تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الأول
( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ( 87 ) )
يَنْعَتُ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالْعُتُوِّ وَالْعِنَادِ وَالْمُخَالَفَةِ ، وَالِاسْتِكْبَارِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ ، وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ، فَذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ آتَى مُوسَى الْكِتَابَ وَهُوَ التَّوْرَاةُ فَحَرَّفُوهَا وَبَدَّلُوهَا ، وَخَالَفُوا أَوَامِرَهَا وَأَوَّلُوهَا . وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ الَّذِينَ يَحْكُمُونَ بِشَرِيعَتِهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ) الْآيَةَ [ الْمَائِدَةِ : 44 ] ، وَلِهَذَا قَالَ : ( وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ) قَالَ السُّدِّيُّ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ : أَتْبَعْنَا . وَقَالَ غَيْرُهُ : أَرْدَفْنَا . وَالْكُلُّ قَرِيبٌ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا ) [ الْمُؤْمِنُونَ : 44 ] حَتَّى خَتَمَ أَنْبِيَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، فَجَاءَ بِمُخَالَفَةِ التَّوْرَاةِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ ، وَلِهَذَا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْبَيِّنَاتِ ، وَهِيَ : الْمُعْجِزَاتُ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى ، وَخَلْقِهِ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَيَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَإِبْرَائِهِ الْأَسْقَامَ ، وَإِخْبَارِهِ بِالْغُيُوبِ ، وَتَأْيِيدِهِ بِرُوحِ الْقُدُسِ ، وَهُوَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا يَدُلُّهُمْ عَلَى صِدْقِهِ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ . فَاشْتَدَّ تَكْذِيبُ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَهُ وَحَسَدُهُمْ وَعِنَادُهُمْ لِمُخَالَفَةِ التَّوْرَاةِ فِي الْبَعْضِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ عِيسَى : ( وَلِأَحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ) الْآيَةَ [ آلِ عِمْرَانَ : 50 ] . فَكَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تُعَامِلُ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ أَسْوَأَ الْمُعَامَلَةِ ، فَفَرِيقًا يُكَذِّبُونَهُ . وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَهُ ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَأْتُونَهُمْ بِالْأُمُورِ الْمُخَالِفَةِ لِأَهْوَائِهِمْ وَآرَائِهِمْ وَبِإِلْزَامِهِمْ بِأَحْكَامِ التَّوْرَاةِ التِي قَدْ تَصَرَّفُوا فِي مُخَالَفَتِهَا ، فَلِهَذَا كَانَ يَشُقُّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، فَيُكَذِّبُونَهُمْ ، وَرُبَّمَا قَتَلُوا بَعْضَهُمْ ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ )
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ هُوَ جِبْرِيلُ ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ [ ابْنُ عَبَّاسٍ وَ ] مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَعَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ ، وَقَتَادَةُ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ [ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ] ) [ الشُّعَرَاءِ : 193 - 195 ] مَا قَالَ الْبُخَارِيُّ : وَقَالَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَعَ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ مِنْبَرًا فِي الْمَسْجِدِ ، فَكَانَ يُنَافِحُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اللَّهُمَّ أَيِّدْ حَسَّانَ بِرُوحِ الْقُدُسِ كَمَا نَافَحَ عَنْ نَبِيِّكَ " . وَهَذَا مِنَ 322 الْبُخَارِيِّ تَعْلِيقٌ .
وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ ، عَنْ لِوَيْنٍ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ مُوسَى الْفَزَارِيِّ ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِيهِ وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، كِلَاهُمَا عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ بِهِ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَهُوَ حَدِيثُ أَبِي الزِّنَادِ .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ عُمَرَ مَرَّ بِحَسَّانَ ، وَهُوَ يُنْشِدُ الشِّعْرَ فِي الْمَسْجِدِ فَلَحَظَ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : قَدْ كُنْتُ أَنْشُدُ فِيهِ ، وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ . ثُمَّ التَفَتَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَقَالَ : أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَسْمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " أَجِبْ عَنِّي ، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ " ؟ . فَقَالَ : اللَّهُمَّ نَعَمْ .
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِحَسَّانَ : " اهْجُهُمْ أَوْ : هَاجِهِمْ وَجِبْرِيلُ مَعَكَ " .
[ وَفِي شِعْرِ حَسَّانَ قَوْلُهُ :
﴿﴾ وَجِبْرِيلٌ رَسُولُ اللَّهِ يُنَادِي ﴿﴾ ﴿﴾ وَرُوحُ الْقُدُسِ لَيْسَ بِهِ خَفَاءُ ] ﴿﴾
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ الْمَكِّيِّ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ الْأَشْعَرِيِّ : أَنَّ نَفَرًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : أَخْبِرْنَا عَنِ الرُّوحِ . فَقَالَ : " أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ وَبِأَيَّامِهِ عِنْدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ جِبْرِيلُ ؟ وَهُوَ الذِي يَأْتِينِي ؟ " قَالُوا : نَعَمْ .
[ وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ أَظُنُّهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَخَ فِي رُوعِي : إِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا وَأَجَلَهَا فَاتَّقَوُا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ " ] .
أَقْوَالٌ أُخَرُ :
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( بِرُوحِ الْقُدُسِ ) قَالَ : هُوَ الِاسْمُ الْأَعْظَمُ الذِي كَانَ عِيسَى يُحْيِي بِهِ 323 الْمَوْتَى . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حُدِّثْتُ عَنِ الْمِنْجَابِ . فَذَكَرَهُ . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَ ذَلِكَ . [ وَنَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَيْضًا قَالَ : وَهُوَ الِاسْمُ الْأَعْظَمُ ] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ : الرُّوحُ هُوَ حَفَظَةٌ عَلَى الْمَلَائِكَةِ .
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ : الْقُدْسُ هُوَ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى . وَهُوَ قَوْلُ كَعْبٍ . وَقَالَ السُّدِّيُّ : الْقُدْسُ : الْبَرَكَةُ . وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : الْقُدْسُ : الطُّهْرُ .
[ وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُمَا قَالَا : الْقُدُسُ : هُوَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَرُوحُهُ : جِبْرِيلُ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ ] .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ) قَالَ : أَيَّدَ اللَّهُ عِيسَى بِالْإِنْجِيلِ رُوحًا كَمَا جَعَلَ الْقُرْآنَ رُوحًا ، كِلَاهُمَا رُوحٌ مِنَ اللَّهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ) [ الشُّورَى : 52 ] .
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَأَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : الرُّوحُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ جِبْرِيلُ ، لِأَنَّ اللَّهَ ، عَزَّ وَجَلَّ ، أَخْبَرَ أَنَّهُ أَيَّدَ عِيسَى بِهِ ، كَمَا أَخْبَرَ فِي قَوْلِهِ : ( إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ) الْآيَةَ [ الْمَائِدَةِ : 110 ] . فَذَكَرَ أَنَّهُ أَيَّدَهُ بِهِ ، فَلَوْ كَانَ الرُّوحُ الذِي أَيَّدَهُ بِهِ هُوَ الْإِنْجِيلُ ، لَكَانَ قَوْلُهُ : ( إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ ) ( وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ) تَكْرِيرُ قَوْلٍ لَا مَعْنَى لَهُ ، وَاللَّهُ أَعَزُّ أَنْ يُخَاطِبَ عِبَادَهُ بِمَا لَا يُفِيدُهُمْ بِهِ .
قُلْتُ : وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ جِبْرِيلُ مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ السِّيَاقِ ; وَلِلَّهِ الْحَمْدُ .
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ( بِرُوحِ الْقُدُسِ ) بِالرُّوحِ الْمُقَدَّسَةِ ، كَمَا يَقُولُ : حَاتِمُ الْجُودِ وَرَجُلُ صِدْقٍ ، وَوَصْفُهَا بِالْقُدُسِ كَمَا قَالَ : ( وَرُوحٌ مِنْهُ ) فَوَصْفُهُ بِالِاخْتِصَاصِ وَالتَّقْرِيبِ تَكْرِمَةٌ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُ لَمْ تَضُمَّهُ الْأَصْلَابُ وَالْأَرْحَامُ الطَّوَامِثُ ، وَقِيلَ : بِجِبْرِيلَ ، وَقِيلَ : بِالْإِنْجِيلِ ، كَمَا قَالَ فِي الْقُرْآنِ : ( رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ) [ الشُّورَى : 52 ] وَقِيلَ بِاسْمِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ الذِي كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى بِذِكْرِهِ ، وَتَضَمَّنَ كَلَامُهُ قَوْلًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ رُوحُ عِيسَى نَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةُ الْمُطَهَّرَةُ .
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي قَوْلِهِ : ( فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ) إِنَّمَا لَمْ يَقِلْ : وَفَرِيقًا قَتَلْتُمْ ; لِأَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ وَصْفَهُمْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَيْضًا لِأَنَّهُمْ حَاوَلُوا قَتْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالسُّمِّ وَالسِّحْرِ ، وَقَدْ قَالَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فِي مَرَضِ مَوْتِهِ : " مَا زَالَتْ أَكْلَةُ خَيْبَرَ تُعَاوِدُنِي فَهَذَا أَوَانُ انْقِطَاعِ أَبْهَرِي " ، وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ .
يَنْعَتُ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالْعُتُوِّ وَالْعِنَادِ وَالْمُخَالَفَةِ ، وَالِاسْتِكْبَارِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ ، وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ، فَذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ آتَى مُوسَى الْكِتَابَ وَهُوَ التَّوْرَاةُ فَحَرَّفُوهَا وَبَدَّلُوهَا ، وَخَالَفُوا أَوَامِرَهَا وَأَوَّلُوهَا . وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ الَّذِينَ يَحْكُمُونَ بِشَرِيعَتِهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ) الْآيَةَ [ الْمَائِدَةِ : 44 ] ، وَلِهَذَا قَالَ : ( وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ) قَالَ السُّدِّيُّ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ : أَتْبَعْنَا . وَقَالَ غَيْرُهُ : أَرْدَفْنَا . وَالْكُلُّ قَرِيبٌ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا ) [ الْمُؤْمِنُونَ : 44 ] حَتَّى خَتَمَ أَنْبِيَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، فَجَاءَ بِمُخَالَفَةِ التَّوْرَاةِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ ، وَلِهَذَا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْبَيِّنَاتِ ، وَهِيَ : الْمُعْجِزَاتُ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى ، وَخَلْقِهِ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَيَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَإِبْرَائِهِ الْأَسْقَامَ ، وَإِخْبَارِهِ بِالْغُيُوبِ ، وَتَأْيِيدِهِ بِرُوحِ الْقُدُسِ ، وَهُوَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا يَدُلُّهُمْ عَلَى صِدْقِهِ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ . فَاشْتَدَّ تَكْذِيبُ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَهُ وَحَسَدُهُمْ وَعِنَادُهُمْ لِمُخَالَفَةِ التَّوْرَاةِ فِي الْبَعْضِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ عِيسَى : ( وَلِأَحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ) الْآيَةَ [ آلِ عِمْرَانَ : 50 ] . فَكَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تُعَامِلُ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ أَسْوَأَ الْمُعَامَلَةِ ، فَفَرِيقًا يُكَذِّبُونَهُ . وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَهُ ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَأْتُونَهُمْ بِالْأُمُورِ الْمُخَالِفَةِ لِأَهْوَائِهِمْ وَآرَائِهِمْ وَبِإِلْزَامِهِمْ بِأَحْكَامِ التَّوْرَاةِ التِي قَدْ تَصَرَّفُوا فِي مُخَالَفَتِهَا ، فَلِهَذَا كَانَ يَشُقُّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، فَيُكَذِّبُونَهُمْ ، وَرُبَّمَا قَتَلُوا بَعْضَهُمْ ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ )
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ هُوَ جِبْرِيلُ ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ [ ابْنُ عَبَّاسٍ وَ ] مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَعَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ ، وَقَتَادَةُ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ [ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ] ) [ الشُّعَرَاءِ : 193 - 195 ] مَا قَالَ الْبُخَارِيُّ : وَقَالَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَعَ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ مِنْبَرًا فِي الْمَسْجِدِ ، فَكَانَ يُنَافِحُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اللَّهُمَّ أَيِّدْ حَسَّانَ بِرُوحِ الْقُدُسِ كَمَا نَافَحَ عَنْ نَبِيِّكَ " . وَهَذَا مِنَ 322 الْبُخَارِيِّ تَعْلِيقٌ .
وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ ، عَنْ لِوَيْنٍ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ مُوسَى الْفَزَارِيِّ ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِيهِ وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، كِلَاهُمَا عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ بِهِ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَهُوَ حَدِيثُ أَبِي الزِّنَادِ .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ عُمَرَ مَرَّ بِحَسَّانَ ، وَهُوَ يُنْشِدُ الشِّعْرَ فِي الْمَسْجِدِ فَلَحَظَ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : قَدْ كُنْتُ أَنْشُدُ فِيهِ ، وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ . ثُمَّ التَفَتَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَقَالَ : أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَسْمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " أَجِبْ عَنِّي ، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ " ؟ . فَقَالَ : اللَّهُمَّ نَعَمْ .
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِحَسَّانَ : " اهْجُهُمْ أَوْ : هَاجِهِمْ وَجِبْرِيلُ مَعَكَ " .
[ وَفِي شِعْرِ حَسَّانَ قَوْلُهُ :
﴿﴾ وَجِبْرِيلٌ رَسُولُ اللَّهِ يُنَادِي ﴿﴾ ﴿﴾ وَرُوحُ الْقُدُسِ لَيْسَ بِهِ خَفَاءُ ] ﴿﴾
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ الْمَكِّيِّ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ الْأَشْعَرِيِّ : أَنَّ نَفَرًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : أَخْبِرْنَا عَنِ الرُّوحِ . فَقَالَ : " أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ وَبِأَيَّامِهِ عِنْدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ جِبْرِيلُ ؟ وَهُوَ الذِي يَأْتِينِي ؟ " قَالُوا : نَعَمْ .
[ وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ أَظُنُّهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَخَ فِي رُوعِي : إِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا وَأَجَلَهَا فَاتَّقَوُا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ " ] .
أَقْوَالٌ أُخَرُ :
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( بِرُوحِ الْقُدُسِ ) قَالَ : هُوَ الِاسْمُ الْأَعْظَمُ الذِي كَانَ عِيسَى يُحْيِي بِهِ 323 الْمَوْتَى . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حُدِّثْتُ عَنِ الْمِنْجَابِ . فَذَكَرَهُ . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَ ذَلِكَ . [ وَنَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَيْضًا قَالَ : وَهُوَ الِاسْمُ الْأَعْظَمُ ] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ : الرُّوحُ هُوَ حَفَظَةٌ عَلَى الْمَلَائِكَةِ .
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ : الْقُدْسُ هُوَ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى . وَهُوَ قَوْلُ كَعْبٍ . وَقَالَ السُّدِّيُّ : الْقُدْسُ : الْبَرَكَةُ . وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : الْقُدْسُ : الطُّهْرُ .
[ وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُمَا قَالَا : الْقُدُسُ : هُوَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَرُوحُهُ : جِبْرِيلُ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ ] .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ) قَالَ : أَيَّدَ اللَّهُ عِيسَى بِالْإِنْجِيلِ رُوحًا كَمَا جَعَلَ الْقُرْآنَ رُوحًا ، كِلَاهُمَا رُوحٌ مِنَ اللَّهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ) [ الشُّورَى : 52 ] .
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَأَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : الرُّوحُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ جِبْرِيلُ ، لِأَنَّ اللَّهَ ، عَزَّ وَجَلَّ ، أَخْبَرَ أَنَّهُ أَيَّدَ عِيسَى بِهِ ، كَمَا أَخْبَرَ فِي قَوْلِهِ : ( إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ) الْآيَةَ [ الْمَائِدَةِ : 110 ] . فَذَكَرَ أَنَّهُ أَيَّدَهُ بِهِ ، فَلَوْ كَانَ الرُّوحُ الذِي أَيَّدَهُ بِهِ هُوَ الْإِنْجِيلُ ، لَكَانَ قَوْلُهُ : ( إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ ) ( وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ) تَكْرِيرُ قَوْلٍ لَا مَعْنَى لَهُ ، وَاللَّهُ أَعَزُّ أَنْ يُخَاطِبَ عِبَادَهُ بِمَا لَا يُفِيدُهُمْ بِهِ .
قُلْتُ : وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ جِبْرِيلُ مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ السِّيَاقِ ; وَلِلَّهِ الْحَمْدُ .
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ( بِرُوحِ الْقُدُسِ ) بِالرُّوحِ الْمُقَدَّسَةِ ، كَمَا يَقُولُ : حَاتِمُ الْجُودِ وَرَجُلُ صِدْقٍ ، وَوَصْفُهَا بِالْقُدُسِ كَمَا قَالَ : ( وَرُوحٌ مِنْهُ ) فَوَصْفُهُ بِالِاخْتِصَاصِ وَالتَّقْرِيبِ تَكْرِمَةٌ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُ لَمْ تَضُمَّهُ الْأَصْلَابُ وَالْأَرْحَامُ الطَّوَامِثُ ، وَقِيلَ : بِجِبْرِيلَ ، وَقِيلَ : بِالْإِنْجِيلِ ، كَمَا قَالَ فِي الْقُرْآنِ : ( رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ) [ الشُّورَى : 52 ] وَقِيلَ بِاسْمِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ الذِي كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى بِذِكْرِهِ ، وَتَضَمَّنَ كَلَامُهُ قَوْلًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ رُوحُ عِيسَى نَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةُ الْمُطَهَّرَةُ .
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي قَوْلِهِ : ( فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ) إِنَّمَا لَمْ يَقِلْ : وَفَرِيقًا قَتَلْتُمْ ; لِأَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ وَصْفَهُمْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَيْضًا لِأَنَّهُمْ حَاوَلُوا قَتْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالسُّمِّ وَالسِّحْرِ ، وَقَدْ قَالَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فِي مَرَضِ مَوْتِهِ : " مَا زَالَتْ أَكْلَةُ خَيْبَرَ تُعَاوِدُنِي فَهَذَا أَوَانُ انْقِطَاعِ أَبْهَرِي " ، وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith