ بِظَاهِرِ الْآيَةِ; وَلِهَذَا فَسَّرَهُ بِمَا بَعْدَهُ مُبَدَّلًا مِنْهُ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : ( يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) أَيْ : يُكَرَّرُ عَلَيْهِ وَيُغْلَّظُ ، ( وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ) أَيْ : حَقِيرًا ذَلِيلًا .
وَقَوْلُهُ : ( إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ [ عَمَلًا ] صَالِحًا ) أَيْ : جَزَاؤُهُ عَلَى مَا فَعَلَ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْقَبِيحَةِ مَا ذُكِرَ ( إِلَّا مَنْ تَابَ ) فِي الدُّنْيَا إِلَى اللَّهِ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ ، فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ .
وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى صِحَّةِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ آيَةِ النِّسَاءِ : ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ) [ النِّسَاءِ : 93 ] فَإِنَّ هَذِهِ 127 وَإِنْ كَانَتْ مَدَنِيَّةً إِلَّا أَنَّهَا مُطْلَقَةٌ ، فَتُحْمَلُ عَلَى مَنْ لَمْ يَتُبْ ، لِأَنَّ هَذِهِ مُقَيَّدَةٌ بِالتَّوْبَةِ ، ثُمَّ قَدْ قَالَ [ اللَّهُ ] تَعَالَى : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) [ النِّسَاءِ : 48 ، 116 ] .
وَقَدْ ثَبَتَتِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصِحَّةِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ ، كَمَا ذُكِرَ مُقَرَّرًا مِنْ قِصَّةِ الَّذِي قَتَلَ مِائَةَ رَجُلٍ ثُمَّ تَابَ ، وَقُبِلَ مِنْهُ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ .
وَقَوْلُهُ : ( فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) : فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : ( يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ) قَوْلَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهُمْ بُدِّلُوا مَكَانَ عَمَلِ السَّيِّئَاتِ بِعَمَلِ الْحَسَنَاتِ . قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ) قَالَ : هُمُ الْمُؤْمِنُونَ ، كَانُوا مِنْ قَبْلِ إِيمَانِهِمْ عَلَى السَّيِّئَاتِ ، فَرَغِبَ اللَّهُ بِهِمْ عَنْ ذَلِكَ فَحَوَّلَهُمْ إِلَى الْحَسَنَاتِ ، فَأَبْدَلَهُمْ مَكَانَ السَّيِّئَاتِ الْحَسَنَاتِ .
وَرَوَى مُجَاهِدٌ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يُنْشِدُ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ :
﴿﴾ بُدِّلْنَ بَعْدَ حَرِّهِ خَرِيفًا ﴿﴾ ﴿﴾ وَبَعْدَ طُولِ النَّفَسِ الْوَجِيفَا ﴿﴾
يَعْنِي : تَغَيَّرَتْ تِلْكَ الْأَحْوَالُ إِلَى غَيْرِهَا .
وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ : هَذَا فِي الدُّنْيَا ، يَكُونُ الرَّجُلُ عَلَى هَيْئَةٍ قَبِيحَةٍ ، ثُمَّ يُبَدِّلُهُ اللَّهُ بِهَا خَيْرًا .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : أَبْدَلَهُمْ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ عِبَادَةَ اللَّهِ ، وَأَبْدَلَهُمْ بِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ قِتَالًا مَعَ الْمُسْلِمِينَ لِلْمُشْرِكِينَ ، وَأَبْدَلَهُمْ بِنِكَاحِ الْمُشْرِكَاتِ نِكَاحَ الْمُؤْمِنَاتِ .
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : أَبْدَلَهُمُ اللَّهُ بِالْعَمَلِ السَّيِّئِ الْعَمَلَ الصَّالِحَ ، وَأَبْدَلَهُمْ بِالشِّرْكِ إِخْلَاصًا ، وَأَبْدَلَهُمْ بِالْفُجُورِ إِحْصَانًا وَبِالْكُفْرِ إِسْلَامًا .
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْعَالِيَةِ ، وَقَتَادَةَ ، وَجَمَاعَةٍ آخَرِينَ .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّ تِلْكَ السَّيِّئَاتِ الْمَاضِيَةَ تَنْقَلِبُ بِنَفْسِ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ حَسَنَاتٍ ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا أَنَّهُ كُلَّمَا تَذَكَّرَ مَا مَضَى نَدِمَ وَاسْتَرْجَعَ وَاسْتَغْفَرَ ، فَيَنْقَلِبُ الذَّنْبُ طَاعَةً بِهَذَا الِاعْتِبَارِ . فَيَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِنْ وَجَدَهُ مَكْتُوبًا عَلَيْهِ لَكِنَّهُ لَا يَضُرُّهُ وَيَنْقَلِبُ حَسَنَةً فِي صَحِيفَتِهِ ، كَمَا ثَبَتَتِ السُّنَّةُ بِذَلِكَ ، وَصَحَّتْ بِهِ الْآثَارُ الْمَرْوِيَّةُ عَنِ السَّلَفِ ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهَذَا سِيَاقُ الْحَدِيثِ - قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " إِنِّي لَأَعْرِفُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنَ النَّارِ ، وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا إِلَى الْجَنَّةِ : يُؤْتَى بِرَجُلٍ فَيَقُولُ : نَحُّوا كِبَارَ ذُنُوبِهِ وَسَلُوهُ عَنْ صِغَارِهَا ، قَالَ : فَيُقَالُ لَهُ : عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا ، وَعَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ - لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِرَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا - 128 فَيُقَالُ : فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً . فَيَقُولُ : يَا رَبِّ ، عَمِلْتُ أَشْيَاءَ لَا أَرَاهَا هَاهُنَا " . قَالَ : فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ . وَانْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ يَزِيدَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، حَدَّثَنِي ضَمْضَمُ بْنُ زُرْعَةَ ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " إِذَا نَامَ ابْنُ آدَمَ قَالَ الْمَلِكُ لِلشَّيْطَانِ : أَعْطِنِي صَحِيفَتَكَ . فَيُعْطِيهِ إِيَّاهَا ، فَمَا وَجَدَ فِي صَحِيفَتِهِ مِنْ حَسَنَةٍ مَحَا بِهَا عَشْرَ سَيِّئَاتٍ مِنْ صَحِيفَةِ الشَّيْطَانِ ، وَكَتَبَهُنَّ حَسَنَاتٍ ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ أَحَدُكُمْ فَلْيُكَبِّرْ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ تَكْبِيرَةً ، وَيَحْمَدْ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ تَحْمِيدَةً ، وَيُسَبِّحْ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ تَسْبِيحَةً ، فَتِلْكَ مِائَةٌ " .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ وَعَارِمٌ قَالَا حَدَّثَنَا ثَابِتٌ - يَعْنِي : ابْنَ يَزِيدَ أَبُو زَيْدٍ - حَدَّثَنَا عَاصِمٌ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ ، عَنْ سَلْمَانَ قَالَ : يُعْطَى رَجُلٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَحِيفَتَهُ فَيَقْرَأُ أَعْلَاهَا ، فَإِذَا سَيِّئَاتُهُ ، فَإِذَا كَادَ يَسُوءُ ظَنُّهُ نَظَرَ فِي أَسْفَلِهَا فَإِذَا حَسَنَاتُهُ ، ثُمَّ يَنْظُرُ فِي أَعْلَاهَا فَإِذَا هِيَ قَدْ بُدِّلَتْ حَسَنَاتٍ .
وَقَالَ أَيْضًا : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى الزُّهْرِيُّ أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَنْبَسِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : لَيَأْتِينَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأُنَاسٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدِ اسْتَكْثَرُوا مِنَ السَّيِّئَاتِ ، قِيلَ : مَنْ هُمْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ : الَّذِينَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ .
وَقَالَ أَيْضًا : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ ، حَدَّثَنَا سَيَّارٌ ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو حَمْزَةَ ، عَنْ أَبِي الضَّيْفِ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - قَالَ : يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ : الْمُتَّقِينَ ، ثُمَّ الشَّاكِرِينَ ، ثُمَّ الْخَائِفِينَ ، ثُمَّ أَصْحَابِ الْيَمِينِ . قُلْتُ : لِمَ سُمُّوا أَصْحَابَ الْيَمِينِ؟ قَالَ : لِأَنَّهُمْ عَمِلُوا الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ، فَأُعْطُوا كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ ، فَقَرَؤُوا سَيِّئَاتِهِمْ حَرْفًا حَرْفًا - قَالُوا : يَا رَبَّنَا ، هَذِهِ سَيِّئَاتُنَا ، فَأَيْنَ حَسَنَاتُنَا؟ . فَعِنْدَ ذَلِكَ مَحَا اللَّهُ السَّيِّئَاتِ وَجَعَلَهَا حَسَنَاتٍ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالُوا : ( هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ ) ، فَهُمْ أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ زَيْنُ الْعَابِدِينَ : ( يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ) قَالَ : فِي الْآخِرَةِ .
وَقَالَ مَكْحُولٌ : يَغْفِرُهَا لَهُمْ فَيَجْعَلُهَا حَسَنَاتٍ : [ رَوَاهُمَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مِثْلَهُ ] .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَزِيرِ الدِّمَشْقِيُّ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، 129 حَدَّثَنَا أَبُو جَابِرٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ مَكْحُولًا يُحَدِّثُ قَالَ : ۝ جَاءَ شَيْخٌ كَبِيرٌ هَرِمٌ قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، رَجُلٌ غَدَرَ وَفَجَرَ ، وَلَمْ يَدَعْ حَاجَةً وَلَا دَاجَةَ إِلَّا اقْتَطَعَهَا بِيَمِينِهِ ، لَوْ قُسِّمَتْ خَطِيئَتُهُ بَيْنَ أَهْلِ الْأَرْضِ لَأَوْبَقَتْهُمْ ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَسْلَمْتَ؟ " قَالَ : أَمَّا أَنَا فَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَإِنَّ اللَّهَ غَافِرٌ لَكَ مَا كُنْتَ كَذَلِكَ ، وَمُبْدِّلٌ سَيِّئَاتِكَ حَسَنَاتٍ " . فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَغَدَرَاتِي وفَجَرَاتِي؟ فَقَالَ : " وَغَدَرَاتِكَ وفَجَراتِكَ " . فَوَلَّى الرَّجُلُ يُهَلِّلُ وَيُكَبِّرُ .
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْمُغِيرَةِ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ ، ۝ عَنْ أَبِي فَرْوَةَ - شَطْبٍ - أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَرَأَيْتَ رَجُلًا عَمِلَ الذُّنُوبَ كُلَّهَا ، وَلَمْ يَتْرُكْ حَاجَةً وَلَا دَاجَةً ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ : " أَسْلَمْتَ؟ " فَقَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : " فَافْعَلِ الْخَيِّرَاتِ ، وَاتْرُكِ السَّيِّئَاتِ ، فَيَجْعَلَهَا اللَّهُ لَكَ خَيْرَاتٍ كُلَّهَا " . قَالَ : وَغَدَرَاتِي وفَجَرَاتِي؟ قَالَ : " نَعَمْ " . قَالَ فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ حَتَّى تَوَارَى .
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي فَرْوَةَ الرِّهَاوِيِّ ، عَنْ يَاسِينَ الزَّيَّاتِ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ الْحِمْصِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ مَرْفُوعًا .
وَقَالَ أَيْضًا : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ شُعَيْبِ بْنِ ثَوْبَانَ ، عَنْ فُلَيْحٍ الشَّمَّاسِ ، ۝ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ فَقَالَتْ : هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ إِنِّي زَنَيْتُ وَوَلَدْتُ وَقَتَلْتُهُ . فَقُلْتُ لَا وَلَا نُعْمَتِ الْعَيْنُ وَلَا كَرَامَةَ . فَقَامَتْ وَهِيَ تَدْعُو بِالْحَسْرَةِ . ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصُّبْحَ ، فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ مَا قَالَتِ الْمَرْأَةُ وَمَا قَلْتُ لَهَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " بِئْسَمَا قُلْتَ! أَمَا كُنْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ : ( وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) فَقَرَأْتُهَا عَلَيْهَا . فَخَرَّتْ سَاجِدَةً وَقَالَتِ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ لِي مَخْرَجًا .
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَفِي رِجَالِهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ 130 حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيِّ بِسَنَدِهِ بِنَحْوِهِ ، وَعِنْدَهُ : فَخَرَجَتْ تَدْعُو بِالْحَسْرَةِ وَتَقُولُ : يَا حَسْرَتَا! أَخَلَقَ هَذَا الْحُسْنَ لِلنَّارِ؟ وَعِنْدَهُ أَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، تَطَلَّبَهَا فِي جَمِيعِ دُورِ الْمَدِينَةِ فَلَمْ يَجِدْهَا ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْلَةِ الْمُقْبِلَةِ جَاءَتْهُ ، فَأَخْبَرَهَا بِمَا قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَخَرَّتْ سَاجِدَةً ، وَقَالَتِ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ لِي مَخْرَجًا وَتَوْبَةً مِمَّا عَمِلْتُ . وَأَعْتَقَتْ جَارِيَةً كَانَتْ مَعَهَا وَابْنَتُهَا ، وَتَابَتْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ عُمُومِ رَحْمَتِهِ بِعِبَادِهِ وَأَنَّهُ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ تَابَ عَلَيْهِ مِنْ أَيِّ ذَنْبٍ كَانَ ، جَلِيلٍ أَوْ حَقِيرٍ ، كَبِيرٍ أَوْ صَغِيرٍ : فَقَالَ ( وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ) أَيْ : فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ) [ النِّسَاءِ : 110 ] ، وَقَالَ ( أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) [ التَّوْبَةِ : 104 ] ، وَقَالَ ( قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) [ الزُّمَرِ : 53 ] ، أَيْ : لِمَنْ تَابَ إِلَيْهِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith