رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الأول
page 108 · printed p. 132 · commentary
مَطْلَبٌ فِي تَعْرِيفِ الْمَكْرُوهِ ، وَأَنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ تَحْرِيمًا وَتَنْزِيهًا . ( قَوْلُهُ : وَمَكْرُوهُهُ ) هُوَ ضِدُّ الْمَحْبُوبِ ; قَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْحَرَامِ
كَقَوْلِ الْقُدُورِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ : وَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ فِي مَنْزِلِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَلَا عُذْرَ لَهُ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ . وَعَلَى الْمَكْرُوهِ تَحْرِيمًا : وَهُوَ مَا كَانَ إلَى الْحَرَامِ أَقْرَبُ ، وَيُسَمِّيه مُحَمَّدٌ حَرَامًا ظَنِّيًّا . وَعَلَى الْمَكْرُوهِ تَنْزِيهًا : وَهُوَ مَا كَانَ تَرْكُهُ أَوْلَى مِنْ فِعْلِهِ ، وَيُرَادِفُ خِلَافَ الْأَوْلَى كَمَا قَدَّمْنَاهُ . 132
وَفِي الْبَحْرِ : مِنْ مَكْرُوهَاتِ الصَّلَاةِ الْمَكْرُوهُ فِي هَذَا الْبَابِ نَوْعَانِ : أَحَدُهُمَا مَا كُرِهَ تَحْرِيمًا ، وَهُوَ الْمَحْمَلُ عِنْدَ إطْلَاقِهِمْ الْكَرَاهَةَ كَمَا فِي زَكَاةِ فَتْحِ الْقَدِيرِ ، وَذُكِرَ أَنَّهُ فِي رُتْبَةِ الْوَاجِبِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِمَا يَثْبُتُ بِهِ الْوَاجِبُ يَعْنِي بِالظَّنِّيِّ الثُّبُوتِ . ثَانِيهِمَا الْمَكْرُوهُ تَنْزِيهًا ، وَمَرْجِعُهُ إلَى مَا تَرْكُهُ أَوْلَى ، وَكَثِيرًا مَا يُطْلِقُونَهُ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ ، فَحِينَئِذٍ إذَا ذَكَرُوا مَكْرُوهًا فَلَا بُدَّ مِنْ النَّظَرِ فِي دَلِيلِهِ ، فَإِنْ كَانَ نَهْيًا ظَنِّيًّا يُحْكَمُ بِكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ إلَّا لِصَارِفٍ لِلنَّهْيِ عَنْ التَّحْرِيمِ إلَى النَّدْبِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الدَّلِيلُ نَهْيًا بَلْ كَانَ مُفِيدًا لِلتَّرْكِ الْغَيْرِ الْجَازِمِ فَهِيَ تَنْزِيهِيَّةٌ . ا هـ . ( قَوْلُهُ : أَوْ غَيْرِهِ ) أَيْ غَيْرِ الْوَجْهِ مِنْ الْأَعْضَاءِ كَمَا فِي الْحَاوِي ، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ اقْتَصَرَ عَلَى الْوَجْهِ لِمَا لَهُ مِنْ مَزِيدِ الشَّرَفِ ( قَوْلُهُ : تَنْزِيهًا ) لِمَا قَدَّمْنَا عَنْ الْفَتْحِ مِنْ أَنَّ تَرْكَهُ أَدَبٌ . قَالَ فِي الْحِلْيَةِ لِأَنَّهُ يُوجِبُ انْتِضَاحَ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ عَلَى ثِيَابِهِ وَتَرْكُهُ أَوْلَى ، وَأَيْضًا هُوَ خِلَافُ التُّؤَدَةِ وَالْوَقَارِ ، فَالنَّهْيُ عَنْهُ نَهْيُ أَدَبٍ . ا هـ . ( قَوْلُهُ : وَالتَّقْتِيرُ ) أَيْ بِأَنْ يَقْرُبَ إلَى حَدِّ الدُّهْنِ وَيَكُونُ التَّقَاطُرُ غَيْرَ ظَاهِرٍ ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا لِيَكُونَ غُسْلًا بِيَقِينٍ فِي كُلِّ مَرَّةٍ مِنْ الثَّلَاثِ شَرْحُ الْمُنْيَةِ . مَطْلَبٌ فِي الْإِسْرَافِ فِي الْوُضُوءِ
( قَوْلُهُ : وَالْإِسْرَافُ ) أَيْ بِأَنْ يَسْتَعْمِلَ مِنْهُ فَوْقَ الْحَاجَةِ الشَّرْعِيَّةِ ، لِمَا أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ { ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَقَالَ : مَا هَذَا السَّرَفُ ؟ فَقَالَ : أَفِي الْوُضُوءِ إسْرَافٌ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، وَإِنْ كُنْت عَلَى نَهْرٍ جَارٍ } حِلْيَةٌ ( قَوْلُهُ : وَمِنْهُ ) أَيْ مِنْ الْإِسْرَافِ الزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلَاثِ أَيْ فِي الْغَسَلَاتِ مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ السُّنَّةُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّهْيَ مَحْمُولٌ عَلَى ذَلِكَ ، فَإِذَا لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ وَقَصَدَ الطُّمَأْنِينَةَ عِنْدَ الشَّكِّ ، أَوْ قَصَدَ الْوُضُوءَ عَلَى الْوُضُوءِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ فَلَا كَرَاهَةَ كَمَا مَرَّ تَقْرِيرُهُ ( قَوْلُهُ : فِيهِ ) أَيْ فِي الْمَاءِ ( قَوْلُهُ : تَحْرِيمًا إلَخْ ) نُقِلَ ذَلِكَ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْفَتْحِ مِنْ عَدِّهِ تَرْكَ التَّقْتِيرِ وَالْإِسْرَافِ مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ ، وَمِثْلُهُ فِي الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهَا ، لَكِنْ قَالَ فِي الْحِلْيَةِ : ذَكَرَ الْحَلْوَانِيُّ أَنَّهُ سُنَّةٌ ; وَعَلَيْهِ مَشَى قَاضِي خَانْ ، وَهُوَ وَجِيهٌ ا هـ وَاسْتَوْجَبَهُ فِي الْبَحْرِ أَيْضًا وَكَذَا فِي النَّهْرِ . قَالَ : وَالْمُرَادُ بِالسُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ لِإِطْلَاقِ النَّهْيِ عَنْ الْإِسْرَافِ ، وَجَعَلَ فِي الْمُنْتَقَى الْإِسْرَافَ مِنْ الْمَنْهِيَّاتِ فَتَكُونُ تَحْرِيمِيَّةً لِأَنَّ إطْلَاقَ الْكَرَاهَةِ مَصْرُوفٌ إلَى التَّحْرِيمِ ، وَبِهِ يَضْعُفُ جَعْلُهُ مَنْدُوبًا .
أَقُولُ : قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ فِي حَدِيثِ { ۝ فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ تَعَدَّى وَظَلَمَ } مَحْمُولٌ عَلَى الِاعْتِقَادِ عِنْدَنَا ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا . وَقَالَ فِي الْبَدَائِعِ : إنَّهُ الصَّحِيحُ ، حَتَّى لَوْ زَادَ أَوْ نَقَصَ وَاعْتَقَدَ أَنَّ الثَّلَاثَ سُنَّةٌ لَا يَلْحَقُهُ الْوَعِيدُ وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ كَرَاهَةِ ذَلِكَ يَعْنِي كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ ، فَلَا يُنَافِي الْكَرَاهَةَ التَّنْزِيهِيَّةَ ، فَمَا مَشَى عَلَيْهِ هُنَا فِي الْفَتْحِ وَالْبَدَائِعِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ جَعْلِ تَرْكِهِ مَنْدُوبًا مَبْنِيٌّ عَلَى ذَلِكَ التَّصْحِيحِ ، فَيُكْرَهُ تَنْزِيهًا ، وَلَا يُنَافِيه عَدُّهُ مِنْ الْمَنْهِيَّاتِ كَمَا عَدَّ مِنْهَا لَطْمَ الْوَجْهِ بِالْمَاءِ ، فَإِنَّ الْمَكْرُوهَ تَنْزِيهًا مَنْهِيٌّ عَنْهُ حَقِيقَةً اصْطِلَاحًا ، وَمَجَازًا لُغَةً كَمَا فِي التَّحْرِيرِ . وَأَيْضًا فَقَدْ عَدَّهُ فِي الْخِزَانَةِ السَّمَرْقَنْدِيَّة مِنْ الْمَنْهِيَّاتِ ، لَكِنْ قَيَّدَهُ بِعَدَمِ اعْتِقَادِ تَمَامِ السُّنَّةِ بِالثَّلَاثِ ، كَمَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ مَنْ جَعَلَ تَرْكَهُ سُنَّةً ، وَلَيْسَتْ الْكَرَاهَةُ مَصْرُوفَةً إلَى التَّحْرِيمِ مُطْلَقًا كَمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا ، عَلَى أَنَّ الصَّارِفَ لِلنَّهْيِ عَنْ التَّحْرِيمِ ظَاهِرٌ ، فَإِنَّ مَنْ أَسْرَفَ فِي الْوُضُوءِ بِمَاءِ النَّهْرِ مَثَلًا مَعَ عَدَمِ اعْتِقَادِ سُنِّيَّةِ ذَلِكَ نَظِيرُ مَنْ مَلَأَ إنَاءً مِنْ النَّهْرِ ثُمَّ أَفْرَغَهُ فِيهِ ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَحْذُورٌ سِوَى أَنَّهُ عَبَثٌ لَا فَائِدَةَ فِيهِ ، وَهُوَ فِي الْوُضُوءِ زَائِدٌ عَلَى الْمَأْمُورِ بِهِ ; فَلِذَا سُمِّيَ فِي الْحَدِيثِ إسْرَافًا . 133
قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْإِسْرَافُ : التَّبْذِيرُ أَوْ مَا أُنْفِقَ فِي غَيْرِ طَاعَةٍ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ زَائِدًا عَلَى الْمَأْمُورِ بِهِ وَغَيْرَ طَاعَةٍ أَنْ يَكُونَ حَرَامًا ، نَعَمْ إذَا اعْتَقَدَ سُنِّيَّتَهُ يَكُونُ قَدْ تَعَدَّى وَظَلَمَ لِاعْتِقَادِهِ مَا لَيْسَ بِقُرْبَةٍ قُرْبَةً ، فَلِذَا حَمَلَ عُلَمَاؤُنَا النَّهْيَ عَلَى ذَلِكَ ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهُ وَيَكُونُ تَرْكُهُ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَدَّمَهُ الشَّارِحُ عَنْ الْجَوَاهِرِ مِنْ أَنَّ الْإِسْرَافَ فِي الْمَاءِ الْجَارِي جَائِزٌ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُضَيِّعٍ وَقَدَّمْنَا أَنَّ الْجَائِزَ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى مَا لَا يَمْتَنِعُ شَرْعًا فَيَشْمَلُ الْمَكْرُوهَ تَنْزِيهًا ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ تَتَوَافَقُ عِبَارَاتُهُمْ . وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ هُنَا فَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ الْمَشَايِخِ الْمَذْهَبُ فَلَا يُعَارِضُ مَا صَرَّحُوا بِهِ وَصَحَّحُوهُ ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي هَذَا الْمَقَامِ ، وَالسَّلَامُ . ( قَوْلُهُ : فَحَرَامٌ ) لِأَنَّ الزِّيَادَةَ غَيْرُ مَأْذُونٍ بِهَا لِأَنَّهُ إنَّمَا يُوقَفُ وَيُسَاقُ لِمَنْ يَتَوَضَّأُ الْوُضُوءَ الشَّرْعِيَّ وَلَمْ يَقْصِدْ إبَاحَتَهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ حِلْيَةٌ ، وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا لَيْسَ بِجَارٍ كَاَلَّذِي فِي صِهْرِيجٍ أَوْ حَوْضٍ أَوْ نَحْوِ إبْرِيقٍ ، أَمَّا الْجَارِي كَمَاءِ مَدَارِسِ دِمَشْقَ وَجَوَامِعِهَا فَهُوَ مِنْ الْمُبَاحِ كَمَاءِ النَّهْرِ كَمَا أَفَادَهُ الرَّحْمَتِيُّ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith