المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء الرابع
page 708 · printed p. 232
701 - مَسْأَلَةٌ : وَلَا تُؤْخَذُ زَكَاةٌ مِنْ كَافِرٍ لَا مُضَاعَفَةً وَلَا غَيْرَ مُضَاعَفَةٍ ، لَا مِنْ بَنِي تَغْلِبٍ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ؟ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، كَذَلِكَ إلَّا فِي بَنِي تَغْلِبَ خَاصَّةً ; فَإِنَّهُمْ قَالُوا : تُؤْخَذُ مِنْهُمْ الزَّكَاةُ مُضَاعَفَةً ، وَاحْتَجُّوا بِخَبَرٍ وَاهٍ مُضْطَرِبٍ فِي غَايَةِ الِاضْطِرَابِ ، رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ السَّفَّاحِ بْنِ مَطَرٍ عَنْ دَاوُد بْنِ كُرْدُوسٍ التَّغْلِبِيِّ قَالَ : صَالَحْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ 232 عَنْ بَنِي تَغْلِبَ - بَعْد أَنْ قَطَعُوا الْفُرَاتَ وَأَرَادُوا اللُّحُوقَ بِالرُّومِ - عَلَى أَنْ لَا يَصْبُغُوا صَبِيًّا وَلَا يُكْرَهُوا عَلَى غَيْرِ دِينِهِمْ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِمْ الْعُشْرَ مُضَاعَفًا فِي كُلِّ عِشْرِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ قَالَ دَاوُد بْنُ كُرْدُوسٍ : لَيْسَ لِبَنِي تَغْلِبَ ذِمَّةٌ ، قَدْ صَبَغُوا فِي دِينِهِمْ ؟ وَمِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ السَّفَّاحِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنْ زُرْعَةَ بْنِ النُّعْمَانِ أَوْ النُّعْمَانِ بْنِ زُرْعَةَ : أَنَّهُ كَلَّمَ عُمَرَ فِي بَنِي تَغْلِبَ وَقَالَ لَهُ : إنَّهُمْ عَرَبٌ يَأْنَفُونَ مِنْ الْجِزْيَةِ ، فَلَا تُعِنْ عَدُوَّكَ بِهِمْ ; فَصَالَحَهُمْ عُمَرُ عَلَى أَنْ أُضَعِّفَ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَةَ ، فَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ : أَنْ لَا يَنْصُرُوا أَوْلَادَهُمْ .
قَالَ مُغِيرَةُ فَحُدِّثْتُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : لَئِنْ تَفَرَّغْتُ لِبَنِي تَغْلِبَ لَأُقَتِّلَنَّ مُقَاتِلَتَهُمْ وَلَأَسْبِيَنَّ ذَرَارِيَّهُمْ ; فَقَدْ نَقَضُوا ، وَبَرِئَتْ مِنْهُمْ الذِّمَّةُ حِينَ نَصَرُوا أَوْلَادَهُمْ .
وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ فَقَالَ : فِيهِ عَنْ دَاوُد بْنِ كُرْدُوسٍ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ النُّعْمَانِ ، وَذَكَرَ مِثْلَهُ سَوَاءٌ سَوَاءٌ ، وَذَكَرَ أَنَّهُمْ لَا ذِمَّةَ لَهُمْ الْيَوْمَ .
وَرُوِّينَا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ كَاتِبِ اللَّيْثِ عَنْ اللَّيْثِ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ الزُّهْرِيِّ : لَا نَعْلَمُ فِي مَوَاشِي أَهْلِ الْكِتَابِ صَدَقَةً إلَّا الْجِزْيَةَ غَيْرَ أَنَّ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ - الَّذِينَ جُلُّ أَمْوَالِهِمْ الْمَوَاشِي - تُضَعَّفُ عَلَيْهِمْ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَيْ الصَّدَقَةِ . هَذَا كُلُّ مَا مَوَّهُوا بِهِ ، وَلَوْ كَانَ هَذَا الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَا حَلَّ الْأَخْذُ بِهِ لِانْقِطَاعِهِ وَضَعْفِ رُوَاتِهِ ، فَكَيْفَ وَلَيْسَ هُوَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَكَيْفَ وَقَدْ خَالَفُوا هَذَا الْخَبَرَ نَفْسَهُ وَهَدَمُوا بِهِ أَكْثَرَ أُصُولِهِمْ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ : لَا 233 يُقْبَلُ خَبَرُ الْآحَادِ الثِّقَاتِ الَّتِي لَمْ يُجْمَعْ عَلَيْهَا فِيمَا إذَا كَثُرَتْ بِهِ الْبَلْوَى ، وَهَذَا أَمْرٌ تَكْثُرُ بِهِ الْبَلْوَى ، وَلَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَغَيْرُهُمْ ، فَقَبِلُوا فِيهِ خَبَرًا لَا خَيْرَ فِيهِ ، وَهُمْ قَدْ رَدُّوا بِأَقَلَّ مِنْ هَذَا خَبَرَ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ ، وَيَقُولُونَ : لَا يُقْبَلُ خَبَرُ الْآحَادِ الثِّقَاتِ إذَا كَانَ زَائِدًا عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ أَوْ مُخَالِفًا لَهُ ، وَرَدُّوا بِهَذَا حَدِيثَ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ ، وَكَذَّبُوا مَا هُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْقُرْآنِ ، وَلَا خِلَافَ لِلْقُرْآنِ أَكْثَرُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } فَقَالُوا هُمْ : إلَّا بَنِي تَغْلِبَ فَلَا يُؤَدُّونَ الْجِزْيَةَ ( وَلَا صَغَارَ عَلَيْهِمْ ; بَلْ يُؤَدُّونَ الصَّدَقَةَ مُضَاعَفَةً ; فَخَالَفُوا الْقُرْآنَ ، وَالسُّنَنَ الْمَنْقُولَةَ نَقْلَ الْكَافَّةِ ) بِخَبَرٍ لَا خَيْرَ فِيهِ ، وَقَالُوا : لَا يُقْبَلُ خَبَرُ الْآحَادِ الثِّقَاتِ إذَا خَالَفَ الْأُصُولَ ، وَرَدُّوا بِذَلِكَ خَبَرَ الْقُرْعَةِ فِي الْأَعْبُدِ السِّتَّةِ ، وَخَبَرَ الْمُصَرَّاةِ ، وَكَذَّبُوا مَا هُمَا مُخَالِفَيْنِ لِلْأُصُولِ بَلْ هُمَا أَصْلَانِ مِنْ كِبَارِ الْأُصُولِ ، وَخَالَفُوا هَاهُنَا جَمِيعَ الْأُصُولِ فِي الصَّدَقَاتِ ، وَفِي الْجِزْيَةِ بِخَبَرٍ لَا يُسَاوِي بَعْرَةً ، وَتَعَلَّلُوا بِالِاضْطِرَابِ فِي أَخْبَارِ الثِّقَاتِ ، وَرَدُّوا خَبَرَ { ۝ لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ وَلَا الرَّضْعَتَانِ } وَخَبَرَ { ۝ لَا قَطْعَ إلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا } وَأَخَذُوا هَاهُنَا بِأَسْقَطِ خَبَرٍ وَأَشَدِّهِ اضْطِرَابًا ، لِأَنَّهُ يَقُولُ رِوَايَةً مَرَّةً : عَنْ السَّفَّاحِ بْنِ مَطَرٍ ، وَمَرَّةً : عَنْ السَّفَّاحِ بْنِ الْمُثَنَّى ، وَمَرَّةً عَنْ دَاوُد بْنِ كُرْدُوسٍ أَنَّهُ صَالَحَ عُمَرَ عَنْ بَنِي تَغْلِبَ وَمَرَّةً : عَنْ دَاوُد بْنِ كُرْدُوسٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ ، أَوْ زُرْعَةَ بْنِ النُّعْمَانِ ، أَوْ النُّعْمَانِ بْنِ زُرْعَةَ أَنَّهُ صَالَحَ عُمَرَ ؟ وَمَعَ شِدَّةِ هَذَا الِاضْطِرَابِ الْمُفْرِطِ فَإِنَّ جَمِيعَ هَؤُلَاءِ لَا يَدْرِي أَحَدٌ مَنْ هُمْ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى ؟ وَكَمْ مِنْ قَضِيَّةٍ خَالَفُوا فِيهَا عُمَرَ ، كَكَلَامِهِ مَعَ عُثْمَانَ فِي الْخُطْبَةِ ، وَنَفْيِهِ فِي الزِّنَى وَإِغْرَامِهِ فِي السَّرِقَةِ قَبْلَ الْقَطْعِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ - بِأَصَحِّ طَرِيقٍ - مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ 234 عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ قَالَ : أَمَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ آخُذَ مِنْ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ الْعُشْرَ ، وَمِنْ نَصَارَى أَهْلِ الْكِتَابِ نِصْفَ الْعُشْرِ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَكَمَا لَمْ يُسْقِطْ أَخْذُ نِصْفِ الْعُشْرِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الْجِزْيَةَ عَنْهُمْ فَكَذَلِكَ لَا يُسْقِطُ أَخْذُ الْعُشْرِ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ أَيْضًا الْجِزْيَةَ عَنْهُمْ ، وَهَذَا أَصَحُّ قِيَاسٍ ، لَوْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ الْقِيَاسِ صَحِيحًا ، فَقَدْ خَالَفُوا الْقِيَاسَ أَيْضًا ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ وَثَبَتَ لَكَانُوا قَدْ خَالَفُوهُ ; لِأَنَّ جَمِيعَ مَنْ رَوَوْهُ عَنْهُ - أَوَّلُهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ - يَقُولُونَ كُلُّهُمْ : إنَّ بَنِي تَغْلِبَ قَدْ نَقَضُوا تِلْكَ الذِّمَّةَ ; فَبَطَلَ ذَلِكَ الْحُكْمُ ، وَرَوَوْا ذَلِكَ أَيْضًا - عَنْ عَلِيٍّ ، فَخَالَفُوا : عُمَرَ وَعَلِيًّا ، وَالْخَبَرَ الَّذِي بِهِ احْتَجُّوا وَالْقُرْآنَ وَالسُّنَنَ - فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ كُلِّ كِتَابِيٍّ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهَا ، كَهَجَرَ ، وَالْيَمَنِ ، وَغَيْرِهِمَا - وَفِعْلِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَالْقِيَاسَ ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخِذْلَانِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith