الطرق الحكمية
الطرق الحكمية
page 52 · printed p. 114
56 - ( فَصْلٌ )
الطَّرِيقُ السَّابِعُ الْحُكْمُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ .
وَهُوَ مَذْهَبُ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ كُلِّهِمْ ، وَمَذْهَبُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، مَا خَلَا أَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ .
وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ " مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : { ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ } قَالَ عَمْرٌو : فِي الْأَمْوَالِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ثَابِتٌ وَمَعَهُ مَا يَشُدُّهُ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ : سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ : قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ سَيْفَ بْنَ سُلَيْمَانَ يَرْوِي حَدِيثَ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ لَأَفْسَدْته ، فَقُلْتُ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، وَإِذَا أَفْسَدْته فَسَدَ ؟ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ : سَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ عَنْ سَيْفِ بْنِ سُلَيْمَانَ ؟ فَقَالَ : هُوَ عِنْدَنَا مِمَّنْ يُصَدَّقُ وَيُحْفَظُ ، كَانَ ثَبْتًا . 114 قُلْتُ : هُوَ رَوَاهُ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ .
وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ عَمْرٍو .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَآخَرَ لَهُ صُحْبَةٌ : { ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ } .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : { ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ } . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ غَرِيبٌ .
وَقَدْ رُوِيَ الْقَضَاءُ بِالشَّاهِدِ مَعَ الْيَمِينِ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ فِي مُصَنَّفٍ أَفْرَدَهُ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : رَوَى { ۝ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّهُ قَضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ } ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعُمَارَةُ بْنُ حَزْمٍ ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَسُرَّقٌ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَعْلَبَةَ ، وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ ، وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ ، وَعَمْرُو بْنُ حَزْمٍ ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ، وَبِلَالُ بْنُ الْحَارِثِ ، وَتَمِيمٌ الدَّارِيُّ ، وَمُسْلِمُ بْنُ قَيْسٍ ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ; ثُمَّ ذَكَرَ أَحَادِيثَهُمْ بِإِسْنَادِهِ . وَفِي مَرَاسِيلِ مَالِكٍ : عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرٍ : { ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ } .
وَقَضَى بِهِ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالْعِرَاقِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لِبَعْضِ مُنَاظِرِيهِ : رَوَى عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرٍ : { ۝ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ } . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ ، وَإِسْحَاقُ وَغَيْرُهُمَا ، عَنْ الثَّقَفِيِّ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ . وَرَوَاهُ الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ : حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ : { ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ } .
وَتَابَعَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ جَعْفَرٍ بِهِ ، إسْنَادًا وَمَتْنًا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : أَخْبَرْنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنُ رَبِيعَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : وَجَدْنَا فِي كِتَابِ سَعْدٍ : { ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ } .
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ ، وَنَافِعُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ 115 أَنَّهُ وَجَدَ فِي كِتَابِ آبَائِهِ : " هَذَا مَا ذَكَرَ عَمْرُو بْنُ حَزْمٍ ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَالَا { ۝ : بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ ، مَعَ أَحَدِهِمَا شَاهِدٌ لَهُ عَلَى حَقِّهِ ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمِينَ صَاحِبِ الْحَقِّ مَعَ شَاهِدِهِ ، فَاقْتَطَعَ بِذَلِكَ حَقَّهُ }
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : أَخْبَرْنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ، عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ : { ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ } . قَالَ : وَأَخْبَرْنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ : أَنَّ { ۝ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الشَّهَادَةِ : فَإِنْ جَاءَ بِشَاهِدٍ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ } . وَرَوَاهُ مُطَرِّفُ بْنُ مَازِنٍ - ضَعِيفٌ - حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ : { ۝ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ فِي الْحُقُوقِ } .
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : حَدَّثَنَا : عُثْمَانُ بْنُ الْحَكَمِ ، حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ : { ۝ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ } .
وَرَوَى جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ - عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ سُرَّقٍ قَالَ : { ۝ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ } . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ .
وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ : { ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُثْمَانَ ، كَانُوا يَقْضُونَ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ ، وَيَمِينِ الْمُدَّعِي } .
قَالَ جَعْفَرٌ : وَالْقُضَاةُ يَقْضُونَ بِذَلِكَ عِنْدَنَا الْيَوْمَ . وَذَكَرَ أَبُو الزِّنَادِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ ، فَقَالَ : " حَضَرْتُ أَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ يَقْضُونَ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ " .
وَقَالَ الزَّنْجِيُّ : حَدَّثَنَا { ۝ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ الْحَكَمَ بْنَ عُيَيْنَةَ يَسْأَلُ أَبِي - وَقَدْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى جِدَارِ الْقَبْرِ لِيَقُومَ - أَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَقَضَى بِهِ عَلِيٌّ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ } . وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إلَى عَامِلِهِ بِالْكُوفَةِ : " اقْضِ بِالشَّاهِدِ مَعَ الْيَمِينِ فَإِنَّهَا السُّنَّةُ " رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَالْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ لَا تُخَالِفُ مِنْ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ شَيْئًا لِأَنَّا نَحْكُمُ بِشَاهِدَيْنِ ، وَشَاهِدٍ 116 وَامْرَأَتَيْنِ ، فَإِذَا كَانَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ : حَكَمْنَا بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ ، وَلَيْسَ ذَا يُخَالِفُ الْقُرْآنَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَحْرُمْ أَنْ يَكُونَ أَقَلَّ مِمَّا نَصَّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ . وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمُ بِمَا أَرَادَ اللَّهُ ، وَقَدْ أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نَأْخُذَ مَا آتَانَا . قُلْتُ : وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ ، أَوْ شَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ ; فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إنَّمَا أَمَرَ بِذَلِكَ أَصْحَابَ الْحُقُوقِ : أَنْ يَحْفَظُوا حُقُوقَهُمْ بِهَذَا النِّصَابِ ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ الْحُكَّامَ : أَنْ يَحْكُمُوا بِهِ ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَمَرَهُمْ أَلَّا يَقْضُوا إلَّا بِذَلِكَ . وَلِهَذَا يَحْكُمُ الْحَاكِمُ بِالنُّكُولِ وَالْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ ، وَالْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ ، وَالنِّسَاءِ الْمُنْفَرِدَاتِ لَا رَجُلَ مَعَهُنَّ ، وَبِمَعَاقِدِ الْقِمْطِ ، وَوُجُوهِ الْآجِرِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ طُرُقِ الْحُكْمِ الَّتِي لَمْ تُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ . فَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ مُخَالِفًا لِكِتَابِ اللَّهِ ، فَهَذِهِ أَشَدُّ مُخَالَفَةً لِكِتَابِ اللَّهِ مِنْهُ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ مُخَالِفَةً لِلْقُرْآنِ ، فَالْحُكْمُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ أَوْلَى أَلَّا يَكُونَ مُخَالِفًا لِلْقُرْآنِ . فَطُرُقُ الْحُكْمِ شَيْءٌ ، وَطُرُقُ حِفْظِ الْحُقُوقِ شَيْءٌ آخَرُ ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا تَلَازُمٌ ، فَتُحْفَظُ الْحُقُوقُ بِمَا لَا يَحْكُمُ بِهِ الْحَاكِمُ مِمَّا يَعْلَمُ صَاحِبُ الْحَقِّ أَنَّهُ يَحْفَظُ بِهِ حَقَّهُ ، وَيْحُكُمْ الْحَاكِمُ بِمَا لَا يَحْفَظُ بِهِ صَاحِبُ الْحَقِّ حَقَّهُ ، وَلَا خَطَرَ عَلَى بَالِهِ : مِنْ نُكُولٍ ، وَرَدِّ يَمِينٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَالْقَضَاءُ وَالْيُمْنُ ، مِمَّا أَرَاهُ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ : { إنَّا أَنْزَلْنَا إلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاك اللَّهُ } ، وَقَدْ حَكَمَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ وَهُوَ مِمَّا أَرَاهُ اللَّهُ إيَّاهُ قَطْعًا .
وَمِنْ الْعَجَائِبِ : رَدُّ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ ، وَالْحُكْمُ بِمُجَرَّدِ النُّكُولِ الَّذِي هُوَ سُكُوتٌ ، وَلَا يُنْسَبُ إلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ ، وَالْحُكْمُ لِمُدَّعِي الْحَائِطِ إذَا كَانَتْ إلَيْهِ الدَّوَاخِلُ وَالْخَوَارِجُ وَهُوَ الصِّحَاحُ مِنْ الْآجِرِ ، أَوْ إلَيْهِ مَعَاقِدِ الْقِمْطِ فِي الْخُصِّ ، كَمَا يَقُولُ أَبُو يُوسُفَ : فَأَيْنَ هَذَا مِنْ الشَّاهِدِ الْعَدْلِ الْمُبَرِّزِ فِي الْعَدَالَةِ ، الَّذِي يَكَادُ يُحَصِّلُ الْعِلْمَ بِشَهَادَتِهِ ، إذَا انْضَافَ إلَيْهَا يَمِينُ الْمُدَّعِي ؟ وَأَيْنَ الْحُكْمُ بِلُحُوقِ النَّسَبِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ ، وَإِنْ عَلِمْنَا قَطْعًا أَنَّ الرَّجُلَ لَمْ يَصِلْ إلَى الْمَرْأَةِ ، مِنْ الْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ ؟ وَأَيْنَ الْحُكْمُ بِشَهَادَةِ مَجْهُولَيْنِ ، لَا يُعْرَفُ حَالُهُمَا ، مِنْ الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ الْعَدْلِ الْمُبْرِزِ الثِّقَةِ ، مَعَ يَمِينِ الطَّالِبِ ؟ وَأَيْنَ الْحُكْمُ لِمُدَّعِي الْحَائِطِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَارِهِ ، تَكُونُ ثَلَاثَةُ جُذُوعٍ فَصَاعِدًا عَلَيْهِ لَهُ مِنْ الْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ ؟ وَمَعْلُومٌ : أَنَّ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ أَقْوَى فِي الدَّلَالَةِ وَالْبَيِّنَةِ مِنْ ثَلَاثَةِ جُذُوعٍ عَلَى الْحَائِطِ الَّذِي ادَّعَاهُ ، فَإِذَا أَقَامَ جَارُهُ شَاهِدًا ، وَحَلَفَ مَعَهُ : كَانَ ذَلِكَ أَقْوَى مِنْ شَهَادَةِ الْجُذُوعِ ؟ وَهَذَا شَأْنُ كُلِّ مَنْ خَالَفَ سُنَّةً صَحِيحَةً لَا مُعَارِضَ لَهَا ، لَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ قَوْلًا يَعْلَمُ أَنَّ الْقَوْلَ بِتِلْكَ السُّنَّةِ أَقْوَى مِنْهُ بِكَثِيرٍ .
وَقَدْ نُسِبَ إلَى الْبُخَارِيِّ إنْكَارُ الْحُكْمِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ ، فَإِنَّهُ قَالَ : فِي " بَابِ يَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ " مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ : قَالَ قُتَيْبَةُ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ ابْنِ شُبْرُمَةَ ، قَالَ : كَلَّمَنِي أَبُو الزِّنَادِ فِي شَهَادَةِ الشَّاهِدِ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي ، فَقُلْتُ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ; فَإِنْ 117 لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ ، أَنْ تَضِلَّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى } . قُلْتُ : إذَا كَانَ يُكْتَفَى بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ وَيَمِينٍ ، يَحْتَاجُ أَنْ تُذَكِّرَ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ، مَا كَانَ يَصْنَعُ بِذِكْرِ هَذِهِ الْأُخْرَى ؟ فَتَرْجَمَةُ الْبَاب بِأَنَّ الْيَمِينَ مِنْ جِهَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَذِكْرَ هَذِهِ الْمُنَاظَرَةِ ، وَعَدَمَ رِوَايَةِ حَدِيثٍ أَوْ أَثَرٍ فِي الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ ، ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَا يَذْهَبُ إلَيْهِ ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ أَنَّهُ مَذْهَبُهُ ، وَلَوْ صَرَّحَ بِهِ فَالْحُجَّةُ فِيمَا يَرْوِيهِ لَا فِيمَا يَرَاهُ .
قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، عِنْدَ ذِكْرِهِ هَذِهِ الْحِكَايَةَ : لَيْسَ فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ شُبْرُمَةَ مَعْنًى . فَإِنَّ الْحَاجَةَ إلَى إذْكَارِ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا شَهِدَتَا ، فَإِنْ لَمْ تَشْهَدَا قَامَتْ مَقَامَهُمَا يَمِينُ الطَّالِبِ بِبَيَانِ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ . وَالْيَمِينِ مِمَّنْ هِيَ عَلَيْهِ - لَوْ انْفَرَدَتْ - لَحَلَّتْ مَحَلَّ الْبَيِّنَةِ فِي الْأَدَاءِ وَالْإِبْرَاءِ . فَكَذَلِكَ حَلَّتْ الْيَمِينُ هَاهُنَا مَحَلَّ الشَّاهِدِ وَمَحَلَّ الْمَرْأَتَيْنِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ ، بِانْضِمَامِهِمَا إلَى الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ ، وَلَوْ وَجَبَ إسْقَاطُ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ ، فِي الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ - كَمَا ذَكَرَ ابْنُ شُبْرُمَةَ - لَسَقَطَ الشَّاهِدُ وَالْمَرْأَتَانِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ } فَنَقَلَهُ عَنْ الشَّاهِدَيْنِ إلَى يَمِينِ خَصْمِهِ بِلَا ذِكْرِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ .
قُلْتُ : مُرَادُهُ : أَنَّ قَوْله تَعَالَى : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ } - الْآيَةَ لَوْ كَانَ مَانِعًا مِنْ الْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ ، وَمُعَارِضًا لَهُ ، لَكَانَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ } مَانِعًا مِنْ الْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ ، وَمُعَارِضًا لَهُ ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ، فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ، وَلَا اخْتِلَافَ وَلَا تَنَاقُضَ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ ، بَلْ الْكُلُّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } . فَإِنْ قِيلَ : أَصَحُّ حَدِيثٍ فِي الْبَابِ : حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَقَدْ قَالَ عَبَّاسٌ الدَّوْرِيُّ قَالَ يَحْيَى : حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ : { ۝ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ } لَيْسَ مَحْفُوظًا . قِيلَ : هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ .
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ : شَيْخُنَا أَبُو زَكَرِيَّا لَمْ يُطْلِقْ هَذَا الْقَوْلَ عَلَى حَدِيثِ سَيْفِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَوْ الْحَدِيثِ الَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ . وَأَمَّا حَدِيثُ سَيْفِ بْنِ سُلَيْمَانَ فَلَيْسَ فِي إسْنَادِهِ مِنْ جُرْحٍ ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُ عِلَّةً يُعَلَّلُ بِهَا ، وَأَبُو زَكَرِيَّا أَعْلَمُ بِهَذَا الشَّأْنِ مِنْ أَنْ يُظَنَّ بِهِ تَهْوِينُ حَدِيثٍ يَرْوِيهِ الثِّقَاتُ الْأَثْبَاتُ .
قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ : سَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ عَنْ سَيْفِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، فَقَالَ : كَانَ عِنْدَنَا 118 أَثْبَتَ مِمَّنْ يُحْفَظُ عَنْهُ وَيُصَدَّقُ .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي " الشَّافِي " : " بَابُ قَضَاءِ الْقَاضِي بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ " : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ ، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ أَسَدٍ ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : { ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَعَ يَمِينِ صَاحِبِ الْحَقِّ } . وَقَضَى بِهِ عَلِيٌّ بِالْعِرَاقِ . ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ رِوَايَةِ حَنْبَلٍ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ ، فِي الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ : جَائِزٌ الْحُكْمُ بِهِ . فَقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : أَيْشٍ مَعْنَى الْيَمِينِ ؟ قَالَ : { ۝ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ } ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : وَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَقْضُونَ فِي مَوَاضِعَ بِغَيْرِ شَهَادَةِ شَاهِدٍ ، فِي مِثْلِ رَجُلٍ اكْتَرَى مِنْ رَجُلٍ دَارًا ، فَوَجَدَ صَاحِبُ الدَّارِ فِي الدَّارِ شَيْئًا ، فَقَالَ : هَذَا لِي ، وَقَالَ السَّاكِنُ : هُوَ لِي . وَمِثْلُ رَجُلٍ اكْتَرَى مِنْ رَجُلٍ دَارًا فَوَجَدَ فِيهَا دَفُونًا ، فَقَالَ السَّاكِنُ : هِيَ لِي ، وَقَالَ صَاحِبُ الدَّارِ : هِيَ لِي . فَقِيلَ : لِمَنْ تَكُونُ ؟ فَقَالَ هَذَا كُلُّهُ لِصَاحِبِ الدَّارِ .
وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ : سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ شَهَادَةِ الرَّجُلِ وَيَمِينِ صَاحِبِ الْحَقِّ ، فَقَالَ : هُمْ يَقُولُونَ : لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَيَمِينٍ ، وَهُمْ يُجَوِّزُونَ شَهَادَةَ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ ، وَيُجِيزُونَ الْحُكْمَ بِغَيْرِ شَهَادَةٍ . قُلْتُ : مِثْلُ أَيْشٍ ؟ قَالَ : مِثْلُ الْخُصِّ إذَا ادَّعَاهُ رَجُلَانِ يُعْطُونَهُ لِلَّذِي الْقُمُطُ مِمَّا يَلِيهِ . فَمَنْ قَضَى بِهَذَا ؟ وَفِي الْحَائِطِ إذَا ادَّعَاهُ رَجُلَانِ نَظَرُوا إلَى اللَّبِنَةِ لِمَنْ هِيَ ؟ فَقَضَوْا بِهِ لِأَحَدِهِمَا بِلَا بَيِّنَةٍ . وَالزِّبْلُ إذَا كَانَ فِي الدَّارِ ، وَقَالَ صَاحِبُ الدَّارِ : أَكْرَيْتُكَ الدَّارَ ، وَلَيْسَ فِيهَا زِبْلٌ .
وَقَالَ السَّاكِنُ : كَانَ فِيهَا ، لَزِمَهُ أَخْذُهَا بِلَا بَيِّنَةٍ . وَالْقَابِلَةُ تُقْبَلُ شَهَادَتُهَا فِي اسْتِهْلَالِ الصَّبِيِّ . فَهَذَا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith