تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الخامس
page 1112 · printed p. 238
( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا ( 51 ) )
( وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا ( 52 ) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا ( 53 ) ) .
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، عَطَفَ بِذِكْرِ الْكَلِيمِ ، فَقَالَ : ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا ) قَرَأَ بَعْضُهُمْ بِكَسْرِ اللَّامِ ، مِنَ الْإِخْلَاصِ فِي الْعِبَادَةِ .
قَالَ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي لُبَابَةَ قَالَ : قَالَ الْحَوَارِيُّونَ : يَا رُوحَ اللَّهِ ، أَخْبِرْنَا عَنِ الْمُخْلِصِ لِلَّهِ . قَالَ : الَّذِي يَعْمَلُ لِلَّهِ ، لَا يُحِبُّ أَنْ يَحْمَدَهُ النَّاسُ .
وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِهَا ، بِمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ مُصْطَفًى ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ ) [ الْأَعْرَافِ : 144 ] .
( وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا ) ، جَمَعَ لَهُ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ ، فَإِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ الْكِبَارِ أُولِي الْعَزْمِ الْخَمْسَةِ ، وَهُمْ : نُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ ، وَمُوسَى ، وَعِيسَى ، وَمُحَمَّدٌ ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ أَجْمَعِينَ .
وَقَوْلُهُ : ( وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ ) أَيِ : الْجَبَلِ ( الْأَيْمَنِ ) أَيْ : مِنْ جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ مِنْ مُوسَى حِينَ ذَهَبَ يَبْتَغِي مِنْ تِلْكَ النَّارِ جَذْوَةً ، رَآهَا تَلُوحُ فَقَصَدَهَا ، فَوَجَدَهَا فِي جَانِبِ الطُّوْرِ الْأَيْمَنِ مِنْهُ ، عِنْدَ شَاطِئِ الْوَادِي . فَكَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، نَادَاهُ وَقَرَّبَهُ وَنَاجَاهُ . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى - هُوَ الْقَطَّانُ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا ) قَالَ : أُدْنِيَ حَتَّى سَمِعَ صَرِيفَ الْقَلَمِ .
238
وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ ، وَغَيْرُهُمْ . يَعْنُونَ صَرِيفَ الْقَلَمِ بِكِتَابَةِ التَّوْرَاةِ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : ( وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا ) قَالَ : أُدْخِلَ فِي السَّمَاءِ فَكُلِّمَ ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ نَحْوَهُ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : ( وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا ) قَالَ : نَجَا بِصِدْقِهِ .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عَاصِمٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْحَرَّانِيُّ ، عَنْ أَبِي الْوَصْلِ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَعْدِيْكَرِبَ قَالَ : لَمَّا قَرَّبَ اللَّهُ مُوسَى نَجِيًّا بِطُورِ سَيْنَاءَ ، قَالَ : يَا مُوسَى ، إِذَا خَلَقْتُ لَكَ قَلْبًا شَاكِرًا ، وَلِسَانًا ذَاكِرًا ، وَزَوْجَةً تُعِينُ عَلَى الْخَيْرِ ، فَلَمْ أُخَزِّنْ عَنْكَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا ، وَمَنْ أُخَزِّنُ عَنْهُ هَذَا فَلَمْ أَفْتَحْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا .
وَقَوْلُهُ : ( وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا ) أَيْ : وَأَجَبْنَا سُؤَالَهُ وَشَفَاعَتَهُ فِي أَخِيهِ ، فَجَعَلْنَاهُ نَبِيًّا ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : ( وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ) [ الْقَصَصِ : 34 ] ، وَقَالَ : ( قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى ) [ طه : 36 ] ، وَقَالَ : ( فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ) [ الشُّعَرَاءِ : 13 ، 14 ] ; وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : مَا شُفِّعَ أَحَدٌ فِي أَحَدٍ شَفَاعَةً فِي الدُّنْيَا أَعْظَمُ مِنْ شَفَاعَةِ مُوسَى فِي هَارُونَ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا ) .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ ، حَدَّثَنَا ابنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : قَوْلُهُ : ( وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا ) ، قَالَ : كَانَ هَارُونُ أَكْبَرَ مِنْ مُوسَى ، وَلَكِنْ أَرَادَ : وَهَبَ لَهُ نُبُوَّتَهُ .
وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مُعَلَّقًا ، عَنْ يَعْقُوبَ وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ ، بِهِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith