رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الأول
( قَوْلُهُ : إلَى نَيِّفٍ وَسِتِّينَ ) عِبَارَتُهُ فِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى إلَى نَيِّفٍ وَسَبْعِينَ وَالنَّيِّفُ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَقَدْ تُخَفَّفُ : مَا زَادَ عَلَى الْعِقْدِ إلَى أَنْ يَبْلُغَ الْعِقْدَ الثَّانِيَ قَامُوسٌ . مَطْلَبٌ فِي تَتْمِيمِ مَنْدُوبَاتِ الْوُضُوءِ
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَذْكُورَ مِنْهَا هُنَا مَتْنًا وَشَرْحًا نَيِّفٌ وَعِشْرُونَ ، وَلْنَذْكُرْ مَا بَقِيَ مِنْهَا مِنْ الْفَتْحِ وَالْخَزَائِنِ ; فَمِنْهَا كَمَا فِي الْفَتْحِ تَرْكُ الْإِسْرَافِ وَالتَّقْتِيرِ ، وَتَرْكُ التَّمَسُّحِ بِخِرْقَةٍ يَمْسَحُ بِهَا مَوْضِعَ الِاسْتِنْجَاءِ ، وَاسْتِقَاؤُهُ الْمَاءَ بِنَفْسِهِ ، وَالْمُبَادَرَةُ إلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ ، وَنَزْعُ خَاتَمٍ عَلَيْهِ اسْمُهُ تَعَالَى أَوْ اسْمُ نَبِيِّهِ حَالَ الِاسْتِنْجَاءِ ، وَكَوْنُ آنِيَتِهِ مِنْ خَزَفٍ ، وَأَنْ يَغْسِلَ عُرْوَةَ الْإِبْرِيقِ ثَلَاثًا ، وَوَضْعُهُ عَلَى يَسَارِهِ ، وَإِنْ كَانَ إنَاءٌ يَغْتَرِفُ مِنْهُ فَعَنْ يَمِينِهِ ، وَوَضْعُ يَدِهِ حَالَةَ الْغَسْلِ عَلَى عُرْوَتِهِ لَا رَأْسِهِ ، وَذِكْرُ الشَّهَادَتَيْنِ عِنْدَ كُلِّ عُضْوٍ ، وَاسْتِصْحَابُ النِّيَّةِ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ ، وَأَنْ لَا يَلْطِمَ وَجْهَهُ بِالْمَاءِ 125 وَمِلْءُ آنِيَتِهِ اسْتِعْدَادًا ، وَالِامْتِخَاطُ بِالْيُسْرَى ; وَالتَّأَنِّي ، وَإِمْرَارُ الْيَدِ عَلَى الْأَعْضَاءِ الْمَغْسُولَةِ ، وَالدَّلْكُ ا هـ لَكِنْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْأَوَّلَ وَالْأَخِيرَ سُنَّةٌ ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِمَا قَبْلَهُ إمْرَارُهَا عَلَيْهِ مَبْلُولَةً قَبْلَ الْغَسْلِ ، تَأَمَّلْ .
زَادَ فِي الْبَحْرِ وَغَسْلُ مَا تَحْتَ الْحَاجِبِ وَالشَّارِبِ ، وَالتَّوَضُّؤُ فِي مَكَان طَاهِرٍ ; لِأَنَّ لِمَاءِ الْوُضُوءِ حُرْمَةٌ وَالْبَدْءُ بِأَعْلَى الْوَجْهِ وَأَطْرَافِ الْأَصَابِعِ وَمُقَدَّمِ الرَّأْسِ ، لَكِنْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْأَخِيرَيْنِ سُنَّةٌ . وَزَادَ فِي الْإِمْدَادِ : وَدُخُولُهُ الْخَلَاءَ مَسْتُورَ الرَّأْسِ ، وَعَدَمُ التَّوَضُّؤِ بِمَاءٍ مُشَمَّسٍ ، وَأَنْ لَا يَسْتَخْلِصَ إنَاءً لِنَفْسِهِ ، وَتَرْكُ النَّظَرِ لِلْعَوْرَةِ ، وَإِلْقَاءُ الْبُصَاقِ وَالْمُخَاطِ فِي الْمَاءِ ، وَأَنْ لَا يَنْقُصُهُ عَنْ مُدٍّ ، وَغَسْلُ الْفَمِ وَالْأَنْفِ بِالْيُمْنَى . وَزَادَ فِي الْمُنْيَةِ الْوُضُوءَ عَلَى الْوُضُوءِ وَعَدَمُ نَفْخِهِ فِي الْمَاءِ حَالَ غَسْلِ الْوَجْهِ ، وَالتَّشَهُّدُ عِنْدَ غَسْلِ كُلِّ عُضْوٍ .
وَزَادَ فِي الْخَزَائِنِ وَتَرْكُ التَّكَلُّمِ حَالَ الِاسْتِنْجَاءِ ، وَتَرْكُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارِهَا فِي الْخَلَاءِ ، وَاسْتِقْبَالُ عَيْنِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَاسْتِدْبَارهمَا وَتَرْكُ مَسِّ فَرْجِهِ بَعْدَ فَرَاغِهِ ، وَالِاسْتِنْجَاءُ بِالْيَسَارِ ، وَمَسْحُهَا بَعْدَهُ عَلَى نَحْوِ حَائِطٍ ، وَغَسْلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، وَرَشُّ الْمَاءِ عَلَى الْفَرْجِ وَعَلَى السِّرْوَالِ بَعْدَ الْوُضُوءِ وَالتَّوَضُّؤِ مِنْ مُتَوَضَّأِ الْعَامَّةِ ، وَإِفْرَاغُ الْمَاءِ بِيَمِينِهِ فَقَدْ بَلَغَتْ نَيِّفًا وَسَبْعِينَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الدُّرِّ الْمُنْتَقَى وَقَدَّمْنَا أَنَّ تَرْكَ الْمَنْدُوبِ مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا فَيُزَادُ تَرْكُ مَا يُكْرَهُ فِعْلُهُ .
وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا مَرَّ مِنْهُ مَا هُوَ مِنْ آدَابِ الْوُضُوءِ وَمِنْهُ مَا هُوَ مِنْ آدَابِ مُقَدَّمَاتِهِ وَبِهَذَا تَزِيدُ عَلَى مَا ذُكِرَ بِكَثِيرٍ ، فَإِنَّهُ بَقِيَ لِلِاسْتِنْجَاءِ آدَابٌ كَثِيرَةٌ سَتَأْتِي ( قَوْلُهُ : وَدَلْكُ أَعْضَائِهِ ) عَلِمْت مَا فِيهِ ، وَقَوْلُهُ : فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى عَزَاهُ فِي النَّهْرِ إلَى الْمُنْيَةِ ، لَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْمُنْيَةِ هُنَا وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ فِي الْغُسْلِ وَعَلَّلَهُ فِي الشَّرْحِ بِقَوْلِهِ لِيَعُمَّ الْمَاءُ الْبَدَنَ فِي الْمَرَّتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ ا هـ لَكِنْ قَالَ فِي الْحِلْيَةِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ قَيْدٌ اتِّفَاقِيٌّ ( قَوْلُهُ : وَتَقْدِيمُهُ إلَخْ ) لِأَنَّ فِيهِ انْتِظَارَ الصَّلَاةِ ، وَمُنْتَظِرُ الصَّلَاةِ كَمَنْ هُوَ فِيهَا بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَقَطْعُ طَمَعِ الشَّيْطَانِ عَنْ تَثْبِيطِهِ عَنْهَا شَرْحُ الْمُنْيَةِ الْكَبِيرِ .
وَفِي الْحِلْيَةِ : وَعِنْدِي أَنَّهُ مِنْ آدَابِ الصَّلَاةِ لَا الْوُضُوءِ لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ لِفِعْلِ الصَّلَاةِ ا هـ ( قَوْلُهُ : وَهَذِهِ ) أَيْ مَسْأَلَةُ تَقْدِيمِهِ عَلَى الْوَقْتِ . مَطْلَبٌ الْفَرْضُ أَفْضَلُ مِنْ النَّفْلِ إلَّا فِي مَسَائِلَ
( قَوْلُهُ : الْمُسْتَثْنَاةُ مِنْ قَاعِدَةِ الْفَرْضِ أَفْضَلُ مِنْ النَّفْلِ ) هَذَا الْأَصْلُ لَا سَبِيلَ إلَى نَقْضِهِ بِشَيْءٍ مِنْ الصُّوَرِ لِأَنَّا إذَا حَكَمْنَا عَلَى مَاهِيَّةٍ بِأَنَّهَا خَيْرٌ مِنْ مَاهِيَّةٍ أُخْرَى ; كَالرَّجُلِ خَيْرٌ مِنْ الْمَرْأَةِ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تَفْضُلَهَا الْأُخْرَى بِشَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ ، فَإِنَّ الرَّجُلَ إذَا فَضَلَ الْمَرْأَةَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ رَجُلٌ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تَفْضُلَهُ الْمَرْأَةُ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا غَيْرُ الرَّجُلِ وَإِلَّا تَتَكَاذَبُ الْقَضِيَّتَانِ ، وَهَذَا بَدِيهِيٌّ ، نَعَمْ قَدْ تَفْضُلُ الْمَرْأَةُ رَجُلًا مَا مِنْ جِهَةٍ غَيْرِ الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ . ا هـ . حَمَوِيٌّ . أَقُولُ : فَعَلَى هَذَا لَا اسْتِثْنَاءَ حَقِيقَةً لِاخْتِلَافِ جِهَةِ الْأَفْضَلِيَّةِ .
بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْوُضُوءَ لِلصَّلَاةِ قَبْلَ الْوَقْتِ يُسَاوِي الْوَاقِعَ بَعْدَهُ مِنْ حَيْثُ امْتِثَالُ الْأَمْرِ وَسُقُوطُ الْوَاجِبِ بِهِ ، وَإِنَّمَا لِلْأَوَّلِ فَضِيلَةُ التَّقْدِيمِ ، وَكَذَا إنْظَارُ الْمُعْسِرِ وَاجِبٌ دَفْعًا لِأَذَاهُ بِالْمُطَالَبَةِ وَفِي إبْرَائِهِ ذَلِكَ مَعَ زِيَادَةِ إسْقَاطِ الدَّيْنِ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ ، فَلِلْإِبْرَاءِ زِيَادَةُ فَضِيلَةِ الْإِسْقَاطِ ، وَكَذَلِكَ إفْشَاءُ السَّلَامِ سُنَّةٌ لِإِظْهَارِ التَّوَادِّ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَفِي رَدِّهِ ذَلِكَ أَيْضًا ، لَكِنْ وَجَبَ الرَّدُّ لِمَا يَلْزَمُ عَلَى تَرْكِهِ مِنْ الْعَدَاوَةِ وَالتَّبَاغُضِ ، فَإِفْشَاؤُهُ أَفْضَلُ مِنْ حَيْثُ ابْتِدَاءُ الْمُفْشِي ي لَهُ بِإِظْهَارِ الْمَوَدَّةِ فَلَهُ فَضِيلَةُ التَّقَدُّمِ ; فَفِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ إنَّمَا فُضِّلَ النَّفَلُ عَلَى الْفَرْضِ لَا مِنْ جِهَةِ الْفَرْضِيَّةِ بَلْ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى كَصَوْمِ الْمُسَافِرِ فِي رَمَضَانَ فَإِنَّهُ أَشَقُّ مِنْ صَوْمِ الْمُقِيمِ ، فَهُوَ أَفْضَلُ مَعَ أَنَّهُ سُنَّةٌ وَكَالتَّبْكِيرِ إلَى 126 صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الذَّهَابِ بَعْدَ النِّدَاءِ مَعَ أَنَّهُ سُنَّةٌ ، وَالثَّانِي فَرْضٌ .
وَكَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى شَرْبَةِ مَاءٍ أَوْ أَكْلِ لُقْمَةٍ فَدَفَعْت لَهُ أَكْثَرَ مِمَّا اُضْطُرَّ إلَيْهِ ، فَدَفْعُ مَا اُضْطُرَّ إلَيْهِ وَاجِبٌ ، وَالزَّائِدُ نَفْلٌ ثَوَابُهُ أَكْثَرُ مِنْ حَيْثُ إنَّ نَفْعَهُ أَكْثَرُ ، وَإِنْ كَانَ دَفْعُ قَدْرِ الضَّرُورَةِ أَفْضَلَ مِنْ حَيْثُ امْتِثَالُ الْأَمْرِ ، وَكَذَا مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ فَدَفَعَ دِرْهَمَيْنِ أَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ أُضْحِيَّةٌ فَضَحَّى بِشَاتَيْنِ ، وَعَلَى هَذَا فَقَدْ يُزَادُ عَلَى الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ مِنْ كُلِّ مَا هُوَ نَفْلٌ اشْتَمَلَ عَلَى الْوَاجِبِ وَزَادَ ، لَكِنَّ تَسْمِيَتَهُ نَفْلًا مِنْ حَيْثُ تِلْكَ الزِّيَادَةُ ، أَمَّا مِنْ حَيْثُ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ الْوَاجِبِ فَهُوَ وَاجِبٌ ، وَثَوَابُهُ أَكْثَرُ مِنْ حَيْثُ تِلْكَ الزِّيَادَةُ ، فَلَا تَنْخَرِمُ حِينَئِذٍ الْقَاعِدَةُ الْمَأْخُوذَةُ مِمَّا صَحَّ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ حِكَايَةً عَنْ اللَّهِ تَعَالَى { وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ } وَمِمَّا وَرَدَ فِي صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ أَنَّ { الْوَاجِبَ يَفْضُلُ الْمَنْدُوبَ بِسَبْعِينَ دَرَجَةً } وَإِنْ اسْتَشْكَلَهُ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ ، فَاغْتَنِمْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مِنْ فَيْضِ الْفَتَّاحِ الْعَلِيمِ .
ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ نَبَّهَ عَلَى مَا قُلْته ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ ( قَوْلُهُ : لِأَنَّ الْوُضُوءَ إلَخْ ) وَمِثْلَهُ التَّيَمُّمُ لِغَيْرِ رَاجِي الْمَاءِ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَحَلِّهِ عَنْ الرَّمْلِيِّ ( قَوْلُهُ : أَفْضَلُ مِنْ رَدِّهِ ) وَقِيلَ : أَجْرُ الرَّدِّ أَكْثَرُ لِأَنَّهُ فَرْضٌ حَمَوِيٌّ ، عَنْ كَرَاهِيَةِ الْعَلَّامِيِّ ( قَوْلُهُ : وَلَوْ ) الْوَاوُ زَائِدَةٌ أَوْ عَاطِفَةٌ عَلَى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ حَتَّى إنْ جَاءَ بِمِثْلِهِ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ط ( قَوْلُهُ : مِنْهُ ) مُتَعَلِّقٌ بِأَكْثَرَ وَالضَّمِيرُ لِلْفَرْضِ ، أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِجَاءَ وَالضَّمِيرُ لِلتَّطَوُّعِ ط ( قَوْلُهُ : بِأَكْثَرِ ) جَرَّهُ بِالْكِسْرَةِ لِأَجْلِ يَنْجُسُ ( قَوْلُهُ : وَابْتِدَاءً ) أَلِفُ ابْتِدَاءً مِنْ الْمِصْرَاعِ الْأَوَّلِ وَهَمْزَتُهُ الْمُنَوَّنَةُ مِنْ الْمِصْرَاعِ الثَّانِي ( قَوْلُهُ : إبْرَا ) بِالْقَصْرِ لِلضَّرُورَةِ ( قَوْلُهُ : وَمِثْلُهُ الْقُرْطُ ) أَيْ فِي الْغَسْلِ ، وَإِلَّا فَلَا مَدْخَلَ لَهُ هُنَا لِأَنَّهُ مَا يُعَلَّقُ فِي الْأُذُنِ قَامُوسٌ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَذْكُورَ مِنْهَا هُنَا مَتْنًا وَشَرْحًا نَيِّفٌ وَعِشْرُونَ ، وَلْنَذْكُرْ مَا بَقِيَ مِنْهَا مِنْ الْفَتْحِ وَالْخَزَائِنِ ; فَمِنْهَا كَمَا فِي الْفَتْحِ تَرْكُ الْإِسْرَافِ وَالتَّقْتِيرِ ، وَتَرْكُ التَّمَسُّحِ بِخِرْقَةٍ يَمْسَحُ بِهَا مَوْضِعَ الِاسْتِنْجَاءِ ، وَاسْتِقَاؤُهُ الْمَاءَ بِنَفْسِهِ ، وَالْمُبَادَرَةُ إلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ ، وَنَزْعُ خَاتَمٍ عَلَيْهِ اسْمُهُ تَعَالَى أَوْ اسْمُ نَبِيِّهِ حَالَ الِاسْتِنْجَاءِ ، وَكَوْنُ آنِيَتِهِ مِنْ خَزَفٍ ، وَأَنْ يَغْسِلَ عُرْوَةَ الْإِبْرِيقِ ثَلَاثًا ، وَوَضْعُهُ عَلَى يَسَارِهِ ، وَإِنْ كَانَ إنَاءٌ يَغْتَرِفُ مِنْهُ فَعَنْ يَمِينِهِ ، وَوَضْعُ يَدِهِ حَالَةَ الْغَسْلِ عَلَى عُرْوَتِهِ لَا رَأْسِهِ ، وَذِكْرُ الشَّهَادَتَيْنِ عِنْدَ كُلِّ عُضْوٍ ، وَاسْتِصْحَابُ النِّيَّةِ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ ، وَأَنْ لَا يَلْطِمَ وَجْهَهُ بِالْمَاءِ 125 وَمِلْءُ آنِيَتِهِ اسْتِعْدَادًا ، وَالِامْتِخَاطُ بِالْيُسْرَى ; وَالتَّأَنِّي ، وَإِمْرَارُ الْيَدِ عَلَى الْأَعْضَاءِ الْمَغْسُولَةِ ، وَالدَّلْكُ ا هـ لَكِنْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْأَوَّلَ وَالْأَخِيرَ سُنَّةٌ ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِمَا قَبْلَهُ إمْرَارُهَا عَلَيْهِ مَبْلُولَةً قَبْلَ الْغَسْلِ ، تَأَمَّلْ .
زَادَ فِي الْبَحْرِ وَغَسْلُ مَا تَحْتَ الْحَاجِبِ وَالشَّارِبِ ، وَالتَّوَضُّؤُ فِي مَكَان طَاهِرٍ ; لِأَنَّ لِمَاءِ الْوُضُوءِ حُرْمَةٌ وَالْبَدْءُ بِأَعْلَى الْوَجْهِ وَأَطْرَافِ الْأَصَابِعِ وَمُقَدَّمِ الرَّأْسِ ، لَكِنْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْأَخِيرَيْنِ سُنَّةٌ . وَزَادَ فِي الْإِمْدَادِ : وَدُخُولُهُ الْخَلَاءَ مَسْتُورَ الرَّأْسِ ، وَعَدَمُ التَّوَضُّؤِ بِمَاءٍ مُشَمَّسٍ ، وَأَنْ لَا يَسْتَخْلِصَ إنَاءً لِنَفْسِهِ ، وَتَرْكُ النَّظَرِ لِلْعَوْرَةِ ، وَإِلْقَاءُ الْبُصَاقِ وَالْمُخَاطِ فِي الْمَاءِ ، وَأَنْ لَا يَنْقُصُهُ عَنْ مُدٍّ ، وَغَسْلُ الْفَمِ وَالْأَنْفِ بِالْيُمْنَى . وَزَادَ فِي الْمُنْيَةِ الْوُضُوءَ عَلَى الْوُضُوءِ وَعَدَمُ نَفْخِهِ فِي الْمَاءِ حَالَ غَسْلِ الْوَجْهِ ، وَالتَّشَهُّدُ عِنْدَ غَسْلِ كُلِّ عُضْوٍ .
وَزَادَ فِي الْخَزَائِنِ وَتَرْكُ التَّكَلُّمِ حَالَ الِاسْتِنْجَاءِ ، وَتَرْكُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارِهَا فِي الْخَلَاءِ ، وَاسْتِقْبَالُ عَيْنِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَاسْتِدْبَارهمَا وَتَرْكُ مَسِّ فَرْجِهِ بَعْدَ فَرَاغِهِ ، وَالِاسْتِنْجَاءُ بِالْيَسَارِ ، وَمَسْحُهَا بَعْدَهُ عَلَى نَحْوِ حَائِطٍ ، وَغَسْلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، وَرَشُّ الْمَاءِ عَلَى الْفَرْجِ وَعَلَى السِّرْوَالِ بَعْدَ الْوُضُوءِ وَالتَّوَضُّؤِ مِنْ مُتَوَضَّأِ الْعَامَّةِ ، وَإِفْرَاغُ الْمَاءِ بِيَمِينِهِ فَقَدْ بَلَغَتْ نَيِّفًا وَسَبْعِينَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الدُّرِّ الْمُنْتَقَى وَقَدَّمْنَا أَنَّ تَرْكَ الْمَنْدُوبِ مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا فَيُزَادُ تَرْكُ مَا يُكْرَهُ فِعْلُهُ .
وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا مَرَّ مِنْهُ مَا هُوَ مِنْ آدَابِ الْوُضُوءِ وَمِنْهُ مَا هُوَ مِنْ آدَابِ مُقَدَّمَاتِهِ وَبِهَذَا تَزِيدُ عَلَى مَا ذُكِرَ بِكَثِيرٍ ، فَإِنَّهُ بَقِيَ لِلِاسْتِنْجَاءِ آدَابٌ كَثِيرَةٌ سَتَأْتِي ( قَوْلُهُ : وَدَلْكُ أَعْضَائِهِ ) عَلِمْت مَا فِيهِ ، وَقَوْلُهُ : فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى عَزَاهُ فِي النَّهْرِ إلَى الْمُنْيَةِ ، لَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْمُنْيَةِ هُنَا وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ فِي الْغُسْلِ وَعَلَّلَهُ فِي الشَّرْحِ بِقَوْلِهِ لِيَعُمَّ الْمَاءُ الْبَدَنَ فِي الْمَرَّتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ ا هـ لَكِنْ قَالَ فِي الْحِلْيَةِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ قَيْدٌ اتِّفَاقِيٌّ ( قَوْلُهُ : وَتَقْدِيمُهُ إلَخْ ) لِأَنَّ فِيهِ انْتِظَارَ الصَّلَاةِ ، وَمُنْتَظِرُ الصَّلَاةِ كَمَنْ هُوَ فِيهَا بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَقَطْعُ طَمَعِ الشَّيْطَانِ عَنْ تَثْبِيطِهِ عَنْهَا شَرْحُ الْمُنْيَةِ الْكَبِيرِ .
وَفِي الْحِلْيَةِ : وَعِنْدِي أَنَّهُ مِنْ آدَابِ الصَّلَاةِ لَا الْوُضُوءِ لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ لِفِعْلِ الصَّلَاةِ ا هـ ( قَوْلُهُ : وَهَذِهِ ) أَيْ مَسْأَلَةُ تَقْدِيمِهِ عَلَى الْوَقْتِ . مَطْلَبٌ الْفَرْضُ أَفْضَلُ مِنْ النَّفْلِ إلَّا فِي مَسَائِلَ
( قَوْلُهُ : الْمُسْتَثْنَاةُ مِنْ قَاعِدَةِ الْفَرْضِ أَفْضَلُ مِنْ النَّفْلِ ) هَذَا الْأَصْلُ لَا سَبِيلَ إلَى نَقْضِهِ بِشَيْءٍ مِنْ الصُّوَرِ لِأَنَّا إذَا حَكَمْنَا عَلَى مَاهِيَّةٍ بِأَنَّهَا خَيْرٌ مِنْ مَاهِيَّةٍ أُخْرَى ; كَالرَّجُلِ خَيْرٌ مِنْ الْمَرْأَةِ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تَفْضُلَهَا الْأُخْرَى بِشَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ ، فَإِنَّ الرَّجُلَ إذَا فَضَلَ الْمَرْأَةَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ رَجُلٌ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تَفْضُلَهُ الْمَرْأَةُ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا غَيْرُ الرَّجُلِ وَإِلَّا تَتَكَاذَبُ الْقَضِيَّتَانِ ، وَهَذَا بَدِيهِيٌّ ، نَعَمْ قَدْ تَفْضُلُ الْمَرْأَةُ رَجُلًا مَا مِنْ جِهَةٍ غَيْرِ الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ . ا هـ . حَمَوِيٌّ . أَقُولُ : فَعَلَى هَذَا لَا اسْتِثْنَاءَ حَقِيقَةً لِاخْتِلَافِ جِهَةِ الْأَفْضَلِيَّةِ .
بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْوُضُوءَ لِلصَّلَاةِ قَبْلَ الْوَقْتِ يُسَاوِي الْوَاقِعَ بَعْدَهُ مِنْ حَيْثُ امْتِثَالُ الْأَمْرِ وَسُقُوطُ الْوَاجِبِ بِهِ ، وَإِنَّمَا لِلْأَوَّلِ فَضِيلَةُ التَّقْدِيمِ ، وَكَذَا إنْظَارُ الْمُعْسِرِ وَاجِبٌ دَفْعًا لِأَذَاهُ بِالْمُطَالَبَةِ وَفِي إبْرَائِهِ ذَلِكَ مَعَ زِيَادَةِ إسْقَاطِ الدَّيْنِ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ ، فَلِلْإِبْرَاءِ زِيَادَةُ فَضِيلَةِ الْإِسْقَاطِ ، وَكَذَلِكَ إفْشَاءُ السَّلَامِ سُنَّةٌ لِإِظْهَارِ التَّوَادِّ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَفِي رَدِّهِ ذَلِكَ أَيْضًا ، لَكِنْ وَجَبَ الرَّدُّ لِمَا يَلْزَمُ عَلَى تَرْكِهِ مِنْ الْعَدَاوَةِ وَالتَّبَاغُضِ ، فَإِفْشَاؤُهُ أَفْضَلُ مِنْ حَيْثُ ابْتِدَاءُ الْمُفْشِي ي لَهُ بِإِظْهَارِ الْمَوَدَّةِ فَلَهُ فَضِيلَةُ التَّقَدُّمِ ; فَفِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ إنَّمَا فُضِّلَ النَّفَلُ عَلَى الْفَرْضِ لَا مِنْ جِهَةِ الْفَرْضِيَّةِ بَلْ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى كَصَوْمِ الْمُسَافِرِ فِي رَمَضَانَ فَإِنَّهُ أَشَقُّ مِنْ صَوْمِ الْمُقِيمِ ، فَهُوَ أَفْضَلُ مَعَ أَنَّهُ سُنَّةٌ وَكَالتَّبْكِيرِ إلَى 126 صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الذَّهَابِ بَعْدَ النِّدَاءِ مَعَ أَنَّهُ سُنَّةٌ ، وَالثَّانِي فَرْضٌ .
وَكَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى شَرْبَةِ مَاءٍ أَوْ أَكْلِ لُقْمَةٍ فَدَفَعْت لَهُ أَكْثَرَ مِمَّا اُضْطُرَّ إلَيْهِ ، فَدَفْعُ مَا اُضْطُرَّ إلَيْهِ وَاجِبٌ ، وَالزَّائِدُ نَفْلٌ ثَوَابُهُ أَكْثَرُ مِنْ حَيْثُ إنَّ نَفْعَهُ أَكْثَرُ ، وَإِنْ كَانَ دَفْعُ قَدْرِ الضَّرُورَةِ أَفْضَلَ مِنْ حَيْثُ امْتِثَالُ الْأَمْرِ ، وَكَذَا مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ فَدَفَعَ دِرْهَمَيْنِ أَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ أُضْحِيَّةٌ فَضَحَّى بِشَاتَيْنِ ، وَعَلَى هَذَا فَقَدْ يُزَادُ عَلَى الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ مِنْ كُلِّ مَا هُوَ نَفْلٌ اشْتَمَلَ عَلَى الْوَاجِبِ وَزَادَ ، لَكِنَّ تَسْمِيَتَهُ نَفْلًا مِنْ حَيْثُ تِلْكَ الزِّيَادَةُ ، أَمَّا مِنْ حَيْثُ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ الْوَاجِبِ فَهُوَ وَاجِبٌ ، وَثَوَابُهُ أَكْثَرُ مِنْ حَيْثُ تِلْكَ الزِّيَادَةُ ، فَلَا تَنْخَرِمُ حِينَئِذٍ الْقَاعِدَةُ الْمَأْخُوذَةُ مِمَّا صَحَّ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ حِكَايَةً عَنْ اللَّهِ تَعَالَى { وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ } وَمِمَّا وَرَدَ فِي صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ أَنَّ { الْوَاجِبَ يَفْضُلُ الْمَنْدُوبَ بِسَبْعِينَ دَرَجَةً } وَإِنْ اسْتَشْكَلَهُ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ ، فَاغْتَنِمْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مِنْ فَيْضِ الْفَتَّاحِ الْعَلِيمِ .
ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ نَبَّهَ عَلَى مَا قُلْته ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ ( قَوْلُهُ : لِأَنَّ الْوُضُوءَ إلَخْ ) وَمِثْلَهُ التَّيَمُّمُ لِغَيْرِ رَاجِي الْمَاءِ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَحَلِّهِ عَنْ الرَّمْلِيِّ ( قَوْلُهُ : أَفْضَلُ مِنْ رَدِّهِ ) وَقِيلَ : أَجْرُ الرَّدِّ أَكْثَرُ لِأَنَّهُ فَرْضٌ حَمَوِيٌّ ، عَنْ كَرَاهِيَةِ الْعَلَّامِيِّ ( قَوْلُهُ : وَلَوْ ) الْوَاوُ زَائِدَةٌ أَوْ عَاطِفَةٌ عَلَى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ حَتَّى إنْ جَاءَ بِمِثْلِهِ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ط ( قَوْلُهُ : مِنْهُ ) مُتَعَلِّقٌ بِأَكْثَرَ وَالضَّمِيرُ لِلْفَرْضِ ، أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِجَاءَ وَالضَّمِيرُ لِلتَّطَوُّعِ ط ( قَوْلُهُ : بِأَكْثَرِ ) جَرَّهُ بِالْكِسْرَةِ لِأَجْلِ يَنْجُسُ ( قَوْلُهُ : وَابْتِدَاءً ) أَلِفُ ابْتِدَاءً مِنْ الْمِصْرَاعِ الْأَوَّلِ وَهَمْزَتُهُ الْمُنَوَّنَةُ مِنْ الْمِصْرَاعِ الثَّانِي ( قَوْلُهُ : إبْرَا ) بِالْقَصْرِ لِلضَّرُورَةِ ( قَوْلُهُ : وَمِثْلُهُ الْقُرْطُ ) أَيْ فِي الْغَسْلِ ، وَإِلَّا فَلَا مَدْخَلَ لَهُ هُنَا لِأَنَّهُ مَا يُعَلَّقُ فِي الْأُذُنِ قَامُوسٌ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith