رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الثاني
الصفحة 951 · ص. المطبوع 3 · الشرح
3 الْوَتْرُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا : ضِدُّ الشَّفْعِ . وَالنَّوَافِلُ جَمْعُ نَافِلَةٍ . وَالنَّفَلُ فِي اللُّغَةِ : الزِّيَادَةُ . وَفِي الشَّرِيعَةِ زِيَادَةُ عِبَادَةٍ شُرِعَتْ لَنَا لَا عَلَيْنَا ط ( قَوْلُهُ كُلُّ سُنَّةٍ نَافِلَةٌ ) قَدَّمْنَا قَبْلَ هَذَا الْبَابِ فِي آخِرِ الْمَكْرُوهَاتِ تَقْسِيمَ السُّنَّةِ إلَى مُؤَكَّدَةٍ وَغَيْرِهَا ، وَبَسَطْنَا ذَلِكَ أَيْضًا فِي سُنَنِ الْوُضُوءِ ، وَالْكُلُّ يُسَمَّى نَافِلَةً لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى الْفَرْضِ لِتَكْمِيلِهِ ، وَمُرَادُهُ الِاعْتِذَارُ عَنْ تَرْكِ التَّصْرِيحِ بِالسُّنَنِ فِي التَّرْجَمَةِ مَعَ أَنَّ الْبَابَ مَعْقُودٌ لِبَيَانِهَا أَيْضًا .
( قَوْلُهُ وَلَا عَكْسَ ) أَيْ لُغَوِيًّا لِأَنَّ الْفَقِيهَ بِمَعْزِلٍ عَنْ النَّظَرِ إلَى الْقَوَاعِدِ الْمَنْطِقِيَّةِ ، فَالْمُرَادُ : وَلَيْسَ كُلُّ نَافِلَةٍ سُنَّةً ، فَإِنَّ كُلَّ صَلَاةٍ لَمْ تُطْلَبْ بِعَيْنِهَا نَافِلَةٌ وَلَيْسَتْ بِسُنَّةٍ ، بِخِلَافِ مَا طُلِبَتْ بِعَيْنِهَا كَصَلَاةِ اللَّيْلِ وَالضُّحَى مَثَلًا فَافْهَمْ .
( قَوْلُهُ هُوَ فَرْضٌ عَمَلًا ) أَيْ يُفْتَرَضُ عَمَلُهُ أَيْ فِعْلُهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُعَامَلُ مُعَامَلَةَ الْفَرَائِضِ فِي الْعَمَلِ فَيَأْثَمُ بِتَرْكِهِ وَيَفُوتُ الْجَوَازُ بِفَوْتِهِ ، وَيَجِبُ تَرْتِيبُهُ وَقَضَاؤُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ ; فَقَوْلُهُ عَمَلًا تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنْ الْفَاعِلِ .
مَطْلَبٌ فِي الْفَرْضِ الْعِلْمِيِّ وَالْعَمَلِيِّ وَالْوَاجِبِ
وَاعْلَمْ أَنَّ الْفَرْضَ نَوْعَانِ : فَرْضٌ عَمَلًا وَعِلْمًا ، وَفَرْضٌ عَمَلًا فَقَطْ . فَالْأَوَّلُ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فَإِنَّهَا فَرْضٌ مِنْ جِهَةِ الْعَمَلِ لَا يَحِلُّ تَرْكُهَا وَيَفُوتُ الْجَوَازُ بِفَوْتِهَا ; بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ وَاحِدَةً مِنْهَا لَا يَصِحُّ فِعْلُ مَا بَعْدَهَا قَبْلَ قَضَاءِ الْمَتْرُوكَةِ ، وَفَرْضٌ مِنْ جِهَةِ الْعِلْمِ وَالِاعْتِقَادِ ; بِمَعْنَى أَنَّهُ يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ اعْتِقَادُهَا حَتَّى يَكْفُرُ بِإِنْكَارِهَا وَالثَّانِي كَالْوِتْرِ لِأَنَّهُ فَرْضٌ عَمَلًا كَمَا ذَكَرْنَاهُ وَلَيْسَ بِفَرْضٍ عِلْمًا : أَيْ لَا يُفْتَرَضُ اعْتِقَادُهُ ، حَتَّى إنَّهُ لَا يَكْفُرُ مُنْكِرُهُ لِظَنِّيَّةِ دَلِيلِهِ وَشُبْهَةِ 4 الِاخْتِلَافِ فِيهِ ، وَلِذَا يُسَمَّى وَاجِبًا ; وَنَظِيرُهُ مَسْحُ رُبُعِ الرَّأْسِ ، فَإِنَّ الدَّلِيلَ الْقَطْعِيَّ أَفَادَ أَصْلَ الْمَسْحِ . وَأَمَّا كَوْنُهُ قَدْرَ الرُّبُعِ فَإِنَّهُ ظَنِّيٌّ ، لَكِنَّهُ قَامَ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ مَا رَجَّحَ دَلِيلَهُ الظَّنِّيَّ حَتَّى صَارَ قَرِيبًا مِنْ الْقَطْعِيِّ فَسَمَّاهُ فَرْضًا أَيْ عَمَلِيًّا ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يَلْزَمُ عَمَلُهُ ، حَتَّى لَوْ تَرَكَهُ وَمَسَحَ شَعْرَةً مَثَلًا يَفُوتُ الْجَوَازُ بِهِ وَلَيْسَ فَرْضًا عِلْمًا ، حَتَّى لَوْ أَنْكَرَهُ لَا يَكْفُرُ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَنْكَرَ أَصْلَ الْمَسْحِ .
وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الْوَاجِبَ نَوْعَانِ أَيْضًا لِأَنَّهُ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى هَذَا الْفَرْضِ الْغَيْرِ الْقَطْعِيِّ يُطْلَقُ عَلَى مَا هُوَ دُونَهُ فِي الْعَمَلِ وَفَوْقَ السُّنَّةِ وَهُوَ مَا لَا يَفُوتُ الْجَوَازُ بِفَوْتِهِ كَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ ، وَقُنُوتِ الْوِتْرِ وَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدَيْنِ ، وَأَكْثَرُ الْوَاجِبَاتِ مِنْ كُلِّ مَا يُجْبَرُ بِسُجُودِ السَّهْوِ . وَقَدْ يُطْلَقُ الْوَاجِبُ أَيْضًا عَلَى الْفَرْضِ الْقَطْعِيِّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ التَّلْوِيحِ فِي بَحْثِ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ فَرَاجِعْهُ .
( قَوْلُهُ وَوَاجِبٌ اعْتِقَادًا ) أَيْ يَجِبُ اعْتِقَادُهُ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يَجِبُ اعْتِقَادُ وُجُوبِهِ إذْ لَوْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ اعْتِقَادُ وُجُوبِهِ لَمَا أَمْكَنَ إيجَابُ فِعْلِهِ ، لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ فِعْلُ مَا لَا يَعْتَقِدُهُ وَاجِبًا ، وَلِذَا أَشْكَلَ قَوْلُهُمَا بِسُنِّيَّتِهِ وَوُجُوبِ قَضَائِهِ كَمَا يَأْتِي . وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُ الْأُصُولِيِّينَ فِي الْوَاجِبِ إنَّ حُكْمَهُ اللُّزُومُ عَمَلًا لَا عِلْمًا عَلَى الْيَقِينِ ; فَقَوْلُهُمْ عَلَى الْيَقِينِ يُفِيدُ أَنَّ حُكْمَهُ اللُّزُومُ عَمَلًا وَعِلْمًا عَلَى الظَّنِّ ، فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَعْلَمَ ظَنِّيَّتَهُ : أَيْ أَنَّهُ وَاجِبٌ وَإِلَّا لَغَا قَوْلُهُمْ عَلَى الْيَقِينِ ، وَحِينَئِذٍ فَيُشْكِلُ قَوْلُ الزَّيْلَعِيِّ : إنَّ اعْتِقَادَ الْوُجُوبِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الْحَنَفِيِّ ، إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ لَيْسَ بِفَرْضٍ ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ وُجُوبَهُ لَا يَكْفُرُ لِأَنَّ الْوُجُوبَ يُطْلَقُ بِمَعْنَى الْفَرْضِ أَيْضًا كَمَا مَرَّ فَلْيُتَأَمَّلْ .
( قَوْلُهُ وَسُنَّةٌ ثُبُوتًا ) أَيْ ثُبُوتُهُ عُلِمَ مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ لَا الْقُرْآنِ وَهِيَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ الْوِتْرُ حَقٌّ ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنِّي ، قَالَهُ ثَلَاثًا } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ ، وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ .
( قَوْلُهُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ ) أَيْ الثَّلَاثِ الْمَرْوِيَّةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ فَرْضٌ وَأَنَّهُ وَاجِبٌ وَأَنَّهُ سُنَّةٌ ، وَالتَّوْفِيقُ أَوْلَى مِنْ التَّفْرِيقِ ، فَرَجَعَ الْكُلُّ إلَى الْوُجُوبِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ فِي الْكَنْزِ وَغَيْرِهِ . قَالَ فِي الْبَحْرِ : وَهُوَ آخِرُ أَقْوَالِ الْإِمَامِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مُحِيطٌ وَالْأَصَحُّ خَانِيَّةٌ ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِهِ مَبْسُوطٌ . ا هـ . ثُمَّ قَالَ : وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَسُنَّةٌ عَمَلًا وَاعْتِقَادًا وَدَلِيلًا ، لَكِنَّهَا آكَدُ سَائِرِ السُّنَنِ الْمُؤَقَّتَةِ .
( قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ إلَخْ ) أَيْ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ التَّوْفِيقِ ; فَإِنَّهُ لَوْ حُمِلَتْ رِوَايَةُ الْفَرْضِ عَلَى ظَاهِرِهَا لَزِمَ إكْفَارُ جَاحِدِهِ ; وَلَوْ حُمِلَتْ رِوَايَةُ الْوَاجِبِ عَلَى ظَاهِرِهَا ، وَهُوَ كَوْنُ الْمُرَادِ بِالْوَاجِبِ مَا يَتَبَادَرُ مِنْهُ ، وَهُوَ مَا لَا يَفُوتُ الْجَوَازُ بِفَوْتِهِ وَلَا يُعَامَلُ مُعَامَلَةَ الْفَرْضِ لَزِمَ أَنْ لَا يَفْسُدَ الْفَجْرُ بِتَذَكُّرِهِ وَلَا عَكْسُهُ . وَلَوْ حُمِلَتْ رِوَايَةُ السُّنَّةِ عَلَى ظَاهِرِهَا لَزِمَ أَنْ لَا يَقْضِيَ وَأَنْ يَصِحَّ قَاعِدًا وَرَاكِبًا ; فَفِي تَفْرِيعِ الْمُصَنِّفِ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ فَافْهَمْ .
( قَوْلُهُ فَلَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ ) أَيْ جَاحِدُ أَصْلَ الْوِتْرِ اتِّفَاقًا لِأَنَّ عَدَمَ الْإِكْفَارِ لَازِمُ السُّنِّيَّةِ وَالْوُجُوبِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ ح .
قُلْت : وَالْمُرَادُ الْجُحُودُ مَعَ رُسُوخِ الْأَدَبِ ، كَأَنْ يَكُونَ لِشُبْهَةِ دَلِيلٍ أَوْ نَوْعِ تَأْوِيلٍ ، فَلَا يُنَافِيهِ مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ السُّنَنَ فَإِنْ رَآهَا حَقًّا أَثِمَ وَإِلَّا كَفَرَ لِأَنَّهُمْ عَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ تَرَكَ اسْتِخْفَافًا كَمَا عَزَاهُ فِي الْبَحْرِ إلَى التَّجْنِيسِ وَالنَّوَازِلِ وَالْمُحِيطِ ، وَلِقَوْلِهِ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ : وَلَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ إلَّا إنْ اسْتَخَفَّ وَلَمْ يَرَهُ حَقًّا عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي مَرَّ فِي السُّنَنِ ا هـ وَأَرَادَ بِمَا مَرَّ ، هُوَ أَنْ : يَقُولَ هَذَا فِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا لَا أَفْعَلُهُ .
مَطْلَبٌ فِي مُنْكِرِ الْوِتْرِ وَالسُّنَنِ أَوْ الْإِجْمَاعِ
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ : وَيَكْفُرُ بِإِنْكَارِ أَصْلِ الْوِتْرِ وَالْأُضْحِيَّةِ ا هـ وَمِثْلُهُ فِي الْقُنْيَةِ ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا جُحُودُ وُجُوبِهِ ، وَيُؤَيِّدُهُ تَعْلِيلُ الزَّيْلَعِيِّ بِثُبُوتِهِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ، فَإِنَّ الثَّابِتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وُجُوبُهُ لَا أَصْلُ مَشْرُوعِيَّتِهِ ، 5 بَلْ هِيَ ثَابِتَةٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَمَعْلُومَةٌ مِنْ الدِّينِ ضَرُورَةً .
وَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ مَنْ أَنْكَرَ مَشْرُوعِيَّةَ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ أَوْ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ يَكْفُرُ لِأَنَّهَا مَعْلُومَةٌ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ وَسَيَأْتِي فِي سُنَنِ الْفَجْرِ أَنَّهُ يُخْشَى الْكُفْرُ عَلَى مُنْكِرِهَا .
قُلْت : وَلَعَلَّ الْمُرَادَ الْإِنْكَارُ بِنَوْعِ تَأْوِيلٍ وَإِلَّا فَلَا خِلَافَ فِي مَشْرُوعِيَّتِهَا . وَقَدْ صَرَّحَ فِي التَّحْرِيرِ فِي بَابِ الْإِجْمَاعِ بِأَنَّ مُنْكِرَ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ يَكْفُرُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَطَائِفَةٍ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا ، وَصَرَّحَ أَيْضًا بِأَنَّ مَا كَانَ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الدِّينِ وَهُوَ مَا يَعْرِفُ الْخَوَاصُّ وَالْعَوَامُّ أَنَّهُ مِنْ الدِّينِ كَوُجُوبِ اعْتِقَادِ التَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَأَخَوَاتِهَا يَكْفُرُ مُنْكِرُهُ ، وَمَا لَا فَلَا ; كَفَسَادِ الْحَجِّ بِالْوَطْءِ قَبْلَ الْوُقُوفِ ، وَإِعْطَاءِ السُّدُسِ الْجَدَّةَ وَنَحْوِهِ أَيْ مِمَّا لَا يَعْرِفُ كَوْنَهُ مِنْ الدِّينِ إلَّا الْخَوَاصُّ .
وَلَا شُبْهَةَ أَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ الْوِتْرِ وَنَحْوِهِ يَعْلَمُ الْخَوَاصُّ وَالْعَوَامُّ أَنَّهَا مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فَيَنْبَغِي الْجَزْمُ بِتَكْفِيرِ مُنْكِرِهَا مَا لَمْ يَكُنْ عَنْ تَأْوِيلٍ بِخِلَافِ تَرْكِهَا ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ عَنْ اسْتِخْفَافٍ كَمَا مَرَّ يَكْفُرُ وَإِلَّا بِأَنْ يَكُونَ كَسَلًا أَوْ فِسْقًا بِلَا اسْتِخْفَافٍ فَلَا . هَذَا مَا ظَهَرَ لِي ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( قَوْلُهُ مُفْسِدٌ لَهُ ) أَيْ لِلْفَجْرِ وَالْفَجْرُ غَيْرُ قَيْدٍ ، بَلْ هُوَ مِثَالٌ .
( قَوْلُهُ كَعَكْسِهِ ) وَهُوَ تَذَكُّرُ الْفَرْضِ فِيهِ ح ( قَوْلُهُ بِشَرْطِهِ ) وَهُوَ عَدَمُ ضِيقِ الْوَقْتِ وَعَدَمُ صَيْرُورَتِهَا سِتًّا ، وَأَمَّا عَدَمُ النِّسْيَانِ فَلَا يَصِحُّ هُنَا لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا تَذَكَّرَهُ فِي الْفَجْرِ ، أَوْ تَذَكَّرَ الْفَجْرَ فِيهِ رَحْمَتِيٌّ فَافْهَمْ .
( قَوْلُهُ خِلَافًا لَهُمَا ) فَلَا يَحْكُمَانِ بِالْفَسَادِ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ عِنْدَهُمَا ط .
( قَوْلُهُ وَلَكِنَّهُ يَقْضِي ) لَا وَجْهَ لِلِاسْتِدْرَاكِ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ ، وَإِنَّمَا أَتَى بِهِ نَظَرًا إلَى قَوْلِهِ اتِّفَاقًا بَعْدَ حِكَايَتِهِ الْخِلَافَ فِيمَا قَبْلَهُ : أَيْ إنَّهُ يَقْضِي وُجُوبًا اتِّفَاقًا ، أَمَّا عِنْدَهُ فَظَاهِرٌ ; وَأَمَّا عِنْدَهُمَا وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْهُمَا فَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { ۝ مَنْ نَامَ عَنْ وِتْرٍ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّهِ إذَا ذَكَرَهُ } كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ .
وَاسْتَشْكَلَهُ فِي الْفَتْحِ وَالنَّهْرِ بِأَنَّ وُجُوبَ الْقَضَاءِ فَرْعُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ . وَأَجَابَ فِي الْبَحْرِ بِمَا ذَكَرَ عَنْ الْمُحِيطِ .
قُلْت : وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ ، فَإِنَّ دَلَالَةَ الْحَدِيثِ عَلَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ مِمَّا يُقَوِّي الْإِشْكَالَ ، إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهُمَا لَمَّا ثَبَتَ عِنْدَهُمَا دَلِيلُ السُّنِّيَّةِ قَالَا بِهِ ، وَلَمَّا ثَبَتَ دَلِيلُ الْقَضَاءِ قَالَا بِهِ أَيْضًا اتِّبَاعًا لِلنَّصِّ وَإِنْ خَالَفَ الْقِيَاسَ .
( قَوْلُهُ وَلَا يَصِحُّ إلَخْ ) لِأَنَّ الْوَاجِبَاتِ لَا تَصِحُّ عَلَى الرَّاحِلَةِ بِلَا عُذْرٍ . وَعِنْدَهُمَا وَإِنْ كَانَ سُنَّةً ، لَكِنْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ أَنَّهُ كَانَ يَتَنَفَّلُ عَلَى رَاحِلَتِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فِي اللَّيْلِ ، وَإِذَا بَلَغَ الْوِتْرَ نَزَلَ فَيُوتِرُ عَلَى الْأَرْضِ } بَحْرٌ عَنْ الْمُحِيطِ ، وَالْقُعُودُ كَالرُّكُوبِ ( قَوْلُهُ اتِّفَاقًا ) رَاجِعٌ لِلْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ ح وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي خَمْسٍ : فِي تَذَكُّرِهِ فِي الْفَرْضِ ، وَعَكْسِهِ ، وَفِي قَضَائِهِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، وَصَلَاةِ الْعَصْرِ ، وَإِعَادَتِهِ بِفَسَادِ الْعِشَاءِ خَزَائِنُ ; أَيْ فَإِنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِسُنِّيَّتِهِ لَا يَلْزَمُ فَسَادُ الْفَرْضِ وَلَا فَسَادُهُ بِالتَّذَكُّرِ ، وَلَا يَقْضِي فِي الْوَقْتَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ ، وَيُعَادُ لَوْ ظَهَرَ فَسَادُ الْعِشَاءِ دُونَهُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث