تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الخامس
( وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ ( 57 ) )
( فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ ( 58 ) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ ( 59 ) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ ( 60 ) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ ( 61 ) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ ( 62 ) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ ( 63 ) ) .
ثُمَّ أَقْسَمَ الْخَلِيلُ قَسَمًا أَسْمَعَهُ بَعْضَ قَوْمِهِ لَيَكِيدَنَّ أَصْنَامَهُمْ ، أَيْ : لَيَحْرِصَنَّ عَلَى أَذَاهُمْ وَتَكْسِيرِهِمْ بَعْدَ أَنْ يُوَلُّوا مُدْبِرِينَ أَيْ : إِلَى عِيدِهِمْ . وَكَانَ لَهُمْ عِيدٌ يَخْرُجُونَ إِلَيْهِ . 349
قَالَ السُّدِّيُّ : لَمَّا اقْتَرَبَ وَقْتُ ذَلِكَ الْعِيدِ قَالَ أَبُوهُ : يَا بُنَيَّ ، لَوْ خَرَجْتَ مَعَنَا إِلَى عِيدِنَا لَأَعْجَبَكَ دِينُنَا! فَخَرَجَ مَعَهُمْ ، فَلَمَّا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ أَلْقَى نَفْسَهُ إِلَى الْأَرْضِ . وَقَالَ : إِنِّي سَقِيمٌ ، فَجَعَلُوا يَمُرُّونَ عَلَيْهِ وَهُوَ صَرِيعٌ ، فَيَقُولُونَ : مَهْ! فَيَقُولُ : إِنِّي سَقِيمٌ ، فَلَمَّا جَازَ عَامَّتُهُمْ وَبَقِيَ ضُعَفَاؤُهُمْ قَالَ : ( تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ ) فَسَمِعَهُ أُولَئِكَ .
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنِ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : لَمَّا خَرَجَ قَوْمُ إِبْرَاهِيمَ ، إِلَى عِيدِهِمْ مَرُّوا عَلَيْهِ فَقَالُوا : يَا إِبْرَاهِيمُ أَلَا تَخْرُجُ مَعَنَا؟ قَالَ : إِنِّي سَقِيمٌ . وَقَدْ كَانَ بِالْأَمْسِ قَالَ : ( تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ ) فَسَمِعَهُ نَاسٌ مِنْهُمْ .
وَقَوْلُهُ : ( فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا ) أَيْ : حُطَامًا كَسَّرَهَا كُلَّهَا ( إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ ) يَعْنِي : إِلَّا الصَّنَمَ الْكَبِيرَ عِنْدَهُمْ كَمَا قَالَ : ( فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ ) [ الصَّافَّاتِ : 93 ] .
وَقَوْلُهُ : ( لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ ) ذَكَرُوا أَنَّهُ وَضَعَ الْقَدُومَ فِي يَدِ كَبِيرِهِمْ ، لَعَلَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي غَارَ لِنَفْسِهِ ، وَأَنِفَ أَنْ تُعْبَدَ مَعَهُ هَذِهِ الْأَصْنَامُ الصِّغَارُ ، فَكَسَّرَهَا .
( قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ ) أَيْ : حِينَ رَجَعُوا وَشَاهَدُوا مَا فَعَلَهُ الْخَلِيلُ بِأَصْنَامِهِمْ مِنَ الْإِهَانَةِ وَالْإِذْلَالِ الدَّالِّ عَلَى عَدَمِ إِلَهِيَّتِهَا ، وَعَلَى سَخَافَةِ عُقُولِ عَابِدِيهَا ( قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ ) أَيْ : فِي صَنِيعِهِ هَذَا .
( قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ ) أَيْ : قَالَ مَنْ سَمِعَهُ يَحْلِفُ أَنَّهُ لَيَكِيدَنَّهُمْ : ( سَمِعْنَا فَتًى ) أَيْ : شَابًّا ( يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ )
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، عَنْ قَابُوسَ [ عَنِ أَبِيهِ ] ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا شَابًّا ، وَلَا أُوتِيَ الْعَلَمَ عَالِمٌ إِلَّا وَهُوَ شَابٌّ ، وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ : ( قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ ) .
وَقَوْلُهُ : ( قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ ) أَيْ : عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ فِي الْمَلَإِ الْأَكْبَرِ بِحَضْرَةِ النَّاسِ كُلِّهِمْ ، وَكَانَ هَذَا هُوَ الْمَقْصُودَ الْأَكْبَرَ لِإِبْرَاهِيمَ أَنْ يَتَبَيَّنَ فِي هَذَا الْمَحْفِلِ الْعَظِيمِ كَثْرَةُ جَهْلِهِمْ وَقِلَّةُ عَقْلِهِمْ فِي عِبَادَةِ هَذِهِ الْأَصْنَامِ الَّتِي لَا تَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهَا ضَرًّا ، وَلَا تَمْلِكُ لَهَا نَصْرًا ، فَكَيْفَ يُطْلَبُ مِنْهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؟ .
( قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا ) يَعْنِي : الَّذِي تَرَكَهُ لَمْ يَكْسِرْهُ ( فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ ) وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهَذَا أَنْ يُبَادِرُوا مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ ، فَيَعْتَرِفُوا أَنَّهُمْ لَا يَنْطِقُونَ ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَصْدُرُ عَنْ هَذَا الصَّنَمِ ، لِأَنَّهُ جَمَادٌ .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لَمْ يَكْذِبْ غَيْرَ ثَلَاثٍ : ثِنْتَيْنِ فِي ذَاتِ اللَّهِ ، قَوْلُهُ : ( بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا ) وَقَوْلُهُ ( إِنِّي سَقِيمٌ ) قَالَ : " وَبَيْنَا هُوَ يَسِيرُ فِي أَرْضِ جَبَّارٍ مِنَ الْجَبَابِرَةِ وَمَعَهُ 350 سَارَةُ ، إِذْ نَزَلَ مَنْزِلًا فَأَتَى الْجَبَّارَ رَجُلٌ ، فَقَالَ : إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ بِأَرْضِكَ رَجُلٌ مَعَهُ امْرَأَةٌ أَحْسَنُ النَّاسِ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَجَاءَ ، فَقَالَ : مَا هَذِهِ الْمَرْأَةُ مِنْكَ؟ قَالَ : هِيَ أُخْتِي . قَالَ : فَاذْهَبْ فَأَرْسِلْ بِهَا إِلَيَّ ، فَانْطَلَقَ إِلَى سَارَةَ فَقَالَ : إِنَّ هَذَا الْجَبَّارَ سَأَلَنِي عَنْكِ فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّكِ أُخْتِي فَلَا تُكَذِّبِينِي عِنْدَهُ ، فَإِنَّكِ أُخْتِي فِي كِتَابِ اللَّهِ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأَرْضِ مُسْلِمٌ غَيْرِي وَغَيْرُكِ ، فَانْطَلَقَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي . فَلَمَّا أَنْ دَخَلَتْ عَلَيْهِ فَرَآهَا أَهْوَى إِلَيْهَا ، فَتَنَاوَلَهَا ، فَأُخِذَ أَخْذًا شَدِيدًا ، فَقَالَ : ادْعِي اللَّهَ لِي وَلَا أَضُرُّكِ ، فَدَعَتْ لَهُ فَأُرْسِلَ ، فَأَهْوَى إِلَيْهَا ، فَتَنَاوَلَهَا فَأُخِذَ بِمِثْلِهَا أَوْ أَشَدَّ . فَفَعَلَ ذَلِكَ الثَّالِثَةَ فَأُخِذَ ، [ فَذَكَرَ ] مِثْلَ الْمَرَّتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ فَقَالَ ادْعِي اللَّهَ فَلَا أَضُرُّكِ . فَدَعَتْ ، لَهُ فَأُرْسِلَ ، ثُمَّ دَعَا أَدْنَى حُجَّابِهِ ، فَقَالَ : إِنَّكَ لَمْ تَأْتِنِي بِإِنْسَانٍ ، وَإِنَّمَا أَتَيْتَنِي بِشَيْطَانٍ ، أَخْرِجْهَا وَأَعْطِهَا هَاجَرَ ، فَأُخْرِجَتْ وَأُعْطِيَتْ هَاجَرَ ، فَأَقْبَلَتْ ، فَلَمَّا أَحَسَّ إِبْرَاهِيمُ بِمَجِيئِهَا انْفَتَلَ مِنْ صِلَاتِهِ ، قَالَ : مَهْيَمْ؟ قَالَتْ : كَفَى اللَّهُ كَيْدَ الْكَافِرِ الْفَاجِرِ ، وَأَخْدَمَنِي هَاجَرَ " قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَكَانَ : أَبُو هُرَيْرَةَ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ : فَتِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ
( فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ ( 58 ) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ ( 59 ) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ ( 60 ) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ ( 61 ) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ ( 62 ) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ ( 63 ) ) .
ثُمَّ أَقْسَمَ الْخَلِيلُ قَسَمًا أَسْمَعَهُ بَعْضَ قَوْمِهِ لَيَكِيدَنَّ أَصْنَامَهُمْ ، أَيْ : لَيَحْرِصَنَّ عَلَى أَذَاهُمْ وَتَكْسِيرِهِمْ بَعْدَ أَنْ يُوَلُّوا مُدْبِرِينَ أَيْ : إِلَى عِيدِهِمْ . وَكَانَ لَهُمْ عِيدٌ يَخْرُجُونَ إِلَيْهِ . 349
قَالَ السُّدِّيُّ : لَمَّا اقْتَرَبَ وَقْتُ ذَلِكَ الْعِيدِ قَالَ أَبُوهُ : يَا بُنَيَّ ، لَوْ خَرَجْتَ مَعَنَا إِلَى عِيدِنَا لَأَعْجَبَكَ دِينُنَا! فَخَرَجَ مَعَهُمْ ، فَلَمَّا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ أَلْقَى نَفْسَهُ إِلَى الْأَرْضِ . وَقَالَ : إِنِّي سَقِيمٌ ، فَجَعَلُوا يَمُرُّونَ عَلَيْهِ وَهُوَ صَرِيعٌ ، فَيَقُولُونَ : مَهْ! فَيَقُولُ : إِنِّي سَقِيمٌ ، فَلَمَّا جَازَ عَامَّتُهُمْ وَبَقِيَ ضُعَفَاؤُهُمْ قَالَ : ( تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ ) فَسَمِعَهُ أُولَئِكَ .
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنِ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : لَمَّا خَرَجَ قَوْمُ إِبْرَاهِيمَ ، إِلَى عِيدِهِمْ مَرُّوا عَلَيْهِ فَقَالُوا : يَا إِبْرَاهِيمُ أَلَا تَخْرُجُ مَعَنَا؟ قَالَ : إِنِّي سَقِيمٌ . وَقَدْ كَانَ بِالْأَمْسِ قَالَ : ( تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ ) فَسَمِعَهُ نَاسٌ مِنْهُمْ .
وَقَوْلُهُ : ( فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا ) أَيْ : حُطَامًا كَسَّرَهَا كُلَّهَا ( إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ ) يَعْنِي : إِلَّا الصَّنَمَ الْكَبِيرَ عِنْدَهُمْ كَمَا قَالَ : ( فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ ) [ الصَّافَّاتِ : 93 ] .
وَقَوْلُهُ : ( لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ ) ذَكَرُوا أَنَّهُ وَضَعَ الْقَدُومَ فِي يَدِ كَبِيرِهِمْ ، لَعَلَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي غَارَ لِنَفْسِهِ ، وَأَنِفَ أَنْ تُعْبَدَ مَعَهُ هَذِهِ الْأَصْنَامُ الصِّغَارُ ، فَكَسَّرَهَا .
( قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ ) أَيْ : حِينَ رَجَعُوا وَشَاهَدُوا مَا فَعَلَهُ الْخَلِيلُ بِأَصْنَامِهِمْ مِنَ الْإِهَانَةِ وَالْإِذْلَالِ الدَّالِّ عَلَى عَدَمِ إِلَهِيَّتِهَا ، وَعَلَى سَخَافَةِ عُقُولِ عَابِدِيهَا ( قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ ) أَيْ : فِي صَنِيعِهِ هَذَا .
( قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ ) أَيْ : قَالَ مَنْ سَمِعَهُ يَحْلِفُ أَنَّهُ لَيَكِيدَنَّهُمْ : ( سَمِعْنَا فَتًى ) أَيْ : شَابًّا ( يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ )
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، عَنْ قَابُوسَ [ عَنِ أَبِيهِ ] ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا شَابًّا ، وَلَا أُوتِيَ الْعَلَمَ عَالِمٌ إِلَّا وَهُوَ شَابٌّ ، وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ : ( قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ ) .
وَقَوْلُهُ : ( قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ ) أَيْ : عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ فِي الْمَلَإِ الْأَكْبَرِ بِحَضْرَةِ النَّاسِ كُلِّهِمْ ، وَكَانَ هَذَا هُوَ الْمَقْصُودَ الْأَكْبَرَ لِإِبْرَاهِيمَ أَنْ يَتَبَيَّنَ فِي هَذَا الْمَحْفِلِ الْعَظِيمِ كَثْرَةُ جَهْلِهِمْ وَقِلَّةُ عَقْلِهِمْ فِي عِبَادَةِ هَذِهِ الْأَصْنَامِ الَّتِي لَا تَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهَا ضَرًّا ، وَلَا تَمْلِكُ لَهَا نَصْرًا ، فَكَيْفَ يُطْلَبُ مِنْهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؟ .
( قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا ) يَعْنِي : الَّذِي تَرَكَهُ لَمْ يَكْسِرْهُ ( فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ ) وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهَذَا أَنْ يُبَادِرُوا مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ ، فَيَعْتَرِفُوا أَنَّهُمْ لَا يَنْطِقُونَ ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَصْدُرُ عَنْ هَذَا الصَّنَمِ ، لِأَنَّهُ جَمَادٌ .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لَمْ يَكْذِبْ غَيْرَ ثَلَاثٍ : ثِنْتَيْنِ فِي ذَاتِ اللَّهِ ، قَوْلُهُ : ( بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا ) وَقَوْلُهُ ( إِنِّي سَقِيمٌ ) قَالَ : " وَبَيْنَا هُوَ يَسِيرُ فِي أَرْضِ جَبَّارٍ مِنَ الْجَبَابِرَةِ وَمَعَهُ 350 سَارَةُ ، إِذْ نَزَلَ مَنْزِلًا فَأَتَى الْجَبَّارَ رَجُلٌ ، فَقَالَ : إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ بِأَرْضِكَ رَجُلٌ مَعَهُ امْرَأَةٌ أَحْسَنُ النَّاسِ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَجَاءَ ، فَقَالَ : مَا هَذِهِ الْمَرْأَةُ مِنْكَ؟ قَالَ : هِيَ أُخْتِي . قَالَ : فَاذْهَبْ فَأَرْسِلْ بِهَا إِلَيَّ ، فَانْطَلَقَ إِلَى سَارَةَ فَقَالَ : إِنَّ هَذَا الْجَبَّارَ سَأَلَنِي عَنْكِ فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّكِ أُخْتِي فَلَا تُكَذِّبِينِي عِنْدَهُ ، فَإِنَّكِ أُخْتِي فِي كِتَابِ اللَّهِ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأَرْضِ مُسْلِمٌ غَيْرِي وَغَيْرُكِ ، فَانْطَلَقَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي . فَلَمَّا أَنْ دَخَلَتْ عَلَيْهِ فَرَآهَا أَهْوَى إِلَيْهَا ، فَتَنَاوَلَهَا ، فَأُخِذَ أَخْذًا شَدِيدًا ، فَقَالَ : ادْعِي اللَّهَ لِي وَلَا أَضُرُّكِ ، فَدَعَتْ لَهُ فَأُرْسِلَ ، فَأَهْوَى إِلَيْهَا ، فَتَنَاوَلَهَا فَأُخِذَ بِمِثْلِهَا أَوْ أَشَدَّ . فَفَعَلَ ذَلِكَ الثَّالِثَةَ فَأُخِذَ ، [ فَذَكَرَ ] مِثْلَ الْمَرَّتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ فَقَالَ ادْعِي اللَّهَ فَلَا أَضُرُّكِ . فَدَعَتْ ، لَهُ فَأُرْسِلَ ، ثُمَّ دَعَا أَدْنَى حُجَّابِهِ ، فَقَالَ : إِنَّكَ لَمْ تَأْتِنِي بِإِنْسَانٍ ، وَإِنَّمَا أَتَيْتَنِي بِشَيْطَانٍ ، أَخْرِجْهَا وَأَعْطِهَا هَاجَرَ ، فَأُخْرِجَتْ وَأُعْطِيَتْ هَاجَرَ ، فَأَقْبَلَتْ ، فَلَمَّا أَحَسَّ إِبْرَاهِيمُ بِمَجِيئِهَا انْفَتَلَ مِنْ صِلَاتِهِ ، قَالَ : مَهْيَمْ؟ قَالَتْ : كَفَى اللَّهُ كَيْدَ الْكَافِرِ الْفَاجِرِ ، وَأَخْدَمَنِي هَاجَرَ " قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَكَانَ : أَبُو هُرَيْرَةَ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ : فَتِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith