شرح منتهى الإرادات
شرح منتهى الإرادات · الجزء الأول
page 4 · printed p. 21
النَّوْعُ ( الثَّالِثُ ) مِنْ الْمَاءِ ( نَجِسٌ ) بِتَثْلِيثِ الْجِيمِ وَسُكُونِهَا ، وَهُوَ ضِدُّ الطَّاهِرِ . وَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ ، كَلُقْمَةٍ غَصَّ بِهَا وَلَا طَاهِرَ ، أَوْ عَطَشٍ مَعَ صَوْمٍ ، أَوْ طَفْيِ حَرِيقٍ مُتْلِفٍ وَيَجُوزُ بَلُّ التُّرَابِ بِهِ وَجَعْلُهُ طِينًا يُطَيَّنُ بِهِ مَا لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ ، لَا نَحْوَ مَسْجِدٍ ( وَهُوَ ) قِسْمَانِ :
الْأُوَلُ : ( مَا تَغَيَّرَ ) بِمُخَالَطَةِ ( نَجَاسَةٍ ) قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا . وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى نَجَاسَةِ الْمُتَغَيِّرِ بِالنَّجَاسَةِ وَ ( لَا ) يَنْجُسُ مَا تَغَيَّرَ بِنَجَاسَةٍ ( بِمَحَلِّ تَطْهِيرٍ ) مَا دَامَ مُتَّصِلًا لِبَقَاءِ عَمَلِهِ عَلَيْهِ .
الثَّانِي : ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ : ( وَكَذَا قَلِيلٌ لَاقَاهَا ) أَيْ النَّجَاسَةَ بِلَا تَغَيُّرٍ ( وَلَوْ ) كَانَ الْقَلِيلُ ( جَارِيًا ، أَوْ ) كَانَتْ النَّجَاسَةُ الَّتِي لَاقَتْهُ ( لَمْ يُدْرِكْهَا طَرْفٌ ) أَيْ بَصَرُ النَّاظِرِ إلَيْهَا لِقِلَّتِهَا ( أَوْ ) لَمْ ( يَمْضِ زَمَنٌ تَسْرِي فِيهِ ) النَّجَاسَةُ لِمَفْهُومِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ { ۝ سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمَاءِ يَكُونُ فِي الْفَلَاةِ ، وَمَا يَنُوبُهُ مِنْ الدَّوَابِّ وَالسِّبَاعِ ؟ فَقَالَ : إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ } .
وَفِي رِوَايَةٍ { ۝ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ } رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ : عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَفْظُهُ لِأَحْمَدَ ، وَسُئِلَ ابْنُ مَعِينٍ عَنْهُ فَقَالَ : إسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَصَحَّحَهُ الطَّحَاوِيُّ قَالَ الْخَطَّابِيِّ : وَيَكْفِي شَاهِدًا عَلَى صِحَّتِهِ : أَنَّ نُجُومَ أَهْلِ الْحَدِيثِ صَحَّحُوهُ .
وَلِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ أَمَرَ بِإِرَاقَةِ مَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ } وَلَمْ يُعْتَبَرْ التَّغَيُّرُ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ قِيلَ " يَا رَسُولَ اللَّهِ ، { ۝ أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ ، وَهِيَ بِئْرٌ تُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ وَلُحُومُ الْكِلَابِ وَالنَّتْنُ ؟ قَالَ : إنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ } رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ أَبُو دَاوُد فَالظَّاهِرُ أَنَّ مَاءَهَا كَانَ يَزِيدُ عَلَى الْقُلَّتَيْنِ وَحَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا { ۝ الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا 21 غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ } رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ مُطْلَقٌ وَحَدِيثُ الْقُلَّتَيْنِ مُقَيَّدٌ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ .
وَبَاءُ بِضَاعَةٍ : تُضَمُّ وَتُكْسَرُ ( كَمَائِعٍ ) مِنْ نَحْوِ زَيْتٍ وَخَلٍّ وَلَبَنٍ ( وَ ) مَاءٌ ( طَاهِرٌ ) غَيْرُ مُطَهِّرٌ ، كَمُسْتَعْمَلٍ ، فَيُنَجَّسَانِ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ ( وَلَوْ كَثُرَا ) لِحَدِيثِ { ۝ الْفَارَةُ تَمُوتُ فِي السَّمْنِ ، فَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا ، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ } وَلِأَنَّهُمَا لَا يَدْفَعَانِ النَّجَاسَةَ عَنْ غَيْرِهِمَا ، فَكَذَا عَنْ نَفْسِهِمَا .
وَمَا ذُكِرَ مِنْ نَجَاسَةِ الطَّاهِرِ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ وَلَوْ كَثُرَ جَزَمَ بِهِ فِي التَّنْقِيحِ وَصَحَّحَ فِي الْإِنْصَافِ أَنَّهُ إذَا كَانَ كَثِيرًا لَا يُنَجَّسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ ، كَالطَّهُورِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ ، وَتَبِعَهُ فِي الْإِقْنَاعِ ( وَ ) الطَّهُورُ ( الْوَارِدُ بِمَحَلِّ تَطْهِيرٍ ) مِنْ بَدَنٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ بُقْعَةٍ ، أَوْ نَحْوِهَا : نَجِسَةٍ ( طَهُورٌ ) وَلَوْ تَغَيَّرَ لِبَقَاءِ عَمَلِهِ ( كَمَا لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهُ ) أَيْ الْوَارِدُ بِمَحَلِّ التَّطْهِيرِ ( إنْ كَثُرَ ) بِأَنْ كَانَ قُلَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ مَحَلَّ التَّطْهِيرِ إنْ وَرَدَ عَلَى الْقَلِيلِ نَجَّسَهُ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ وَأَنَّ الرَّاكِدَ وَالْجَارِيَ سَوَاءٌ فِيمَا تَقَدَّمَ ( وَعَنْهُ ) أَيْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( كُلُّ جَرْيَةٍ مِنْ ) مَاءٍ ( جَارٍ ) تُعْتَبَرُ مُفْرَدَةً ( ك ) مَاءٍ ( مُنْفَرِدٍ ) إنْ كَانَتْ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ ، فَنَجِسَةٌ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ .
قَالَ فِي الْكَافِي : وَجَعَلَ أَصْحَابُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ كُلَّ جَرْيَةٍ كَالْمَاءِ الْمُنْفَرِدِ قَالَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ : هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ قَالَ الْأَصْحَابُ : فَيُفْضِي إلَى تَنْجِيسِ نَهْرٍ كَبِيرٍ بِنَجَاسَةٍ قَلِيلَةٍ لَا كَثِيرَةٍ ، لِقِلَّةِ مَا تُحَاذِي الْقَلِيلَةَ ; إذْ لَوْ فَرَضْنَا كَلْبًا فِي جَانِبِ نَهْرٍ وَشَعْرَةً مِنْهُ فِي جَانِبِهِ الْآخَرِ لَكَانَ مَا يُحَاذِيهَا لَا يَبْلُغُ قُلَّتَيْنِ ، لِقِلَّتِهِ وَالْمُحَاذِي لِلْكَلْبِ يَبْلُغُ قِلَالًا كَثِيرَةً .
( فَ ) عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَة ( مَتَى امْتَدَّتْ نَجَاسَةٌ ب ) مَاءٍ ( جَارٍ ) وَكَانَتْ كُلُّ جَرْيَةٍ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ ( فَكُلُّ جَرْيَةٌ نَجَاسَةٌ مُفْرَدَةٌ ) وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ لِقُوَّتِهَا وَتَشْهِيرِهَا ، وَذَكَرَ مَا بَنَى عَلَيْهَا لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَيْهَا لَا عَلَى الْمَذْهَبِ ، كَمَا يُوهِمُهُ كَلَامُهُ فِي الْإِنْصَافِ ، وَالْمَذْهَبُ : أَنَّ الْجَارِيَ كَالرَّاكِدِ ، وَيُعْتَبَرُ مَجْمُوعُهُ ، فَإِنْ بَلَغَ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجَّسْ إلَّا بِالتَّغْيِيرِ ، وَإِنْ كَانَتْ الْجَرْيَةُ دُونَهُمَا ( وَالْجَرْيَةُ مَا أَحَاطَ بِالنَّجَاسَةِ ) مِنْ الْمَاءِ يَمْنَةً وَيَسْرَةً وَعُلُوًّا وَسُفْلًا إلَى قَرَارِ النَّهْرِ .
قَالَ الْمُوَفَّقُ : وَمَا انْتَشَرَتْ إلَيْهِ عَادَةٌ أَمَامَهَا وَوَرَاءَهَا ( سِوَى مَا وَرَاءَهَا ) أَيْ النَّجَاسَةِ مِنْ الْمَاءِ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهَا .
( وَ ) سِوَى مَا ( أَمَامَهَا ) لِأَنَّهَا لَمْ تَصِلْ إلَيْهِ ( وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ ) الطَّهُورُ ( الْكَثِيرِ لَمْ يَنْجُسْ ) بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ لِحَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ ( إلَّا بِبَوْلِ آدَمِيٍّ ) وَلَوْ صَغِيرًا ( أَوْ عَذِرَةٍ ) مِنْهُ ( رَطْبَةٍ ) مَائِعَةٍ 22 أَوْ لَا ( أَوْ يَابِسَةٍ ذَابَتْ ) فِيهِ فَيَنْجُسُ بِهِمَا ، دُونَ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ ( عِنْدَ أَكْثَر الْمُتَقَدِّمِينَ ) مِنْ الْأَصْحَابِ ( وَالْمُتَوَسِّطِينَ ) .
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ : كَالْقَاضِي وَالشَّرِيفِ وَابْنِ الْبَنَّاءِ وَابْنِ عَبْدُوسٍ وَغَيْرِهِمْ ، .
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { ۝ لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَهُوَ يَتَنَاوَلُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ ، وَخَاصٌّ بِالْبَوْلِ ، فَحُمِلَ عَلَيْهِ الْغَائِطُ ، لِأَنَّهُ أَسْوَأُ مِنْهُ ، وَقَيَّدَ بِهِ حَدِيثَ الْقُلَّتَيْنِ ( إلَّا أَنْ تَعْظُمَ مَشَقَّةُ نَزْحِهِ ) أَيْ مَا حَصَلَ فِيهِ الْبَوْلُ أَوْ الْعَذِرَةُ عَلَى مَا ذُكِرَ ( كَمَصَانِعِ مَكَّةَ ) وَطُرُقِهَا الَّتِي جُعِلَتْ مَوْرِدًا لِلْحُجَّاجِ يَصْدُرُونَ عَنْهَا وَلَا تَنْفُذُ ، فَلَا تَنْجُسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ قَالَ فِي الشَّرْحِ : لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِ الْبَوْلِ وَالْعَذِرَةِ وَكَثِيرِهِمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا وَمُقَابِلُ قَوْلِ أَكْثَرِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَوَسِّطِينَ : أَنَّ حُكْمَ الْبَوْلِ وَالْعَذِرَةِ حُكْمُ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ ، فَلَا يَنْجُسُ الْكَثِيرُ بِهِمَا إلَّا بِالتَّغَيُّرِ . قَالَ فِي التَّنْقِيحِ : اخْتَارَهُ أَكْثَر الْمُتَأَخِّرِينَ وَهُوَ أَظْهَرُ ا هـ .
قَالَ فِي شَرْحِهِ : لِأَنَّ نَجَاسَةَ بَوْلِ الْآدَمِيِّ لَا تَزِيدُ عَلَى نَجَاسَةِ بَوْلِ الْكَلْبِ ، وَهُوَ لَا يُنَجِّسُ الْقُلَّتَيْنِ وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ لَا بُدَّ مِنْ تَخْصِيصِهِ ، بِدَلِيلِ مَا لَا يُمْكِنُ نَزْحُهُ إجْمَاعًا وَيَكُونُ تَخْصِيصُهُ بِخَبَرِ الْقُلَّتَيْنِ أَوْلَى مِنْ تَخْصِيصِهِ بِالرَّأْيِ وَالتَّحَكُّمِ وَلَوْ تَعَارَضَا يُرَجَّحُ حَدِيثُ الْقُلَّتَيْنِ ، لِمُوَافَقَتِهِ الْقِيَاسَ ( فَ ) عَلَى الْأَوَّلِ ( مَا تَنَجَّسَ ) مِنْ الْمَاءِ ( بِمَا ذُكِرَ ) مِنْ بَوْلِ الْآدَمِيِّ وَعَذِرَتِهِ ( وَلَمْ يَتَغَيَّرْ ) بِهِمَا ( فَتَطْهِيرُهُ بِإِضَافَةِ مَا يَشُقُّ نَزْحُهُ ) إضَافَةً ( بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ ) عُرْفًا بِالصَّبِّ وَإِنْ لَمْ يَتَّصِلْ ، أَوْ إجْرَاءِ سَاقِيَةٍ إلَيْهِ وَنَحْوِهِ ، لِأَنَّ هَذَا الْمُضَافَ يَدْفَعُ تِلْكَ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا يَنْجُسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ لَوْ وَرَدَتْ عَلَيْهِ ، فَأَوْلَى إذَا كَانَ وَارِدًا عَلَيْهَا ، وَمِنْ ضَرُورَةِ الْحُكْمِ بِطَهُورِيَّتِهِ : طَهُورِيَّةُ مَا اخْتَلَطَ بِهِ
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith