تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 27 ) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ( 28 ) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ( 29 ) )
36
هَذِهِ آدَابٌ شَرْعِيَّةٌ ، أَدَّبَ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَذَلِكَ فِي الِاسْتِئْذَانِ أَمَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَلَّا يَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِهِمْ حَتَّى يَسْتَأْنِسُوا ، أَيْ : يَسْتَأْذِنُوا قَبْلَ الدُّخُولِ وَيُسَلِّمُوا بَعْدَهُ . وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَأْذِنَ ثَلَاثًا ، فَإِنْ أُذِنَ لَهُ ، وَإِلَّا انْصَرَفَ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ : أَنَّ أَبَا مُوسَى حِينَ اسْتَأْذَنَ عَلَى عُمَرَ ثَلَاثًا ، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ ، انْصَرَفَ . ثُمَّ قَالَ عُمَرُ : أَلَمْ أَسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ يَسْتَأْذِنُ؟ ائْذَنُوا لَهُ . فَطَلَبُوهُ فَوَجَدُوهُ قَدْ ذَهَبَ ، فَلَمَّا جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ : مَا رَجَعَكَ؟ قَالَ : إِنِّي اسْتَأْذَنْتُ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا ، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ ، فَلْيَنْصَرِفْ " . فَقَالَ : لَتَأتِيَنَّ عَلَى هَذَا بِبَيِّنَةٍ وَإِلَّا أَوْجَعْتُكَ ضَرْبًا . فَذَهَبَ إِلَى مَلَأٍ مِنَ الْأَنْصَارِ ، فَذَكَرَ لَهُمْ مَا قَالَ عُمَرُ ، فَقَالُوا : لَا يَشْهَدُ لَكَ إِلَّا أَصْغَرُنَا . فَقَامَ مَعَهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ فَأَخْبَرَ عُمَرَ بِذَلِكَ ، فَقَالَ : أَلْهَانِي عَنْهُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ - أَوْ : غَيْرِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَأْذَنَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَقَالَ : " السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ " . فَقَالَ سَعْدٌ : وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَلَمْ يَسْمَعِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى سَلَّمَ ثَلَاثًا . وَرَدَّ عَلَيْهِ سَعْدٌ ثَلَاثًا وَلَمْ يُسْمِعْهُ . فَرَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاتَّبَعَهُ سَعْدٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ، مَا سَلَّمْتَ تَسْلِيمَةً إِلَّا وَهِيَ بِأُذُنِي ، وَلَقَدْ رَدَدْتُ عَلَيْكَ وَلَمْ أُسْمِعْكَ ، وَأَرَدْتُ أَنْ أَسْتَكْثِرَ مِنْ سَلَامِكِ وَمِنَ الْبَرَكَةِ . ثُمَّ أَدْخَلَهُ الْبَيْتَ ، فَقَرَّبَ إِلَيْهِ زَبِيبًا ، فَأَكَلَ نَبِيُّ اللَّهِ . فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ : " أَكَلَ طَعَامَكُمُ الْأَبْرَارُ ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلَائِكَةُ ، وَأَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ " .
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيِّ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَبِي كَثِيرٍ يَقُولُ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ - هُوَ ابْنُ عِبَادَةَ - قَالَ : زَارَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَنْزِلِنَا ، فَقَالَ : " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ " . فَرَدَّ سَعْدٌ ردًّا خَفِيًّا ، قَالَ قَيْسٌ : فَقُلْتُ : أَلَا تَأْذَنُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ : ذَرْهُ يُكْثِرْ عَلَيْنَا مِنَ السَّلَامِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ " . فَرَدَّ سَعْدٌ رَدًّا خَفِيًّا ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ " ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاتَّبَعَهُ سَعْدٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي كُنْتُ أَسْمَعُ تَسْلِيمَكَ ، وَأَرُدُّ عَلَيْكَ رَدًّا خَفِيًّا ، لِتُكْثِرَ عَلَيْنَا مِنَ السَّلَامِ . قَالَ : فَانْصَرَفَ مَعَهُ [ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَمَرَ لَهُ سَعْدٌ بِغُسْلٍ ، فَاغْتَسَلَ ، ثُمَّ نَاوَلَهُ مِلْحَفَةً مَصْبُوغَةً ] بِزَعْفَرَانٍ - أَوْ : وَرْسٍ - فَاشْتَمَلَ بِهَا ، ثُمَّ رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ : " اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَاتَكَ وَرَحْمَتَكَ عَلَى آلِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ " . قَالَ : ثُمَّ أَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الطَّعَامِ ، فَلَمَّا أَرَادَ الِانْصِرَافَ قَرَّبَ إِلَيْهِ سَعْدٌ حِمَارًا قَدْ وَطَّأَ عَلَيْهِ بِقَطِيفَةٍ ، فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ سَعْدٌ : يَا قَيْسُ ، اصْحَبْ رَسُولَ 37 اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ قَيْسٌ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ارْكَبْ " . فَأَبَيْتُ ، فَقَالَ : " إِمَّا أَنْ تَرْكَبَ وَإِمَّا أَنْ تَنْصَرِفَ " . قَالَ : فَانْصَرَفْتُ .
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَهُوَ حَدِيثٌ جَيِّدٌ قَوِيٌّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
ثُمَّ لِيُعْلَمْ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُسْتَأْذِنِ عَلَى أَهْلِ الْمَنْزِلِ أَلَّا يَقِفَ تِلْقَاءَ الْبَابِ بِوَجْهِهِ ، وَلَكِنْ لِيَكُنِ الْبَابُ ، عَنْ يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ; لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ : حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ الْحَرَّانَيُّ - فِي آخَرِينَ - قَالُوا : حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَى بَابَ قَوْمٍ ، لَمْ يَسْتَقْبِلِ الْبَابَ مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِهِ ، وَلَكِنْ مِنْ رُكْنِهِ الْأَيْمَنِ أَوِ الْأَيْسَرِ ، وَيَقُولُ : " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ " . وَذَلِكَ أَنَّ الدُّورَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا يَوْمئِذٍ سُتُورٌ . تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ .
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، ( ح ) قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَحَدَّثَنَا أَبُو بكرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ طَلْحَةَ ، عَنْ هُزَيْلٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ - قَالَ عُثْمَانُ : سَعْدٌ - فَوَقَفَ عَلَى بَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْذِنُ ، فَقَامَ عَلَى الْبَابِ - قَالَ عُثْمَانُ : مُسْتَقْبَلَ الْبَابِ - فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هَكَذَا عَنْكَ - أَوْ : هَكَذَا - فَإِنَّمَا الِاسْتِئْذَانُ مِنَ النَّظَرِ " .
وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ سَعْدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِهِ .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذَنٍ فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ ، فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ ، مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُنَاحٍ " .
وَأَخْرَجَ الْجَمَاعَةُ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَى أَبِي ، فَدَقَقْتُ الْبَابَ ، فَقَالَ : " مَنْ ذَا " ؟ قُلْتُ : أَنَا . قَالَ : " أَنَا ، أَنَا " كَأَنَّهُ كَرِهَهُ .
وَإِنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لَا يُعْرَفُ صَاحِبُهَا حَتَّى يُفْصِحَ بِاسْمِهِ أَوْ كُنْيَتِهِ الَّتِي هُوَ مَشْهُورٌ بِهَا ، وَإِلَّا فَكُلُّ أَحَدٍ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ بِ " أَنَا " ، فَلَا يَحْصُلُ بِهَا الْمَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِئْذَانِ ، الَّذِي هُوَ الِاسْتِئْنَاسُ الْمَأْمُورُ بِهِ فِي الْآيَةِ .
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : الِاسْتِئْنَاسُ : الِاسْتِئْذَانُ . وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : ( لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا ) 38 قَالَ : إِنَّمَا هِيَ خَطَأٌ مِنَ الْكَاتِبِ ، " حَتَّى تَسْتَأْذِنُوا وَتُسَلِّمُوا " .
وَهَكَذَا رَوَاهُ هُشَيْمٌ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ - وَهُوَ جَعْفَرُ بْنُ إِيَاسٍ - بِهِ . وَرَوَى مُعَاذُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، بِمِثْلِهِ ، وَزَادَ : وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ : " حَتَّى تَسْتَأْذِنُوا وَتُسَلِّمُوا " ، وَكَانَ يَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
وَهَذَا غَرِيبٌ جِدًّا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَقَالَ هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا مُغِيرَةُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ : " حَتَّى تُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا وَتَسْتَأْذِنُوا " . وَهَذَا أَيْضًا رِوَايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا رَوْحٌ ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ : أَنَّ عَمْرَو بْنَ أَبِي صَفْوَانَ أَخْبَرَهُ ، أَنَّ كَلَدَةَ بْنَ الْحَنْبَلِ أَخْبَرَهُ ، أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ بَعْثَهُ فِي الْفَتْحِ بِلِبَأٍ وَجَدَايَةٍ وَضَغَابِيسَ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَعْلَى الْوَادِي . قَالَ : فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَلَمْ أُسَلِّمْ وَلَمْ أَسْتَأْذِنْ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ارْجِعْ فَقُلِ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، أَأَدْخُلُ؟ " وَذَلِكَ بَعْدَمَا أَسْلَمَ صَفْوَانُ .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، بِهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ غَرِيبٌ ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ .
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : حَدَّثَنَا أَبُو بكرِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ رِبْعِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا رَجُلٌ مَنْ بَنِي عَامِرٍ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ فِي بَيْتِهِ ، فَقَالَ : أَأَلِجُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِخَادِمِهِ : " اخْرُجْ إِلَى هَذَا فَعَلِّمْهُ الِاسْتِئْذَانَ ، فَقُلْ لَهُ : قُلِ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، أَأَدْخُلُ؟ " فَسَمِعَهُ الرَّجُلُ فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، أَأَدْخُلُ؟ فَأَذِنَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَدَخَلَ .
وَقَالَ هُشَيْمٌ : أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ - وَأَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ الثَّقَفِيِّ - أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَأَلِجُ - أَوْ : أَنَلِجُ؟ - فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَمَةٍ لَهُ ، يُقَالُ لَهَا رَوْضَةُ : " قَوْمِي إِلَى هَذَا فَعَلِّمِيهِ ، فَإِنَّهُ لَا يُحْسِنُ يَسْتَأْذِنُ ، فَقُولِي لَهُ يَقُولُ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، أَأَدْخُلُ " . فَسَمِعَهَا الرَّجُلُ ، فَقَالَهَا ، فَقَالَ : " ادْخُلْ " .
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ الصَّبَاحِ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ زَكَرِيَّا ، عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَاذَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " السَّلَامُ قَبْلَ الْكَلَامِ " .
ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : عَنْبَسَةُ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ ذَاهِبٌ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ زَاذَانَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ .
وَقَالَ هُشَيْمٌ : قَالَ مُغِيرَةُ : قَالَ مُجَاهِدٌ : جَاءَ ابْنُ عُمَرَ مِنْ حَاجَةٍ ، وَقَدْ آذَاهُ الرَّمْضَاءُ ، فَأَتَى قُسْطَاطَ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، أَأَدْخُلُ؟ قَالَتِ : ادْخُلْ بِسَلَامٍ . فَأَعَادَ ، فَأَعَادَتْ ، 39 وَهُوَ يُرَاوِحُ بَيْنَ قَدَمَيْهِ ، قَالَ : قُولِي : ادْخُلْ . قَالَتِ : ادْخُلْ ، فَدَخَلَ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْأَحْوَلُ ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ إِيَاسٍ ، حَدَّثَتْنِي جَدَّتِي أُمُّ إِيَاسٍ قَالَتْ : كُنْتُ فِي أَرْبَعِ نِسْوَةٍ نَسْتَأْذِنُ [ عَلَى عَائِشَةَ ] فَقُلْتُ : نَدْخُلُ؟ قَالَتْ : لَا ، قُلْنَ لِصَاحِبَتِكُنَّ : تَسْتَأْذِنُ . فَقَالَتِ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، أَنَدْخُلُ؟ قَالَتِ : ادْخُلُوا ، ثُمَّ قَالَتْ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ) [ الْآيَةَ ] .
وَقَالَ هُشَيْمٌ : أَخْبَرَنَا أَشْعَثُ بْنُ سَوَّارٍ ، عَنْ كُرُدُوسٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : عَلَيْكُمْ أَنْ تَسْتَأْذِنُوا عَلَى أُمَّهَاتِكُمْ وَأَخَوَاتِكُمْ . قَالَ أَشْعَثُ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ : إِنَّ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أَكُونُ فِي مَنْزِلِي عَلَى الْحَالِ الَّتِي لَا أُحِبُّ أَنْ يَرَانِي أَحَدٌ عَلَيْهَا ، وَالِدٌ وَلَا وَلَدٌ ، وَإِنَّهُ لَا يَزَالُ يَدْخُلُ عَلَيَّ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِي ، وَأَنَا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ؟ قَالَ : فَنَزَلَتْ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ) .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ يُخْبِرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : ثَلَاثُ آيَاتٍ جَحَدَهَا النَّاسُ : قَالَ اللَّهُ : ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) [ الْحُجُرَاتُ : 13 ] ، قَالَ : وَيَقُولُونَ : إِنَّ أَكْرَمَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَعْظَمُهُمْ بَيْتًا . قَالَ : وَالْإِذْنُ كُلُّهُ قَدْ جَحَدَهُ النَّاسُ . قَالَ : قُلْتُ : أَسْتَأْذِنُ عَلَى أَخَوَاتِي أَيْتَامٍ فِي حِجْرِي ، مَعِي فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَرَدَدْتُ لِيُرَخِّصَ لِي ، فَأَبَى . قَالَ : تُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً؟ قُلْتُ : لَا . قَالَ : فَاسْتَأْذِنْ . قَالَ : فَرَاجَعْتُهُ أَيْضًا ، فَقَالَ : أَتُحِبُّ أَنْ تُطِيعَ اللَّهَ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : فَاسْتَأْذِنْ .
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَأَخْبَرَنِي ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : مَا مِنِ امْرَأَةٍ أَكْرَهُ إِلَيَّ أَنْ أَرَى عُرْيَتَهَا مِنْ ذَاتِ مَحْرَمٍ . قَالَ : وَكَانَ يُشَدِّدُ فِي ذَلِكَ .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : سَمِعْتُ هُزَيلَ بْنَ شُرَحْبِيلَ الْأَوْدِيَّ الْأَعْمَى ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ : عَلَيْكُمُ الْإِذْنُ عَلَى أُمَّهَاتِكُمْ .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : أَيَسْتَأْذِنُ الرَّجُلُ عَلَى امْرَأَتِهِ؟ قَالَ : لَا .
وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ ، وَإِلَّا فَالْأَوْلَى أَنْ يُعْلِمَهَا بِدُخُولِهِ وَلَا يُفَاجِئَهَا بِهِ ، لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ عَلَى هَيْئَةٍ لَا تُحِبُّ أَنْ يَرَاهَا عَلَيْهَا .
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، [ قَالَ ] حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَازِمٍ عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَخِي زَيْنَبَ - امْرَأَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ، عَنْ زَيْنَبَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، قَالَتْ : كَانَ عَبْدُ اللَّهِ إِذَا جَاءَ مِنْ حَاجَةٍ فَانْتَهَى إِلَى الْبَابِ ، تَنَحْنَحَ وَبَزَقَ; كَرَاهِيَةَ أَنْ يَهْجُمَ مِنَّا عَلَى أَمْرٍ يَكْرَهُهُ . إِسْنَادٌ صَحِيحٌ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ الْوَاسِطِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا 40 الْأَعْمَشُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي هُبَيْرَةَ قَالَ : كَانَ عَبْدُ اللَّهِ إِذَا دَخَلَ الدَّارَ اسْتَأْنَسَ - تَكَلَّمَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ .
[ وَ ] قَالَ مُجَاهِدٌ : ( حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا ) قَالَ : تَنَحْنَحُوا - أَوْ تَنَخَّمُوا .
وَعَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، أَنَّهُ قَالَ : إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ ، اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَتَنَحْنَحَ ، أَوْ يُحَرِّكَ نَعْلَيْهِ .
وَلِهَذَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّهُ نَهَى أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ طُرُوقًا - وَفِي رِوَايَة : لَيْلًا يَتَخوَّنُهُمْ .
وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَهَارًا ، فَأَنَاخَ بِظَاهِرِهَا ، وَقَالَ : " انْتَظِرُوا حَتَّى تَدْخُلَ عَشَاءٌ - يَعْنِي : آخِرَ النَّهَارِ - حَتَّى تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ " .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو بكرِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ وَاصِلِ بْنِ السَّائِبِ ، حَدَّثَنِي أَبُو سَوْرَةَ ابْنُ أَخِي أَبِي أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذَا السَّلَامُ ، فَمَا الِاسْتِئْنَاسُ؟ قَالَ : " يَتَكَلَّمُ الرَّجُلُ بِتَسْبِيحَةٍ وَتَكْبِيرَةٍ وَتَحْمِيدَةٍ ، وَيَتَنَحْنَحُ فَيُؤْذِنُ أَهْلَ الْبَيْتِ " . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ .
وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ : ( حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا ) قَالَ : هُوَ الِاسْتِئْذَانُ . [ قَالَ : وَكَانَ يُقَالُ : الِاسْتِئْذَانُ ] ثَلَاثٌ ، فَمَنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِنَّ ، فَلْيَرْجِعْ . أَمَّا الْأُولَى : فَلْيُسْمِعِ الْحَيَّ ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ : فَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ : فَإِنْ شَاءُوا أَذِنُوا وَإِنْ شَاءُوا رَدُّوا . وَلَا تَقِفَنَّ عَلَى بَابِ قَوْمٍ رَدُّوكَ عَنْ بَابِهِمْ; فَإِنَّ لِلنَّاسِ حَاجَاتٍ وَلَهُمْ أَشْغَالٌ ، وَاللَّهُ أَوْلَى بِالْعُذْرِ .
وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ فِي قَوْلِهِ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ) كَانَ الرَّجُلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا لَقِيَ صَاحِبَهُ ، لَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ ، وَيَقُولُ : حُيِّيتَ صَبَاحًا وَحُيِّيتَ مَسَاءً ، وَكَانَ ذَلِكَ تَحِيَّةَ الْقَوْمِ بَيْنَهُمْ . وَكَانَ أَحَدُهُمْ يَنْطَلِقُ إِلَى صَاحِبِهِ فَلَا يَسْتَأْذِنُ حَتَّى يَقْتَحِمَ ، وَيَقُولَ : " قَدْ دَخَلْتُ " . فَيَشُقُّ ذَلِكَ عَلَى الرَّجُلِ ، وَلَعَلَّهُ يَكُونُ مَعَ أَهْلِهِ ، فَغَيَّرَ اللَّهُ ذَلِكَ كُلَّهُ ، فِي سَتْرٍ وَعِفَّةِ ، وَجَعَلَهُ نَقْيًّا نَزِهًا مِنَ الدَّنَسِ وَالْقَذِرِ وَالدَّرَنِ ، فَقَالَ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ) .
41
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُقَاتِلٌ حَسَنٌ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ ) يَعْنِي : الِاسْتِئْذَانُ خَيْرٌ لَكُمْ ، بِمَعْنَى : هُوَ خَيْرٌ لِلطَّرَفَيْنِ : لِلْمُسْتَأْذِنِ وَلِأَهْلِ الْبَيْتِ ، ( . لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) .
وَقَوْلُهُ : ( فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ ) ، وَذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ ، فَإِنْ شَاءَ أَذِنَ ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَأْذَنْ ( وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ ) أَيْ : إِذَا رَدُّوكُمْ مِنَ الْبَابِ قَبْلَ الْإِذْنِ أَوْ بَعْدَهُ ( فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ ) أَيْ : رُجُوعُكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ ( وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) .
وَقَالَ قَتَادَةُ : قَالَ بَعْضُ الْمُهَاجِرِينَ : لَقَدْ طَلَبْتُ عُمْرِي كُلَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ فَمَا أَدْرَكْتُهَا : أَنْ أَسْتَأْذِنَ عَلَى بَعْضِ إِخْوَانِي ، فَيَقُولُ لِي : " ارْجِعْ " ، فَأَرْجِعُ وَأَنَا مُغْتَبِطٌ [ لِقَوْلِهِ ] ، ( وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : ( وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ) أَيْ : لَا تَقِفُوا عَلَى أَبْوَابِ النَّاسِ .
وَقَوْلُهُ : ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ) هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ أَخَصُّ مِنَ الَّتِي قَبْلَهَا ، وَذَلِكَ أَنَّهَا تَقْتَضِي جَوَازَ الدُّخُولِ إِلَى الْبُيُوتِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ ، إِذَا كَانَ لَهُ فِيهَا مَتَاعٌ ، بِغَيْرِ إِذْنٍ ، كَالْبَيْتِ الْمُعَدِّ لِلضَّيْفِ ، إِذَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، كَفَى .
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ( لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ ) ، ثُمَّ نَسَخَ وَاسْتَثْنَى فَقَالَ ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ ) : وَكَذَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ .
وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ بُيُوتُ التُّجَّارِ ، كَالْخَانَاتِ وَمَنَازِلِ الْأَسْفَارِ ، وَبُيُوتِ مَكَّةَ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَاخْتَارَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَحَكَاهُ ، عَنْ جَمَاعَةٍ . وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : هِيَ بُيُوتُ الشَّعْرِ .
36
هَذِهِ آدَابٌ شَرْعِيَّةٌ ، أَدَّبَ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَذَلِكَ فِي الِاسْتِئْذَانِ أَمَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَلَّا يَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِهِمْ حَتَّى يَسْتَأْنِسُوا ، أَيْ : يَسْتَأْذِنُوا قَبْلَ الدُّخُولِ وَيُسَلِّمُوا بَعْدَهُ . وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَأْذِنَ ثَلَاثًا ، فَإِنْ أُذِنَ لَهُ ، وَإِلَّا انْصَرَفَ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ : أَنَّ أَبَا مُوسَى حِينَ اسْتَأْذَنَ عَلَى عُمَرَ ثَلَاثًا ، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ ، انْصَرَفَ . ثُمَّ قَالَ عُمَرُ : أَلَمْ أَسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ يَسْتَأْذِنُ؟ ائْذَنُوا لَهُ . فَطَلَبُوهُ فَوَجَدُوهُ قَدْ ذَهَبَ ، فَلَمَّا جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ : مَا رَجَعَكَ؟ قَالَ : إِنِّي اسْتَأْذَنْتُ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا ، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ ، فَلْيَنْصَرِفْ " . فَقَالَ : لَتَأتِيَنَّ عَلَى هَذَا بِبَيِّنَةٍ وَإِلَّا أَوْجَعْتُكَ ضَرْبًا . فَذَهَبَ إِلَى مَلَأٍ مِنَ الْأَنْصَارِ ، فَذَكَرَ لَهُمْ مَا قَالَ عُمَرُ ، فَقَالُوا : لَا يَشْهَدُ لَكَ إِلَّا أَصْغَرُنَا . فَقَامَ مَعَهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ فَأَخْبَرَ عُمَرَ بِذَلِكَ ، فَقَالَ : أَلْهَانِي عَنْهُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ - أَوْ : غَيْرِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَأْذَنَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَقَالَ : " السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ " . فَقَالَ سَعْدٌ : وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَلَمْ يَسْمَعِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى سَلَّمَ ثَلَاثًا . وَرَدَّ عَلَيْهِ سَعْدٌ ثَلَاثًا وَلَمْ يُسْمِعْهُ . فَرَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاتَّبَعَهُ سَعْدٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ، مَا سَلَّمْتَ تَسْلِيمَةً إِلَّا وَهِيَ بِأُذُنِي ، وَلَقَدْ رَدَدْتُ عَلَيْكَ وَلَمْ أُسْمِعْكَ ، وَأَرَدْتُ أَنْ أَسْتَكْثِرَ مِنْ سَلَامِكِ وَمِنَ الْبَرَكَةِ . ثُمَّ أَدْخَلَهُ الْبَيْتَ ، فَقَرَّبَ إِلَيْهِ زَبِيبًا ، فَأَكَلَ نَبِيُّ اللَّهِ . فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ : " أَكَلَ طَعَامَكُمُ الْأَبْرَارُ ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلَائِكَةُ ، وَأَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ " .
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيِّ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَبِي كَثِيرٍ يَقُولُ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ - هُوَ ابْنُ عِبَادَةَ - قَالَ : زَارَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَنْزِلِنَا ، فَقَالَ : " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ " . فَرَدَّ سَعْدٌ ردًّا خَفِيًّا ، قَالَ قَيْسٌ : فَقُلْتُ : أَلَا تَأْذَنُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ : ذَرْهُ يُكْثِرْ عَلَيْنَا مِنَ السَّلَامِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ " . فَرَدَّ سَعْدٌ رَدًّا خَفِيًّا ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ " ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاتَّبَعَهُ سَعْدٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي كُنْتُ أَسْمَعُ تَسْلِيمَكَ ، وَأَرُدُّ عَلَيْكَ رَدًّا خَفِيًّا ، لِتُكْثِرَ عَلَيْنَا مِنَ السَّلَامِ . قَالَ : فَانْصَرَفَ مَعَهُ [ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَمَرَ لَهُ سَعْدٌ بِغُسْلٍ ، فَاغْتَسَلَ ، ثُمَّ نَاوَلَهُ مِلْحَفَةً مَصْبُوغَةً ] بِزَعْفَرَانٍ - أَوْ : وَرْسٍ - فَاشْتَمَلَ بِهَا ، ثُمَّ رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ : " اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَاتَكَ وَرَحْمَتَكَ عَلَى آلِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ " . قَالَ : ثُمَّ أَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الطَّعَامِ ، فَلَمَّا أَرَادَ الِانْصِرَافَ قَرَّبَ إِلَيْهِ سَعْدٌ حِمَارًا قَدْ وَطَّأَ عَلَيْهِ بِقَطِيفَةٍ ، فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ سَعْدٌ : يَا قَيْسُ ، اصْحَبْ رَسُولَ 37 اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ قَيْسٌ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ارْكَبْ " . فَأَبَيْتُ ، فَقَالَ : " إِمَّا أَنْ تَرْكَبَ وَإِمَّا أَنْ تَنْصَرِفَ " . قَالَ : فَانْصَرَفْتُ .
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَهُوَ حَدِيثٌ جَيِّدٌ قَوِيٌّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
ثُمَّ لِيُعْلَمْ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُسْتَأْذِنِ عَلَى أَهْلِ الْمَنْزِلِ أَلَّا يَقِفَ تِلْقَاءَ الْبَابِ بِوَجْهِهِ ، وَلَكِنْ لِيَكُنِ الْبَابُ ، عَنْ يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ; لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ : حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ الْحَرَّانَيُّ - فِي آخَرِينَ - قَالُوا : حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَى بَابَ قَوْمٍ ، لَمْ يَسْتَقْبِلِ الْبَابَ مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِهِ ، وَلَكِنْ مِنْ رُكْنِهِ الْأَيْمَنِ أَوِ الْأَيْسَرِ ، وَيَقُولُ : " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ " . وَذَلِكَ أَنَّ الدُّورَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا يَوْمئِذٍ سُتُورٌ . تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ .
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، ( ح ) قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَحَدَّثَنَا أَبُو بكرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ طَلْحَةَ ، عَنْ هُزَيْلٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ - قَالَ عُثْمَانُ : سَعْدٌ - فَوَقَفَ عَلَى بَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْذِنُ ، فَقَامَ عَلَى الْبَابِ - قَالَ عُثْمَانُ : مُسْتَقْبَلَ الْبَابِ - فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هَكَذَا عَنْكَ - أَوْ : هَكَذَا - فَإِنَّمَا الِاسْتِئْذَانُ مِنَ النَّظَرِ " .
وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ سَعْدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِهِ .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذَنٍ فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ ، فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ ، مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُنَاحٍ " .
وَأَخْرَجَ الْجَمَاعَةُ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَى أَبِي ، فَدَقَقْتُ الْبَابَ ، فَقَالَ : " مَنْ ذَا " ؟ قُلْتُ : أَنَا . قَالَ : " أَنَا ، أَنَا " كَأَنَّهُ كَرِهَهُ .
وَإِنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لَا يُعْرَفُ صَاحِبُهَا حَتَّى يُفْصِحَ بِاسْمِهِ أَوْ كُنْيَتِهِ الَّتِي هُوَ مَشْهُورٌ بِهَا ، وَإِلَّا فَكُلُّ أَحَدٍ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ بِ " أَنَا " ، فَلَا يَحْصُلُ بِهَا الْمَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِئْذَانِ ، الَّذِي هُوَ الِاسْتِئْنَاسُ الْمَأْمُورُ بِهِ فِي الْآيَةِ .
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : الِاسْتِئْنَاسُ : الِاسْتِئْذَانُ . وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : ( لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا ) 38 قَالَ : إِنَّمَا هِيَ خَطَأٌ مِنَ الْكَاتِبِ ، " حَتَّى تَسْتَأْذِنُوا وَتُسَلِّمُوا " .
وَهَكَذَا رَوَاهُ هُشَيْمٌ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ - وَهُوَ جَعْفَرُ بْنُ إِيَاسٍ - بِهِ . وَرَوَى مُعَاذُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، بِمِثْلِهِ ، وَزَادَ : وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ : " حَتَّى تَسْتَأْذِنُوا وَتُسَلِّمُوا " ، وَكَانَ يَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
وَهَذَا غَرِيبٌ جِدًّا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَقَالَ هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا مُغِيرَةُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ : " حَتَّى تُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا وَتَسْتَأْذِنُوا " . وَهَذَا أَيْضًا رِوَايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا رَوْحٌ ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ : أَنَّ عَمْرَو بْنَ أَبِي صَفْوَانَ أَخْبَرَهُ ، أَنَّ كَلَدَةَ بْنَ الْحَنْبَلِ أَخْبَرَهُ ، أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ بَعْثَهُ فِي الْفَتْحِ بِلِبَأٍ وَجَدَايَةٍ وَضَغَابِيسَ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَعْلَى الْوَادِي . قَالَ : فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَلَمْ أُسَلِّمْ وَلَمْ أَسْتَأْذِنْ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ارْجِعْ فَقُلِ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، أَأَدْخُلُ؟ " وَذَلِكَ بَعْدَمَا أَسْلَمَ صَفْوَانُ .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، بِهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ غَرِيبٌ ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ .
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : حَدَّثَنَا أَبُو بكرِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ رِبْعِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا رَجُلٌ مَنْ بَنِي عَامِرٍ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ فِي بَيْتِهِ ، فَقَالَ : أَأَلِجُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِخَادِمِهِ : " اخْرُجْ إِلَى هَذَا فَعَلِّمْهُ الِاسْتِئْذَانَ ، فَقُلْ لَهُ : قُلِ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، أَأَدْخُلُ؟ " فَسَمِعَهُ الرَّجُلُ فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، أَأَدْخُلُ؟ فَأَذِنَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَدَخَلَ .
وَقَالَ هُشَيْمٌ : أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ - وَأَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ الثَّقَفِيِّ - أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَأَلِجُ - أَوْ : أَنَلِجُ؟ - فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَمَةٍ لَهُ ، يُقَالُ لَهَا رَوْضَةُ : " قَوْمِي إِلَى هَذَا فَعَلِّمِيهِ ، فَإِنَّهُ لَا يُحْسِنُ يَسْتَأْذِنُ ، فَقُولِي لَهُ يَقُولُ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، أَأَدْخُلُ " . فَسَمِعَهَا الرَّجُلُ ، فَقَالَهَا ، فَقَالَ : " ادْخُلْ " .
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ الصَّبَاحِ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ زَكَرِيَّا ، عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَاذَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " السَّلَامُ قَبْلَ الْكَلَامِ " .
ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : عَنْبَسَةُ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ ذَاهِبٌ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ زَاذَانَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ .
وَقَالَ هُشَيْمٌ : قَالَ مُغِيرَةُ : قَالَ مُجَاهِدٌ : جَاءَ ابْنُ عُمَرَ مِنْ حَاجَةٍ ، وَقَدْ آذَاهُ الرَّمْضَاءُ ، فَأَتَى قُسْطَاطَ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، أَأَدْخُلُ؟ قَالَتِ : ادْخُلْ بِسَلَامٍ . فَأَعَادَ ، فَأَعَادَتْ ، 39 وَهُوَ يُرَاوِحُ بَيْنَ قَدَمَيْهِ ، قَالَ : قُولِي : ادْخُلْ . قَالَتِ : ادْخُلْ ، فَدَخَلَ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْأَحْوَلُ ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ إِيَاسٍ ، حَدَّثَتْنِي جَدَّتِي أُمُّ إِيَاسٍ قَالَتْ : كُنْتُ فِي أَرْبَعِ نِسْوَةٍ نَسْتَأْذِنُ [ عَلَى عَائِشَةَ ] فَقُلْتُ : نَدْخُلُ؟ قَالَتْ : لَا ، قُلْنَ لِصَاحِبَتِكُنَّ : تَسْتَأْذِنُ . فَقَالَتِ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، أَنَدْخُلُ؟ قَالَتِ : ادْخُلُوا ، ثُمَّ قَالَتْ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ) [ الْآيَةَ ] .
وَقَالَ هُشَيْمٌ : أَخْبَرَنَا أَشْعَثُ بْنُ سَوَّارٍ ، عَنْ كُرُدُوسٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : عَلَيْكُمْ أَنْ تَسْتَأْذِنُوا عَلَى أُمَّهَاتِكُمْ وَأَخَوَاتِكُمْ . قَالَ أَشْعَثُ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ : إِنَّ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أَكُونُ فِي مَنْزِلِي عَلَى الْحَالِ الَّتِي لَا أُحِبُّ أَنْ يَرَانِي أَحَدٌ عَلَيْهَا ، وَالِدٌ وَلَا وَلَدٌ ، وَإِنَّهُ لَا يَزَالُ يَدْخُلُ عَلَيَّ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِي ، وَأَنَا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ؟ قَالَ : فَنَزَلَتْ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ) .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ يُخْبِرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : ثَلَاثُ آيَاتٍ جَحَدَهَا النَّاسُ : قَالَ اللَّهُ : ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) [ الْحُجُرَاتُ : 13 ] ، قَالَ : وَيَقُولُونَ : إِنَّ أَكْرَمَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَعْظَمُهُمْ بَيْتًا . قَالَ : وَالْإِذْنُ كُلُّهُ قَدْ جَحَدَهُ النَّاسُ . قَالَ : قُلْتُ : أَسْتَأْذِنُ عَلَى أَخَوَاتِي أَيْتَامٍ فِي حِجْرِي ، مَعِي فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَرَدَدْتُ لِيُرَخِّصَ لِي ، فَأَبَى . قَالَ : تُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً؟ قُلْتُ : لَا . قَالَ : فَاسْتَأْذِنْ . قَالَ : فَرَاجَعْتُهُ أَيْضًا ، فَقَالَ : أَتُحِبُّ أَنْ تُطِيعَ اللَّهَ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : فَاسْتَأْذِنْ .
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَأَخْبَرَنِي ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : مَا مِنِ امْرَأَةٍ أَكْرَهُ إِلَيَّ أَنْ أَرَى عُرْيَتَهَا مِنْ ذَاتِ مَحْرَمٍ . قَالَ : وَكَانَ يُشَدِّدُ فِي ذَلِكَ .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : سَمِعْتُ هُزَيلَ بْنَ شُرَحْبِيلَ الْأَوْدِيَّ الْأَعْمَى ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ : عَلَيْكُمُ الْإِذْنُ عَلَى أُمَّهَاتِكُمْ .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : أَيَسْتَأْذِنُ الرَّجُلُ عَلَى امْرَأَتِهِ؟ قَالَ : لَا .
وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ ، وَإِلَّا فَالْأَوْلَى أَنْ يُعْلِمَهَا بِدُخُولِهِ وَلَا يُفَاجِئَهَا بِهِ ، لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ عَلَى هَيْئَةٍ لَا تُحِبُّ أَنْ يَرَاهَا عَلَيْهَا .
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، [ قَالَ ] حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَازِمٍ عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَخِي زَيْنَبَ - امْرَأَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ، عَنْ زَيْنَبَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، قَالَتْ : كَانَ عَبْدُ اللَّهِ إِذَا جَاءَ مِنْ حَاجَةٍ فَانْتَهَى إِلَى الْبَابِ ، تَنَحْنَحَ وَبَزَقَ; كَرَاهِيَةَ أَنْ يَهْجُمَ مِنَّا عَلَى أَمْرٍ يَكْرَهُهُ . إِسْنَادٌ صَحِيحٌ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ الْوَاسِطِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا 40 الْأَعْمَشُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي هُبَيْرَةَ قَالَ : كَانَ عَبْدُ اللَّهِ إِذَا دَخَلَ الدَّارَ اسْتَأْنَسَ - تَكَلَّمَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ .
[ وَ ] قَالَ مُجَاهِدٌ : ( حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا ) قَالَ : تَنَحْنَحُوا - أَوْ تَنَخَّمُوا .
وَعَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، أَنَّهُ قَالَ : إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ ، اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَتَنَحْنَحَ ، أَوْ يُحَرِّكَ نَعْلَيْهِ .
وَلِهَذَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّهُ نَهَى أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ طُرُوقًا - وَفِي رِوَايَة : لَيْلًا يَتَخوَّنُهُمْ .
وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَهَارًا ، فَأَنَاخَ بِظَاهِرِهَا ، وَقَالَ : " انْتَظِرُوا حَتَّى تَدْخُلَ عَشَاءٌ - يَعْنِي : آخِرَ النَّهَارِ - حَتَّى تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ " .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو بكرِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ وَاصِلِ بْنِ السَّائِبِ ، حَدَّثَنِي أَبُو سَوْرَةَ ابْنُ أَخِي أَبِي أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذَا السَّلَامُ ، فَمَا الِاسْتِئْنَاسُ؟ قَالَ : " يَتَكَلَّمُ الرَّجُلُ بِتَسْبِيحَةٍ وَتَكْبِيرَةٍ وَتَحْمِيدَةٍ ، وَيَتَنَحْنَحُ فَيُؤْذِنُ أَهْلَ الْبَيْتِ " . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ .
وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ : ( حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا ) قَالَ : هُوَ الِاسْتِئْذَانُ . [ قَالَ : وَكَانَ يُقَالُ : الِاسْتِئْذَانُ ] ثَلَاثٌ ، فَمَنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِنَّ ، فَلْيَرْجِعْ . أَمَّا الْأُولَى : فَلْيُسْمِعِ الْحَيَّ ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ : فَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ : فَإِنْ شَاءُوا أَذِنُوا وَإِنْ شَاءُوا رَدُّوا . وَلَا تَقِفَنَّ عَلَى بَابِ قَوْمٍ رَدُّوكَ عَنْ بَابِهِمْ; فَإِنَّ لِلنَّاسِ حَاجَاتٍ وَلَهُمْ أَشْغَالٌ ، وَاللَّهُ أَوْلَى بِالْعُذْرِ .
وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ فِي قَوْلِهِ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ) كَانَ الرَّجُلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا لَقِيَ صَاحِبَهُ ، لَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ ، وَيَقُولُ : حُيِّيتَ صَبَاحًا وَحُيِّيتَ مَسَاءً ، وَكَانَ ذَلِكَ تَحِيَّةَ الْقَوْمِ بَيْنَهُمْ . وَكَانَ أَحَدُهُمْ يَنْطَلِقُ إِلَى صَاحِبِهِ فَلَا يَسْتَأْذِنُ حَتَّى يَقْتَحِمَ ، وَيَقُولَ : " قَدْ دَخَلْتُ " . فَيَشُقُّ ذَلِكَ عَلَى الرَّجُلِ ، وَلَعَلَّهُ يَكُونُ مَعَ أَهْلِهِ ، فَغَيَّرَ اللَّهُ ذَلِكَ كُلَّهُ ، فِي سَتْرٍ وَعِفَّةِ ، وَجَعَلَهُ نَقْيًّا نَزِهًا مِنَ الدَّنَسِ وَالْقَذِرِ وَالدَّرَنِ ، فَقَالَ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ) .
41
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُقَاتِلٌ حَسَنٌ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ ) يَعْنِي : الِاسْتِئْذَانُ خَيْرٌ لَكُمْ ، بِمَعْنَى : هُوَ خَيْرٌ لِلطَّرَفَيْنِ : لِلْمُسْتَأْذِنِ وَلِأَهْلِ الْبَيْتِ ، ( . لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) .
وَقَوْلُهُ : ( فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ ) ، وَذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ ، فَإِنْ شَاءَ أَذِنَ ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَأْذَنْ ( وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ ) أَيْ : إِذَا رَدُّوكُمْ مِنَ الْبَابِ قَبْلَ الْإِذْنِ أَوْ بَعْدَهُ ( فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ ) أَيْ : رُجُوعُكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ ( وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) .
وَقَالَ قَتَادَةُ : قَالَ بَعْضُ الْمُهَاجِرِينَ : لَقَدْ طَلَبْتُ عُمْرِي كُلَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ فَمَا أَدْرَكْتُهَا : أَنْ أَسْتَأْذِنَ عَلَى بَعْضِ إِخْوَانِي ، فَيَقُولُ لِي : " ارْجِعْ " ، فَأَرْجِعُ وَأَنَا مُغْتَبِطٌ [ لِقَوْلِهِ ] ، ( وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : ( وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ) أَيْ : لَا تَقِفُوا عَلَى أَبْوَابِ النَّاسِ .
وَقَوْلُهُ : ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ) هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ أَخَصُّ مِنَ الَّتِي قَبْلَهَا ، وَذَلِكَ أَنَّهَا تَقْتَضِي جَوَازَ الدُّخُولِ إِلَى الْبُيُوتِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ ، إِذَا كَانَ لَهُ فِيهَا مَتَاعٌ ، بِغَيْرِ إِذْنٍ ، كَالْبَيْتِ الْمُعَدِّ لِلضَّيْفِ ، إِذَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، كَفَى .
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ( لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ ) ، ثُمَّ نَسَخَ وَاسْتَثْنَى فَقَالَ ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ ) : وَكَذَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ .
وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ بُيُوتُ التُّجَّارِ ، كَالْخَانَاتِ وَمَنَازِلِ الْأَسْفَارِ ، وَبُيُوتِ مَكَّةَ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَاخْتَارَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَحَكَاهُ ، عَنْ جَمَاعَةٍ . وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : هِيَ بُيُوتُ الشَّعْرِ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith