فتح القدير
فتح القدير · الجزء الرابع
page 1968 · printed p. 33 · commentary
( قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إذَا لَمْ أُطَلِّقْك أَوْ إذَا مَا لَمْ أُطَلِّقْك لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يَمُوتَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَقَالَا : تَطْلُقُ حِينَ سَكَتَ ) لِأَنَّ كَلِمَةَ إذَا لِلْوَقْتِ كَكَلِمَةِ مَتَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { إذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ } وَقَالَ قَائِلُهُمْ وَهُوَ ابْنُ أَحْمَرَ أَوْ حَرِيُّ بْنُ ضَمْرَةَ : ﴿﴾ ( وَإِذَا تَكُونُ كَرِيهَةٌ أُدْعَى لَهَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَإِذَا يُحَاسُ الْحَيْسُ يُدْعَى جُنْدُبُ ) ﴿﴾ يَعْنِي أَخَاهُ الصَّغِيرَ ، وَمَا قِيلَ إنَّهُ لَعَنْتَرَةُ الْعَبْسِيُّ فَخَطَأٌ عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالشَّأْنِ لِانْتِفَائِهِ مِنْ دِيوَانِهِ ، وَلَمْ يُعْرَفْ لِعَنْتَرَةَ أَخٌ اسْمُهُ جُنْدُبٌ أَصْلًا وَإِنَّمَا لَهُ أَخٌ مِنْ أُمِّهِ اسْمُهُ شَيْبُوبٌ ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ أُمُّهُ بِحَيْثُ تُوَاكِلُ إيَّاهُ شَدَّادًا حَيْسًا لِأَنَّهَا أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ مَنْ اطَّلَعَ عَلَى قِصَّتِهِ .
وَقَبْلَ الْبَيْتِ الْمَذْكُورِ : ﴿﴾ هَلْ فِي الْقَضِيَّةِ أَنْ إذَا اسْتَغْنَيْتُمْ ﴿﴾ ﴿﴾ وَأَمِنْتُمْ فَأَنَا الْبَعِيدُ الْأَجْنَبُ ﴿﴾ ﴿﴾ وَإِذَا الشَّدَائِدُ بِالشَّدَائِدِ مَرَّةً ﴿﴾ ﴿﴾ أَشَجَّتْكُمْ فَأَنَا الْمُحَبُّ الْأَقْرَبُ ﴿﴾ ﴿﴾ وَإِذَا تَكُونُ كَرِيهَةٌ أُدْعَى لَهَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَإِذَا يُحَاسُ الْحَيْسُ يُدْعَى جُنْدُبُ ﴿﴾ ﴿﴾ هَذَا وَجَدِّكُمْ الصَّغَارُ بِعَيْنِهِ ﴿﴾ ﴿﴾ لَا أُمَّ لِي إنْ كَانَ ذَاكَ وَلَا أَبُ ﴿﴾ ﴿﴾ عَجَبٌ لِتِلْكَ قَضِيَّةٍ وَإِقَامَتِي ﴿﴾ ﴿﴾ فِيكُمْ عَلَى تِلْكَ الْقَضِيَّةِ أَعْجَبُ ﴿﴾ وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْمُحَشِّينَ بِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْآيَةِ وَالْبَيْتِ فِيهِ مَعْنَى الشَّرْطِ ، وَجَوَابُ الْأَوَّلِ عَلِمْت وَجَوَابُ الثَّانِي أُدْعَى وَيُدْعَى ، وَأَيْضًا تَنْظِيرُهُ لَهَا بِمَتَى غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهَا لَا تَتَمَحَّضُ لِلْوَقْتِ أَبَدًا ، وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ لِلْوَقْتِ يَعْنِي الْمَحْضَ ، وَلَا حَاجَةَ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ وَلَا يَتَوَقَّفُ ثُبُوتُ مَطْلُوبِهِمَا عَلَيْهِ ، بَلْ الْمَنْقُولُ لَهُمَا أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ عَنْهَا مَعْنَى 33 الْوَقْتِ الْمُجَرَّدِ فِي الْمُجَازَاةِ ، فَأَوْرَدَ الشَّاهِدِينَ لَهُمَا لِلدَّلَالَةِ عَلَى قِيَامِ الْوَقْتِ مَعَ الشَّرْطِ ، وَلَيْسَ لَهُمَا حَاجَةٌ أَنْ يُبَيِّنَهَا أَنَّهَا لِلْوَقْتِ الْمُجَرَّدِ عَنْ الشَّرْطِ ، بَلْ حَاجَتُهُمَا فِي إثْبَاتِ الِاجْتِمَاعِ لِيَكُونَ دَفْعًا ظَاهِرًا لِقَوْلِ الْكُوفِيِّينَ ( قَوْلُهُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ لِلشَّرْطِ أَيْضًا ) يَعْنِي الشَّرْطَ الْمُجَرَّدَ عَنْ مَعْنَى الظَّرْفِيَّةِ وَإِلَّا لَا يُفِيدُ .
وَهَذَا مَذْهَبٌ نُقِلَ عَنْ الْكُوفِيِّينَ ، وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِهِ ﴿﴾ وَإِذَا تُصِبْك خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّلْ ﴿﴾ حَيْثُ جُزِمَ بِهَا فَصَارَتْ مُحْتَمِلَةً لِكُلٍّ مِنْ الشَّرْطِ الْمُجَرَّدِ عَنْ الظَّرْفِ ; وَالظَّرْفُ إمَّا عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ ، وَإِمَّا عَلَى أَنَّهَا مَجَازٌ عِنْدَهُ فِي الشَّرْطِ الْمُجَرَّدِ وَكَثُرَ حَتَّى صَارَ كَالظَّاهِرِ فَتَسَاوَيَا كَمَا قِيلَ ، وَلِذَا صَدَّقَهُ الْقَاضِي فِي دَعْوَاهُ إرَادَةَ الشَّرْطِ الْمُجَرَّدِ ، وَبِهَذَا يَقَعُ الْفَرْقُ لَهُمَا بَيْنَ هَذِهِ وَمَسْأَلَةِ الْحَلِفِ عَلَى أَنْ لَا يَشْرَبَ مِنْ دِجْلَةَ حَيْثُ صَرَفَاهَا إلَى الشُّرْبِ بِالْآنِيَةِ وَكَرَعَا لِأَنَّ الْمَجَازَ هُنَاكَ غَالِبٌ .
وَاحْتَاجَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى الْفَرْقِ لِأَنَّهُ جَزَمَ هُنَاكَ أَنَّهَا بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ لَا هُنَا ، وَفَرْقُهُ أَنَّ حُكْمَ الْحَقِيقَةِ وَهُوَ الْحِنْثُ بِالْكَرَعِ ثَابِتٌ فِيهِ عَلَى اعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ وَاعْتِبَارِ الْمَجَازِ لِأَنَّ حُكْمَهُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ الشُّرْبِ اغْتِرَافًا فَكَانَ حُكْمُ الْحَقِيقَةِ ثَابِتًا يَقِينًا عَلَى كُلِّ حَالٍ فَاعْتُبِرَتْ لِذَلِكَ : أَيْ لِلتَّيَقُّنِ بِحُكْمِهَا ، بِخِلَافِ الْمَجَازِ بِخِلَافِ مَعْنَى الظَّرْفِ هُنَا فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الْوُقُوعَ فِي الْحَالِ وَهُوَ مُنَافٍ لِحُكْمِ الْمَجَازِ ، وَأَنْتَ سَمِعْت أَنَّ الْبَصْرِيِّينَ يَمْنَعُونَ سُقُوطَ مَعْنَى الظَّرْفِ عَنْهَا وَإِنْ اُسْتُعْمِلَتْ شَرْطًا كَمَتَى ، فَثُبُوتُ الِاحْتِمَالَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ مَمْنُوعٌ ، وَأَمَّا كَوْنُهَا مَجَازًا فِي جُزْءِ مَعْنَاهَا فَلَمْ يُسْمَعْ يَقِينًا ، وَبِتَقْدِيرِ إحْدَاثِهِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ النَّقْلِ فِي آحَادِ الْمَجَازِ فَكَوْنُهُ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ حَتَّى سَاوَى الْحَقِيقَةَ مَمْنُوعٌ ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى قَوْلِهِمَا إذَا أَرَادَ مَعْنَى الشَّرْطِ أَنْ لَا يُصَدِّقَهُ الْقَاضِي بَلْ يَصِحُّ دِيَانَةً لِأَنَّهُ الْوَجْهُ عِنْدَهُمَا ظُهُورُهَا فِي الظَّرْفِ ، فَمُرَادُهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ فَلَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ وَالْبَيْتُ الْمَذْكُور لَهُ قَائِلُهُ عَبْدُ قَيْسِ بْنِ خِفَافِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَنْظَلَةَ يُوصِي جُبَيْلًا ابْنَهُ بِقَصِيدَةٍ فِيهَا آدَابٌ وَمَصَالِحُ أَوَّلُهَا :
﴿﴾ أَجُبَيْلُ إنَّ أَبَاك كَارِبُ يَوْمِهِ ﴿﴾ ﴿﴾ فَإِذَا دُعِيت إلَى الْمَكَارِمِ فَاعْجَلْ ﴿﴾ ﴿﴾ أُوصِيكَ إيصَاءَ امْرِئٍ لَك نَاصِحٌ ﴿﴾ ﴿﴾ ظَنَّ بِرَيْبِ الدَّهْرِ غَيْرَ مَعْقِلِ ﴿﴾ ﴿﴾ اللَّهَ فَاتَّقِهِ وَأَوْفِ بِنَذْرِهِ ﴿﴾ ﴿﴾ وَإِذَا حَلَفْت مُمَارِيًا فَتَحَلَّلْ ﴿﴾ ﴿﴾ وَالضَّيْفَ تُكْرِمْهُ فَإِنَّ مَبِيتَهُ ﴿﴾ ﴿﴾ حَقٌّ وَلَا تَكُ لَعْنَةً لِلنُّزُلِ ﴿﴾ ﴿﴾ 34 وَاعْلَمْ بِأَنَّ الضَّيْفَ مُخْبِرُ أَهْلِهِ ﴿﴾ ﴿﴾ بِمَبِيتِ لَيْلَتِهِ وَإِنْ لَمْ يُسْأَلْ ﴿﴾ ﴿﴾ وَدَعِ الْقَوَارِصَ لِلصِّدِّيقِ وَغَيْرِهِ ﴿﴾ ﴿﴾ كَيْ لَا يَرَوْكَ مِنْ اللِّئَامِ الْعُزَّلِ ﴿﴾ ﴿﴾ وَصِلْ الْمُوَاصِلَ مَا صَفَا لَك وُدُّهُ ﴿﴾ ﴿﴾ وَاحْذَرْ حِبَالَ الْخَائِنِ الْمُتَبَذِّلِ ﴿﴾ ﴿﴾ وَاتْرُكْ مَحِلَّ السُّوءِ لَا تَحْلُلْ بِهِ ﴿﴾ ﴿﴾ وَإِذَا نَبَا بِك مَنْزِلٌ فَتَحَوَّلْ ﴿﴾ ﴿﴾ دَارُ الْهَوَانِ لِمَنْ رَآهَا دَارِهِ ﴿﴾ ﴿﴾ أَفَرَاحِلٌ عَنْهَا كَمَنْ لَمْ يَرْحَلْ ﴿﴾ ﴿﴾ وَاسْتَأْنِ حِلْمَك فِي أُمُورِك كُلِّهَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَإِذَا عَزَمْت عَلَى النَّدَى فَتَوَكَّلْ ﴿﴾ ﴿﴾ وَاسْتَغْنِ مَا أَغْنَاك رَبُّك بِالْغِنَى ﴿﴾ ﴿﴾ وَإِذَا تُصِبْك خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّلْ ﴿﴾ ﴿﴾ وَإِذَا هَمَمْت بِأَمْرِ شَرٍّ فَاتَّئِدْ ﴿﴾ ﴿﴾ وَإِذَا هَمَمْت بِأَمْرِ خَيْرٍ فَاعْجَلْ ﴿﴾ ﴿﴾ وَإِذَا أَتَتْك مِنْ الْعَدُوِّ قَوَارِصُ ﴿﴾ ﴿﴾ فَاقْرُصْ لِذَاكَ وَلَا تَقُلْ لَمْ أَفْعَلِ ﴿﴾ ﴿﴾ وَإِذَا افْتَقَرْت فَلَا تَكُنْ مُتَخَشِّعًا ﴿﴾ ﴿﴾ تَرْجُو الْفَوَاضِلَ عِنْدَ غَيْرِ الْمُفْضَلِ ﴿﴾ ﴿﴾ وَإِذَا تَشَاجَرَ فِي فُؤَادِك مَرَّةً ﴿﴾ ﴿﴾ أَمْرَانِ فَاعْمِدْ لِلْأَعَفِّ الْأَجْمَلِ ﴿﴾ ﴿﴾ وَإِذَا لَقِيت الْقَوْمَ فَاضْرِبَ فِيهِمْ ﴿﴾ ﴿﴾ حَتَّى يَرَوْكَ طِلَاءَ أَجْرَبَ مُهْمَلِ ﴿﴾ ﴿﴾ وَإِذَا رَأَيْت الْبَاهِشِينَ إلَى النَّدَى ﴿﴾ ﴿﴾ غُبْرًا أَكُفُّهُمْ بِقَاعٍ مُمْحِلِ ﴿﴾ ﴿﴾ فَأَعْنِهِمْ وَأَيْسِرْ بِمَا يُسَرُّوا بِهِ ﴿﴾ ﴿﴾ وَإِذَا هُمُوا نَزَلُوا بِضَنْكٍ فَانْزِلْ ﴿﴾ .
وَقَدْ اسْتَعْمَلَ الشَّاعِرُ إذَا فِيهَا لِلشَّرْطِ فِي اثْنَيْ عَشَرَ مَوْضِعًا بِالْجَزْمِ وَدُخُولِ فَاءِ الْجَزَاءِ ، وَمَعْقِلٌ مِنْ عَقَلْت النَّاقَةَ بِالْعَقْلِ ، يُرِيدُ عَقْلِي بِرَيْبِ الدَّهْرِ غَيْرُ مَمْنُوعٍ ، وَتَجَمَّلْ : أَيْ أَظْهِرْ جَمِيلًا وَلَا تُظْهِرْ جَزَعًا ، وَقِيلَ كُلْ الْجَمِيلَ الْمَجْمُولَ وَهُوَ الشَّحْمُ الْمُذَابُ ، وَأَيْنَ هَذَا مِنْ الْأَوَّلِ فِي التَّأْدِيبِ . وَفِي الْمُنْتَقَى لَوْ قَالَ : إذَا طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ وَإِذَا لَمْ أُطَلِّقْك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُطَلِّقَ يَقَعُ عَلَيْهَا طَلَاقَانِ لِأَنَّهُ لَمَّا مَاتَ قَبْلَ التَّطْلِيقِ حَنِثَ فِي الْيَمِينِ الثَّانِيَةِ فَيَقَعَ عَلَيْهَا طَلَاقٌ ، وَهَذَا الطَّلَاقُ يَصْلُحُ شَرْطًا فِي الْيَمِينِ الْأُولَى . لِأَنَّهُ وَقَعَ بِكَلَامٍ وُجِدَ بَعْدَ الْيَمِينِ الْأُولَى فَحَنِثَ فِي الْيَمِينَيْنِ فَيَقَعَ طَلَاقَانِ .
وَلَوْ قَلَبَ فَقَالَ : إذَا لَمْ أُطَلِّقْك فَأَنْتِ طَالِقٌ وَإِذَا طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُطَلِّقَ يَقَعُ عَلَيْهَا وَاحِدَةٌ لِأَنَّهُ لَمَّا مَاتَ قَبْلَ التَّطْلِيقِ صَارَ حَانِثًا فِي الْيَمِينِ الْأُولَى فَيَقَعَ الطَّلَاقُ وَلَا يَصْلُحُ شَرْطًا فِي الثَّانِيَةِ لِأَنَّهُ وَقَعَ بِكَلَامٍ وُجِدَ قَبْلَ الْيَمِينِ الثَّانِيَةِ ، فَالشُّرُوطُ تُرَاعَى فِي الْمُسْتَقْبِلِ لَا الْمَاضِي وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافًا . وَإِنَّمَا هَذَا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ . أَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا فَيَقَعَانِ بَعْدَ زَمَانٍ يَسِيرٍ فِي الْأُولَى لِلْوَجْهِ الْأَوَّلِ بِعَيْنِهِ ، وَفِي الثَّانِيَةِ يَقَعُ وَاحِدَةٌ كَمَا سَكَتَ لِأَنَّهُ حَنِثَ فِي قَوْلِهِ إذَا لَمْ أُطَلِّقْك فَأَنْتِ طَالِقٌ ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَسْكُتْ حَتَّى مَاتَ لِأَنَّ زَمَانَ قَوْلِهِ إذَا طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ زَمَانٌ يُوجَدُ فِيهِ تَطْلِيقٌ فَيَقَعَ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْهُ .
وَهَذِهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ مِنْ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ : أَنْتِ طَالِقٌ إذَا تَزَوَّجْتُك قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَك ، وَقَلْبُهُ أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَك إذَا تَزَوَّجْتُك ، وَإِذَا تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَك ، فَفِي الصُّورَتَيْنِ 35 الْأُولَيَيْنِ يَقَعُ عِنْدَ التَّزَوُّجِ اتِّفَاقًا ، وَفِي الثَّالِثَةِ كَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَقَعُ .
وَالْأَصْلُ أَنَّ الطَّلَاقَ إذَا أُضِيفَ إلَى وَقْتَيْنِ أَحَدُهُمَا يَقْبَلُهُ وَالْآخِرُ لَا صَحَّ مَا يَقْبَلُهُ وَبَطَلَ مَا لَا يَقْبَلُهُ وَإِنَّ الْآخَرَ يَنْسَخُ الْأَوَّلَ ، وَقَبْلَ وَإِذَا ظَرْفَانِ وَقَبْلَ لَا يَقْبَلُ الطَّلَاقَ ، وَإِذَا تَقْبَلُهُ فَأُضِيفَ إلَيْهَا ، وَلَهُمَا فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الثَّالِثَةِ وَمَا قَبْلَهَا تُرَجَّحُ جِهَةُ الشَّرْطِ بِدَلِيلِ ذِكْرِ الْفَاءِ فِي الْجَزَاءِ ، فَالْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ كَالْمُنَجَّزِ عِنْدَ وُجُودِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ عِنْدَ التَّزَوُّجِ : أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَك فَلَا يَقَعُ ، أَوْ لِأَنَّ الْآخَرَ وَهُوَ الْإِضَافَةُ إلَى قَبْلَ نَسَخَ الْأَوَّلَ ( وَقَوْلُهُ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْمَشِيئَةِ لِأَنَّهُ عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهَا لِلْوَقْتِ لَا يَخْرُجُ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا وَعَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهَا لِلشَّرْطِ يَخْرُجُ وَالْأَمْرُ صَارَ فِي يَدِهَا فَلَا يَخْرُجُ بِالشَّكِّ ) اُعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ وُقُوعَ الشَّكِّ فِي الشَّرْطِيَّةِ وَالظَّرْفِيَّةِ يُوجِبُ وُقُوعَهُ فِي الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ فِي الْحَالِ ، لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ الشَّرْطِيَّةِ تَحِلُّ وَعَلَى تَقْدِيرِ الظَّرْفِيَّةِ تَطْلُقُ فَكَانَ يَجِبُ أَنْ تَحْرُمَ تَقْدِيمًا لِلْمُحَرَّمِ وَهُوَ اعْتِبَارُ الظَّرْفِ كَمَا قَالَا .
وَأُجِيبُ بِأَنَّ هَذَا مَتْرُوكٌ فِي جَمِيعِ صُوَرِ التَّرَدُّدِ فِي الْأَمْرِ ، فَإِنَّهُ لَوْ شَكَّ فِي انْتِقَاضِ طَهَارَتِهِ جَاءَ فِيهِ أَنَّ عَلَى اعْتِبَارِ الِانْتِقَاضِ تَحْرُمُ الصَّلَاةُ وَعَلَى اعْتِبَارِ عَدَمِهِ تَحِلُّ وَمَعَ هَذَا لَا تَتَرَجَّحُ الْحُرْمَةُ وَإِنْ كَانَ مَبْنَى الصَّلَاةِ عَلَى الِاحْتِيَاطِ لِأَنَّ الشَّكَّ لَا يُوجِبُ شَيْئًا إنَّمَا ذَلِكَ فِي تَعَارُضِ دَلِيلِ الْحُرْمَةِ مَعَ دَلِيلِ الْحِلِّ فَالِاحْتِيَاطُ الْعَمَلُ بِدَلِيلِ الْحُرْمَةِ ، أَمَّا هُنَا لَوْ اعْتَبَرْنَا الْحُرْمَةَ لَمْ نَعْمَلْ بِدَلِيلٍ بَلْ بِالشَّكِّ ، وَهُنَاكَ يَقَعُ الْعَمَلُ بِالدَّلِيلِ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ .
وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ يُشْكِلُ لِأَنَّهُ سَيَذْكُرُ أَنَّ الْخِلَافَ فِيمَا إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ . وَحِينَئِذٍ فَمُقْتَضَى الْوَجْهِ فِي الْمَشِيئَةِ أَنَّ عَلَى قَوْلِهِمَا لَا يَخْرُجُ مِنْ يَدِهَا وَعَلَى قَوْلِهِ يَخْرُجُ ، وَكَذَا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ نَوَى وَلَمْ تُدْرَ نِيَّتُهُ لِعَارِضٍ عَرَاهُ ، وَأَمَّا إذَا عُرِفَتْ بِأَنَّ اسْتَفْسَرَ فَقَالَ : أَرَدْت الزَّمَانَ فَيَجِبُ أَنْ يُصَدَّقَ عَلَى قَوْلِهِمَا وَلَا يَخْرُجُ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا ، وَكَذَا عَلَى قَوْلِهِ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ عَلَى نَفْسِهِ .
وَإِنْ قَالَ : أَرَدْت الشَّرْطَ صُدِّقَ عَلَى قَوْلِهِ وَلَا يُصَدَّقُ عَلَى قَوْلِهِمَا لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ ، وَفِيهِ تَخْفِيفٌ عَلَى نَفْسِهِ ، وَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ : أَعْنِي قَوْلَهُ أَنْتِ طَالِقٌ إذَا لَمْ أُطَلِّقْك ، فَإِنْ قَالَ : عَنَيْت الزَّمَانَ صُدِّقَ عِنْدَهُمَا ، وَإِنْ قَالَ : عَنَيْت الشَّرْطَ لَا يُصَدَّقُ عِنْدَهُمَا لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ ، وَفِيهِ تَخْفِيفٌ عَلَى نَفْسِهِ . وَعَلَى قَوْلِهِ يُصَدَّقُ فِي الشَّرْطِ وَفِي الظَّرْفِ لِكَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ مُحْتَمَلَاتِهَا مَعَ أَنَّ فِي الثَّانِي تَشْدِيدًا عَلَى نَفْسِهِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith