رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الثاني
مَطْلَبٌ فِي دُخُولِ مَكَّةَ
( قَوْلُهُ وَإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ ) الْمُسْتَحَبُّ دُخُولُهَا نَهَارًا كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ بَابِ الْمُعَلَّى لِيَكُونَ مُسْتَقْبِلًا فِي دُخُولِهِ بَابَ الْبَيْتِ تَعْظِيمًا وَإِذَا خَرَجَ فَمِنْ السُّفْلَى بَحْرٌ ( قَوْلُهُ نَهَارًا ) قَيْدٌ لِدُخُولِ مَكَّةَ كَمَا عَلِمْت لَكِنْ لَمَّا كَانَ دُخُولُ الْمَسْجِدِ عَقِبَ دُخُولِ مَكَّةَ صَحَّ كَوْنُهُ قَيْدًا لَهُ أَيْضًا ( قَوْلُهُ مُلَبِّيًا ) هُوَ قَيْدٌ لِدُخُولِ مَكَّةَ أَيْضًا قَالَ فِي اللُّبَابِ : وَيَكُونُ فِي دُخُولِهِ مُلَبِّيًا دَاعِيًا إلَى أَنْ يَصِلَ بَابَ السَّلَامِ فَيَبْدَأَ بِالْمَسْجِدِ ( قَوْلُهُ لِدُخُولِهَا ) أَيْ مَكَّةَ بِدَلِيلِ تَأْنِيثِ الضَّمِيرِ وَعِبَارَةُ الْبَحْرِ نَصٌّ فِي ذَلِكَ ح ( قَوْلُهُ فَيُحَبُّ ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ح ( قَوْلُهُ وَمَعْنَاهُ اللَّهُ أَكْبَرُ مِنْ الْكَعْبَةِ ) كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالْأَوْلَى مِنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ بَحْرٌ ، وَكَأَنَّ الشَّارِحَ رَجَّحَ الْأَوَّلَ لِاقْتِضَاءِ الْمَقَامِ لَهُ كَمَا أَنَّ الشَّارِعَ فِي شَيْءٍ إذَا سَمَّى اللَّهَ تَعَالَى يُلَاحِظُ التَّبَرُّكَ بِاسْمِهِ تَعَالَى فِيمَا شَرَعَ فِيهِ ( قَوْلُهُ وَهَلَّلَ ) عِبَارَةُ الْفَتْحِ كَبَّرَ وَهَلَّلَ ثَلَاثًا وَعِبَارَةُ ابْنِ الشَّلَبِيِّ : كَبَّرَ ثَلَاثًا وَهَلَّلَ ثَلَاثًا ( قَوْلُهُ لِئَلَّا يَقَعَ نَوْعُ شِرْكٍ ) أَيْ بِتَوَهُّمِ الْجَاهِلِ أَنَّ الْعِبَادَةَ لِلْبَيْتِ قَالَ فِي الْبَحْرِ : وَلَمْ يُذْكَرْ فِي الْمُتُونِ الدُّعَاءُ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ الْبَيْتِ ، وَهِيَ غَفْلَةٌ عَمَّا لَا يُغْفَلُ عَنْهُ فَإِنَّهُ عِنْدَهَا مُسْتَجَابٌ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَمْ يُعَيِّنْ فِي الْأَصْلِ لِمَشَاهِدِ الْحَجِّ شَيْئًا مِنْ الدَّعَوَاتِ لِأَنَّ التَّوْقِيتَ يَذْهَبُ بِالرِّقَّةِ وَإِنْ تَبَرَّكَ بِالْمَنْقُولِ مِنْهَا فَحَسَنٌ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ . وَفِي فَتْحٍ : وَمِنْ أَهَمِّ الْأَدْعِيَةِ طَلَبُ الْجَنَّةِ بِلَا حِسَابٍ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُنَا مِنْ أَهَمِّ الْأَذْكَارِ كَمَا ذَكَرَهُ الْحَلَبِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ . ا هـ .
[ تَنْبِيهٌ ]
قَالَ فِي اللُّبَابِ وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ ، وَقِيلَ يَرْفَعُ قَالَ الْقَارِي فِي شَرْحِهِ : أَيْ لَا يَرْفَعُ وَلَوْ حَالَ دُعَائِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْمَشَاهِيرِ مِنْ كُتُبِ أَصْحَابِنَا بَلْ قَالَ السُّرُوجِيُّ الْمَذْهَبُ تَرْكُهُ وَصَرَّحَ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّهُ يُكْرَهُ عِنْدَ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ ( قَوْلُهُ ثُمَّ ابْتَدَأَ بِالطَّوَافِ ) فَإِنْ كَانَ حَلَالًا فَطَوَافُ التَّحِيَّةِ أَوْ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ فَطَوَافُ الْقُدُومِ ، وَهَذَا إذَا دَخَلَ قَبْلَ النَّحْرِ ، فَإِنْ دَخَلَ فِيهِ أَغْنَى طَوَافُ الْفَرْضِ عَنْ التَّحِيَّةِ أَوْ بِالْعُمْرَةِ فَطَوَافُهَا وَلَا طَوَافَ قُدُومٍ لَهَا كَذَا فِي الْفَتْحِ نَهْرٌ ، وَأَفَادَ إطْلَاقُهُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ الطَّوَافُ فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ . كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْفَتْحِ . قَالَ إلَّا أَنَّهُ لَا يُصَلِّي رَكْعَتَيْهِ فِيهَا بَلْ يَصْبِرُ إلَى أَنْ يَدْخُلَ مَا لَا كَرَاهَةَ فِيهِ ( قَوْلُهُ لِأَنَّهُ تَحِيَّةُ الْبَيْتِ ) أَيْ لِمَنْ أَرَادَ الطَّوَافَ ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يُرِدْهُ وَأَرَادَ أَنْ يَجْلِسَ فَلَا يَجْلِسُ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَقْتُ مَكْرُوهًا لِلصَّلَاةِ شَرْحُ اللُّبَابِ لِلْقَارِي ، وَفِي شَرْحِهِ عَلَى النُّقَايَةِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا فَطَوَافُ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَقْتُ مَكْرُوهًا وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يَطُفْ لَا يُصَلِّي تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ كَمَا فَهِمَهُ بَعْضُ الْعَوَامّ . ا هـ .
قُلْت : لَكِنَّ قَوْلَهُمْ تَحِيَّةُ هَذَا الْمَسْجِدِ الطَّوَافُ يُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى وَلَمْ يَطُفْ لَا يَحْصُلُ التَّحِيَّةُ إلَّا أَنْ يُخَصَّ بِتَرْكِ الطَّوَافِ بِلَا عُذْرٍ فَمَعَ الْعُذْرِ تَحْصُلُ التَّحِيَّةُ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ اللُّبَابِ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إنَّ تَحِيَّةَ هَذَا الْمَسْجِدِ بِخُصُوصِهِ هُوَ الطَّوَافُ إلَّا إذَا كَانَ لَهُ مَانِعٌ فَيُصَلِّي تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ إنْ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ كَرَاهَةٍ . ا هـ . ( قَوْلُهُ مَا لَمْ يَخَفْ إلَخْ ) أَيْ فَيُقَدِّمُ كُلَّ ذَلِكَ عَلَى الطَّوَافِ أَيْ طَوَافِ التَّحِيَّةِ وَغَيْرِهَا لُبَابٌ وَشَرْحُهُ ، ثُمَّ يَطُوفُ 493 بَحْرٌ وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ لَا تَحْصُلُ بِهَا التَّحِيَّةُ مَعَ أَنَّهَا تَحْصُلُ فِي بَقِيَّةِ الْمَسَاجِدِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا لِأَنَّ تَحِيَّتَهُ هِيَ الطَّوَافُ دُونَ الصَّلَاةِ ، بِخِلَافِ بَاقِي الْمَسَاجِدِ ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إنَّ الْفَرْقَ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الصَّلَاةَ جِنْسٌ فَنَابَ بَعْضُهَا مَنَابَ بَعْضٍ ، وَلَيْسَ الطَّوَافُ مِنْ جِنْسِهَا ، وَالثَّانِي : أَنَّ صَلَاةَ الْفَرْضِ فِي الْمَسْجِدِ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ وَالطَّوَافُ تَحِيَّةُ الْبَيْتِ لَا تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ ( قَوْلُهُ فَوْتَ الْمَكْتُوبَةِ ) يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ فَوْتَ وَقْتِهَا الْمُسْتَحَبِّ لِأَنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ التَّرْتِيبُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ الْمُصَحَّحَيْنِ فَبِالْأَوْلَى مَا هُنَا تَأَمَّلْ ، وَزَادَ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ فَوْتَ الْجِنَازَةِ وَزَادَ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ مَا إذَا دَخَلَ فِي وَقْتِ مَنْعِ النَّاسِ مِنْ الطَّوَافِ أَوْ كَانَ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ مَكْتُوبَةٌ ا هـ وَذُكِرَ الْأَخِيرُ فِي اللُّبَابِ وَقَيَّدَهُ شَارِحُهُ بِمَا إذَا كَانَ صَاحِبَ تَرْتِيبٍ .
قُلْت : وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَائِتَةِ الَّتِي فَوَّتَهَا عَمْدًا ، وَوَجَبَ قَضَاؤُهَا فَوْرًا وَإِلَّا فَتَقْدِيمُ الطَّوَافِ عَلَيْهَا لَا يَضُرُّ إلَّا إذَا خَافَ فَوْتَ الْمَكْتُوبَةِ الْوَقْتِيَّةِ إذَا قَدَّمَ عَلَيْهَا الطَّوَافَ وَقَضَاءَ الْفَائِتَةِ وَحِينَئِذٍ فَذِكْرُ الْمَكْتُوبَةِ الْوَقْتِيَّةِ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ الْفَائِتَةِ فَافْهَمْ ( قَوْلُهُ فَاسْتَقْبَلَ الْحَجَرَ إلَخْ ) أَشَارَ بِالْفَاءِ إلَى أَنَّهُ يَنْوِي الطَّوَافَ قَبْلَ الِاسْتِقْبَالِ لِمَا سَيَذْكُرُهُ مِنْ أَنَّهُ يَمُرُّ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ عَلَى جَمِيعِ الْحَجَرِ ، وَلِهَذَا قَالَ فِي اللُّبَابِ : ثُمَّ يَقِفُ مُسْتَقْبِلَ الْبَيْتِ بِجَانِبِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ مِمَّا يَلِي الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ ، بِحَيْثُ يَصِيرُ جَمِيعُ الْحَجَرِ عَنْ يَمِينِهِ ، وَيَكُونُ مَنْكِبُهُ الْأَيْمَنُ عِنْدَ طَرَفِ الْحَجَرِ فَيَنْوِي الطَّوَافَ ، وَهَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ مُسْتَحَبَّةٌ وَالنِّيَّةُ فَرْضٌ ، ثُمَّ يَمْشِي مَارًّا إلَى يَمِينِهِ حَتَّى يُحَاذِيَ الْحَجَرَ فَيَقِفَ بِحِيَالِهِ وَيَسْتَقْبِلُهُ وَيُبَسْمِلُ وَيُكَبِّرُ وَيَحْمَدُ وَيُصَلَّى وَيَدْعُو ا هـ قَالَ شَارِحُهُ : أَيْ يَقُولُ : بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ اللَّهُمَّ إيمَانًا بِك وَوَفَاءً بِعَهْدِك وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّك مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قَوْلُهُ رَافِعًا يَدَيْهِ ) أَيْ عِنْدَ التَّكْبِيرِ لَا عِنْدَ النِّيَّةِ فَإِنَّهُ بِدْعَةٌ لُبَابٌ . وَقَالَ شَارِحُهُ الْقَارِي فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بَعْدَ كَلَامٍ : وَالْحَاصِلُ أَنَّ رَفْعَ الْيَدَيْنِ فِي غَيْرِ حَالَةِ الِاسْتِقْبَالِ مَكْرُوهٌ وَأَمَّا الِابْتِدَاءُ مِنْ غَيْرِهِ فَهُوَ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا أَوْ تَنْزِيهًا بِنَاءً عَلَى الْأَقْوَالِ عِنْدَنَا مِنْ أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِالْحَجَرِ فَرْضٌ أَوْ وَاجِبٌ أَوْ سُنَّةٌ وَإِنَّمَا الْمُسْتَحَبُّ الِابْتِدَاءُ بِالنِّيَّةِ قُبَيْلَ الْحَجَرِ لِلْخُرُوجِ عَنْ الِاخْتِلَافِ .
( قَوْلُهُ كَالصَّلَاةِ ) أَيْ حِذَاءَ أُذُنَيْهِ وَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ فِي الِاسْتِلَامِ وَعِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ يَرْفَعُ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ وَيَجْعَلُ بَاطِنَهُمَا نَحْوَ الْحَجَرِ وَالْكَعْبَةِ ا هـ وَعَزَاهُ الْقُهُسْتَانِيُّ إلَى شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَصَحَّحَهُ فِي الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهَا ، وَمَشَى فِي النُّقَايَةِ وَغَيْرِهَا عَلَى الْأَوَّلِ وَصَحَّحَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَغَيْرِهَا فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ ( قَوْلُهُ وَاسْتَلَمَهُ ) أَيْ بَعْدَ أَنْ يُرْسِلَ يَدَيْهِ كَمَا فِي النَّهْرِ عَنْ التُّحْفَةِ قَالَ فِي اللُّبَابِ : وَصِفَةُ الِاسْتِلَامِ أَنْ يَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى الْحَجَرِ وَيَضَعَ فَمَه بَيْنَ كَفَّيْهِ وَيُقَبِّلَهُ ( قَوْلُهُ قِيلَ نَعَمْ ) جَزَمَ بِهِ فِي اللُّبَابِ وَقَالَ إنَّهُ مُسْتَحَبٌّ ، وَيُكَرِّرُهُ مَعَ التَّقْبِيلِ ثَلَاثًا قَالَ شَارِحُهُ : وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ رَشِيدُ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ ، وَكَذَا نَقَلَ السُّجُودَ عَنْ أَصْحَابِنَا الْعِزُّ بْنُ جَمَاعَةٍ لَكِنْ قَالَ قِوَامُ الدِّينِ الْكَاكِيُّ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَسْجُدَ عِنْدَنَا لِعَدَمِ الرِّوَايَةِ فِي الْمَشَاهِيرِ ا هـ وَظَاهِرُهُ تَرْجِيحُ مَا قَالَهُ الْكَاكِيُّ فِي الْمِعْرَاجِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْفَتْحِ ، وَلِذَا اعْتَرَضَ فِي النَّهْرِ عَلَى قَوْلِ الْبَحْرِ إنَّهُ ضَعِيفٌ بِأَنَّ صَاحِبَ الدَّارِ أَدْرَى أَيْ إنَّ الْكَاكِيَّ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ الْمَاهِرِينَ ، وَهُوَ أَدْرَى بِالْمَذْهَبِ مِنْ غَيْرِهِ ، فَلَا يَنْبَغِي تَضْعِيفُ مَا نَقَلَهُ .
قُلْت : لَكِنْ اسْتَنَدَ الْكَاكِيُّ إلَى عَدَمِ ذِكْرِهِ فِي الْمَشَاهِيرِ ، وَهُوَ لَا يَنْفِي ذِكْرَهَا فِي غَيْرِهَا ، وَقَدْ اسْتَنَدَ فِي الْبَحْرِ إلَى أَنَّهُ فَعَلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَالْفَارُوقُ بَعْدَهُ كَمَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ ، وَاسْتَدْرَكَ بِذَلِكَ مُنْلَا عَلِيٍّ فِي شَرْحِ 494 النُّقَايَةِ عَلَى مَا مَرَّ عَنْ الْكَاكِيِّ وَأَيَّدَ بِهِ مَا نَقَلَهُ ابْنُ جَمَاعَةٍ عَنْ أَصْحَابِنَا ، ثُمَّ رَأَيْت نَقْلًا عَنْ غَايَةِ السُّرُوجِيِّ أَنَّهُ كَرِهَ مَالِكٌ وَحْدَهُ السُّجُودَ عَلَى الْحَجَرِ وَقَالَ إنَّهُ بِدْعَةٌ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ ا هـ أَيْ عَلَى مَالِكٍ وَبِهَذَا يَتَرَجَّحُ مَا فِي الْبَحْرِ وَاللُّبَابِ مِنْ الِاسْتِحْبَابِ إذْ لَا يَخْفَى أَنَّ السُّرُوجِيَّ أَيْضًا مِنْ أَهْلِ الدَّارِ فَهُوَ أَدْرَى وَالْأَخْذُ بِمَا قَالَهُ مُوَافِقًا لِلْجُمْهُورِ وَالْحَدِيثِ أَوْلَى وَأَحْرَى فَافْهَمْ . ( قَوْلُهُ وَتَرْكُ الْإِيذَاءِ وَاجِبٌ ) أَيْ فَلَا يُتْرَكُ الْوَاجِبُ لِفِعْلِ السُّنَّةِ وَأَمَّا النَّظَرُ إلَى الْعَوْرَةِ لِأَجْلِ الْخِتَانِ فَلَيْسَ فِيهِ تَرْكُ الْوَاجِبِ لِفِعْلِ السُّنَّةِ لِأَنَّ النَّظَرَ مَأْذُونٌ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ ( قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ ) أَيْ عَلَى تَقْبِيلِهِ إلَّا بِالْإِيذَاءِ أَوْ مُطْلَقًا يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَيْهِ ثُمَّ يُقَبِّلُهُمَا أَوْ يَضَعُ إحْدَاهُمَا وَالْأَوْلَى أَنْ تَكُونَ الْيُمْنَى لِأَنَّهَا الْمُسْتَعْمَلَةُ فِيمَا فِيهِ شَرَفٌ ، وَلِمَا نُقِلَ عَنْ الْبَحْرِ الْعَمِيقِ مِنْ أَنَّ الْحَجَرَ " يَمِينُ اللَّهِ يُصَافِحُ بِهَا عِبَادَهُ " وَالْمُصَافَحَةُ بِالْيُمْنَى .
( قَوْلُهُ وَإِلَّا يُمْكِنْهُ ذَلِكَ ) أَيْ وَضْعُ يَدَيْهِ أَوْ إحْدَاهُمَا ( قَوْلُهُ يُمِسُّ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ مِنْ الْإِمْسَاسِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ كَلَامُ الشَّارِحِ الْآتِي ( قَوْلُهُ عَنْهُمَا ) الْأَوْلَى عَنْهُ أَيْ الْإِمْسَاسِ لِأَنَّ الْعَجْزَ عَنْ الِاسْتِلَامِ ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ وَإِلَّا يَمَسَّ ( قَوْلُهُ مُشِيرًا إلَيْهِ بِبَاطِنِ كَفَّيْهِ ) أَيْ بِأَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ حِذَاءَ أُذُنَيْهِ ، وَيَجْعَلَ بَاطِنَهُمَا نَحْوَ الْحَجَرِ مُشِيرًا بِهِمَا إلَيْهِ وَظَاهِرَهُمَا نَحْوَ وَجْهِهِ هَكَذَا الْمَأْثُورُ بَحْرٌ وَفِي شَرْحِ النُّقَايَةِ لِلْقَارِي حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ أَوْ أُذُنَيْهِ وَكَأَنَّهُ حِكَايَةٌ لِلْقَوْلَيْنِ الْمَارَّيْنِ ( قَوْلُهُ ثُمَّ يُقَبِّلُ كَفَّيْهِ ) أَيْ بَعْدَ الْإِشَارَةِ الْمَذْكُورَةِ قَالَ فِي الْفَتْحِ وَيَفْعَلُ فِي كُلِّ شَوْطٍ عِنْدَ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ مَا يَفْعَلُهُ فِي الِابْتِدَاءِ . ا هـ . وَيَأْتِي تَمَامُهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ ، وَكُلَّمَا مَرَّ بِالْحَجَرِ فَعَلَ مَا ذُكِرَ ( قَوْلُهُ فَلِلْكَعْبَةِ ) أَوْ لِلْقِبْلَةِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ لَكِنَّ الْأَوَّلَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَمَا سَيَأْتِي
( قَوْلُهُ وَإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ ) الْمُسْتَحَبُّ دُخُولُهَا نَهَارًا كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ بَابِ الْمُعَلَّى لِيَكُونَ مُسْتَقْبِلًا فِي دُخُولِهِ بَابَ الْبَيْتِ تَعْظِيمًا وَإِذَا خَرَجَ فَمِنْ السُّفْلَى بَحْرٌ ( قَوْلُهُ نَهَارًا ) قَيْدٌ لِدُخُولِ مَكَّةَ كَمَا عَلِمْت لَكِنْ لَمَّا كَانَ دُخُولُ الْمَسْجِدِ عَقِبَ دُخُولِ مَكَّةَ صَحَّ كَوْنُهُ قَيْدًا لَهُ أَيْضًا ( قَوْلُهُ مُلَبِّيًا ) هُوَ قَيْدٌ لِدُخُولِ مَكَّةَ أَيْضًا قَالَ فِي اللُّبَابِ : وَيَكُونُ فِي دُخُولِهِ مُلَبِّيًا دَاعِيًا إلَى أَنْ يَصِلَ بَابَ السَّلَامِ فَيَبْدَأَ بِالْمَسْجِدِ ( قَوْلُهُ لِدُخُولِهَا ) أَيْ مَكَّةَ بِدَلِيلِ تَأْنِيثِ الضَّمِيرِ وَعِبَارَةُ الْبَحْرِ نَصٌّ فِي ذَلِكَ ح ( قَوْلُهُ فَيُحَبُّ ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ح ( قَوْلُهُ وَمَعْنَاهُ اللَّهُ أَكْبَرُ مِنْ الْكَعْبَةِ ) كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالْأَوْلَى مِنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ بَحْرٌ ، وَكَأَنَّ الشَّارِحَ رَجَّحَ الْأَوَّلَ لِاقْتِضَاءِ الْمَقَامِ لَهُ كَمَا أَنَّ الشَّارِعَ فِي شَيْءٍ إذَا سَمَّى اللَّهَ تَعَالَى يُلَاحِظُ التَّبَرُّكَ بِاسْمِهِ تَعَالَى فِيمَا شَرَعَ فِيهِ ( قَوْلُهُ وَهَلَّلَ ) عِبَارَةُ الْفَتْحِ كَبَّرَ وَهَلَّلَ ثَلَاثًا وَعِبَارَةُ ابْنِ الشَّلَبِيِّ : كَبَّرَ ثَلَاثًا وَهَلَّلَ ثَلَاثًا ( قَوْلُهُ لِئَلَّا يَقَعَ نَوْعُ شِرْكٍ ) أَيْ بِتَوَهُّمِ الْجَاهِلِ أَنَّ الْعِبَادَةَ لِلْبَيْتِ قَالَ فِي الْبَحْرِ : وَلَمْ يُذْكَرْ فِي الْمُتُونِ الدُّعَاءُ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ الْبَيْتِ ، وَهِيَ غَفْلَةٌ عَمَّا لَا يُغْفَلُ عَنْهُ فَإِنَّهُ عِنْدَهَا مُسْتَجَابٌ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَمْ يُعَيِّنْ فِي الْأَصْلِ لِمَشَاهِدِ الْحَجِّ شَيْئًا مِنْ الدَّعَوَاتِ لِأَنَّ التَّوْقِيتَ يَذْهَبُ بِالرِّقَّةِ وَإِنْ تَبَرَّكَ بِالْمَنْقُولِ مِنْهَا فَحَسَنٌ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ . وَفِي فَتْحٍ : وَمِنْ أَهَمِّ الْأَدْعِيَةِ طَلَبُ الْجَنَّةِ بِلَا حِسَابٍ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُنَا مِنْ أَهَمِّ الْأَذْكَارِ كَمَا ذَكَرَهُ الْحَلَبِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ . ا هـ .
[ تَنْبِيهٌ ]
قَالَ فِي اللُّبَابِ وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ ، وَقِيلَ يَرْفَعُ قَالَ الْقَارِي فِي شَرْحِهِ : أَيْ لَا يَرْفَعُ وَلَوْ حَالَ دُعَائِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْمَشَاهِيرِ مِنْ كُتُبِ أَصْحَابِنَا بَلْ قَالَ السُّرُوجِيُّ الْمَذْهَبُ تَرْكُهُ وَصَرَّحَ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّهُ يُكْرَهُ عِنْدَ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ ( قَوْلُهُ ثُمَّ ابْتَدَأَ بِالطَّوَافِ ) فَإِنْ كَانَ حَلَالًا فَطَوَافُ التَّحِيَّةِ أَوْ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ فَطَوَافُ الْقُدُومِ ، وَهَذَا إذَا دَخَلَ قَبْلَ النَّحْرِ ، فَإِنْ دَخَلَ فِيهِ أَغْنَى طَوَافُ الْفَرْضِ عَنْ التَّحِيَّةِ أَوْ بِالْعُمْرَةِ فَطَوَافُهَا وَلَا طَوَافَ قُدُومٍ لَهَا كَذَا فِي الْفَتْحِ نَهْرٌ ، وَأَفَادَ إطْلَاقُهُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ الطَّوَافُ فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ . كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْفَتْحِ . قَالَ إلَّا أَنَّهُ لَا يُصَلِّي رَكْعَتَيْهِ فِيهَا بَلْ يَصْبِرُ إلَى أَنْ يَدْخُلَ مَا لَا كَرَاهَةَ فِيهِ ( قَوْلُهُ لِأَنَّهُ تَحِيَّةُ الْبَيْتِ ) أَيْ لِمَنْ أَرَادَ الطَّوَافَ ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يُرِدْهُ وَأَرَادَ أَنْ يَجْلِسَ فَلَا يَجْلِسُ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَقْتُ مَكْرُوهًا لِلصَّلَاةِ شَرْحُ اللُّبَابِ لِلْقَارِي ، وَفِي شَرْحِهِ عَلَى النُّقَايَةِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا فَطَوَافُ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَقْتُ مَكْرُوهًا وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يَطُفْ لَا يُصَلِّي تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ كَمَا فَهِمَهُ بَعْضُ الْعَوَامّ . ا هـ .
قُلْت : لَكِنَّ قَوْلَهُمْ تَحِيَّةُ هَذَا الْمَسْجِدِ الطَّوَافُ يُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى وَلَمْ يَطُفْ لَا يَحْصُلُ التَّحِيَّةُ إلَّا أَنْ يُخَصَّ بِتَرْكِ الطَّوَافِ بِلَا عُذْرٍ فَمَعَ الْعُذْرِ تَحْصُلُ التَّحِيَّةُ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ اللُّبَابِ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إنَّ تَحِيَّةَ هَذَا الْمَسْجِدِ بِخُصُوصِهِ هُوَ الطَّوَافُ إلَّا إذَا كَانَ لَهُ مَانِعٌ فَيُصَلِّي تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ إنْ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ كَرَاهَةٍ . ا هـ . ( قَوْلُهُ مَا لَمْ يَخَفْ إلَخْ ) أَيْ فَيُقَدِّمُ كُلَّ ذَلِكَ عَلَى الطَّوَافِ أَيْ طَوَافِ التَّحِيَّةِ وَغَيْرِهَا لُبَابٌ وَشَرْحُهُ ، ثُمَّ يَطُوفُ 493 بَحْرٌ وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ لَا تَحْصُلُ بِهَا التَّحِيَّةُ مَعَ أَنَّهَا تَحْصُلُ فِي بَقِيَّةِ الْمَسَاجِدِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا لِأَنَّ تَحِيَّتَهُ هِيَ الطَّوَافُ دُونَ الصَّلَاةِ ، بِخِلَافِ بَاقِي الْمَسَاجِدِ ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إنَّ الْفَرْقَ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الصَّلَاةَ جِنْسٌ فَنَابَ بَعْضُهَا مَنَابَ بَعْضٍ ، وَلَيْسَ الطَّوَافُ مِنْ جِنْسِهَا ، وَالثَّانِي : أَنَّ صَلَاةَ الْفَرْضِ فِي الْمَسْجِدِ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ وَالطَّوَافُ تَحِيَّةُ الْبَيْتِ لَا تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ ( قَوْلُهُ فَوْتَ الْمَكْتُوبَةِ ) يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ فَوْتَ وَقْتِهَا الْمُسْتَحَبِّ لِأَنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ التَّرْتِيبُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ الْمُصَحَّحَيْنِ فَبِالْأَوْلَى مَا هُنَا تَأَمَّلْ ، وَزَادَ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ فَوْتَ الْجِنَازَةِ وَزَادَ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ مَا إذَا دَخَلَ فِي وَقْتِ مَنْعِ النَّاسِ مِنْ الطَّوَافِ أَوْ كَانَ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ مَكْتُوبَةٌ ا هـ وَذُكِرَ الْأَخِيرُ فِي اللُّبَابِ وَقَيَّدَهُ شَارِحُهُ بِمَا إذَا كَانَ صَاحِبَ تَرْتِيبٍ .
قُلْت : وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَائِتَةِ الَّتِي فَوَّتَهَا عَمْدًا ، وَوَجَبَ قَضَاؤُهَا فَوْرًا وَإِلَّا فَتَقْدِيمُ الطَّوَافِ عَلَيْهَا لَا يَضُرُّ إلَّا إذَا خَافَ فَوْتَ الْمَكْتُوبَةِ الْوَقْتِيَّةِ إذَا قَدَّمَ عَلَيْهَا الطَّوَافَ وَقَضَاءَ الْفَائِتَةِ وَحِينَئِذٍ فَذِكْرُ الْمَكْتُوبَةِ الْوَقْتِيَّةِ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ الْفَائِتَةِ فَافْهَمْ ( قَوْلُهُ فَاسْتَقْبَلَ الْحَجَرَ إلَخْ ) أَشَارَ بِالْفَاءِ إلَى أَنَّهُ يَنْوِي الطَّوَافَ قَبْلَ الِاسْتِقْبَالِ لِمَا سَيَذْكُرُهُ مِنْ أَنَّهُ يَمُرُّ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ عَلَى جَمِيعِ الْحَجَرِ ، وَلِهَذَا قَالَ فِي اللُّبَابِ : ثُمَّ يَقِفُ مُسْتَقْبِلَ الْبَيْتِ بِجَانِبِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ مِمَّا يَلِي الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ ، بِحَيْثُ يَصِيرُ جَمِيعُ الْحَجَرِ عَنْ يَمِينِهِ ، وَيَكُونُ مَنْكِبُهُ الْأَيْمَنُ عِنْدَ طَرَفِ الْحَجَرِ فَيَنْوِي الطَّوَافَ ، وَهَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ مُسْتَحَبَّةٌ وَالنِّيَّةُ فَرْضٌ ، ثُمَّ يَمْشِي مَارًّا إلَى يَمِينِهِ حَتَّى يُحَاذِيَ الْحَجَرَ فَيَقِفَ بِحِيَالِهِ وَيَسْتَقْبِلُهُ وَيُبَسْمِلُ وَيُكَبِّرُ وَيَحْمَدُ وَيُصَلَّى وَيَدْعُو ا هـ قَالَ شَارِحُهُ : أَيْ يَقُولُ : بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ اللَّهُمَّ إيمَانًا بِك وَوَفَاءً بِعَهْدِك وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّك مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قَوْلُهُ رَافِعًا يَدَيْهِ ) أَيْ عِنْدَ التَّكْبِيرِ لَا عِنْدَ النِّيَّةِ فَإِنَّهُ بِدْعَةٌ لُبَابٌ . وَقَالَ شَارِحُهُ الْقَارِي فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بَعْدَ كَلَامٍ : وَالْحَاصِلُ أَنَّ رَفْعَ الْيَدَيْنِ فِي غَيْرِ حَالَةِ الِاسْتِقْبَالِ مَكْرُوهٌ وَأَمَّا الِابْتِدَاءُ مِنْ غَيْرِهِ فَهُوَ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا أَوْ تَنْزِيهًا بِنَاءً عَلَى الْأَقْوَالِ عِنْدَنَا مِنْ أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِالْحَجَرِ فَرْضٌ أَوْ وَاجِبٌ أَوْ سُنَّةٌ وَإِنَّمَا الْمُسْتَحَبُّ الِابْتِدَاءُ بِالنِّيَّةِ قُبَيْلَ الْحَجَرِ لِلْخُرُوجِ عَنْ الِاخْتِلَافِ .
( قَوْلُهُ كَالصَّلَاةِ ) أَيْ حِذَاءَ أُذُنَيْهِ وَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ فِي الِاسْتِلَامِ وَعِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ يَرْفَعُ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ وَيَجْعَلُ بَاطِنَهُمَا نَحْوَ الْحَجَرِ وَالْكَعْبَةِ ا هـ وَعَزَاهُ الْقُهُسْتَانِيُّ إلَى شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَصَحَّحَهُ فِي الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهَا ، وَمَشَى فِي النُّقَايَةِ وَغَيْرِهَا عَلَى الْأَوَّلِ وَصَحَّحَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَغَيْرِهَا فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ ( قَوْلُهُ وَاسْتَلَمَهُ ) أَيْ بَعْدَ أَنْ يُرْسِلَ يَدَيْهِ كَمَا فِي النَّهْرِ عَنْ التُّحْفَةِ قَالَ فِي اللُّبَابِ : وَصِفَةُ الِاسْتِلَامِ أَنْ يَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى الْحَجَرِ وَيَضَعَ فَمَه بَيْنَ كَفَّيْهِ وَيُقَبِّلَهُ ( قَوْلُهُ قِيلَ نَعَمْ ) جَزَمَ بِهِ فِي اللُّبَابِ وَقَالَ إنَّهُ مُسْتَحَبٌّ ، وَيُكَرِّرُهُ مَعَ التَّقْبِيلِ ثَلَاثًا قَالَ شَارِحُهُ : وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ رَشِيدُ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ ، وَكَذَا نَقَلَ السُّجُودَ عَنْ أَصْحَابِنَا الْعِزُّ بْنُ جَمَاعَةٍ لَكِنْ قَالَ قِوَامُ الدِّينِ الْكَاكِيُّ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَسْجُدَ عِنْدَنَا لِعَدَمِ الرِّوَايَةِ فِي الْمَشَاهِيرِ ا هـ وَظَاهِرُهُ تَرْجِيحُ مَا قَالَهُ الْكَاكِيُّ فِي الْمِعْرَاجِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْفَتْحِ ، وَلِذَا اعْتَرَضَ فِي النَّهْرِ عَلَى قَوْلِ الْبَحْرِ إنَّهُ ضَعِيفٌ بِأَنَّ صَاحِبَ الدَّارِ أَدْرَى أَيْ إنَّ الْكَاكِيَّ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ الْمَاهِرِينَ ، وَهُوَ أَدْرَى بِالْمَذْهَبِ مِنْ غَيْرِهِ ، فَلَا يَنْبَغِي تَضْعِيفُ مَا نَقَلَهُ .
قُلْت : لَكِنْ اسْتَنَدَ الْكَاكِيُّ إلَى عَدَمِ ذِكْرِهِ فِي الْمَشَاهِيرِ ، وَهُوَ لَا يَنْفِي ذِكْرَهَا فِي غَيْرِهَا ، وَقَدْ اسْتَنَدَ فِي الْبَحْرِ إلَى أَنَّهُ فَعَلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَالْفَارُوقُ بَعْدَهُ كَمَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ ، وَاسْتَدْرَكَ بِذَلِكَ مُنْلَا عَلِيٍّ فِي شَرْحِ 494 النُّقَايَةِ عَلَى مَا مَرَّ عَنْ الْكَاكِيِّ وَأَيَّدَ بِهِ مَا نَقَلَهُ ابْنُ جَمَاعَةٍ عَنْ أَصْحَابِنَا ، ثُمَّ رَأَيْت نَقْلًا عَنْ غَايَةِ السُّرُوجِيِّ أَنَّهُ كَرِهَ مَالِكٌ وَحْدَهُ السُّجُودَ عَلَى الْحَجَرِ وَقَالَ إنَّهُ بِدْعَةٌ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ ا هـ أَيْ عَلَى مَالِكٍ وَبِهَذَا يَتَرَجَّحُ مَا فِي الْبَحْرِ وَاللُّبَابِ مِنْ الِاسْتِحْبَابِ إذْ لَا يَخْفَى أَنَّ السُّرُوجِيَّ أَيْضًا مِنْ أَهْلِ الدَّارِ فَهُوَ أَدْرَى وَالْأَخْذُ بِمَا قَالَهُ مُوَافِقًا لِلْجُمْهُورِ وَالْحَدِيثِ أَوْلَى وَأَحْرَى فَافْهَمْ . ( قَوْلُهُ وَتَرْكُ الْإِيذَاءِ وَاجِبٌ ) أَيْ فَلَا يُتْرَكُ الْوَاجِبُ لِفِعْلِ السُّنَّةِ وَأَمَّا النَّظَرُ إلَى الْعَوْرَةِ لِأَجْلِ الْخِتَانِ فَلَيْسَ فِيهِ تَرْكُ الْوَاجِبِ لِفِعْلِ السُّنَّةِ لِأَنَّ النَّظَرَ مَأْذُونٌ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ ( قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ ) أَيْ عَلَى تَقْبِيلِهِ إلَّا بِالْإِيذَاءِ أَوْ مُطْلَقًا يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَيْهِ ثُمَّ يُقَبِّلُهُمَا أَوْ يَضَعُ إحْدَاهُمَا وَالْأَوْلَى أَنْ تَكُونَ الْيُمْنَى لِأَنَّهَا الْمُسْتَعْمَلَةُ فِيمَا فِيهِ شَرَفٌ ، وَلِمَا نُقِلَ عَنْ الْبَحْرِ الْعَمِيقِ مِنْ أَنَّ الْحَجَرَ " يَمِينُ اللَّهِ يُصَافِحُ بِهَا عِبَادَهُ " وَالْمُصَافَحَةُ بِالْيُمْنَى .
( قَوْلُهُ وَإِلَّا يُمْكِنْهُ ذَلِكَ ) أَيْ وَضْعُ يَدَيْهِ أَوْ إحْدَاهُمَا ( قَوْلُهُ يُمِسُّ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ مِنْ الْإِمْسَاسِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ كَلَامُ الشَّارِحِ الْآتِي ( قَوْلُهُ عَنْهُمَا ) الْأَوْلَى عَنْهُ أَيْ الْإِمْسَاسِ لِأَنَّ الْعَجْزَ عَنْ الِاسْتِلَامِ ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ وَإِلَّا يَمَسَّ ( قَوْلُهُ مُشِيرًا إلَيْهِ بِبَاطِنِ كَفَّيْهِ ) أَيْ بِأَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ حِذَاءَ أُذُنَيْهِ ، وَيَجْعَلَ بَاطِنَهُمَا نَحْوَ الْحَجَرِ مُشِيرًا بِهِمَا إلَيْهِ وَظَاهِرَهُمَا نَحْوَ وَجْهِهِ هَكَذَا الْمَأْثُورُ بَحْرٌ وَفِي شَرْحِ النُّقَايَةِ لِلْقَارِي حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ أَوْ أُذُنَيْهِ وَكَأَنَّهُ حِكَايَةٌ لِلْقَوْلَيْنِ الْمَارَّيْنِ ( قَوْلُهُ ثُمَّ يُقَبِّلُ كَفَّيْهِ ) أَيْ بَعْدَ الْإِشَارَةِ الْمَذْكُورَةِ قَالَ فِي الْفَتْحِ وَيَفْعَلُ فِي كُلِّ شَوْطٍ عِنْدَ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ مَا يَفْعَلُهُ فِي الِابْتِدَاءِ . ا هـ . وَيَأْتِي تَمَامُهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ ، وَكُلَّمَا مَرَّ بِالْحَجَرِ فَعَلَ مَا ذُكِرَ ( قَوْلُهُ فَلِلْكَعْبَةِ ) أَوْ لِلْقِبْلَةِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ لَكِنَّ الْأَوَّلَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَمَا سَيَأْتِي
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث