تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الأول
page 119 · printed p. 368
ثُمَّ قَدْ ذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ أَنَّ أَنْوَاعَ السِّحْرِ ثَمَانِيَةً :
الْأَوَّلُ : سِحْرُ الْكَلْدَانِيِّينَ وَالْكُشْدَانِيِّينَ ، الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ السَّبْعَةَ الْمُتَحَيِّرَةَ ، وَهِيَ السَّيَّارَةُ ، وَكَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا مُدَبِّرَةُ الْعَالَمِ وَأَنَّهَا تَأْتِي بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ ، وَهُمُ الَّذِينَ بُعِثَ إِلَيْهِمْ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُبْطِلًا لِمَقَالَتِهِمْ وَرَادًّا لِمَذْهَبِهِمْ ، وَقَدِ اسْتَقْصَى فِي " كِتَابِ السِّرِّ الْمَكْتُومِ ، فِي مُخَاطَبَةِ الشَّمْسِ وَالنُّجُومِ " الْمَنْسُوبَ إِلَيْهِ فِيمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي ابْنُ خِلِّكَانَ وَغَيْرُهُ وَيُقَالُ : إِنَّهُ تَابَ مِنْهُ . وَقِيلَ إِنَّهُ صَنَّفَهُ عَلَى وَجْهِ إِظْهَارِ الْفَضِيلَةِ لَا عَلَى سَبِيلِ الِاعْتِقَادِ . وَهَذَا هُوَ الْمَظْنُونُ بِهِ ، إِلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ طَرَائِقَهُمْ فِي مُخَاطَبَةِ كُلِّ مِنْ هَذِهِ الْكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ ، وَكَيْفِيَّةِ مَا يَفْعَلُونَ وَمَا يَلْبَسُونَهُ ، وَمَا يَتَنَسَّكُونَ بِهِ .
قَالَ : وَالنَّوْعُ الثَّانِي : سِحْرُ أَصْحَابِ الْأَوْهَامِ وَالنُّفُوسِ الْقَوِيَّةِ ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْوَهْمَ لَهُ تَأْثِيرٌ ، بِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَمْشِيَ عَلَى الْجِسْرِ الْمَوْضُوعِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ ، وَلَا يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ مَمْدُودًا عَلَى نَهَرٍ أَوْ نَحْوَهُ . قَالَ : وَكَمَا أَجْمَعَتِ الْأَطِبَّاءُ عَلَى نَهْيِ الْمَرْعُوفِ عَنِ النَّظَرِ إِلَى الْأَشْيَاءِ الْحُمْرِ ، وَالْمَصْرُوعِ إِلَى الْأَشْيَاءِ الْقَوِيَّةِ اللَّمَعَانِ أَوِ الدَّوَرَانِ ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّ النُّفُوسَ خُلِقَتْ مُطِيعَةً لِلْأَوْهَامِ .
قَالَ : وَقَدِ اتَّفَقَ الْعُقَلَاءُ عَلَى أَنَّ الْإِصَابَةَ بِالْعَيْنِ حَقٌّ .
وَلَهُ أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : ۝ " الْعَيْنُ حَقٌّ ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابِقَ الْقَدَرِ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ " .
قَالَ : فَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا ، فَنَقُولُ : النَّفْسُ التِي تَفْعَلُ هَذِهِ الْأَفَاعِيلَ قَدْ تَكُونُ قَوِيَّةً جِدًّا ، فَتَسْتَغْنِي فِي هَذِهِ الْأَفَاعِيلِ عَنِ الِاسْتِعَانَةِ بِالْآلَاتِ وَالْأَدَوَاتِ ، وَقَدْ تَكُونُ ضَعِيفَةً فَتَحْتَاجُ إِلَى الِاسْتِعَانَةِ بِهَذِهِ 368 الْآلَاتِ . وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ النَّفْسَ إِذَا كَانَتْ مُسْتَعْلِيَةً عَلَى الْبَدَنِ شَدِيدَةَ الِانْجِذَابِ إِلَى عَالَمِ السَّمَاوَاتِ ، صَارَتْ كَأَنَّهَا رُوحٌ مِنَ الْأَرْوَاحِ السَّمَاوِيَّةِ ، فَكَانَتْ قَوِيَّةً عَلَى التَّأْثِيرِ فِي مَوَادِّ هَذَا الْعَالَمِ . وَإِذَا كَانَتْ ضَعِيفَةً شَدِيدَةَ التَّعَلُّقِ بِهَذِهِ الذَّاتِ الْبَدَنِيَّةِ ، فَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ لَهَا تَصَرُّفٌ الْبَتَّةَ إِلَّا فِي هَذَا الْبَدَنِ . ثُمَّ أَرْشَدَ إِلَى مُدَاوَاةِ هَذَا الدَّاءِ بِتَقْلِيلِ الْغِذَاءِ ، وَالِانْقِطَاعِ عَنِ النَّاسِ وَالرِّيَاءِ .
قُلْتُ : وَهَذَا الذِي يُشِيرُ إِلَيْهِ هُوَ التَّصَرُّفُ بِالْحَالِ ، وَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ : تَارَةً تَكُونُ حَالًا صَحِيحَةً شَرْعِيَّةً يَتَصَرَّفُ بِهَا فِيمَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيَتْرُكُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ ، وَهَذِهِ الْأَحْوَالُ مَوَاهِبُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَكَرَامَاتٌ لِلصَّالِحِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَلَا يُسَمَّى هَذَا سِحْرًا فِي الشَّرْعِ . وَتَارَةً تَكُونُ الْحَالُ فَاسِدَةً لَا يَمْتَثِلُ صَاحِبُهَا مَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَتَصَرَّفُ بِهَا فِي ذَلِكَ . فَهَذِهِ حَالُ الْأَشْقِيَاءِ الْمُخَالَفِينَ لِلشَّرِيعَةِ ، وَلَا يَدُلُّ إِعْطَاءُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ هَذِهِ الْأَحْوَالَ عَلَى مَحَبَّتِهِ لَهُمْ ، كَمَا أَنَّ الدَّجَّالَ لَعَنَهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْخَوَارِقِ الْعَادَاتِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الْكَثِيرَةُ ، مَعَ أَنَّهُ مَذْمُومٌ شَرْعًا لَعَنَهُ اللَّهُ . وَكَذَلِكَ مَنْ شَابَهَهُ مِنْ مُخَالَفِي الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ ، عَلَى صَاحِبِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ . وَبَسْطُ هَذَا يَطُولُ جِدًّا ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعُهُ .
قَالَ : النَّوْعُ الثَّالِثُ مِنَ السِّحْرِ : الِاسْتِعَانَةُ بِالْأَرْوَاحِ الْأَرْضِيَّةِ ، وَهُمُ الْجِنُّ ، خِلَافًا لِلْفَلَاسِفَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ : وَهُمْ عَلَى قِسْمَيْنِ : مُؤْمِنُونَ ، وَكُفَّارٌ ، وَهُمُ الشَّيَاطِينُ . قَالَ : وَاتِّصَالُ النُّفُوسِ النَّاطِقَةِ بِهَا أَسْهَلُ مِنَ اتِّصَالَهَا بِالْأَرْوَاحِ السَّمَاوِيَّةِ ، لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُنَاسَبَةِ وَالْقُرْبِ ، ثُمَّ إِنَّ أَصْحَابَ الصَّنْعَةِ وَأَرْبَابَ التَّجْرِبَةِ شَاهَدُوا أَنَّ الِاتِّصَالَ بِهَذِهِ الْأَرْوَاحِ الْأَرْضِيَّةِ يَحْصُلُ بِأَعْمَالٍ سَهْلَةٍ قَلِيلَةٍ مِنَ الرُّقَى وَالدَّخَلِ وَالتَّجْرِيدِ . وَهَذَا النَّوْعُ هُوَ الْمُسَمَّى بِالْعَزَائِمِ وَعَمَلِ التَّسْخِيرِ .
النَّوْعُ الرَّابِعُ مِنَ السِّحْرِ : التَّخَيُّلَاتُ ، وَالْأَخْذُ بِالْعُيُونِ وَالشَّعْبَذَةُ ، وَمَبْنَاهُ [ عَلَى ] أَنَّ الْبَصَرَ قَدْ يُخْطِئُ وَيَشْتَغِلُ بِالشَّيْءِ الْمُعَيَّنِ دُونَ غَيْرِهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُشَعْبِذَ الْحَاذِقَ يُظْهِرُ عَمَلَ شَيْءٍ يُذْهِلُ أَذْهَانَ النَّاظِرِينَ بِهِ ، وَيَأْخُذُ عُيُونَهُمْ إِلَيْهِ ، حَتَّى إِذَا اسْتَفْرَغَهُمُ الشُّغْلُ بِذَلِكَ الشَّيْءِ بِالتَّحْدِيقِ وَنَحْوِهِ ، عَمِلَ شَيْئًا آخَرَ عَمَلًا بِسُرْعَةٍ شَدِيدَةٍ ، وَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ لَهُمْ شَيْءٌ آخَرُ غَيْرَ مَا انْتَظَرُوهُ . فَيَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ جِدًّا ، وَلَوْ أَنَّهُ سَكَتَ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِمَا يَصْرِفُ الْخَوَاطِرَ إِلَى ضِدِّ مَا يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَهُ ، وَلَمْ تَتَحَرَّكِ النُّفُوسُ وَالْأَوْهَامُ إِلَى غَيْرِ مَا يُرِيدُ إِخْرَاجَهُ ، لَفَطِنَ النَّاظِرُونَ لِكُلِّ مَا يَفْعَلُهُ .
قَالَ : وَكُلَّمَا كَانَتِ الْأَحْوَالُ تُفِيدُ حُسْنَ الْبَصَرِ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ الْخَلَلِ أَشَدَّ ، كَانَ الْعَمَلُ 369
أَحْسَنَ ، مِثْلَ أَنْ يَجْلِسَ الْمُشَعْبِذُ فِي مَوْضِعٍ مُضِيءٍ جِدًّا ، أَوْ مُظْلِمٍ ، فَلَا تَقِفُ الْقُوَّةُ النَّاظِرَةُ عَلَى أَحْوَالِهَا بِكَلَالِهَا وَالْحَالَةِ هَذِهِ .
قُلْتُ : وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ : إِنَّ سِحْرَ السَّحَرَةِ بَيْنَ يَدَيْ فِرْعَوْنَ إِنَّمَا كَانَ مِنْ بَابِ الشَّعْبَذَةِ ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ) [ الْأَعْرَافِ : 116 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ) [ طَهَ : 66 ] قَالُوا : وَلَمْ تَكُنْ تَسْعَى فِي نَفْسِ الْأَمْرِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
النَّوْعُ الْخَامِسُ مِنَ السِّحْرِ : الْأَعْمَالُ الْعَجِيبَةُ التِي تَظْهَرُ مِنْ تَرْكِيبِ الْآلَاتِ الْمُرَكَّبَةِ مِنَ النِّسَبِ الْهَنْدَسِيَّةِ ، كَفَارِسٍ عَلَى فَرَسٍ فِي يَدِهِ بُوقٌ ، كُلَّمَا مَضَتْ سَاعَةٌ مِنَ النَّهَارِ ضَرَبَ بِالْبُوقِ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّهُ أَحَدٌ . وَمِنْهَا الصُّوَرُ التِي تُصَوِّرُهَا الرُّومُ وَالْهِنْدُ ، حَتَّى لَا يُفَرِّقَ النَّاظِرُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْإِنْسَانِ ، حَتَّى يُصَوِّرُونَهَا ضَاحِكَةً وَبَاكِيَةً .
إِلَى أَنْ قَالَ : فَهَذِهِ الْوُجُوهُ مِنْ لَطِيفِ أُمُورِ الْمَخَايِيلِ . قَالَ : وَكَانَ سِحْرُ سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ .
قُلْتُ : يَعْنِي مَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ : أَنَّهُمْ عَمَدُوا إِلَى تِلْكَ الْحِبَالِ وَالْعِصِيِّ ، فَحَشَوْهَا زِئْبَقًا فَصَارَتْ تَتَلَوَّى بِسَبَبِ مَا فِيهَا مِنْ ذَلِكَ الزِّئْبَقِ ، فَيُخَيَّلُ إِلَى الرَّائِي أَنَّهَا تَسْعَى بِاخْتِيَارِهَا .
قَالَ الرَّازِيُّ : وَمِنْ هَذَا الْبَابِ تَرْكِيبُ صُنْدُوقِ السَّاعَاتِ ، وَيَنْدَرِجُ فِي هَذَا الْبَابِ عِلْمُ جَرِّ الْأَثْقَالِ بِالْآلَاتِ الْخَفِيفَةِ .
قَالَ : وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ مِنْ بَابِ السِّحْرِ ; لِأَنَّ لَهَا أَسْبَابًا مَعْلُومَةً يَقِينِيَّةً مَنِ اطَّلَعَ عَلَيْهَا قَدَرَ عَلَيْهَا .
قُلْتُ : وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ حِيَلُ النَّصَارَى عَلَى عَامَّتِهِمْ ، بِمَا يُرُونَهُمْ إِيَّاهُ مِنَ الْأَنْوَارِ ، كَقَضِيَّةِ قُمَامَةِ الْكَنِيسَةِ التِي لَهُمْ بِبَلَدِ الْمَقْدِسِ ، وَمَا يَحْتَالُونَ بِهِ مِنْ إِدْخَالِ النَّارِ خِفْيَةً إِلَى الْكَنِيسَةِ ، وَإِشْعَالِ ذَلِكَ الْقِنْدِيلِ بِصَنْعَةٍ لَطِيفَةٍ تَرُوجُ عَلَى الْعَوَامِّ [ مِنْهُمْ ] وَأَمَّا الْخَوَاصُّ فَهُمْ يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ ، وَلَكِنْ يَتَأَوَّلُونَ أَنَّهُمْ يَجْمَعُونَ شَمْلَ أَصْحَابِهِمْ عَلَى دِينِهِمْ ، فَيَرَوْنَ ذَلِكَ سَائِغًا لَهُمْ . وَفِيهِ شُبَهٌ لِلْجَهَلَةِ الْأَغْبِيَاءِ مِنْ مُتَعَبَّدِي الْكَرَّامِيَّةِ الَّذِينَ يَرَوْنَ جَوَازَ وَضْعِ الْأَحَادِيثِ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ ، فَيَدْخُلُونَ فِي عِدَادِ مَنْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ : ۝ " مِنْ كَذَبَ عَلِيَّ مُتَعَمَّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ 370 النَّارِ " . وَقَوْلُهُ : ۝ " حَدِّثُوا عَنِّي وَلَا تَكْذِبُوا عَلِيَّ ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَكْذِبُ عَلَيَّ يَلِجُ النَّارَ " .
ثُمَّ ذَكَرَ هَاهُنَا حِكَايَةً عَنْ بَعْضِ الرُّهْبَانِ ، وَهُوَ أَنَّهُ سَمِعَ صَوْتَ طَائِرٍ حَزِينِ الصَّوْتِ ضَعِيفِ الْحَرَكَةِ ، فَإِذَا سَمِعَتْهُ الطُّيُورُ تَرِقُّ لَهُ فَتَذْهَبُ فَتُلْقِي فِي وَكْرِهِ مِنْ ثَمَرِ الزَّيْتُونِ ، لِيَتَبَلَّغَ بِهِ ، فَعَمَدَ هَذَا الرَّاهِبُ إِلَى صَنْعَةِ طَائِرٍ عَلَى شَكْلِهِ ، وَتَوَصَّلَ إِلَى أَنْ جَعَلَهُ أَجْوَفَ ، فَإِذَا دَخَلَتْهُ الرِّيحُ يُسْمَعُ لَهُ صَوْتٌ كَصَوْتِ ذَلِكَ الطَّائِرِ ، وَانْقَطَعَ فِي صَوْمَعَةٍ ابْتَنَاهَا ، وَزَعَمَ أَنَّهَا عَلَى قَبْرِ بَعْضِ صَالِحِيهِمْ ، وَعَلَّقَ ذَلِكَ الطَّائِرَ فِي مَكَانٍ مِنْهَا ، فَإِذَا كَانَ زَمَانُ الزَّيْتُونِ فَتَحَ بَابًا مِنْ نَاحِيَةٍ ، فَتَدْخُلُ الرِّيحُ إِلَى دَاخِلِ هَذِهِ الصُّورَةِ ، فَيُسْمَعُ صَوْتُهَا كَذَلِكَ الطَّائِرُ فِي شَكْلِهِ أَيْضًا ، فَتَأْتِي الطُّيُورُ فَتَحْمِلُ مِنَ الزَّيْتُونِ شَيْئًا كَثِيرًا فَلَا تَرَى النَّصَارَى إِلَّا ذَلِكَ الزَّيْتُونَ فِي هَذِهِ الصَّوْمَعَةِ ، وَلَا يَدْرُونَ مَا سَبَبُهُ ؟ فَفَتَنَهُمْ بِذَلِكَ ، وَأَوْهَمَ أَنَّ هَذَا مِنْ كَرَامَاتِ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ ، عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ الْمُتَتَابِعَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .
قَالَ الرَّازِيُّ : النَّوْعُ السَّادِسُ مِنَ السِّحْرِ : الِاسْتِعَانَةُ بِخَوَاصِّ الْأَدْوِيَةِ يَعْنِي فِي الْأَطْعِمَةِ وَالدِّهَانَاتِ . قَالَ : وَاعْلَمْ أَنْ لَا سَبِيلَ إِلَى إِنْكَارِ الْخَوَاصِّ ، فَإِنَّ أَثَرَ الْمِغْنَاطِيسِ مُشَاهَدٌ .
قُلْتُ : يَدْخُلُ فِي هَذَا الْقَبِيلِ كَثِيرٌ مِمَّنْ يَدَّعِي الْفَقْرَ وَيَتَخَيَّلُ عَلَى جَهَلَةِ النَّاسِ بِهَذِهِ الْخَوَاصِّ ، مُدَّعِيًا أَنَّهَا أَحْوَالٌ لَهُ مِنْ مُخَالَطَةِ النِّيرَانِ وَمَسْكِ الْحَيَّاتِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُحَالَاتِ .
قَالَ : النَّوْعُ السَّابِعُ مِنَ السِّحْرِ : تَعْلِيقُ الْقَلْبِ ، وَهُوَ أَنْ يَدَّعِيَ السَّاحِرُ أَنَّهُ عَرَفَ الِاسْمَ الْأَعْظَمَ ، وَأَنَّ الْجِنَّ يُطِيعُونَهُ وَيَنْقَادُونَ لَهُ فِي أَكْثَرِ الْأُمُورِ ، فَإِذَا اتَّفَقَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ السَّامِعُ لِذَلِكَ ضَعِيفَ الْعَقْلِ قَلِيلَ التَّمْيِيزِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ حَقٌّ ، وَتَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِذَلِكَ وَحَصَلَ فِي نَفْسِهِ نَوْعٌ مِنَ الرَّهَبِ وَالْمَخَافَةِ ، فَإِذَا حَصَلَ الْخَوْفُ ضَعُفَتِ الْقُوَى الْحَسَّاسَةُ فَحِينَئِذٍ يَتَمَكَّنُ السَّاحِرُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ .
قُلْتُ : هَذَا النَّمَطُ يُقَالُ لَهُ التَّنْبَلَةُ ، وَإِنَّمَا يَرُوجُ عَلَى الضُّعَفَاءِ الْعُقُولِ مِنْ بَنِي آدَمَ . وَفِي عِلْمِ الْفِرَاسَةِ مَا يُرْشِدُ إِلَى مَعْرِفَةِ كَامِلِ الْعَقْلِ مِنْ نَاقِصِهِ ، فَإِذَا كَانَ الْمُتَنْبِلُ حَاذِقًا فِي عِلْمِ الْفِرَاسَةِ عَرَفَ مَنْ يَنْقَادُ لَهُ مِنَ النَّاسِ مِنْ غَيْرِهِ .
قَالَ : النَّوْعُ الثَّامِنُ مِنَ السِّحْرِ : السَّعْيُ بِالنَّمِيمَةِ وَالتَّضْرِيبِ مِنْ وُجُوهٍ خَفِيفَةٍ لَطِيفَةٍ ، وَذَلِكَ شَائِعٌ فِي النَّاسِ .
371
قُلْتُ : النَّمِيمَةُ عَلَى قِسْمَيْنِ ، تَارَةً تَكُونُ عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيشِ [ بَيْنَ النَّاسِ ] وَتَفْرِيقِ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَهَذَا حَرَامٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . فَأَمَّا إِذَا كَانَتْ عَلَى وَجْهِ الْإِصْلَاحِ [ بَيْنَ النَّاسِ ] وَائْتِلَافِ كَلِمَةِ الْمُسْلِمِينَ ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : ۝ " لَيْسَ بِالْكَذَّابِ مَنْ يَنُمُّ خَيْرًا " أَوْ يَكُونُ عَلَى وَجْهِ التَّخْذِيلِ وَالتَّفْرِيقِ بَيْنَ جُمُوعِ الْكَفَرَةِ " فَهَذَا أَمْرٌ مَطْلُوبٌ ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : ۝ " الْحَرْبُ خُدْعَةٌ " . وَكَمَا فَعَلَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ فِي تَفْرِيقِهِ بَيْنَ كَلِمَةِ الْأَحْزَابِ وَبَيْنَ قُرَيْظَةَ ، وَجَاءَ إِلَى هَؤُلَاءِ فَنَمَى إِلَيْهِمْ عَنْ هَؤُلَاءِ كَلَامًا ، وَنَقَلَ مِنْ هَؤُلَاءِ إِلَى أُولَئِكَ شَيْئًا آخَرَ ، ثُمَّ لَأَمَ بَيْنَ ذَلِكَ ، فَتَنَاكَرَتِ النُّفُوسُ وَافْتَرَقَتْ . وَإِنَّمَا يَحْذُو عَلَى مِثْلِ هَذَا الذَّكَاءُ وَالْبَصِيرَةُ النَّافِذَةُ . وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ .
ثُمَّ قَالَ الرَّازِيُّ : فَهَذِهِ جُمْلَةُ الْكَلَامِ فِي أَقْسَامِ السِّحْرِ وَشَرْحِ أَنْوَاعِهِ وَأَصْنَافِهِ .
قُلْتُ : وَإِنَّمَا أَدْخَلَ كَثِيرًا مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الْمَذْكُورَةِ فِي فَنِّ السِّحْرِ ، لِلَطَافَةِ مَدَارِكِهَا ; لِأَنَّ السِّحْرَ فِي اللُّغَةِ : عِبَارَةٌ عَمَّا لَطُفَ وَخَفِيَ سَبَبُهُ . وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : ۝ " إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا " . وَسُمِّيَ السُّحُورُ لِكَوْنِهِ يَقَعُ خَفِيًّا آخَرَ اللَّيْلِ ، وَالسَّحْرَ : الرِّئَةُ ، وَهِيَ مَحَلُّ الْغِذَاءِ ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِخَفَائِهَا وَلُطْفِ مَجَارِيهَا إِلَى أَجْزَاءِ الْبَدَنِ وَغُضُونِهِ ، كَمَا قَالَ أَبُو جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ لِعُتْبَةَ : انْتَفَخَ سَحْرُكُ أَيِ : انْتَفَخَتْ رِئَتُهُ مِنَ الْخَوْفِ . وَقَالَتْ عَائِشَةُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : تُوُفِّيَ رَسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي . وَقَالَ : ( سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ ) أَيْ : أَخْفَوْا عَنْهُمْ عَمَلَهُمْ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
[ فَصْلٌ ] وَقَدْ ذَكَرَ الْوَزِيرُ أَبُو الْمُظَفَّرِ يَحْيَى بْنُ هُبَيْرَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ هُبَيْرَةَ فِي كِتَابِهِ : " الْإِشْرَافُ عَلَى مَذَاهِبِ الْأَشْرَافِ " بَابًا فِي السِّحْرِ ، فَقَالَ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ السِّحْرَ لَهُ حَقِيقَةٌ إِلَّا أَبَا حَنِيفَةَ ، فَإِنَّهُ قَالَ : لَا حَقِيقَةَ لَهُ عِنْدَهُ . وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ يَتَعَلَّمُ السِّحْرَ وَيَسْتَعْمِلُهُ ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ : يَكْفُرُ بِذَلِكَ . وَمِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ مَنْ قَالَ : إِنْ تَعَلَّمَهُ لِيَتَّقِيَهُ أَوْ لِيَجْتَنِبَهُ فَلَا يَكْفُرُ ، وَمَنْ تَعَلَّمَهُ مُعْتَقِدًا جَوَازَهُ أَوْ أَنَّهُ يَنْفَعُهُ كَفَرَ . وَكَذَا مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ الشَّيَاطِينَ تَفْعَلُ لَهُ مَا يَشَاءُ فَهُوَ كَافِرٌ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : إِذَا تَعَلَّمَ السِّحْرَ قُلْنَا لَهُ : صِفْ لَنَا سِحْرَكَ . فَإِنْ وَصَفَ مَا يُوجِبُ الْكُفْرَ مِثْلَ مَا اعْتَقَدَهُ أَهْلُ بَابِلَ مِنَ التَّقَرُّبِ إِلَى الْكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ ، وَأَنَّهَا تَفْعَلُ مَا يُلْتَمَسُ مِنْهَا ، فَهُوَ كَافِرٌ . وَإِنْ كَانَ لَا يُوجِبُ الْكُفْرَ فَإِنِ اعْتَقَدَ إِبَاحَتَهُ فَهُوَ كَافِرٌ .
قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ : وَهَلْ يُقْتَلُ بِمُجَرَّدِ فِعْلِهِ وَاسْتِعْمَالِهِ ؟ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ : نَعَمْ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا . فَأَمَّا إِنْ قَتَلَ بِسِحْرِهِ إِنْسَانًا فَإِنَّهُ يُقْتَلُ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا 372 يُقْتَلُ حَتَّى يَتَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ أَوْ يُقِرَّ بِذَلِكَ فِي حَقِّ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ . وَإِذَا قُتِلَ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا عِنْدَهُمْ إِلَّا الشَّافِعِيُّ ، فَإِنَّهُ قَالَ : يُقْتَلُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ قِصَاصًا .
قَالَ : وَهَلْ إِذَا تَابَ السَّاحِرُ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ ؟ فَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُمَا : لَا تُقْبَلُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : تُقْبَلُ . وَأَمَّا سَاحِرُ أَهْلِ الْكِتَابِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُقْتَلُ ، كَمَا يُقْتَلُ السَّاحِرُ الْمُسْلِمُ . وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ : لَا يُقْتَلُ . يَعْنِي لِقِصَّةِ لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ .
وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُسْلِمَةِ السَّاحِرَةِ ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا تُقْتَلُ ، وَلَكِنْ تُحْبَسُ . وَقَالَ الثَّلَاثَةُ : حُكْمُهَا حُكْمُ الرَّجُلِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ : أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرْوَزِيُّ ، قَالَ : قَرَأَ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عُمَرُ بْنُ هَارُونَ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : يُقْتَلُ سَاحِرُ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يُقْتَلُ سَاحِرُ الْمُشْرِكِينَ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَحَرَتْهُ امْرَأَةٌ مِنَ الْيَهُودِ فَلَمْ يَقْتُلَهَا .
وَقَدْ نَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ مَالِكٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، أَنَّهُ قَالَ فِي الذِّمِّيِّ إِذَا سَحَرَ : يُقْتَلُ إِنْ قَتَلَ سِحْرُهُ ، وَحَكَى ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادَ عَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَيْنِ فِي الذِّمِّيِّ إِذَا سَحَرَ : إِحْدَاهُمَا : أَنَّهُ يُسْتَتَابُ فَإِنْ أَسْلَمَ وَإِلَّا قُتِلَ ، وَالثَّانِيَةُ : أَنَّهُ يُقْتَلُ وَإِنْ أَسْلَمَ ، وَأَمَّا السَّاحِرُ الْمُسْلِمُ فَإِنْ تَضَمَّنَ سِحْرُهُ كُفْرًا كَفَرَ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ . لَكِنْ قَالَ مَالِكٌ : إِذَا ظَهَرَ عَلَيْهِ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ لِأَنَّهُ كَالزِّنْدِيقِ ، فَإِنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ وَجَاءَنَا تَائِبًا قَبِلْنَاهُ وَلَمْ نَقْتُلْهُ ، فَإِنْ قَتَلَ سِحْرُهُ قُتِلَ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَإِنْ قَالَ : لَمْ أَتَعَمَّدِ الْقَتْلَ فَهُوَ مُخْطِئٌ تَجِبُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ .
مَسْأَلَةٌ : وَهَلْ يُسْأَلُ السَّاحِرُ حَلَّ سِحْرِهِ ؟ فَأَجَازَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ ، وَقَالَ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ : لَا بَأْسَ بِالنُّشْرَةِ ، وَكَرِهَ ذَلِكَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّهَا قَالَتْ : ۝ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلَّا تَنَشَّرْتَ ، فَقَالَ : " أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ شَفَانِي ، وَخَشِيتُ أَنْ أَفْتَحَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا " . وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ عَنْ وَهْبٍ : أَنَّهُ قَالَ : يُؤْخَذُ سَبْعُ وَرَقَاتٍ مِنْ سِدْرٍ فَتُدَقُّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ ثُمَّ تُضْرَبُ بِالْمَاءِ وَيُقْرَأُ عَلَيْهَا آيَةُ الْكُرْسِيِّ وَيَشْرَبُ مِنْهَا الْمَسْحُورُ ثَلَاثَ حَسَوَاتٍ ثُمَّ يَغْتَسِلُ بِبَاقِيهِ فَإِنَّهُ يَذْهَبُ مَا بِهِ ، وَهُوَ جَيِّدٌ لِلرَّجُلِ الذِي يُؤْخَذُ عَنِ امْرَأَتِهِ .
قُلْتُ : أَنْفَعُ مَا يُسْتَعْمَلُ لِإِذْهَابِ السِّحْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِذْهَابِ ذَلِكَ وَهُمَا الْمُعَوِّذَتَانِ ، وَفِي الْحَدِيثِ : ۝ " لَمْ يَتَعَوَّذِ الْمُتَعَوِّذُونَ بِمِثْلِهِمَا " وَكَذَلِكَ قِرَاءَةُ آيَةِ الْكُرْسِيِّ فَإِنَّهَا مُطَّرِدَةٌ لِلشَّيْطَانِ . وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ : وَعِنْدَنَا أَنَّ السِّحْرَ حَقٌّ ، وَلَهُ حَقِيقَةٌ يَخْلُقُ اللَّهُ عِنْدَهُ مَا يَشَاءُ .
373 خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَأَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ حَيْثُ قَالُوا : إِنَّهُ تَمْوِيهٌ وَتَخَيُّلٌ . قَالَ : وَمِنَ السِّحْرِ مَا يَكُونُ بِخِفَّةِ الْيَدِ كَالشَّعْوَذَةِ وَالشَّعْوَذِيُّ الْبَرِيدُ ; لِخِفَّةِ سَيْرِهِ . قَالَ ابْنُ فَارِسٍ : هَذِهِ الْكَلِمَةُ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْبَادِيَةِ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَمِنْهُ مَا يَكُونُ كَلَامًا يُحْفَظُ وَرُقًى مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ عُهُودِ الشَّيَاطِينِ وَيَكُونُ أَدْوِيَةً وَأَدْخِنَةً وَغَيْرَ ذَلِكَ . قَالَ : وَقَوْلُهُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ : ۝ " إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا " يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَدْحًا كَمَا تَقَوَّلَهُ طَائِفَةٌ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَمًّا لِلْبَلَاغَةِ . قَالَ : وَهَذَا الْأَصَحُّ . قَالَ : لِأَنَّهَا تُصَوِّبُ الْبَاطِلَ حِينَ يُوهَمُ السَّامِعُ أَنَّهُ حَقٌّ كَمَا قَالَ : ۝ " فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ " فَاقْتَضَى لَهُ ، الْحَدِيثَ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith