تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الخامس
195 ( ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ( 92 ) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا ( 93 ) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ( 94 ) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ( 95 ) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ( 96 ) )
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبَرًا عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ : ( ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ) أَيْ : ثُمَّ سَلَكَ طَرِيقًا مِنْ مَشَارِقِ الْأَرْضِ . ( حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ ) وَهُمَا جَبَلَانِ مُتَنَاوِحَانِ بَيْنَهُمَا ثَغْرَةٌ يَخْرُجُ مِنْهَا يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ عَلَى بِلَادِ التُّرْكِ ، فَيَعِيثُونَ فِيهِمْ فَسَادًا ، وَيُهْلِكُونَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ، وَيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ مِنْ سُلَالَةِ آدَمَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ : " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : يَا آدَمُ . فَيَقُولُ : لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ . فَيَقُولُ : ابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ . فَيَقُولُ : وَمَا بَعْثُ النَّارِ ؟ فَيَقُولُ : مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ إِلَى النَّارِ ، وَوَاحِدٌ إِلَى الْجَنَّةِ ؟ فَحِينَئِذٍ يَشِيبُ الصَّغِيرُ ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا ، فَيُقَالُ : إِنَّ فِيكُمْ أُمَّتَيْنِ ، مَا كَانَتَا فِي شَيْءٍ إِلَّا كَثَّرَتَاهُ : يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ " .
وَقَدْ حَكَى النَّوَوِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي شَرْحِ " مُسْلِمٍ " عَنْ بَعْضِ النَّاسِ : أَنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ خُلِقُوا مِنْ مَنِيٍّ خَرَجَ مِنْ آدَمَ فَاخْتَلَطَ بِالتُّرَابِ ، فَخُلِقُوا مِنْ ذَلِكَ فَعَلَى هَذَا يَكُونُونَ مَخْلُوقِينَ مِنْ آدَمَ ، وَلَيْسُوا مِنْ حَوَّاءَ . وَهَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ جِدًّا ، [ ثُمَّ ] لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ لَا مِنْ عَقْلٍ وَلَا [ مِنْ ] نَقْلٍ ، وَلَا يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ هَاهُنَا عَلَى مَا يَحْكِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْكِتَابِ ؛ لِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُفْتَعَلَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، عَنْ سَمُرَةَ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " وَلَدَ نُوحٌ ثَلَاثَةً : سَامٌ أَبُو الْعَرَبِ ، وَحَامٌ أَبُو السُّودَانِ ، وَيَافِثُ أَبُو التُّرْكِ " . قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : هَؤُلَاءِ مِنْ نَسْلِ يَافِثَ أَبِي التُّرْكِ ، قَالَ : [ إِنَّمَا سُمُّوا هَؤُلَاءِ تُرْكًا ؛ لِأَنَّهُمْ تُرِكُوا مِنْ وَرَاءِ السَّدِّ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ ، وَإِلَّا فَهُمْ أَقْرِبَاءُ أُولَئِكَ ، وَلَكِنْ كَانَ فِي أُولَئِكَ بَغْيٌ وَفَسَادٌ وَجَرَاءَةٌ . وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَثَرًا طَوِيلًا عَجِيبًا فِي سَيْرِ ذِي الْقَرْنَيْنِ ، وَبِنَائِهِ السَّدَّ ، وَكَيْفِيَّةِ مَا جَرَى لَهُ ، وَفِيهِ طُولٌ وَغَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ فِي أَشْكَالِهِمْ وَصِفَاتِهِمْ ، [ وَطُولِهِمْ ] وَقِصَرِ بَعْضِهِمْ ، وَآذَانِهِمْ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَحَادِيثَ غَرِيبَةً فِي ذَلِكَ لَا تَصِحُّ أَسَانِيدُهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا ) [ أَيْ ] : لِاسْتِعْجَامِ كَلَامِهِمْ وَبُعْدِهِمْ 196 عَنِ النَّاسِ .
( قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا ) قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَجْرًا عَظِيمًا ، يَعْنِي أَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ يَجْمَعُوا لَهُ مِنْ بَيْنِهِمْ مَالًا يُعْطُونَهُ إِيَّاهُ ، حَتَّى يَجْعَلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُمْ سَدًا . فَقَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ بِعِفَّةٍ وَدِيَانَةٍ وَصَلَاحٍ وَقَصْدٍ لِلْخَيْرِ : ( مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ ) أَيْ : إِنَّ الَّذِي أَعْطَانِي اللَّهُ مِنَ الْمُلْكِ وَالتَّمْكِينِ خَيْرٌ لِي مِنَ الَّذِي تَجْمَعُونَهُ ، كَمَا قَالَ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ) [ النَّمْلِ : 36 ] وَهَكَذَا قَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ : الَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِنَ الَّذِي تَبْذُلُونَهُ ، وَلَكِنْ سَاعِدُونِي ) بِقُوَّةٍ ) أَيْ : بِعَمَلِكُمْ وَآلَاتِ الْبِنَاءِ ، ( أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ) وَالزُّبَرُ : جَمْعُ زُبْرَةٍ ، وَهِيَ الْقِطْعَةُ مِنْهُ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ . وَهِيَ كَاللَّبِنَةِ ، يُقَالُ : كُلُّ لَبِنَةٍ [ زِنَةُ ] قِنْطَارٍ بِالدِّمَشْقِيِّ ، أَوْ تَزِيدُ عَلَيْهِ .
( حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ ) أَيْ : وَضَعَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ مِنَ الْأَسَاسِ حَتَّى إِذَا حَاذَى بِهِ رُءُوسَ الْجَبَلَيْنِ طُولًا وَعَرْضًا . وَاخْتَلَفُوا فِي مِسَاحَةِ عَرْضِهِ وَطُولِهِ عَلَى أَقْوَالٍ . ( قَالَ انْفُخُوا ) أَيْ : أَجَّجَ عَلَيْهِ النَّارَ حَتَّى صَارَ كُلُّهُ نَارًا ، ( قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ : هُوَ النُّحَاسُ . وَزَادَ بَعْضُهُمْ : الْمُذَابُ . وَيَسْتَشْهِدُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ ) [ سَبَإٍ : 12 ] وَلِهَذَا يُشَبَّهُ بِالْبُرْدِ الْمُحَبَّرِ .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَدْ رَأَيْتَ سَدَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ، قَالَ : " انْعَتْهُ لِي " قَالَ : كَالْبُرْدِ الْمُحَبَّرِ ، طَرِيقَةٌ سَوْدَاءُ . وَطَرِيقَةٌ حَمْرَاءُ . قَالَ : " قَدْ رَأَيْتُهُ " . هَذَا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ .
وَقَدْ بَعَثَ الْخَلِيفَةُ الْوَاثِقُ فِي دَوْلَتِهِ بَعْضَ أُمَرَائِهِ ، وَوَجَّهَ مَعَهُ جَيْشًا سِرِّيَّةً ، لِيَنْظُرُوا إِلَى السَّدِّ وَيُعَايِنُوهُ وَيَنْعِتُوهُ لَهُ إِذَا رَجَعُوا . فَتَوَصَّلُوا مِنْ بِلَادٍ إِلَى بِلَادٍ ، وَمِنْ مُلْكٍ إِلَى مُلْكٍ ، حَتَّى وَصَلُوا إِلَيْهِ ، وَرَأَوْا بِنَاءَهُ مِنَ الْحَدِيدِ وَمِنَ النُّحَاسِ ، وَذَكَرُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا فِيهِ بَابًا عَظِيمًا ، وَعَلَيْهِ أَقْفَالٌ عَظِيمَةٌ ، وَرَأَوْا بَقِيَّةَ اللَّبَنِ وَالْعَمَلِ فِي بُرْجٍ هُنَاكَ . وَأَنَّ عِنْدَهُ حَرَسًا مِنَ الْمُلُوكِ الْمُتَاخِمَةِ لَهُ ، وَأَنَّهُ مُنِيفٌ عَالٍ ، شَاهِقٌ ، لَا يُسْتَطَاعُ وَلَا مَا حَوْلَهُ مِنَ الْجِبَالِ . ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ ، وَكَانَتْ غَيْبَتُهُمْ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ ، 197 وَشَاهَدُوا أَهْوَالًا وَعَجَائِبَ .
ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى :
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبَرًا عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ : ( ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ) أَيْ : ثُمَّ سَلَكَ طَرِيقًا مِنْ مَشَارِقِ الْأَرْضِ . ( حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ ) وَهُمَا جَبَلَانِ مُتَنَاوِحَانِ بَيْنَهُمَا ثَغْرَةٌ يَخْرُجُ مِنْهَا يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ عَلَى بِلَادِ التُّرْكِ ، فَيَعِيثُونَ فِيهِمْ فَسَادًا ، وَيُهْلِكُونَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ، وَيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ مِنْ سُلَالَةِ آدَمَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ : " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : يَا آدَمُ . فَيَقُولُ : لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ . فَيَقُولُ : ابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ . فَيَقُولُ : وَمَا بَعْثُ النَّارِ ؟ فَيَقُولُ : مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ إِلَى النَّارِ ، وَوَاحِدٌ إِلَى الْجَنَّةِ ؟ فَحِينَئِذٍ يَشِيبُ الصَّغِيرُ ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا ، فَيُقَالُ : إِنَّ فِيكُمْ أُمَّتَيْنِ ، مَا كَانَتَا فِي شَيْءٍ إِلَّا كَثَّرَتَاهُ : يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ " .
وَقَدْ حَكَى النَّوَوِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي شَرْحِ " مُسْلِمٍ " عَنْ بَعْضِ النَّاسِ : أَنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ خُلِقُوا مِنْ مَنِيٍّ خَرَجَ مِنْ آدَمَ فَاخْتَلَطَ بِالتُّرَابِ ، فَخُلِقُوا مِنْ ذَلِكَ فَعَلَى هَذَا يَكُونُونَ مَخْلُوقِينَ مِنْ آدَمَ ، وَلَيْسُوا مِنْ حَوَّاءَ . وَهَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ جِدًّا ، [ ثُمَّ ] لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ لَا مِنْ عَقْلٍ وَلَا [ مِنْ ] نَقْلٍ ، وَلَا يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ هَاهُنَا عَلَى مَا يَحْكِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْكِتَابِ ؛ لِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُفْتَعَلَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، عَنْ سَمُرَةَ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " وَلَدَ نُوحٌ ثَلَاثَةً : سَامٌ أَبُو الْعَرَبِ ، وَحَامٌ أَبُو السُّودَانِ ، وَيَافِثُ أَبُو التُّرْكِ " . قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : هَؤُلَاءِ مِنْ نَسْلِ يَافِثَ أَبِي التُّرْكِ ، قَالَ : [ إِنَّمَا سُمُّوا هَؤُلَاءِ تُرْكًا ؛ لِأَنَّهُمْ تُرِكُوا مِنْ وَرَاءِ السَّدِّ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ ، وَإِلَّا فَهُمْ أَقْرِبَاءُ أُولَئِكَ ، وَلَكِنْ كَانَ فِي أُولَئِكَ بَغْيٌ وَفَسَادٌ وَجَرَاءَةٌ . وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَثَرًا طَوِيلًا عَجِيبًا فِي سَيْرِ ذِي الْقَرْنَيْنِ ، وَبِنَائِهِ السَّدَّ ، وَكَيْفِيَّةِ مَا جَرَى لَهُ ، وَفِيهِ طُولٌ وَغَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ فِي أَشْكَالِهِمْ وَصِفَاتِهِمْ ، [ وَطُولِهِمْ ] وَقِصَرِ بَعْضِهِمْ ، وَآذَانِهِمْ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَحَادِيثَ غَرِيبَةً فِي ذَلِكَ لَا تَصِحُّ أَسَانِيدُهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا ) [ أَيْ ] : لِاسْتِعْجَامِ كَلَامِهِمْ وَبُعْدِهِمْ 196 عَنِ النَّاسِ .
( قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا ) قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَجْرًا عَظِيمًا ، يَعْنِي أَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ يَجْمَعُوا لَهُ مِنْ بَيْنِهِمْ مَالًا يُعْطُونَهُ إِيَّاهُ ، حَتَّى يَجْعَلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُمْ سَدًا . فَقَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ بِعِفَّةٍ وَدِيَانَةٍ وَصَلَاحٍ وَقَصْدٍ لِلْخَيْرِ : ( مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ ) أَيْ : إِنَّ الَّذِي أَعْطَانِي اللَّهُ مِنَ الْمُلْكِ وَالتَّمْكِينِ خَيْرٌ لِي مِنَ الَّذِي تَجْمَعُونَهُ ، كَمَا قَالَ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ) [ النَّمْلِ : 36 ] وَهَكَذَا قَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ : الَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِنَ الَّذِي تَبْذُلُونَهُ ، وَلَكِنْ سَاعِدُونِي ) بِقُوَّةٍ ) أَيْ : بِعَمَلِكُمْ وَآلَاتِ الْبِنَاءِ ، ( أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ) وَالزُّبَرُ : جَمْعُ زُبْرَةٍ ، وَهِيَ الْقِطْعَةُ مِنْهُ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ . وَهِيَ كَاللَّبِنَةِ ، يُقَالُ : كُلُّ لَبِنَةٍ [ زِنَةُ ] قِنْطَارٍ بِالدِّمَشْقِيِّ ، أَوْ تَزِيدُ عَلَيْهِ .
( حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ ) أَيْ : وَضَعَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ مِنَ الْأَسَاسِ حَتَّى إِذَا حَاذَى بِهِ رُءُوسَ الْجَبَلَيْنِ طُولًا وَعَرْضًا . وَاخْتَلَفُوا فِي مِسَاحَةِ عَرْضِهِ وَطُولِهِ عَلَى أَقْوَالٍ . ( قَالَ انْفُخُوا ) أَيْ : أَجَّجَ عَلَيْهِ النَّارَ حَتَّى صَارَ كُلُّهُ نَارًا ، ( قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ : هُوَ النُّحَاسُ . وَزَادَ بَعْضُهُمْ : الْمُذَابُ . وَيَسْتَشْهِدُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ ) [ سَبَإٍ : 12 ] وَلِهَذَا يُشَبَّهُ بِالْبُرْدِ الْمُحَبَّرِ .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَدْ رَأَيْتَ سَدَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ، قَالَ : " انْعَتْهُ لِي " قَالَ : كَالْبُرْدِ الْمُحَبَّرِ ، طَرِيقَةٌ سَوْدَاءُ . وَطَرِيقَةٌ حَمْرَاءُ . قَالَ : " قَدْ رَأَيْتُهُ " . هَذَا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ .
وَقَدْ بَعَثَ الْخَلِيفَةُ الْوَاثِقُ فِي دَوْلَتِهِ بَعْضَ أُمَرَائِهِ ، وَوَجَّهَ مَعَهُ جَيْشًا سِرِّيَّةً ، لِيَنْظُرُوا إِلَى السَّدِّ وَيُعَايِنُوهُ وَيَنْعِتُوهُ لَهُ إِذَا رَجَعُوا . فَتَوَصَّلُوا مِنْ بِلَادٍ إِلَى بِلَادٍ ، وَمِنْ مُلْكٍ إِلَى مُلْكٍ ، حَتَّى وَصَلُوا إِلَيْهِ ، وَرَأَوْا بِنَاءَهُ مِنَ الْحَدِيدِ وَمِنَ النُّحَاسِ ، وَذَكَرُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا فِيهِ بَابًا عَظِيمًا ، وَعَلَيْهِ أَقْفَالٌ عَظِيمَةٌ ، وَرَأَوْا بَقِيَّةَ اللَّبَنِ وَالْعَمَلِ فِي بُرْجٍ هُنَاكَ . وَأَنَّ عِنْدَهُ حَرَسًا مِنَ الْمُلُوكِ الْمُتَاخِمَةِ لَهُ ، وَأَنَّهُ مُنِيفٌ عَالٍ ، شَاهِقٌ ، لَا يُسْتَطَاعُ وَلَا مَا حَوْلَهُ مِنَ الْجِبَالِ . ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ ، وَكَانَتْ غَيْبَتُهُمْ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ ، 197 وَشَاهَدُوا أَهْوَالًا وَعَجَائِبَ .
ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى :
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith