تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
الصفحة 1266 · ص. المطبوع 35
( الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ( 26 ) )
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْخَبِيثَاتُ مِنَ الْقَوْلِ لِلْخَبِيثِينِ مِنَ الرِّجَالِ ، وَالْخَبِيثُونَ مِنَ الرِّجَالِ لِلْخَبِيثَاتِ مِنَ الْقَوْلِ . وَالطَّيِّبَاتُ مِنَ الْقَوْلِ ، لِلطَّيِّبِينَ مِنَ الرِّجَالِ ، وَالطَّيِّبُونَ مِنَ الرِّجَالِ لِلطَّيِّبَاتِ مِنَ الْقَوْلِ . قَالَ : وَنَزَلَتْ فِي عَائِشَةَ وَأَهْلِ الْإِفْكِ .
وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصَرِيِّ ، وَحَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، وَالضَّحَّاكِ . وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ الْكَلَامَ الْقَبِيحَ أَوْلَى بِأَهْلِ الْقُبْحِ مِنَ النَّاسِ ، وَالْكَلَامَ الطَّيِّبَ أَوْلَى بِالطَّيِّبِينَ مِنَ النَّاسِ ، فَمَا نَسَبَهُ أَهْلُ النِّفَاقِ إِلَى عَائِشَةَ هُمْ 35 أَوْلَى بِهِ ، وَهِيَ أَوْلَى بِالْبَرَاءَةِ وَالنَّزَاهَةِ مِنْهُمْ; وَلِهَذَا قَالَ : ( أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ) .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : الْخَبِيثَاتُ مِنَ النِّسَاءِ لِلْخَبِيثِينِ مِنَ الرِّجَالِ ، وَالْخِبِيثُونَ مِنَ الرِّجَالِ لِلْخَبِيثَاتِ مِنَ النِّسَاءِ ، وَالطَّيِّبَاتُ مِنَ النِّسَاءِ لِلطَّيِّبِينَ مِنَ الرِّجَالِ ، وَالطَّيِّبُونَ مِنَ الرِّجَالِ لِلطَّيِّبَاتِ مِنَ النِّسَاءِ .
وَهَذَا - أَيْضًا - يَرْجِعُ إِلَى مَا قَالَهُ أُولَئِكَ بِاللَّازِمِ ، أَيْ : مَا كَانَ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَائِشَةَ زَوْجَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا وَهِيَ طَيِّبَةٌ; لِأَنَّهُ أَطْيَبُ مِنْ كُلِّ طَيِّبٍ مِنَ الْبَشَرِ ، وَلَوْ كَانَتْ خَبِيثَةً لَمَا صَلَحَتْ لَهُ ، لَا شَرْعًا وَلَا قَدَرًا; وَلِهَذَا قَالَ : ( أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ) أَيْ : هُمْ بُعَدَاءُ عَمَّا يَقُولُهُ أَهْلُ الْإِفْكِ وَالْعُدْوَانِ ، ( لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ) أَيْ : بِسَبَبِ مَا قِيلَ فِيهِمْ مِنَ الْكَذِبِ ، ( وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) أَيْ : عِنْدَ اللَّهِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ . وَفِيهِ وَعْدٌ بِأَنْ تَكُونَ زَوْجَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَنَّةِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ قَالَ : جَاءَ أُسَيْرُ بْنُ جَابِرٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ : لَقَدْ سَمِعْتُ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ أَعْجَبَنِي . فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : إِنَّ الرَّجُلَ الْمُؤْمِنَ يَكُونُ فِي قَلْبِهِ الْكَلِمَةُ غَيْرَ طَيِّبَةٍ تَتَجَلْجَلُ فِي صَدْرِهِ مَا تَسْتَقِرُّ حَتَّى يَلْفِظَهَا ، فَيَسْمَعَهَا رَجُلٌ عِنْدَهُ يَتُلُّهَا فَيَضُمُّهَا إِلَيْهِ . وَإِنَّ الرَّجُلَ الْفَاجِرَ يَكُونُ فِي قَلْبِهِ الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ تَتَجَلْجَلُ فِي صَدْرِهِ مَا تَسْتَقِرُّ حَتَّى يَلْفِظَهَا ، فَيَسْمَعَهَا الرَّجُلُ الَّذِي عِنْدَهُ يَتُلُّهَا فَيَضُمُّهَا إِلَيْهِ ، ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ : ( الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ) .
وَيُشْبِهُ هَذَا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ مَرْفُوعًا : ۝ " مِثْلَ الَّذِي يَسْمَعُ الْحِكْمَةَ ثُمَّ لَا يُحَدِّثُ إِلَّا بِشَرِّ مَا سَمِعَ ، كَمَثَلِ رَجُلٍ جَاءَ إِلَى صَاحِبِ غَنَمٍ ، فَقَالَ : أَجْزِرْنِي شَاةً . فَقَالَ : اذْهَبْ فَخُذْ بِأُذُنِ أَيِّهَا شِئْتَ . فَذَهَبَ فَأَخَذَ بِأُذُنِ كَلْبِ الْغَنَمِ " وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : " الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ وَجَدَهَا أَخَذَهَا " .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث