تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الخامس
page 1185 · printed p. 366
366 ( وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ( 87 ) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ( 88 ) ) .
هَذِهِ الْقِصَّةُ مَذْكُورَةٌ هَاهُنَا وَفِي سُورَةِ " الصَّافَّاتِ " وَفِي سُورَةِ " ن " وَذَلِكَ أَنَّ يُونُسَ بْنَ مَتَّى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ قَرْيَةِ " نِينَوَى " ، وَهِيَ قَرْيَةٌ مِنْ أَرْضِ الْمَوْصِلِ ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ وَتَمَادَوْا عَلَى كُفْرِهِمْ ، فَخَرَجَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ مُغَاضِبًا لَهُمْ ، وَوَعَدَهُمْ بِالْعَذَابِ بَعْدَ ثَلَاثٍ . فَلَمَّا تَحَقَّقُوا مِنْهُ ذَلِكَ ، وَعَلِمُوا أَنَّ النَّبِيَّ لَا يَكْذِبُ ، خَرَجُوا إِلَى الصَّحْرَاءِ بِأَطْفَالِهِمْ وَأَنْعَامِهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ الْأُمَّهَاتِ وَأَوْلَادِهَا ، ثُمَّ تَضَرَّعُوا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَجَأَرُوا إِلَيْهِ ، وَرَغَتِ الْإِبِلُ وَفُصْلَانُهَا ، وَخَارَتِ الْبَقَرُ وَأَوْلَادُهَا ، وَثَغَتِ الْغَنَمُ وَحُمْلَانُهَا ، فَرَفَعَ اللَّهُ عَنْهُمُ الْعَذَابَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ) [ يُونُسَ : 98 ] .
وَأَمَّا يُونُسُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَإِنَّهُ ذَهَبَ فَرَكِبَ مَعَ قَوْمٍ فِي سَفِينَةٍ فَلَجَّجَتْ بِهِمْ ، وَخَافُوا أَنْ يَغْرَقُوا . فَاقْتَرَعُوا عَلَى رَجُلٍ يُلْقُونَهُ مِنْ بَيْنِهِمْ يَتَخَفَّفُونَ مِنْهُ ، فَوَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى يُونُسَ ، فَأَبَوْا أَنْ يُلْقُوهُ ، ثُمَّ أَعَادُوا الْقُرْعَةَ فَوَقَعَتْ عَلَيْهِ أَيْضًا ، فَأَبَوْا ، ثُمَّ أَعَادُوهَا فَوَقَعَتْ عَلَيْهِ أَيْضًا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ) [ الصَّافَّاتِ : 141 ] ، أَيْ : وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ ، فَقَامَ يُونُسُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَتَجَرَّدَ مِنْ ثِيَابِهِ ، ثُمَّ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْبَحْرِ ، وَقَدْ أَرْسَلَ اللَّهُ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، مِنَ الْبَحْرِ الْأَخْضَرِ - فِيمَا قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ - حُوتًا يَشُقُّ الْبِحَارَ ، حَتَّى جَاءَ فَالْتَقَمَ يُونُسَ حِينَ أَلْقَى نَفْسَهُ مِنَ السَّفِينَةِ ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى ذَلِكَ الْحُوتِ أَلَّا تَأْكُلَ لَهُ لَحْمًا ، وَلَا تُهَشِّمَ لَهُ عَظْمًا; فَإِنَّ يُونُسَ لَيْسَ لَكَ رِزْقًا ، وَإِنَّمَا بَطْنُكَ لَهُ يَكُونُ سِجْنًا .
وَقَوْلُهُ : ( وَذَا النُّونِ ) يَعْنِي : الْحُوتَ ، صَحَّتِ الْإِضَافَةُ إِلَيْهِ بِهَذِهِ النِّسْبَةِ .
وَقَوْلُهُ : ( إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا ) : قَالَ الضَّحَّاكُ : لِقَوْمِهِ ، ( فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ) [ أَيْ : نُضَيِّقَ عَلَيْهِ فِي بَطْنِ الْحُوتِ . يُرْوَى نَحْوُ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَغَيْرِهِمْ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَاسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ) [ الطَّلَاقِ : 7 ] .
وَقَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ : ( فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ) ، أَيْ : نَقْضِيَ عَلَيْهِ ، كَأَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ بِمَعْنَى التَّقْدِيرِ ، فَإِنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ : قَدَرَ وَقَدَّرَ بِمَعْنَى وَاحِدٍ ، وَقَالَ الشَّاعِرُ : 367
﴿﴾ فَلَا عَائِدٌ ذَاكَ الزَّمَانُ الَّذِي مَضَى ﴿﴾ ﴿﴾ تَبَارَكْتَ مَا تَقْدِرْ يَكُنْ ، فَلَكَ الْأَمْرُ ﴿﴾
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ) [ الْقَمَرِ : 12 ] ، أَيْ : قُدِّرَ .
وَقَوْلُهُ : ( فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : ظُلْمَةُ بَطْنِ الْحُوتِ ، وَظُلْمَةُ الْبَحْرِ ، وَظُلْمَةُ اللَّيْلِ . وَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَالْحَسَنِ ، وَقَتَادَةَ .
وَقَالَ سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ : ظُلْمَةُ حُوتٍ فِي بَطْنِ حُوتٍ فِي ظُلْمَةِ الْبَحْرِ .
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُمَا : وَذَلِكَ أَنَّهُ ذَهَبَ بِهِ الْحُوتُ فِي الْبِحَارِ يَشُقُّهَا ، حَتَّى انْتَهَى بِهِ إِلَى قَرَارِ الْبَحْرِ ، فَسَمِعَ يُونُسُ تَسْبِيحَ الْحَصَى فِي قَرَارِهِ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ وَهُنَالِكَ قَالَ : ( لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ )
وَقَالَ عَوْفٌ : لَمَّا صَارَ يُونُسُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ، ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ ، ثُمَّ حَرَّكَ رِجْلَيْهِ فَلَمَّا تَحَرَّكَتْ سَجَدَ مَكَانَهُ ، ثُمَّ نَادَى : يَا رَبِّ ، اتَّخَذْتُ لَكَ مَسْجِدًا فِي مَوْضِعٍ مَا اتَّخَذَهُ أَحَدٌ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ : مَكَثَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا . رَوَاهُمَا ابْنُ جُبَيْرٍ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ - مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ - سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ حَبْسَ يُونُسَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ، أَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْحُوتِ أَنْ خُذْهُ ، وَلَا تَخْدِشْ لَحْمًا وَلَا تَكْسِرْ عَظْمًا ، فَلَمَّا انْتَهَى بِهِ إِلَى أَسْفَلِ الْبَحْرِ ، سَمِعَ يُونُسُ حِسًّا ، فَقَالَ فِي نَفْسِهِ : مَا هَذَا؟ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ ، وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ : إِنَّ هَذَا تَسْبِيحُ دَوَابِّ الْبَحْرِ . قَالَ : فَسَبَّحَ وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ، فَسَمِعَ الْمَلَائِكَةُ تَسْبِيحَهُ فَقَالُوا : يَا رَبَّنَا ، إِنَّا نَسْمَعُ صَوْتًا ضَعِيفًا [ بِأَرْضٍ غَرِيبَةٍ ] قَالَ : ذَلِكَ عَبْدِي يُونُسُ ، عَصَانِي فَحَبَسْتُهُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ . قَالُوا : الْعَبْدُ الصَّالِحُ الَّذِي كَانَ يَصْعَدُ إِلَيْكَ مِنْهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عَمَلٌ صَالِحٌ؟ . قَالَ : نَعَمْ " . قَالَ : " فَشَفَعُوا لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ ، فَأَمَرَ الْحُوتَ فَقَذَفَهُ فِي السَّاحِلِ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( وَهُوَ سَقِيمٌ ) [ الصَّافَّاتِ : 145 ] .
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ ، مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ ، عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ ، ثُمَّ قَالَ : لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَقِّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ ، 368 عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا : ۝ لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ : " أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى " ; سَبَّحَ لِلَّهِ فِي الظُّلُمَاتِ .
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ، وَسَيَأْتِي أَسَانِيدُهَا فِي سُورَةِ " ن " .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنُ أَخِي ابْنِ وَهْبٍ ، حَدَّثَنَا عَمِّي : حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرٍ : أَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيَّ حَدَّثَهُ قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - وَلَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّ أَنْسًا يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ۝ أَنَّ يُونُسَ النَّبِيَّ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، حِينَ بَدَا لَهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهَذِهِ الْكَلَمَّاتِ وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ، قَالَ : " اللَّهُمَّ ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ، سُبْحَانَكَ ، إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ " . فَأَقْبَلَتْ هَذِهِ الدَّعْوَةُ تَحُفُّ بِالْعَرْشِ ، فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ : يَا رَبِّ ، صَوْتٌ ضَعِيفٌ مَعْرُوفٌ مِنْ بِلَادٍ غَرِيبَةٍ؟ فَقَالَ : أَمَا تَعْرِفُونَ ذَاكَ ؟ قَالُوا : لَا يَا رَبِّ ، وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ : عَبْدِي يُونُسُ . قَالُوا : عَبْدُكَ يُونُسُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ يُرْفَعُ لَهُ عَمَلٌ مُتَقَبَّلٌ ، وَدَعْوَةٌ مُجَابَةٌ؟ . [ قَالَ : نَعَمْ ] . قَالُوا : يَا رَبِّ ، أَوَلَا تَرْحَمُ مَا كَانَ يَصْنَعُ فِي الرَّخَاءِ فَتُنَجِّيَهُ مِنَ الْبَلَاءِ؟ قَالَ : بَلَى . فَأَمَرَ الْحُوتَ فَطَرَحَهُ فِي الْعَرَاءِ .
وَقَوْلُهُ : ( فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ) أَيْ : أَخْرَجْنَاهُ مِنْ بَطْنِ الْحُوتِ ، وَتِلْكَ الظُّلُمَاتِ ، ( وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ) أَيْ : إِذَا كَانُوا فِي الشَّدَائِدِ وَدَعَوْنَا مُنِيبِينَ إِلَيْنَا ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا دَعَوْا بِهَذَا الدُّعَاءِ فِي حَالِ الْبَلَاءِ ، فَقَدْ جَاءَ التَّرْغِيبُ فِي الدُّعَاءِ بِهَا عَنْ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ ، حَدَّثَنِي وَالِدِي مُحَمَّدٌ ۝ عَنِ أَبِيهِ سَعْدٍ ، - وَهُوَ ابْنُ أَبِي وَقَّاصٍ - قَالَ : مَرَرْتُ بِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فِي الْمَسْجِدِ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَمَلَأَ عَيْنَيْهِ مِنِّي ثَمَّ لَمْ يَرْدُدْ عَلَيَّ السَّلَامَ ، فَأَتَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقُلْتُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، هَلْ حَدَثَ فِي الْإِسْلَامِ شَيْءٌ؟ مَرَّتَيْنِ ، قَالَ : لَا وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ : لَا إِلَّا أَنِّي مَرَرْتُ بِعُثْمَانَ آنِفًا فِي الْمَسْجِدِ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَمَلَأَ عَيْنَيْهِ مِنِّي ، ثُمَّ لَمْ يَرْدُدْ عَلَيَّ السَّلَامَ . قَالَ : فَأَرْسَلَ عُمَرُ إِلَى عُثْمَانَ فَدَعَاهُ ، فَقَالَ : مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَكُونَ رَدَدْتَ عَلَى أَخِيكَ 369 السَّلَامَ؟ قَالَ : مَا فَعَلْتُ . قَالَ سَعْدٌ : قُلْتُ : بَلَى حَتَّى حَلَفَ وَحَلَفْتُ ، قَالَ : ثُمَّ إِنَّ عُثْمَانَ ذَكَرَ فَقَالَ : بَلَى ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ ، إِنَّكَ مَرَرْتَ بِي آنِفًا وَأَنَا أُحَدِّثُ نَفْسِي بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا وَاللَّهِ مَا ذَكَرْتُهَا قَطُّ إِلَّا تَغْشَى بَصَرِي وَقَلْبِي غِشَاوَةٌ . قَالَ سَعْدٌ : فَأَنَا أُنَبِّئُكَ بِهَا ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ لَنَا [ أَوَّلَ دَعْوَةٍ ] ثُمَّ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَشَغَلَهُ ، حَتَّى قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاتَّبَعْتُهُ ، فَلَمَّا أَشْفَقْتُ أَنْ يَسْبِقَنِي إِلَى مَنْزِلِهِ ضَرَبْتُ بِقَدَمِي الْأَرْضَ ، فَالْتَفَتَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " مَنْ هَذَا؟ أَبُو إِسْحَاقَ ؟ " قَالَ : قُلْتُ : نَعَمْ ، يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : " فَمَهْ؟ " قُلْتُ : لَا وَاللَّهِ ، إِلَّا إِنَّكَ ذَكَرْتَ لَنَا أَوَّلَ دَعْوَةٍ ، ثُمَّ جَاءَ هَذَا الْأَعْرَابِيُّ فَشَغَلَكَ . قَالَ : " نَعَمْ ، دَعْوَةُ ذِي النُّونِ ، إِذْ هُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ : ( لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا مُسْلِمٌ رَبَّهُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ لَهُ " .
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ فِي " الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ " ، مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنِ أَبِيهِ ، عَنْ سَعْدٍ ، بِهِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ - قَالَ أَبُو خَالِدٍ : أَحْسَبُهُ عَنْ مُصْعَبٍ ، يَعْنِي : ابْنَ سَعْدٍ - عَنْ سَعْدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " مَنْ دَعَا بِدُعَاءِ يُونُسَ ، اسْتُجِيبَ لَهُ " . قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : يُرِيدُ بِهِ ( وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ) .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ الْكَلَاعِيُّ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ - وَهُوَ ابْنُ أَبِي وَقَّاصٍ - يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ۝ " اسْمُ اللَّهِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى ، دَعْوَةُ يُونُسَ بْنِ مَتَّى " . قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هِيَ لِيُونُسَ خَاصَّةً أَمْ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ : هِيَ لِيُونُسَ بْنِ مَتَّى خَاصَّةً وَلِلْمُؤْمِنِينَ عَامَّةً ، إِذَا دَعَوْا بِهَا ، أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ( : فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ) . فَهُوَ شَرْطٌ مِنَ اللَّهِ لِمَنْ دَعَاهُ بِهِ " .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُرَيْجٍ ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ الْمُحَبَّرِ بْنِ قَحْذَمٍ الْمَقْدِسِيُّ ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مَعْبَدٍ قَالَ : سَأَلْتُ الْحَسَنَ ، قُلْتُ : يَا أَبَا سَعِيدٍ ، اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى؟ قَالَ : ابْنَ أَخِي ، أَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قَوْلَ اللَّهِ : ( وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا ) 370 إِلَى قَوْلِهِ : ( الْمُؤْمِنِينَ ) ، ابْنَ أَخِي ، هَذَا اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ ، الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith