تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الخامس
page 1107 · printed p. 231
( ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ( 34 ) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 35 ) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 36 ) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 37 ) ) .
يَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَلَيْهِ ذَلِكَ الَّذِي قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ خَبَرِ عِيسَى ، " قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ " أَيْ : يَخْتَلِفُ الْمُبْطِلُونَ وَالْمُحِقُّونَ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ وَكَفَرَ بِهِ; وَلِهَذَا قَرَأَ الْأَكْثَرُونَ : " قَوْلُ الْحَقِّ " بِرَفْعِ قَوْلٍ . وَقَرَأَ عَاصِمٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ : ( قَوْلَ الْحَقِّ ) .
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَرَأَ : " ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَالَ الْحَقَّ " . وَالرَّفْعُ أَظْهَرُ إِعْرَابًا ، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 59 ، 60 ] .
وَلَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ خَلَقَهُ عَبْدًا نَبِيًّا ، نَزَّهَ نَفْسَهُ الْمُقَدَّسَةَ فَقَالَ : ( مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ ) أَيْ : عَمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ الْجَاهِلُونَ الظَّالِمُونَ الْمُعْتَدُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ، ( إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) أَيْ : إِذَا أَرَادَ شَيْئًا فَإِنَّمَا يَأْمُرُ بِهِ ، فَيَصِيرُ كَمَا يَشَاءُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 59 ، 60 ]
وَقَوْلُهُ : ( وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ) أَيْ : وَمِمَّا أَمَرَ عِيسَى بِهِ قَوْمَهُ وَهُوَ فِي مَهْدِهِ ، أَنْ أَخْبَرَهُمْ إِذْ ذَاكَ أَنَّ اللَّهَ رَبُّهُمْ وَرَبُّهُ ، وَأَمَرَهُمْ بِعِبَادَتِهِ ، فَقَالَ : ( فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ) 231 أَيْ : هَذَا الَّذِي جِئْتُكُمْ بِهِ عَنِ اللَّهِ صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ، أَيْ : قَوِيمٌ ، مَنِ اتَّبَعَهُ رَشَدَ وَهَدَى ، وَمَنْ خَالَفَهُ ضَلَّ وَغَوَى .
وَقَوْلُهُ : ( فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ ) أَيِ : اخْتَلَفَتْ أَقْوَالُ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي عِيسَى بَعْدَ بَيَانِ أَمْرِهِ وَوُضُوحِ حَالِهِ ، وَأَنَّهُ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ، فَصَمَّمَتْ طَائِفَةٌ - وَهُمْ جُمْهُورُ الْيَهُودِ ، عَلَيْهِمْ لِعَائِنُ اللَّهِ - عَلَى أَنَّهُ وَلَدُ زِنْيَةٍ ، وَقَالُوا : كَلَامُهُ هَذَا سِحْرٌ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى : إِنَّمَا تَكَلَّمَ اللَّهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ ابْنُ اللَّهِ ، وَقَالَ آخَرُونَ : ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ . وَهَذَا هُوَ قَوْلُ الْحَقِّ ، الَّذِي أَرْشَدَ اللَّهُ إِلَيْهِ الْمُؤْمِنِينَ . وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ، وَابْنِ جُرَيْجٍ ، وقَتَادَةَ ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ .
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : ( ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ) ، قَالَ : اجْتَمَعَ بَنُو إِسْرَائِيلَ فَأَخْرَجُوا مِنْهُمْ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ ، أَخْرَجَ كُلُّ قَوْمٍ عَالِمَهُمْ ، فَامْتَرُوا فِي عِيسَى حِينَ رُفِعَ ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ : هُوَ اللَّهُ هَبَطَ إِلَى الْأَرْضِ فَأَحْيَا مَنْ أَحْيَا ، وَأَمَاتَ مَنْ أَمَاتَ ، ثُمَّ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ - وَهُمُ الْيَعْقُوبِيَّةُ . فَقَالَ الثَّلَاثَةُ : كَذَبْتَ . ثُمَّ قَالَ اثْنَانِ مِنْهُمْ لِلثَّالِثِ : قُلْ أَنْتَ فِيهِ ، قَالَ : هُوَ ابْنُ اللَّهِ - وَهُمُ الْنَسْطُورِيَّةُ . فَقَالَ الِاثْنَانِ : كَذَبْتَ . ثُمَّ قَالَ أَحَدُ الِاثْنَيْنِ لِلْآخَرِ : قُلْ فِيهِ . قَالَ : هُوَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ : اللَّهُ إِلَهٌ ، وَهُوَ إِلَهٌ ، وَأُمُّهُ إِلَهٌ - وَهُمُ الْإِسْرَائِيلِيَّةُ مُلُوكُ النَّصَارَى ، عَلَيْهِمْ لِعَائِنُ اللَّهِ . قَالَ الرَّابِعُ : كَذَبْتَ ، بَلْ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَرُوحُهُ ، وَكَلِمَتُهُ ، وَهُمُ الْمُسْلِمُونَ . فَكَانَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَتْبَاعٌ عَلَى مَا قَالُوا ، فَاقْتَتَلُوا فَظُهِرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : ( وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 21 ] وَقَالَ قَتَادَةُ : وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ : ( فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ ) قَالَ : اخْتَلَفُوا فِيهِ فَصَارُوا أَحْزَابًا
وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَعَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ . وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ التَّارِيخِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ : أَنَّ قُسْطَنْطِينَ جَمَعَهُمْ فِي مَحْفَلٍ كَبِيرٍ مِنْ مَجَامِعِهِمُ الثَّلَاثَةِ الْمَشْهُورَةِ عِنْدَهُمْ ، فَكَانَ جَمَاعَةُ الْأَسَاقِفَةِ مِنْهُمْ أَلْفَيْنِ وَمِائَةً وَسَبْعِينَ أُسْقُفًا ، فَاخْتَلَفُوا فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا ، فَقَالَتْ كُلُّ شِرْذِمَةٍ فِيهِ قَوْلًا فَمِائَةٌ تَقُولُ فِيهِ قَوْلًا وَسَبْعُونَ تَقُولُ فِيهِ قَوْلًا آخَرَ ، وَخَمْسُونَ تَقُولُ فِيهِ شَيْئًا آخَرَ ، وَمِائَةٌ وَسِتُّونَ تَقُولُ شَيْئًا ، وَلَمْ يَجْتَمِعْ عَلَى مَقَالَةٍ وَاحِدَةٍ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثِمِائَةٍ وَثَمَانِيَةٍ مِنْهُمُ ، اتَّفَقُوا عَلَى قَوْلٍ وَصَمَّمُوا عَلَيْهِ وَمَالَ إِلَيْهِمُ الْمَلِكُ ، وَكَانَ فَيْلَسُوفًا ، فَقَدَّمَهُمْ وَنَصَرَهُمْ وَطَرَدَ مَنْ عَدَاهُمْ ، فَوَضَعُوا لَهُ الْأَمَانَةَ الْكَبِيرَةَ ، بَلْ هِيَ الْخِيَانَةُ الْعَظِيمَةُ ، وَوَضَعُوا لَهُ كُتُبَ الْقَوَانِينِ ، وَشَرَّعُوا لَهُ أَشْيَاءَ 232 وَابْتَدَعُوا بِدَعًا كَثِيرَةً ، وَحَرَّفُوا دِينَ الْمَسِيحِ ، وَغَيَّرُوهُ ، فَابْتَنَى حِينَئِذٍ لَهُمُ الْكَنَائِسَ الْكِبَارَ فِي مَمْلَكَتِهِ كُلِّهَا : بِلَادِ الشَّامِ ، وَالْجَزِيرَةِ ، وَالرُّومِ ، فَكَانَ مَبْلَغُ الْكَنَائِسِ فِي أَيَّامِهِ مَا يُقَارِبُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَلْفَ كَنِيسَةٍ ، وَبَنَتْ أُمُّهُ هِيلَانَةُ قُمَامَةً عَلَى الْمَكَانِ الَّذِي صُلِبَ فِيهِ الْمَصْلُوبُ الَّذِي تَزْعُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى أَنَّهُ الْمَسِيحُ ، وَقَدْ كَذَبُوا ، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ .
وَقَوْلُهُ : ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ ، وَافْتَرَى ، وَزَعَمَ أَنَّ لَهُ وَلَدًا . وَلَكِنْ أَنْظَرَهُمْ تَعَالَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَأَجَّلَهُمْ حِلْمًا وَثِقَةً بِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِمْ; فَإِنَّهُ الَّذِي لَا يَعْجَلُ عَلَى مَنْ عَصَاهُ ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ : ۝ " إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ " ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) [ هُودٍ : 102 ] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ۝ " لَا أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ ، إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ لَهُ وَلَدًا ، وَهُوَ يَرْزُقُهُمْ وَيُعَافِيهِمْ " . وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ ) [ الْحَجِّ : 48 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ) [ إِبْرَاهِيمَ : 42 ] وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا : ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) أَيْ : يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ ، وَالنَّارَ حَقٌّ ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ "
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith